![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد الخامس والعشرون، إبريل 2010 Twenty-Fifth Issue، April 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد الخامس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرم بارسيليلو كانتاي بالموافقة على نشر قصة "واكتوها" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Kantai was so kind to permit the publication of the Arabic text of "You Wreck Her" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Kantai a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"You Wreck Her" by Parselelo Kantai Copyright © 2008 by Parselelo Kantai. Originally published in St. Petersburg Review, 2008. Published by kind permission of Parselelo Kantai. All rights reserved. |
|
واكتوها ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: Apr.-01-2010 |
|
|
عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، قصة "واكتوها" مكتوبة باللغة الإنجليزية غير أن بارسيليلو كانتاي يلعب باللغة كما هي عادة الكُتاب الأفارقة. إذ يدمج في النص كلمتين محوريتين باللغة السواحيلية، اللغة الرسمية لكينيا، وقد احتفظتُ بهما كما هما لأحافظ على الإحساس بالسواحيلية: 'كاريو،' karao، وتعني 'شرطياً' و'مزونجو،' 'mzungu،' وتعني 'رَجلاً أبيض.' كما يستخدم كلمة 'شوكا،' وهي قماش ذو خطوط وألوان إفريقية تقليدية ترتديه الكينيات. كذلك تَلفظ إحدى شخصيات القصة بإنجليزية خاطئة النطق لأن لغتها الأم هي الفرنسية، وعليه استعنتُ أنا الأخرى بلغة عربية مشوهة. عنوان النص 'واكتوها' هو النطق المشوه لكلمة 'وجدتُها'! وهي بديل أشبه بالمعجزة للعنوان الأصلي You Wreck Her، وهو نطق خاطئ لكلمة 'Eureka.' وقد كان من اليسير أن أستعين بكلمة 'وجدتُها' كعنوان للنص لولا إيحاءات فرضتْها عليّ كلمة 'Wreck،' وتعني 'يدمر' أو 'يحطم.' وقد ألفيتُ أن الفعل 'اكتوى' قد يسهم -- ولو بقدر ضئيل -- في تصدير مثل هذا الإيحاء. هالة صلاح الدين حسين |
|
لا تَعلمين إلى أي مدى هويتِ في هذا العالَم إلى أن تري نفْسك تزحفين فوق وجه كاريو في إحدى ليالي الجمعة. تُرَيِّلين على وشك التقيؤ فوق زبونك، تتجاهلين طعماً تخلف من الواقي الذكري، طعماً بلَغ منخريك من مؤخرة حلْقك، مثل قهوة جورت وهي تبقبق في الماكينة صبيحة يوم الأحد منذ زمن طويل. ترسلين زَبَداً وتُدلكين. يرتفع رأسك وينخفض كقطعة من الصابون في حوض استحمام. تشعرين بأنه يقترب. ثمة أصوات نائية لا ينقصها الصخب، أبعد من صرير المطاط الصارخ في أذنيك، وزبونك يتحسسك بأصابع مرتبكة كمن فقد شيئاً مهماً في عانتك. يعثر على ثدييك. يتشبث بك شأن حرامي حقائب في شارع موا. يتضخم في فمك ثم يرتجف، يرتخي في فمك، يؤلمك فكاك وتتناهى إليك نقرة على النافذة. وهناك، تبصرين نفْسك على وجه شرطي بزيه الرسمي. يعلن قرص الساعة في لوحة القيادة بالسيارة 'لاند روفر ديسكفري' أنها 2:35 ص. موقف السيارات خالٍ، عدا الخردة وحطام المركبات الحكومية القديمة – الشاحنات المستقرة على الحجارة لأن أحداً لم يستطع أن يجد قطعة غيار لمولد التيار. هياكل رمادية لسيارات ماركة 'لاند روفر' تنمو داخلها شجيرات الكركديه والجهنمية لأنها لم تتزحزح منذ محاولة الانقلاب عام 1982. يوجد مركز الشرطة الرئيسي في شارع هاري ثوكو، يعج الآن بفتيات الشوارع من عينتك، فتيات قبضوا عليهن الليلة لسوء حظهن. سوف يَفعلن ما فعلتِه لتوك و يُقَدمن رشوة إلى الشرطي. يقع على الجانب المقابل من الطريق فندق نورفوك، هناك كنتِ ترافقين المزونجو منذ دقائق، هناك التقت أعينكما في شرفة حانة ديلامير. اعتاد المزونجوون في الأيام الخوالي إطلاق الرصاص من شرفة ديلامير على الأفارقة العابرين التماساً للتسلية. الآن تمصين قضبانهم مقابل خمسمائة شلن في نصف الساعة. أقبلتْ ثمار الاستقلال بطرق غريبة. هذا هو موقف سيارات الدعارة. يحرسه رجال الشرطة.
يتكشف وجه الكاريو في العتمة ككشك هاتف ينبت منه شارب. يتلألأ كالمنغمس لتوه في الزيت. ينعكس النور على وجهه الأسمر، قبعته منخفضة انخفاضاً حتى إنك تجفلين عند رؤية بياض عينيه. يرتدي واحداً من تلك المعاطف الخضراء الزاهية ويسلط عليك عينيه فيدفعك إلى ستر ثدييك بيديك. يُنزل المزونجو النافذة قليلاً. كان قد أشعل المذياع. يدوي بأخبار حرب دائرة في مكان اسمه يستعصي على النطق. أسَرَّ إليك المزونجو أنه يروقه الإنصات إلى محطة بي بي سي "أثنائها." نطق بها مصحوبة بابتسامة تنم عن خجل. شابه صوته صوت صبي، وجهه بأسنان أرنب وأنف كما المنقار وحاجبين كثين فوق عينين تعلمتا في مكان ما منذ أمد بعيد أن خير طريقة للنظر إلى رجل مباشرة هي التحديق بعينين نصف مغمضتين. كان وجهه وجه رجل ينتمي إلى هذا العالَم. أخبار العالَم تستثير شهوته. "آسف جداً يا حضرة الشرطي. انفعلنا قليلاً للأسف." صوْت المزونجو مستورد من إنجلترا، صوت مرتعش حقيق بمن يحتسي شراباً للسعال من الفحم، شِبه ضحكة لا تختلف عن الصفير. تريدين أن تقهقهي. بنطاله حول كاحليه، قميصه عند منتصف بطنه. لا يزال يَلبس سترته وربطة عنقه، ويقول "انفعلنا قليلاً" وكأنما يَحضر اجتماعاً احتدم قليلاً في غرفة مجلس الإدارة. يتلمس في الظلام بحثاً عن شيء في جيبيّ بنطاله. وفي الظلمة تميزين محفظته. يختار ورقتين نقديتين ويمررهما عبر شق النافذة بدون أن ينظر. ليس مستعداً للطلق الناري. تخترق الرصاصة نافذة السائق ثم تخترق نافذتك. يصك أذنيك الطلق الناري من جانب واحد وأزيز الرصاص وشرارة المعدن على الحافة الصدئة لسيارة ماركة 'نيسان أورفان' واقفة بالقرب منك. تَجلسين في لحظة من اللحظات خلف نوافذ ملونة آمنة، وفي طَرفة عين يغشاك الزجاج. يخامرك الارتياح حين تجدين أن أذى لم يَمسك. لستِ متأكدة إن كان الصوت بصرخته الجشاء هو صوتك يقول: اخرس، اخرس، ولكن بمقدورك تمييز صوت 'شراب الفحم،' صوت رجل لا يسمع عن العنف إلا عبر المذياع، رجل يصيح، ما هذا الخراء؟ ما هذا الخراء؟ بإنجليزية خليفة بإنجليزية الجامعات. خطأ أن تجادل رجلاً يَحمل مسدساً. خطأ أن تستمتع إلى بقبقة أمعائك الصغيرة وانقباضها، فالذعر المتصاعد في حلْقك يرغمك على أن تلفظ بدون تفكير، هل تَعرف من أنا؟ هل تَعرف من أنا؟ لا تَقدر على لمسي. خطأ أن تجذب جوار سفرك من سترتك لتَرفعه عالياً وكأنه سلاحاً، أن تظل تكرر، هل تَعرف ما هذا؟ وكأن قطعة ورق بإمكانها أن تحميك وتدافع عنك في مثل ذلك الوقت، أن تعيد قائلاً، "ح-ص-ا-ن-ة د-ب-ل-و-م-ا-س-ي-ة" وكأنك مدرس واقف في فصل بإحدى القرى والأطفال يريدون أن يشاركوك تلك الكلمات مشاركتهم للكُلْية المشوية والعصيدة يوم الأحد الموافق لعيد الفصح. خطأ ألا يتمكن البِيض الجهلاء في أفريقيا من أن يسمعوا في الكثير من المواقف. "كم تَبلغ من العمر يا سيدي؟" يسأل الكاريو وكأن كل ما يهمه هو أن يحيط علماً بالسن. تستند ماسورة مسدسه إلى رأس المزونجو. تضم يد الكاريو الأخرى مشعلاً. نصف رأسه مقحَم داخل السيارة، قريب قرباً يسمح لك وللمزونجو باستنشاق رائحة نفَسه، دخان سيجارة دخَّنها منذ دقائق. تجدين نفْسك مُحَدقة إلى شارب الكاريو، وضوء المشعل يكاد يعميك. وهكذا تَحْوَل عيناك من فرط التحديق وتَلفين نفْسك عائدة إلى منزل أبيك. يتخذ مجلسه فوق كرسيه القديم، يخلع حذاءيه، وأنتِ فتاة صغيرة تقفين حياله ومعك عشاؤه، منتظرة والسكون يلفك، متسائلة إن كان الطعام يَعْلَق أحياناً بشاربه. ينصرف الضوء عن وجهك وتَقوين أخيراً على إطلاق زَفرة. تجدين نفْسك مرتحلة مع ضوء يَهبط أسفل وجهك، على ثديك ومعدتك، صفراوان اصفراراً تخيم عليهما البقع ولا يَسلمان من الانتفاخ حتى إنك تشعرين أنهما ثدي ومعدة شخص آخر. يدور الضوء فوق أرْبيتك، يَلعق فخذيك. يَثبت هنيهة على لباسك الرفيع الراقد على الأرضية بجوار مجموعة من المناديل وغلاف ممزَق كان يحوي الواقي. يتحرك فوق المقاعد الجلدية، جهاز الموسيقي، لوحة القيادة بلوحها الخشبي. تلتقط عيناك قُرطك على جراب عصا القيادة، قُرط ابتعتِه من سوق ماساي في ذلك الثلاثاء عندما ذهبتِ لتبتاعي حياتك الجديدة بصحبة جورت. طلَبتْ صاحبة الكشك 800 شلن ثمناً له، وقد خفَضتِ السعر إلى 400 وإلا ستمضين برفقة السائح المزونجو إلى كشك آخر، تولتكِ وقتذاك ثقة ما بعدها ثقة. والآن يقع قُرطك في جراب عصا التعشيق وقوعه في فخ. يَبرز الجراب منتفخاً ليَحملك على التفكير في أفريقيات يثقبن شفاههن السفلية عند البلوغ ليضعن داخلها أقراصاً من الصلصال ونسوة تصورهن كتب عن الجمال الأفريقي على مائدة القهوة الخاصة بجورت. "كم تَبلغ من العمر يا سيدي؟" "لا شأن لك بعمري. إنني أتمتع بحصانة دبلوماسية!" ارتحلتِ مع ضوء المشعل إلى قضيب المزونجو. متفرجة تحدج ما خلفته حادثة حافلة من حطام. تم إخلاء مسرح الحادثة. يَرقد القضيب تعوزه الحياة تحت جبل بطنه. ترصدين الواقي وهو ينزلق عنه. يَسقط صامتاً بين ساقيّ المزونجو. تلاحظين دون أن تند عنك حركة مدى بياض ساقيه، شأن صورة تَظهر على صفحة الأشعة السينية. بل إن الكاريو لا يُحول ضوء المشعل عندما يبدأ الواقي ينز، عندما يبدأ سائل يَقطر ببطء نحو ردفيّ المزونجو. كل ما يرد إلى أذنيك هو صمت يحل على المزونجو. وبعدها يأتيك صوت سائل آخر حين تسمعين تَكَّة المسدس ويَشرع المزونجو في هذره من جديد. "كم-تَبلغ-من-العمر-يا-سيدي؟" يشدد الكاريو على كل كلمة. "عُمري... خمس وأربعون سنة." يتراجع لِصْق الجِلد ويُجري يداً عبر خصلات شعره. يمتنع ضوء المشعل عن الحركة. "كم عمرك؟" يخاطبك. "في السادسة عشرة،" تجيبين إجابة آلية. يصوب ضوء المشعل إلى وجهك مجدداً. وللمرة الأولى تفر منه ضحكة، صوت جاف لاهث. "سيتوليسا تينا." تبدو لغته السواحيلية مصنوعة في قريتك غير أنها لا تداري ما ساورها من تهديد. "لن أسألك ثانية." يسدد إليك المزونجو نظرة سريعة تنبئ بفضوله. كان يفضي إليك من قبل في شرفة حانة ديلامير بما يحلو له فعله بالفتيات الصغيرات. رددتِ بأنك تقبضين ألفين شلن في الساعة، 5000 في الليلة. زايل الحب عينيه ليصرح بأنه لن يدفع أكثر من 500 في مقابل فتاة مثلك. وافقتِ قائلة إنك تَعرفين مكاناً مناسباً. "إشيريني نا سيتا،" تنبسين على غير توقع. تصطك أسنانك. تخالينه من تأثير البرد المتسرب من النوافذ. تَبلغين 26 من العمر، تجاوزتِ تاريخ "البيع" على حد قول جورت. علت ضحكتك معه. چو پونس كيل فو كو تو أي. حسبتِها مزحة عيد الميلاد. كان أي كاريو آخر ليغادر بحلول هذه اللحظة، أغني بألف شلن، ألفين إن استعان بمعسول الحديث. كان ليَشخص ببصره إلى المشهد ثم ينقر النافذة برفق ويمد يداً. كان الرجل الجالس في السيارة ببنطال حول كاحليه ليضحك ضحكاً شبيهاً بالسعال. سوف تختار أصابعه بعض النقود ويمررها عبر النافذة نصف المفتوحة. سوف يبتعد الكاريو وهو يومئ إيماءات كلها حيوية وعيناه توافقان ابتسامة عريضة غبية لاحت خاطفة على فمه كفرد من أفراد فرقة جامبوأفريقا بأحد الفنادق السياحية. غير أن هذا الكاريو رمقك بنظرات غريبة! ولم يدر أنك رأيتِه يراقبك وأنت تمصين المزونجو. انطبعت على وجهه نظرة حشرة خبأت نفسها تحت جلده وراحت تزحف على وجهه، وأنتِ – لا المزونجو بقضيب في حجم لدغة البرغوث – أنتِ كنتِ تلك الحشرة. لذا تَعلمين أن أحداً سيموت. "عندما تَخرج يا سيدي من سجن كاميتي، سوف تكون في الستين." بوسعك أن تحسي بقرقرة الفزع تتعالى من المزونجو. "لا ينال المتحرشون بالأطفال حصانة دبلوماسية في كينيا." ومع ذلك لم يفضح الكاريو سرك. عدتِ في السادسة عشرة مرة أخرى.
إنك في السادسة عشرة، خارجة في شوارع البلدة. ليلة الجمعة في شارع كونانجي وسط مدينة نيروبي، وكل ما يسعك رؤيته هو أنوار حمراء تنبعث من سيارات تطوي الطريق بنوافذ ملونة دون أن يَصدر عنها صوت. بغايا يلبسن تنورات في قِصَر الأوشحة، نعائم على كعوب عالية تقعقع خلف الأنوار الحمراء – الأنوار الخلفية، أنوار الفرامل. يذهبن ويجئن في الشارع ويتردد في الظلام صدى ندائهن "حَبوبي! حَبوبي!" إلى أن يدب فيه الملل وتغطي عليه أصوات عصافير أخرى. كنتِ هنا بين النعائم مدة أسبوعين، ربما أقل، وفي كل ليلة تتعلمين ألا جديد تحت الشمس. يضحكن ضحكات منفرة وينفخن الدخان في وجهك حين تطرقين حديث الطفولة الضائعة المؤلمة، اضطلاعك بدور أمك بعد وفاتها، تغسلين وتنظفين وتنهضين بمسؤولية المنزل في النهار وتنهضين بثقل أبيك بين رجليك في الليل لأنه أنهى إليك أنك كبيرة الآن بما يكفي لحمل عَلَم الأُسرة. ينصحنك أن توفري على نفسك الكلام؛ فالكل لديه نسخة من تلك القصة. بمقدورك أن تبيعيها مقابل 500 شلن إضافية لرجل تعس في موقف الدعارة. يقلن إنك – دوناً عن غيرك – في حاجة إلى كل زيادة بسيطة يمكنك الحصول عليها لأنك طويلة زيادة عن اللازم، نحيلة زيادة عن اللازم، داكنة زيادة عن اللازم، لا فرصة لديك مطلقاً أمام طابور طويل من النعائم قصيرات القامة ريانات الجسد بنيات اللون. ينصحنك أن تنقعي نفسك في المُطَهِّر ماركة جيك وتستخدمي كريم آمبي أو كريم أويل أوف أوليه أو تلك الأقراص الصغيرة المستوردة من الصين التي تروق فتيات الكونغو، فبعد انقضاء أسبوعين سوف يسألك الرجال إن كان أبوك سائحاً ألمانياً. يطلقن عليك اسم طائر اللَّقْلاق لأنك – حسبما قلن – طويلة ونحيلة وداكنة. يعلن أن كل ما يسعك توقعه من الشارع هو الزبالة مثلك مثل اللَّقْلاق. كلام صحيح. فالحظ لا يحالفك إلا مع انتهاء الليلة لمَّا ترحل الفتيات الجميلات مع رجال يقودون سيارات لا صوت لها وتَهبط الأسعار. تصبحين متخصصة في تعساء ذوي لحى شعثاء وسيارات يرتفع منها الصرير وتفيح منها رائحة جوارب نوم متسخة بالعرق وسجائر لم يُدخنوا إلا نصفها. تقيمين نهاراً في حُجر حقير متفرع من طريق كيرينياجا وسط اللاجئين والخارجين عن القانون – أبناء الكونغو ورواندا وغيرهم؛ بعض مواطنات بنين ممن يَعجزن منتهى العجز عن تقديم تفسير شافٍ لكيفية – وسبب – قطعهن نصف القارة كي يعشن في بطالة ويُضفرن شعور بعضهن بعضاً ويطبخن موزاً مسحوقاً بدقيق نبات المنيهوت لعمل ثلاث صلصات حِرِّيفة مختلفة. لكنك معجبة بهن، هؤلاء المتحدثات عن مدينة بروكسل وكأنها قريتهن. وحينما تسأليهن عمن زارتها من قبل، تلتوي أفواههن وتلتف حداق أعينهن ثم يَشِحن بوجوههن عنك. يُجِبن بأفواه متدلية وأرساغ رخوة وراحات تطرح سؤالاً، إنك فتاة كينية، لا تفقهين أي شيء. يطلعنك على مبلغ من المال عليك توفيره لشراء الأقراص الصينية فيضمر صدرك يأساً. إلا أن لغة اللينجالا موسيقي في أذنيك. سلسلة لا نهائية من أصوات المغنيين فرانكو وكوفي أولومايد ووينج موسيكا تتدفق من أجهزة تسجيل صغيرة في كل ساعة من ساعات النهار والليل. ترغبين في معرفة معنى كلمة "بولينجو" أو عبارة "موتيما نا نجاي." عندما يَجلس الجميع بعد الغذاء دون فعل شيء على سلالم تتصدر مدخل المبنى – لا يتجاذبون أطراف حديث مُعَين لأنهم في الواقع يستمعون إلى الموسيقى وينتظرون الليل – تتعلمين كيف تحركين خصرك وعضلات فخذك الباطني وكتفاك ساكنان تماماً، وعندها يشي وجهك بالفزع مما تفعله مؤخرتك. يُغرق الكل في ضحك لا كابت له حتى تدمع أعينهم قائلين "يا لَقْلاق، أيتها الفتاة الكينية، كُفي، كُفي، سِل ڤو بليه! سنَموت من الضحك! إنك لا تفقهين أي شيء، أي شيء على الإطلاق!" تحاولين القبض على لغة فرنسية تطفو عبر ممرات المبنى معتمة الإضاءة ضيقة الأركان، تنتزعين النهايات الأخيرة لجُمل ترتد عن حاجز من الخشب الرقيق يَفصل منامك عن منام الآخرين. تتعلمينها كما يتعلم الناس الأغاني من أجهزة المذياع الدائرة في الغرف العلوية. چو پونس كيل فو كو تو أي. وستسمعين دائماً تلك الكلمات وتبصرين رجالاً يغادرون، يدسون القمصان في البناطيل ويُثَبتون أبازيم الحُزُم في الممر على حين تقف بجوار أحد الأبواب امرأة مخيفة من الكونغو، تقحم تحت إبطيها رداء مزيناً بالزهور وترين عليها علامات الاستعداد للحرب لو تجرأ وأراها وجهه هنا مرة أخرى. "معناها، لا بد أن تغور في داهية،" تَنقل إحداهن إليك ذات يوم بعد أن ترامت إليك مليون مرة، ولا تكترثين إن لاحت عليك علامات الغباء إن سألتِ. ثم تلتقين بجورت. أمرتكِ ستوب – صديقة من رواندا في نفس طولك تقريباً، صفراء كما المانجو في أوانها – بالإحجام عن العمل، سوف نحتفل الليلة مثلنا مثل الناس العاديين. كاشفتك بأنها معجبة بك لأنك لم تضحكي لمَّا أخبرتكِ بحكاية اسمها. تسرد الحكاية وكأنها لا تزال غاضبة من المسألة برمتها. تروي أنها الطفلة الثامنة في أُسرتها، وحين كانت أمها في المخاض تلدها، زعقتْ بكلمة "ستوب!" 'كفاية' بالإنجليزية، زعقتْ بها بصوت عال علواً حتى إن زوجها سمِعها من حانة القرية على بعد كيلومتر. لا بد أن ستوب سمِعتها أيضاً لأنها استغرقت يوماً ونصف يوم حتى شقت سبيلها في قناة الولادة. وعندها فقط فطِن أبوها الذي لم يفهم الإنجليزية وأمها التي لم تتكلم هي الأخرى اللغة ولا تنفك متحيرة مِن أين أتت بالكلمة، عندها فقط فطِنا أن هذه ستكون طفلتهما الأخيرة. ارتديتِ بنطالاً من الجينز وقميصاً قطنياً وقبعة بيسبول عليها شعار فريق نيكس بنيويورك، قبعة اشتريتِها من الشارع بـ 50 شلناً. إنك في الملهى المسمى 'مستشفى المجانين' في شارع كونانجي برفقة كل النعائم، نعائم ترقين درجة من مطاردة أنوار الشارع الحمراء. قيل لك – لكنك لم تشهدي النقلة أبداً – إن هذا العمل سُلَّم. ترغب كل نعائم الشارع في تسلق السُلَّم إلى 'مستشفى المجانين' فيما ترغب النعائم الموجودة بالفعل في الطابق العلوي في أن تَدخلن راقصات إلى حياة مزونجو لأن للمزونجو أجنحة سوف تَحملك فوق التلال بعيداً إلى أوروبا. تقف ستوب عند طاولة الحانة لتبتاع جرعة أخرى من الجعة الذهبية الباردة وعلبة ثانية من سجائر 'سويت منثولز' لأنك تعتادين تدخين الكثير من السجائر مع الخمر. تَجلسين وحدك إلى المائدة، تركزين كل انتباهك في نعامتين تَقومان في منتصف أرضية الرقص ولساناهما يتلامسان حتى إنك لا تشعرين بأن رجلاً يحملق إليك. لا تستردين إحساسك بنفسك وتشاهدينه إلا عندما تنصرف النعامتان عن قُبلتهما وتشرعان في مراقبتك. يضع قطعة من القماش على عينه اليسرى ويعتمد على عكاز. يرتدي سترة خضراء خضرة الآجام وقميصاً أسود وبنطالاً لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون أرجوانياً؛ لا بد أنها أنوار الملهى. تبصرين شعره يتمايل ثقيلاً فوق أذنيه، ولو لم يسُود قسماته التصميم والغضب، لتراءى عظيم الشبه بواحد من أولئك الكلاب الصغيرة الحلوة في المجلات الأجنبية. لا يفوتك كذلك أنه نعِم بالشباب منذ دهر طويل. هكذا تم اكتشافك. لم يَخطر ببالك إلا بعد سنوات تالية أن ستوب لم ترجع قط من الطاولة ومعها الجعة الذهبية والسجائر، لكنكِ قد تحولت آنذاك إلى شخص مختلف، يحيق بك كاميرات ساطعة الإضاءة وصحفيو الموضة في نيويورك ولندن وباريس وميلان. ما تستدعيه ذاكرتك من تلك الليلة بجلاء وكأنها البارحة هو هتاف جورت مراراً وتكراراً، "واكتوها! واكتوها!" انقلبتِ بين عشية وضحاها شخصاً جديداً. اتخذ جورت الترتيبات اللازمة حتى تَحصلي على ثياب جديدة وهوية جديدة. ما أيد لبس قبعة البيسبول ولا الجينز ولا القميص القطني. قال إنك ينبغي أن تَظهري بمظهر الإفريقية. وعليه مضيتِ معه إلى سوق ماساي في أصيل أحد أيام الثلاثاء وابتعتِ ما وسعك حمله من حِلى ولفع وأوشحة حمراء وزرقاء، شوكات أذاعت شهرتك بين الناس. عندما كنتِ في منزله بعزبة روندا، تفاخر بأن أحد جيرانه وزير وآخر سفير أوروبي. انتابتك الدهشة حين استل سكينة الأدغال وطفق يمزق الشوكات، فما جدوى شراء حاجات جديدة ثم إتلافها. ما داخَلتك أي سعادة عندما أمرك بالتعري الكامل وارتداء الشوكات الممزقة، أو عندما ناولك بندقية قديمة يعلوها الصدأ وأمرك بالوقوف أسفل شجرة متاخمة لسيارة مرسيدس عتيقة حل محل إطاراتها صخور كي يتسنى له التقاط سلسلة لا نهائية من الصور. لذا تبدين في تلك الصور المبكرة بمجلات الموضة وكأن أمك قد فارقت لتوها الحياة داخل بلد مزقته الحرب. انتابتك الدهشة عندما ناداكِ جورت بفتاتي السودانية وهو على شفا أزمته أول مرة مارستا فيها الغرام. أجبتِ بأنك لست سودانية لكنه أخبرك ألا تقلقي، فالناس باستطاعتهم أن يصيروا ما يشاءون. باح إليك بأن السودان "ساخنة" في الوقت الحالي، وإن أحسنتِ التصرف يمْكنك أن تصبحي نسخة جديدة من آليك فيك. بدرتْ منه ضحكة عندما سألتِ ما هو آليك ويك. "ليس 'هو' يا عزيزتي، 'هي.' آليك فيك عارضة أزياء أفريقية شهيرة جداً في أوروبا وأمريكا. إنك في مثل جمالها." ثم قبَّلك برقة متناهية، وفي نفس اللحظة وعيت أن قلبك ينطوي على الحب للمرة الأولى، قبَّلك على جبهتك وأبلغك: "يمْكنك أن تصبحي هي." أنبأك جورت أنه كان في الماضي جندياً مرتزقاً. "التقطتُ صوراً لحرب الكونغو وحرب السودان بل والإبادة الجماعية في رواندا. وبعد أن ألتقط الصور، أبيعها لمن يدفع أكثر. هناك مجلات أوروبية كثيرة تريد مثل تلك النوعية من الصور. أنا – كيف تقولينها – جندي مرتزقة." كان قد جمَّع الأسلحة العتيقة من كل تلك الأماكن ووضعها في خزانة قائمة في حجرة المعيشة. "لكنه شُغل قبيح، قبيح جداً. دماء كثيرة. الأفريقي يذبح الأفريقي الآخر. مثل، مثل ليز آنيمو*، مثل الحيوان. والتقاط هذه الصور ينشر الحزن، القبح في العالم. لذا عدتُ إلى بيتي في بروكسيل لأفكر فيما سأفعله. لكني أحب أفريقا. إنها في الدم. لذا يجب أن أَرجع." وفي ليلة أخرى تالية عندما أرهق كل منكما الآخر في فراشه وجعَل هو يُدخن سيجارة الانتصار، روى لك كيف اكتشف رسالة حياته عقب حادثة دراجة بخارية في شوارع بروكسل، كيف غيَّر من نفسه وجلب الجَمال إلى العالَم. "عندما أستلقي في المستشفى بدون الرِجل، بدون العين، أقول لنفسي إن حادثة دراجة بخارية في بروكسيل لا دراما فيها، فكيف آتي لنفسي بالدراما. لذا أفكر أني لو قلت إني دست لغماً في شرق الكونغو، ها هي الدراما إذن. وأفكر ثانية أني يجب أن أرجع الآن إلى أفريقيا لأبحث عن الجَمال الأفريقي. سهلٌ جداً وضع الدراما في الجَمال، فلا وجود للدراما في أوروبا. لا شيء إلا هَبَّة دخان!" ثم رسَم على وجهه ذلك التعبير المعقَّد الخليق بوجوه الخارجين عن القانون في طريق كيرينياجا، إذ التفت حدقتا عينيه وانتفخت وجنتاه. "وهكذا أعود، ولمدة ثلاثة أشهر، رين*، لا شيء. أَخرج كل ليلة فأجد الفتيات يُشْبهن – كيف تقولينها – النعائم. أرجلهن هزيلة، هزيلة جداً. يَلبسن كعوباً عالية ويضعن أحمر الشفاه وتتلون بشرتهن بالأصفر لا الأسمر كالأفريقيات الحقيقيات. لسن مثلك." ثم لثَمك على جبهتك وتفرس محباً في عينيك. "لذا لمَّا وقَعتْ عيناي عليك ليلتها في الملهى، قلتُ لنفسي، 'واكتوها!' مى وي*. لقيتُها." اعترى جورت الانزعاج مما عرفتِه عن بروكسل من الآخرين. انزعج حين تكلمتِ عن السوق في منطقة 'ماتونجيه' – أصر أن اسمها 'إكسِل' – بروائح السمك المقلي ونبات المنيهوت المشوي المتطايرة منه وموسيقى الكونغو المنسابة في الهواء، حين تكلمتِ عن 'لو مانيكِا-بِس،' فتى صغير مضحك يبول علناً بالقرب من ميدان 'لو جغو بلاس.' حذَّرك أن تأتي على ذكر تلك الأشياء، ينبغي أن تتذكري أنك طفلة جندية من السودان اكتشفتُها ترتاح أسفل شجرة في إقليم 'يي' على كثب من الحدود دون أن تأكل منذ ثلاثة أيام. قال إنك لا بد أن تتذكري تلك التفاصيل، وألا تنسي أيضاً أن أمك اغتصبها الجنود وحمَلتْ بك ولكنها ماتت أثناء المخاض من جراء وابل من الرصاص. أنهى إليك أن الدراما هي التي ستجعل العالَم يحبك، مثل تلك المخلوقة الحسناء التي تم إنقاذها من مثل ذلك القبح. تستحضرين ما قام في خاطرك عندما كنتِ في الطائرة ذاهبة إلى أوروبا: لقد أصابت النعائم لمَّا قلن إن للمزونجو أجنحة. تتذكرين رؤية صورتك على غلاف إحدى المجلات في أوروبا، تَحملين بندقية صدئة وتَلبسين شوكاً بالياً من سوق ماساي. تتذكرين قول جورت إن تلك تذكرة طيرانك إلى النجاح. استولى عليك الاندهاش لأن كل هؤلاء المزونجوين كانوا يُخرجون مناديل من القماش وأخرى من الورق كلما كررتِ قصتك، قصة الطفلة الجندية. وفي وقت لاحق حين انشغلتِ كل الانشغال وتردد اسم اللَّقْلاق على كل لسان وانكتب على جوانب الحافلات وأغلفة المجلات، قلتِ لجورت إنه يتحلى بطيبة لا حد لها لشرائه كل هذه الملابس الأنيقة ودفعه الإيجار وأخذك حيثما تريدين، ولكن هل بمقدوره أن يَدفع أيضاً لتحسين لغتك الإنجليزية من أجل أيام ستصحين فيها بلندن، وربما لغتك الفرنسية من أجل أيام ستقيمين فيها بباريس في أحد عروض الأزياء. ردَّ بأنكما ستبددان ما وقعتما عليه من كنز إن أقدمتما على تلك الفعلة، وسوف تَضيع تذكرة طائرتك إلى النجاح إن رحتِ تتحدثين كأستاذة في الجامعة. فقد أحبك العالَم صامتة يغلفك الحزن بجَمالك الأفريقي. ولا زلتِ لا تدرين لِم استيقظ العالَم ذات صباح وأمسك عن حبك. كل ما تقفين عليه أن أحداً لم يعد يتصل بجورت كي تستقلا المترو متجهين إلى جلسة تصوير. غابت صورتك عن جوانب الحافلات. غدوتِ بدلاً من هذا طالبة في سوق منطقة 'ماتونجيه.' كنتِ تتعلمين الاقتصاد والتاريخ والرياضيات – إلى أي مدى يمكنك السقوط حين تنخرط بلدك في الحرب – من مواطني رواندا والكونغو وكل أولئك الأساتذة الآخرين المتنكرين بأزياء باعة ملابس مستعملة وتجار أسماك وبائعات. شعرتِ وكأنك عدت إلى طريق كيرينياجا. لذا يُمْكنك أن تقولي أنك كنت على الأقل سعيدة سعادتك أيام الحُجر. اختفى جورت بعد ذاك عن الأنظار. حين آب من غيبته عقب كل تلك الأسابيع العسيرة، بعد أن كدتِ تيأسين من حب حياتك، كان يهتف، "واكتوها!" بصحبته فتاة في مثل اصفرار ستوب، ترسم على محياها ابتسامة وتتعلق بذراعه وكأنها نسخة صفراء منك عند قدومك لأول مرة. أخبرك جورت أن السودان لم تعد ساخنة. مَحَلُ "الدراما" الآن هو أنجولا. ثم خاطبك وكأنك رجل يُثَبت إبزيم حزامه في أحد ممرات طريق كيرينياجا. قال لك، چو پونس كيل فو كو تو أي. يومها عرَفتِ أنك في حاجة إلى أن تمسي شخصاً جديداً مرة أخرى. كانت بائعات السوق في منطقة 'ماتونجيه' خير مُعِين. أعطينك الأقراص الصينية على الحساب. قلن إنك ستستحيلين الآن إلى جَمال أفريقي حقيقي. يقال إنك لو تمنيت أمنية بكل جوارحك، ينبغي أن يداخلك أيضاً القلق على كيفية تلقيها. لذا عندما كنتِ تسكنين مبنى لا يوصف في 'ماتونجيه' مع نسوة الكونغو واشتد بك المرض حتى إنك خلتِ أن الموت سيدركك، كانوا من الطيبة أن جمعوا المال لشراء تذكرة طيران لتعودي إلى كينيا. تَعلمين يقيناً أن هذا سبب عودتك إلى موقف الدعارة بعد كل تلك السنوات، نعامة رَبِلة الجسم صفراء الوجه ما ألِفت بشرتها مواد التبييض، مع مزونجو يزعق بحصانته الدبلوماسية. تريدين أن تأمريه بأن يَخرس، تريدين أن تقولي إن لو بمقدوره أن يَخرس لن يخسر إلا ما يضعه من قناع. تحاولين أن تنهي إليه أن الحياة حفلة تنكرية وأن حروباً تنشب في كل مكان. ولكن أبى المزونجو أن يَسكت. ولا يزال رفيق – شريكك الجديد في تجريد الناس مما معهم لأن لا شيء على الإطلاق يُمنح مجاناً – يرشقك بذلك التعبير الغريب عندما ينطلق المسدس فيَنزل الصمت بالعالَم.
|