مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد السابع والثلاثون، يناير 2013        Thirty-seventh issue, January 2013

 

 

تكرم تريستِن هيوز بالموافقة على نشر قصة "إنيس" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Hughes was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Ynys" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Hughes a great debt of gratitude for his kind permission.

Ynys” by Tristan Hughes. Copyright © 2003 by Tristan Hughes. From his book The Tower © 2003 Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

إنيس

تريستِن هيوز

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يناير-2013

 

 

 

 

المجموعة القصصية  البرج (2004)

 

 

 

 

لمَحتُها، فبدت لمحتي أقرب إلى المعجزة، قطعة جذابة من العناية الإلهية. ولكني لم آل جهداً في الأسابيع القليلة الماضية كيلا أبالغ في الانفعال بما حولي، وعليه رنوت إليها بعين الاتزان وإن أحسست في باطني بتلك الرَفعة أسفل عظم الصدر وكأن معدتك انضخت بالهليوم، واستطعت أن أشعر بنداوة نبعتْ من مكان ما خلف عينيّ. حدَّثتُ نفسي، ما هي إلا مجرد لوحة، حاولتُ أن أنظم نبضاتي وضربات قلبي، أتنفس بحرص، مجرد لوحة، ولوحة عادية بعض الشيء أيضاً. ولكن العين لم تخطئها. ارتسمتْ الخطوط السوداء جليَّة عرَضيَّة أمام خلفية بيضاء لتُكون في البداية تلاً – منه نمَت أشجار الزعرور البري وحزم من نبات الرَتَّم مرسومة على عجل بقلم فحمي – ثم تعالت في عناد إلى مركز البياض لتتجمع معاً هناك وتُشكل حدود أحجار مكسورة، جدران منسية. بل إنني لم أدلف إلى صالة العرض، لم أسدد طرفي إلى اسم الرسام أو اسم اللوحة. كل ما احتجْت معرفته عرَفتُه فوراً، في أول لحظة وقَعتْ عليها عيناي عبر النافذة. ما لبثتُ أن وهبتها لوناً، أسبغتُ عليها صبغة الربيع لأجعل زهرة الرَتَّم صفراء والتل يُزْهر مخضراً، نشَرتُ لوناً أزرق حيث ينبغي أن يترامى البحر وخضرة داكنة نائية عند مأوى نسور كان ليَلوح في الأفق لولا لم يرسمه الرسام. أضفيتُ على الأحجار بنية وتركيبة، طبقة فوق طبقة من الكِلْس المتقشر، لُطَخاً من نباتات الأُشْنَة الإسفنجية، رُقعاً من لون رمادي متفتت. وبعدها حمَلتُ الصورة المرمَّمة معي طيلة اليوم ليسودني إحساس بأنها أطول فترة أكْنَنْت فيها شيئاً منذ دهر.

   رأيت ليلتها حلماً عن الجزر. لا جزيرة بعينها، لا جزيرتي تحديداً، وإنما أرخبيلات مبعثرة لا نهاية لها؛ حوى بعضها حيوداً رملية ومرجانية بينما ضم بعضها أجرافاً عمودية وأمواجاً هائلة متكسرة، بعضها مسطحة قاحلة، كل نوع من الجزر بمقدورك تخيله. تولاني في الحلم خوف من المياه، وطفوت مضطرباً عبر الهواء فوق محيط رحيب، باحثاً عن الجزر، يَركبني قلق رهيب ألا أصل إلى الجزيرة التالية. وبعد استيقاظي استغرقتُ وقتاً كي أستقر كما يجب على الفراش. تناهى إليّ صوت السيارات منطلقة عبر طريق أ40 والعجوز الأيرلندية المقِيمة في الشقة فوقي تبول شلالاً عالياً لا تعوزه القوة ولا الغرابة – لتناقضه مع بنيتها النحيلة الهزيلة – تردد صداه في الغرفة بأكملها. "إنها مثانتك التي تَضعف أولاً،" استدعيت كلمات عمي إملِن ذات مرة بفندق 'ذا دراجون' قبل هروعه إلى المرحاض. ليس الجميع كما هو واضح. صارحني ليلتها بالكثير. قال لي إنهم يبيعون منزل 'بِن ي مور'* لأنهم لا يستفيدون منه في شيء بعد موت عمتي – أخته – ولا أحد يَسكنه. أنهى إليّ سكراناً بالجعة والمال أنهم سيجنون منه أيضاً رزَماً من النقود، وسوف أنال نصيبي، "لا تقلق يا ولد." والآن هناك ممثلة تلعب دور نادلة في مسلسل – يُعْرض يوم الأحد ويدور في قرية عجيبة، ولكن محبَّبة إلى القلوب (أيرلندية أو اسكتلندية بالطبع – لا بد أن تتحلى بالرومانسية، أليس كذلك؟) – تمتلك المنزل موطن نشأتي، تزوره بتَدَنِّيه في ويلز بضعة أشهر سنوياً، فاصل قروي للتعافي من مشقة تصوير فاصل قروي. وفي خلال زيارتها أجدني متروكاً هنا، في منطقة أكتون معدومة الخضرة، لديّ وظيفة جيدة وفرص عديدة للنجاح، أنصت إلى تدفق مرحاض والاستياء يستحوذ عليّ لانتزاع منزلي.

 

بنى جد جد جدي، تِدِر بن تِدِر، ذلك المنزل. أظنه كان قرصاناً. تمنيت من كل قلبي في صباي أن يكون قرصاناً. لا زال صدري ينطوي على الأمنية. المسألة برمتها منطقية. أعلنتْ عمتي أنه كان تاجراً، وطالما شككت أنها تخفف من وقع الحقيقة، فلِمَ يشَيد أي تاجر كوخاً أعلى جرف منعزل – لا ابتغاء للمنظر، ولا ريب. بالإضافة إلى توافر دليل كاف على أرض الواقع: كهوف لعبتُ فيها ألعاب الطفولة مع چاك باخ وديوي تو، وعثرنا على أبازيم من النحاس الأصفر وشمعدانات؛ سقائف حجرية طالها التهدم، متوارية بين شجيرات الصفصاف، خزنوا فيها ولا بد غنيمتهم. ولناحيتنا أيضاً من الجزيرة أصل منخرط في القرصنة، سلسلة نسب طويلة من سارقي السفن الغارقة والنهابين الذين وضعوا المنارات على قمم الجرف ليوجهوا سفن الزوار الغافلين إلى الصخور. يشتري الزوار الآن منازلهم.

ولكي يضيف إلى تألقه، في عينيّ بالقطع، تزوج تِدِر بن تِدِر بساحرة. لم تأت عمتي على ذكرها قط إلا أن جدة باخي أشارت إليها يوماً حين زرتهم لتناول العشاء. كنا نأكل فاصوليا مطبوخة فيما تبسط هي الزبد على الخبز، وبعدئذ ندَّت عنها الكلمة. أمرتْها أم باخي بالكف عن هذا الهراء إلا أن شعوراً بالابتهاج اعتراني. فقد فسرت الكثير من الأشياء، من أهمها كتلة كثة من الشعر الأحمر تعتلي رأسي. المسألة أن منذ مئات السنوات – أو كما تقول القصة – انجرف مركبان إلى رمال شاطئ لا يَبعد أكثر من ميلين عن الساحل المقابل لمنزلي. ضم المركب مجموعة استثنائية تماماً من المتشردين المفلسين ذوي الشعور المتوهجة. أصبح الرجال خبراء في التهريب، تسللوا على طول سواحل الجزيرة تسلل الأشباح، يَحملون في أوشحتهم ذباباً سحرياً يئز في الهواء ليعمي ملاحقيهم لو حدَث وحوصر الرجال. أدارت النسوة تجارة رابحة في اللعنات، دفَع زبائنهن سواء لصبها أو إزاحتها. لا يزال الشاطئ يسمى 'ترايث كوخ' – الشاطئ الأحمر – ولو سِرتَ إلى القرية الكائنة خلفه، سوف تجدها حافلة بالرؤوس الحُمْر والقطط السوداء. وهكذا بعد أن ألفى نفسه رجلاً ذا دخل وافر – وإن استعصى التنبؤ به – وشيد لتوه منزلاً، عله من أكثر التصرفات فطرية في العالَم أن يتمشى تِدِر تمشية قصيرة بحذاء الساحل ليطالب بجائزته، واحدة من هؤلاء الساحرات صاحبات الألسنة السامة. ويقيني أن ظهَرتْ ولا بد كل أنواع الفوائد الجانبية من هذا الاتحاد: عدد كبير من رجال الجمارك وجدوا أنفسهم مرميين بلا حيلة على يد عاصفة غامضة هبت في منتصف يوليو أو استيقظوا ليجدوا شعور رؤوسهم ساقطة على الوسائد. ولكن كيفما حدَث ما حدَث، لا يمْكن دحض أن 'شاني بات' صارت زوجته، وأني مدين لها بتُوَيْج نحاسي اللون يكلل جمجمتي.

عانى شأن عائلتي بعد تِدِر وشاني انحطاطاً ما بعده انحطاط. أخزى جد جدي نفسه باشتغاله إسكافاً. ديڤيد بن تِدِر يرتق الأحذية بعد أن سرَق أبوه مراكب بثلاث صوارٍ – تنتابني رعشة حين يرِد على ذهني. ثم جاء جدي، الميت قبل مولدي. ازدرى الأحذية إلا أنه أحب الخبز وبنى مخبزاً في القرية، ثم راح ووقَع وقعة شائنة من أحد المراكب بميناء دانكيرك ليَغرق في القناة الإنجليزية. لا بد أن تِدِر المسكين جفل إجفالاً، عالياً هناك في فردوس القراصنة. ولكن قبل أن يتخلى جدي عن روحه للمياه السكسونية، حط الأساس المتقلقل لمستقبلي. منحني أولاً أباً (وكذلك عماً وعمة، لسوء حظي وحسنه على ما أظن) ثم منحني اسماً.

لا أدرى بواطن ما جرى، ولكن في مكان ما في الماضي يَقوم مركز تجنيد – ربما ببلدة ريكسِم، ربما بميناء كِرنارڤون – يحوي رُكنه مكتباً وقطعة ورق. حياله يقف جدي مرتدياً أفضل ما لديه بعد أن اعتنى بتصفيف شعره نافضاً عنه الدقيق، ووراء المكتب ضباط إنجليز يرمقون بما يوحي بالريبة حبراً يجف أسفل أنوفهم. شكَّل الحبر اسم 'ألِن بن ديڤيد'، اسم لا يروقهم، على الإطلاق. لا بد أنها كلمة 'بن،' ربما لاحت في تلك الأيام المترعة بجنون الارتياب أجنبية مشبوهة شبهة لا حد لها، على بُعْد رمية حجر من كلمة 'ڤون'. ولكن أياً كانت دوافعهم، عندما وجدتْ تلك الورقة طريقها إلى طبقة الموظفين بتشابكها وتصلبها، بات أبي 'ألِن ديڤيز'، وقد لبث 'ألِن ديڤيز' طيلة السنة التالية والأخيرة من حياته. وبما أنه اسم أبصرتْه جدتي مطبوعاً على التلغراف – آخر إشارة رسمية إلى زوجها وآخر لحظة ذكَرتْه فيها الأوراق الحكومية – كان اسماً منحتْه لابنها حديث الولادة، أبي، وبدوره مرره إليّ.

ولولا بعض الخلايا الجامحة وزجاجة ويسكي وكَبْش، ما كان ليغدو الشيء الوحيد الذي ورثتُه عنه. أحياناً ما أخال أن تِدِر العجوز استهلك ولا ريب حظ عائلتي، بدده تبديد المهمِل في عرض البحر وتركنا جميعاً، الملاحين الخرق ممن أتوا بعده، فقراء معوزين، نجر في مشقة خزائن الثروة الفارغة. فمَن غيره قد يفسر حظوظ منحوسة ابتليت بها ذريته؟ الفكرة أن جدي لم يكن أول مَن يموت قبل الأوان. هناك أولاً زوج أخته، السيد إدوارد إدواردز المجهول لديّ، حتى قبل أن يتسنى للحرب وقت لقتله تمكن من السقوط من حافة سطح منزله ومتابعة السقوط مباشرة من حافة هذا العالَم. وبعده أمي. كنت في الثالثة حين بدأ ما بدأ. نزَل بها صداع ثم رحلة إلى المستشفى ثم رحلة أخرى إلى المستشفى، وبعد ذاك لم تَرجع إلى البيت، واكتظ كل ركن في المنزل بالزوار. كنت في الرابعة حين انتهت. أخذناها إلى أرض العائلة، وهناك أشارت عمتي إلى أقربائي الآخرين. وبعد مضي ستة أشهر، أبي. كنا نعيش وقتذاك في المخبز – تركنا أخت جدي الأرملة تعيش بمنزل 'بِن ي مور'، وفي حديقته زرعت الخضراوات لتَشغل وقتها – وعقِب رحيل أمي حرَق أبي الخبز واحتسى ما أمكنه من خمر. وذات ليلة احتسى زجاجة كاملة من الويسكي ثم اتجه إلى مكان ما في شاحنة المخبز. وفي الصباح التالي وقَف عمي في المطبخ يتحدث إلى ضابط شرطة قال إن أبي انحرف بغتة ليتحاشى ولا بد الاصطدام بشيء على الطريق – كان على يقين بأنه بيلي – كَبْش عجوز خاص بكوكو راقه أكل اللبلاب من الحوائط. وعندما قصدنا الأرض هذه المرة، كنت أعلم مكان أقربائي. اصطحبتني عمتي بعدئذ إلى منزل 'بِن ي مور'، وهناك ربتني. باع عمي المخبز.

حين يدركني الموت ويأخذونني إلى الأرض، أريد أن أستعيد اسمي بالكامل على شاهد قبري: ألِن بن ألِن بن ألِن بن ديڤيد بن تِدِر بن تِدِر.

 

ران علينا في يوم من الأيام فخر بأنسابنا لا يَنقصه الزهو. دفعْنا الأموال للشعراء ليسردوا قصصهم. أرهفنا الأسماع وكلنا فرح بماضينا الجليل غير أننا لم ننل ما يزيد على ذلك.

 

***

 

أقول 'أقرب إلى المعجزة' لأن لا شيء آخر دار بخاطري في الشهر الأخير. أحسب أن سروراً طاغياً غمرني قبلها وإن تخللتْه فترات نكد متعذرة على التفسير ألحقتْ الحيرة والضيق بنفوس أصدقائي. وفي خلال إحدى هجمات اعتلال المزاج أو السوداوية أو أياً كانت تسميتها، حين كنت أجلس مترهلاً صموتاً في حانة صاخبة، سألتني صاحبة صديقي – أسترالية مرحة بلا سبيل إلى الكبح، متأكدٌ أنهم اختاروها لتُخفف من كآبتي المتحدية – إن كان اشتياقاً يساورني أبداً إلى مسقط رأسي. أَعلم أنه أمر غريب إلا أن أحداً من أصدقائي لم يسألني أبداً هذا السؤال. ربما لم يطرق خلدهم قط. ولِمَ يطرقه؟ عندما تعيش في لندن بعد المجيء من ويلز، أحسبهم يفترضون أنك ممنون، بل مرتاح. أعني، المسألة ليست وكأنك وافد من أمريكا أو أستراليا أو كازاخستان، بلد حقيقي قد تفتقده فعلاً. علاوة على أني عشت هنا قرابة عقد من الزمان منذ وصلتُ للالتحاق بالجامعة، ولم أَرجع منذ خمسة أعوام منذ باع عمي منزلي. وعليه حين طرحتْ هذا السؤال، لم أدر حقاً كيف أجيبها، ولكن - لسبب ما - حسَّن السؤال نفسه فجأة حالتي النفسية. فرت مني ضحكة وأنبأتُها أنك تشتاقين إلى مسقط رأسي حتى وأنتِ هناك. تعالت ضحكتها هي الأخرى بيد أني لم أقصد قول نكتة.

ومع ذلك، وبعيداً عن هذه الفترات العابسة عبوساً، راودتني في أغلب الأوقات السعادة. لم أكن قرصاناً، وهو المحبط في الموضوع، ولكني عمِلت في بنك استثماري – ثاني أفضل اختيار على ما أظن. لم أمتلك كوخاً أعلى جرف غير أني امتلكت شقة خاصة بي. ونعِمتُ طبعاً بالشباب، وكنت في وسط الأحداث حيث جرى كل شيء. ربما كان ينبغي أن أحس بالامتنان، ربما أحسست به. اعتقدتُ كذلك أني واقع في الحب إن لم أذكر ذلك بالفعل.

التقيت بها منذ ثلاثة أعوام. كانت تعمل في مجلة، تكتب مقالات عن الأفلام والموسيقى. وُلدتْ في لندن غير أنها نصف كوبية، طويلة العود سمراء البشرة، أسنانها بيضاء مُعْوَجة جميلة. راقتني حقيقة أن جزءاً منها نشأ على جزيرة. راقني الاعتقاد أن الانعزال سرى في دماء كلينا، وأننا نطفو معاً على غير هدى. ولكنها لم تأت قط على ذكر جزيرتها، وحين أتطلع الآن إلى الماضي، لا أخالها اكترثت لها أبداً إلى تلك الدرجة، ولا لجزيرتي أيضاً. ما كانتا إلا نقطتين في البحر، جزأين من أحجية أتت بنا إلى هنا، نقطتيّ عبور على خريطة الحظ والصدفة. أحسب أني وقَعت في البداية في غرام هذه الحركة السلسة. وددت من أعماق قلبي أن أعتقد، معها، أن البيت شيء تَصنعه، شيء تُشكله من بقعة يتفق وجودك فيها، وهكذا تَحمل معك كل ما تحتاج إليه وتحبه. خلا عالَمها من أراضٍ يتساقط عليها الرذاذ، قِطَع من التراب عاشت فيها عائلتها الميتة، ولا يمْكن نقلها منها، وفي أثناء سنتين قضيتهما معها افتقر عالَمي إلى أية أراضٍ.

أوضح ذكرياتي لها أغلبها شظايا من أفلام وأغان قديمة. چيمي ستيوارت يقف بجوار حمام السباحة في قصة فيلادلفيا. بيلي هوليداي تغني أغنية كل يوم. قَدَما چين كيلي المتقدتان بالحيوية في شوارع باريس - باريس صنعتْها استوديوهات مترو جولدوين مير. لقد كانت أفلامها المفضلة، كلها جزء من سماء سامقة عليها اعتمدتْ. قدَّمتْهم إليّ كمن تُقَدم أقرباء، وكما هو خليق بأي حبيب لطيف، تظاهرتُ بإضمار مثل ما تضمره لهم من إعجاب. لم يختلف التعرف إلى شخصيتها عن مراقبة عمارة يبنيها البناة على مهل؛ رؤية عملية شيَّدتْ بها إرثها الخاص بنفسها – القطعة تلو الأخرى. خامرتني السعادة لمشاركتها إياه، سعادة حقيقية. فقد كنت في غضون تلك السنوات جزءاً منه، منسوجاً في قماشه ذاته، وكل ما جاء قبله كان أشبه بمرساة مرمية في المحيط.

لا أزال لا أدري متى انقلبتْ حريتي – حرية عابثة كنت قد وقَعت عليها لتوي – قلقاً واضطراباً. أحاول أن أتخيل أنها لحظة معَينة، مشهد: نحن الاثنان معاً في مطعم، تَنهض للانصراف، وميض متكلَّف من القنوط تعكسه عيناي، لمحة ضياع، نظرة من النادل دالة على المواساة. ولكن السيناريو كان مختلفاً، دوماً مختلفاً. ألقي نظرة على الماضي فأعجز عن وضع يدي على بداية، مثلما أعجز الآن حقاً عن إبصار نهاية. كان تحولاً دقيقاً لا تلحظه العيون، لا يزيد على ترجرج في أطراف الشاشة، ولكن الحركة المحبوبة تبدلتْ بعدئذ بخوف لا يُقاوَم من فقدانها، خوف من أن تَحزم نفْسها مرة أخرى في حقيبة لتغادر بمثل سهولة استقرارها. استشعرتُ غيابها ينسل إلى كل ركن. لوَّث كل شيء، لطَّخ كل لحظة بالرحيل، وبعدها رحلتْ ولا شك بالفعل. كان بمقدوري منعها، كان بمقدوري حملها على البقاء، ولكن خَطرَ في بالي أنه الوضع الأفضل، على الأقل لن أضطر بعد الآن إلى مكابدة كرب الانتظار. كما أن أحداً منا لم يسِر إلى غروب شمس قصي أو يَهبط السلالم واسع الخطى نحو ليلة عاصفة. كل بضعة أشهر تقريباً كانت ترِد مكالمة فيتسكع أحدنا متعباً ليَقطع وسط المدينة إلى فراش الآخر. أتذكر هذه الرحلات – رعدة المترو، المرور المخيف لوجوه الليل، أرصفة تلتمع أسفل المصابيح البرتقالية – ولكني لست متيقناً مما حثنا عليها، ما إذا كان الأمل أم الشهوة أم الوحدة أم الملل المحض. علها كل تلك الدوافع، علها بقايا الحب ليس إلا – نثار نخلفه وراءنا عند الفراق. والآن أتمنى ألا أكون قد خلفت ورائي سواه.

 

***

 

كان آخر هذه الليالي منذ ثلاثة أشهر مضت. اتصلتْ بعد ستة أسابيع لتَنقل إليّ خبر حملها – ظننتها لأول وهلة تعني من شخص آخر. ما خالجنا شك فيما سيَحدث. انتظرنا معاً أسبوعين. جافاها النوم في الليلة السابقة عليها وحاولتْ أن تلمسني. ألمَّ بي الإجفال وأشحت عنها بوجهي لأشاهد من نافذتها سيارات هامسة انحسرتْ بعيداً صوب ظلمة أسفلتية رطبة ارتطمتْ رفيقةً بالزجاج. لم أرغب في أن ينقشع الظلام. ركِبنا في الصباح التالي سيارة أجرة لنمضي غرباً، ذلك كل ما أستحضره، ابتعادنا غرباً، مروراً بتشيزِك وريتشموند، حتى اعترضتْ أبصارنا أشجار وحدائق فسيحة. وبعدها انتهى كل شيء، بسرعة لم أتخيلها. مكثتُ ليلتها، وفي الصباح أمرتني بالانصراف، أمرتني ألا أتصل مرة أخرى، قالت إنها المرة الأخيرة، وقد فطنتُ بالفعل إلى أنها الأخيرة.

هناك نافذة في غرفتي بمنزل 'بِن ي مور'. تطل من البحر وعبر الحقول على تل يَقوم عليه برج منعزل، جزيرة فوق جزيرة. ما طرأ في عقلي شيء آخر منذ ذلك اليوم. كان من الممكن أن تكون تلك اللوحة هي إطار نافذتي؛ لمَّا مددت إليها ناظريّ لأول مرة، أضمرتُ نِصْف تصور أنها الإطار، وأن كل السنوات تقوضتْ متقهقرة لتخلف صبياً في الرابعة يشْرف لأول مرة على كل ما تركوه له. بُحْتُ إليها يوماً بحكاية منزلي، فما دريت إلا والدموع تنهمر على وجهي. كاشفتُها بخجل استولى عليّ لفقده وإحساسي وكأني بفقده فقدتُ كل شيء، وأن لا أصل لي الآن. طوقتْ كتفيّ بذراعها وطبَعتْ على وجهها ابتسامة قائلة إني لا يجب أن أقلق كل هذا القلق وإننا جميعاً من مكان آخر لو تراجعتَ بالزمن بما يكفي، قالت إن لا وزن إلا لِما بلَغناه، هو المهم بحق. ولكن لو صدَق كلامها، لماذا لم أبتعد إذن بما يكفي لترك هذا خلفي، لماذا أعجز عن التخلي عنه والبدء مجدداً من مكاني.

خسِرتُ أولاً منزلاً لأني عدِمت أباً يَحفظه من أجلي، والآن خسِرتُ طفلاً كان ينبغي أن يرثه عني. إلى أي مدى يجب إذن أن أواصل، كم يجب أن أُضَيِّع؟ كم يجب أن تَخسر قبل أن تدرك أن رقعة واحدة من الأرض، رقعة واحدة من السماء، تل واحد، برج واحد، يعني كل شيء؟

 

 


* بِن ي مور: 'قمة البحر' باللغة الويلزية.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.