![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد السادس والعشرون، يوليو 2010 Twenty-Sixth Issue, July 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد السادس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرمت ريبيكا ماكاي بالموافقة على نشر قصة "أسوأ شعور على الإطلاق" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها. |
|
Ms. Makkai was so kind to permit the publication of the Arabic text of "The Worst You Ever Feel" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Makkai a great debt of gratitude for her kind permission. |
|
"The Worst You Ever Feel" by Rebecca Makkai. Copyright © 2007 by Rebecca Makkai. Originally published in Shenandoah, 2007. Published by kind permission of Aragi Inc. All rights reserved. Special thanks go to Mr. Jim Hanks from Aragi Inc. |
|
أسوأ شعور على الإطلاق ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: Jul.-01-2010 |
|
|
للبوتقة الحق في نشر القصة في مطبوعات مخصصة لفاقدي البصر والمعاقين. الرجاء الاتصال بالمجلة إن رغبتَ في نشر القصة وفقاً لما هو سابق: albawtaka@albawtaka.com |
|
عندما بدأ العازف ذو الأصابع التسعة يلعب أخيراً بالكمان, توارى إرِن عالياً فوق السلالم الخشبية, بعيداً عن الحفلة بُعد الأشباح. مَركز العالَم بالضبط تُعبده ألواح من خشب البلوط. شابه عنكبوتاً يسود عالياً فوق نسيج السجادة الشرقية, ذلك النجم المتفجر من الأحمر والأسود والذهبي, ومن أوصاله امتد ثلاثة وأربعون خيطاً غير مرئي يلتف خفيفاً لزجاً حول الضيوف الأربعين, حول أبويه, حول راديليسكو عازف الكمان. ثمة أيضاً خيوط أرفع, بين أناس يمتلكون تاريخاً من الحب أو الكراهية, وكل الأشباح الثلاثة مربوطة براديليسكو, بقوسه المقوَّس. إلا أن إرِن أمسك بأغلظ الخيوط, وحينما جال بخاطره, تَنَفَّسوا, تنفس الناس جميعاً. لم تَصرفه أمه بعد العشاء بإيماءة من رأسها لكي يغسل أسنانه ويبتعد عن أحاديث السكارى كما كانت تفعل وهو في الثامنة, التاسعة, العاشرة. تساءل إرِن إن كانت الإيماءة تاهت من ذاكرتها, في خضم النبيذ والضوضاء, أم أن هذا شيء مختلف, شيء له أن يتوقعه من الآن فصاعداً. وتوخياً للسلامة ارتدى بنطال بيجامة وقميصاً قطنياً أبيض, وهكذا إن ضبَطه أحد, بمقدوره أن يدعي أنه نزَل لشرب بعض المياه. تذكَّر أن ينكش شعره, شعرٌ يَحمل من تلقاء نفسه شحنة كهربائية كافية غير أنه رآه الآن في مرآة الحمَّام هالة من لون بني لا يَعدم الخشونة. تفرَّج من خلال أعمدة الدرابزين على الرجل وكمانه يندفعان إلى المخروط الأصفر للنور الساقط من المصباح المتدلي فوق البيانو ثم يتحولان عنه. أحضرت أم إرِن لراديليسكو في صباح الأمس طبقاً من البيض المخفوق بالبقدونس وهو جالس على المقعد يعزف وئيداً بدون نوتة على أوتار الآلة المصاحبة. والليلة عزفت له على الآلة المصاحبة. خمَّن إرِن أن راديليسكو بحركته نحو النور ومنه يعمي عينيه عن الحجرة, عن الوجوه التواقة وكؤوس من النبيذ يَحملها برفق اثنان وأربعون مستمعاً ترين عليهم اللهفة. والآن, بينما تسارع عزف الرجل العجوز, خالج إرِن إحساس بالإنهاك, ودهَمته حاجة إلى دخول الحمَّام, ولكنه كان يَعلم أنه لن يستطيع أن يتحرك من الدرجة الخشبية بعيداً عن الموسيقى. آلمه حلْقه طوال النهار, صمغٌ وإبرٌ, لكنه استطاع الآن أن ينسى الألم. سدد عينين نصف مغمضتين ليرى جدعة إصبع راديليسكو المقطوع, ليرى إن كان يمسك القوس مسكة مختلفة عن بقية الناس, بيد أن الذراع تحركت بسرعة لا مزيد عليها. كان أبو إرِن يتكئ على المدفأة الواقعة خلف راديليسكو وهو يدير بين يديه قمة كأس النبيذ الفارغ ذهاباً وإياباً وعيناه مغلقتان. شهِد أبو إرِن حظاً لم يشهده رجل في العالم. الدليل رقم ا: نجا من الغرق ثلاث مرات مختلفة. الدليل رقم 2: أنقذته في المرة الثالثة عازفة بيانو جميلة المحيا أمريكية الجنسية أصغر منه بسنوات عديدة, امرأة تتحلى بمنتهى الجمال حتى إنه تزوج بها وأصبحت أم إرِن. الدليل رقم 3: ترَك الجامعة وبلدة ياش ومنطقة مولديڤيا ورومانيا بأسرها في 20 يونيه من عام 1941 قبل تسعة أيام بالضبط من مذبحة اليهود في ياش. الدليل رقم 4: غادر لأنه فاز بمنحة للالتحاق بكلية جوليارد للموسيقى, استغرق عبور المحيط وقتاً طويلاً في عابرة المحيطات ولا سيما في وقت الحرب الطافح بالتقلبات, وبمجرد أن انتسبتَ إلى جوليارد, امتلكتَ صلات, والصلات أهم من الموهبة في الحياة. لم يستطع إرِن أن يَسمع فرقاً كبيراً بين هذه الموسيقى والموسيقى المسجَّلة في أسطوانة راديليسكو الأخيرة, أسطوانة بدون غلاف تعود إلى عام 1966. كبِر الرجل 24 عاماً منذ وقتها, وربما فسَّر سنه لحظات طفيفة من الارتعاش, رجفة بفعل تغير طبقة الصوت تبدو للآذان كالتغريد عند الجانب القصي من التحكم. كان عجوزاً؛ نتأ الشَعر من رأسه وكأنه أسلاك بيضاء متموجة. عمُقت تجاعيد وجهه, ولاحت الممتدة عبر جبهته متموجةً تموج شعره. لم يتحدث راديليسكو إلا القليل من المفردات الإنجليزية على حين لم يتحدث إرِن الرومانية على الإطلاق, وعليه جلَس إرِن وأمه والصمت يلفهما في الليلة الفائتة وقت العشاء بينما تجاذب الرجلان أطراف الحديث. وبين الفينة والأخرى كان أبو إرِن يترجم لهما عبارة من العبارات بيد أن تراجمه انحصرت في تجهيزات الحفل الموسيقى أو الطعام الشهي. وفي وقت لاحق عندما اتفق أن سمِع راديليسكو إرِن يتحدث إلى أمه عن تقرير حول أحد الكتب من المتوقع تقديمه يوم الاثنين, طفق الرجل العجوز يضحك. ترجم أبو إرِن قائلاً إنه اهتز طرباً لسماع طفل يتكلم الإنجليزية بكل سرعة وطلاقة. حاول إرِن طوال النهار يومها أن يتكلم بصورة أسرع وأعلى ويستخدم عبارات أطول. "لا سبيل إلى الشك فيه," نطق بها اليوم أثناء الغذاء؛ و"مثير للشفقة" و "الإعدام بالصدمة الكهربائية" و "أسطوانة المحرك." ذهب إرِن مع الرجلين إلى متجر البقال بعد الظهر. تصور أنهما ذاهبان لشراء بعض الحاجيات الأخيرة من أجل الحفلة, ولكنهما عندما ذهبا ببساطة ووقفا وسط قسم الخضروات والفاكهة, اكتشف أن الغرض الحقيقي هو أن يُري راديليسكو 'سوبر ماركت' أمريكياً. وقفا طويلاً إلى جانب صناديق تحوي تفاحاً من مختلف الألوان مشيرين إلى عيش الغراب والليمون الهندي والموز وهما يتحدثان الرومانية. ارتفع ضحك راديليسكو غير أن تعبيراً آخر داخَل وجهه أيضاً, حاول إرِن تفسيره. عله إحساس بالدمار. حين مرت بهم سيدة تَحمل سلة من البلاستيك, تظاهر إرِن بالتطلع إلى رف الطماطم. أتيا في النهاية بعربة وراحوا يسيرون عبر الممرات, جلبا بأيادي متعجلة زيت زيتون, مياه معدنية فوارة, خمسة أنواع من الجبن. وحين عادوا إلى قسم الخضروات والفواكه, وضع أبو إرِن في العربة خمس حُزَم من البصل الأخضر ثم ناول راديليسكو ثمرة يوسفي زاهية اللون. قال راديليسكو شيئاً وضحك ثم ضغط بفمه على القشرة البرتقالي وقبَّل الثمرة. أحس إرِن الآن أن الموجودين في الحجرة أسفله يرسلون أنفاساً أقل كالخائفين من أن يصدموا العجوز معيدين إياه إلى رومانيا فوق رياح زفيرهم. ولا, لم يستطع أن يرى حقاً الأشباح الثلاثة وآلاتهم, آلات الكمان – ثلاثة طلبة وافتهم المنية في يونيه 1941 – ولكنه كان يقف على مقصدهم وتتبع طيرانهم بعينيه, فوق الحشد, حول النور, لِصْق السقف. حتى سنته العاشرة كلما نزَل المرض بإرِن أو نزفت دماؤه, يبدر من أبيه نفس التعليق: "فليكن هذا الألم أسوأ آلامك على الإطلاق." وبالتعليق يعني: "إنه ألم تافه. لن يتلقى الصِبية الأمريكيون بالبريد الجوي رسائل رفيعة الورق بأن أمهم وأباهم وأختيهم الاثنتين وأخاهم وجدودهم وأعمامهم وعماتهم وثلاثة عشر من أبناء العم قُتلوا جميعاً. إنك لا تَخبر الألم." وبعدها مضوا كلهم إلى ألمانيا الغربية منذ سنتين قبل حفل أبيه الموسيقي في مدينة بون. أقرب مكان إلى رومانيا قصده إرِن على الإطلاق رغم أن أباه وعد – مع اختلاف الأحوال الآن – برحلة قبل انتهاء العام. وبينما كانوا يسحبون حقائب السفر عبر شوارع بون وإنهاك السفر الطويل يرين عليهم, تولى إرِن إجفال, قشعريرة, شيء جعله راغباً في العدو, وأثناء مشيه وهو شبه نائم أسقط حقيبة الظهر لينفصل عنهما بغتة حول المنعطف ثم في الزقاق حتى انتهى إلى مكان أشبه بالمتنزه. ما ارتسمت في مخيلته جثث, لم يبصر أشباحاً أو تتناهى إليه أصوات, ولكن شعوراً رهيباً تملكه وانتابته الهواجس, الشعور بأنك وحيد داخل منزل, تضغط الحائط بظهرك كيلا يتسلل شيء خلفك. حين قبض أبوه على ذراعه سائلاً عما يفعل. أجابه إرِن, "هنا مات كل الناس." بل إنه لم يعن الجملة بحق ولم يصدقها غير أن هذه الكلمات كانت هي المُعبر الوحيدة عن إحساسه بالغثيان, الإحساس بأنه محاط بمقبرة. لا بد أن الخوف والصدق سادا عينيه بما يكفي, فعند عثورهم على الفندق في النهاية سألت أمه البواب العجوز طويل الأنف عن تاريخ الميدان. "أجل, كان هناك كنيس," نقَل إليها. "مذبحة بشعة." تبادل والداه النظرات ثم فاه أبوه جملة بالألمانية للبواب وامتقع وجه أمه بلون أفتح من شعرها. اعترى إرِن نفس صدمة والديه, وقد أمضى بقية الرحلة متسائلاً إن كان للحظ نصيب فيما جرى, عله موروث من أبيه, أو نوع حقيقي من الرؤى لم يدر به دراية كافية ليثق به تمام الثقة. حاول دائماً الآن أن يحصر فكره في أشياء استشعرها ولكنه لم يرها رؤية العين. حاول في أغلب الأحيان أن يشعر بحزن الناس, أشباح تحيق بهم, مكان اتصل به إصبع ولكنه لم يعد متصلاً به. استدعى خياله ألم الناس يرتحل عبر الهواء مع موجات المذياع. لو وضع نفسه في مكان معين من إحدى الغرف وجمَع فكره مستمعاً, باستطاعته أن يلتقطهم جميعاً. لم يستخف أبوه منذ حينها بما يلم به من حمى أو عظام مكسورة. أدرك إرِن أن أباه يحسبه ممسوساً, مبصراً لأشباح العالَم ونيرانه وشروره, في الماضي والحاضر والمستقبل. كان يسأل إرِن من حين لآخر عما يدور بباله ثم ينتظر الإجابة بحاجبين مضغوطين. كان يَجلس بحذاء فراشه ليلاً حين يَعجز إرِن عن النوم. بيد أن إرِن كان نصف كاذب. عندما كان يحس بشيء – بمرض امرأة في القطار على سبيل المثال – لا يجاهر بإحساسه إلا بعد مضي فترة, حين لا يجد والداه وسيلة للسؤال عن صحتها أو حاجتها إلى المساعدة. كان فعلاً خليقاً بأمه, الاقتراب من إحدى الغريبات بمثل تلك الطريقة. وفي معظم الأوقات لا يكتشف هو نفسه قط إن كان مصيباً أم مخطئاً؛ ولم تكن به رغبة في المعرفة, فلو جانبه الصواب مرة أو اثنتين, سوف يفقد الثقة بذاته. ولنفس السبب, حين سأله أبوه عن أرقام اليانصيب, ما كان منه إلا أن هز رأسه. "فكِّر!" أمره أبوه. "مع حظي وقواك الخارقة!" كانت دعابته الوحيدة حول هذه القوى. عندما كان يحكى قصة بون في الحفلات مثلما فعل ليلتها, حكاها بقدر من التبجيل. دعا إرِن "حاخامنا الصغير," ولكن ليس من قبيل المزاح. أفضل ستة أشياء في الحفلات هي: 1. التفرج على الكثير من الناس. 2. مهمة فتح الباب للضيوف وانتظار امتلاء حواف الطريق بالسيارات المركونة كي يمسي منزلك هو المنزل الذي يجتازه الجميع قائلين, "آه, لا بد أنهم يقيمون حفلة الليلة!" 3. الكعك. 4. جالبو الشوكولاتة. 5. مشاهدة الناس وهم يسكرون. 6. الموسيقى. كف راديليسكو فصفق الناس. عقد إرِن العزم أن يولي المزيد من الانتباه إلى المقطوعة الموسيقية التالية ويتابع الموسيقى نفسها بدلاً مما حملته على تدبره. عرَف أنها نية قد يستحيل تحقيقها, إنصاته إلى النغمات ليس إلا دون أن تشطح به أحلام اليقظة أو يحل به العطش. عل هذه العادة ذنب مُدرسة الكمان الأولى لإرِن, السيدة تاكيبي. كانت تصر على أن كل مقطوعة تحكي قصة. كان يخمن القصص هو يعزف: واحدة عن جاسوس صيني. أخرى روت حكاية رجل تاهت منه زوجته في أحد المعارض الفنية وأنفق بقية حياته منقباً عنها مختبئة في اللوحات. كان إرِن يَعلم أن لا أحد في الحجرة يسعه الإنصات بدون التفكير في إصبع راديليسكو المفقود أو كونه كاد يموت جوعاً أو احتفاظه في السجن بذراعيه قويتين. فطن إرِن بعد انقضاء دقيقة من العزف إلى أنه هو الآخر لا يستطيع أن يركز في الموسيقى وحدها, وهكذا شحذ قواه العقلية للإحساس – أكثر من أي شخص آخر في الحجرة – بذاكرة الرجل العجوز. تحكي هذه المقطوعة الموسيقية قصة حياته, حدد. حاول أن يَشعر بكل نغمة وكأنها لحظة منفصلة؛ حاول أن ينصت إلى ما بثه راديليسكو ذاته في أنفسهم من أفكار. كان واعياً لِما قاله له أبوه عن جامعة بلدة ياش, أقدم الجامعات الرومانية. درَّس راديليسكو الشاب هناك فصلين دراسيين لا غير قبل أن يستقيل في فورة من الحنق وينشئ أستديو خاصاً به داخل مبنى قديم من طابقين خلف حرم الجامعة. جلب معه العديد من التلاميذ, ومن ضمنهم أبو إرِن الذي كان يغادر أرض الجامعة سراً ثلاث مرات أسبوعياً لحضور الدروس. ما لبث أن انضم إليه مدرس بيانو ليحفل المنزل الصغير بالموسيقى. حيثما تناولتَ كمانك داخل المبنى رفيع الجدران, لم يزل بإمكانك سماع صوت البيانو؛ وهكذا طفق المدرسان يتخصصان في التدريس للثنائيات, فما يسعك فعله غير ذلك؟ تخيل إرِن رائحة القِدم تفيح من المبنى وقد غطت السجاجيد العفنة الأرضيات غير أن البيانو كان مدوزَناً دوزنة لا تشوبها شائبة. دائماً ما تحَدث أبو إرِن عن المدرسين في نفَس واحد: راديليسكو ومورجينستيرن ومصنعهما الشهير لإنتاج الموسيقى. وصف أصابع مورجينستيرن بأغصان الشجر ورِجليه بأرجل الحشرة العصوية. حين مد يديه لامساً النغمات, تراءى البيانو صغيراً صغر لوحة مفاتيح من القصدير خاصة بطفل. استقرت فوق رفوف الأسطوانات, إلى جانب أسطوانة راديليسكو القديمة, العديد من أسطوانات مورجينستيرن. 1965, 1972, 1980, 1986. استمتع إرِن بتقليب أغلفة الأسطوانات المرتبة زمنياً كي يشاهد شعر الرجل وهو يتحول من الأسود إلى الرمادي ثم إلى الأبيض, ويرى فكه وهو يتدلى ببطء. كان أبو إرِن هو نجم طلبة الكمان بمصنع الموسيقى, وفي اليوم الأخير قبل أن يَشرع في القيام برحلته إلى أمريكا, أقاموا حفلة بكعكة صغيرة. لا بد أنهم أحاطوا علماً بالخطر المحْدق بهم. جرت مذابح لليهود في بلدان أخرى من رومانيا. تخيل إرِن كومة من الجرائد تستقر فوق غطاء البيانو وقد تجاهلتها العيون في أغلب الأوقات. علهم وضعوا الكعكة الصغيرة فوق الجرائد تماماً. علهم نصحوه, "حذارِ في رحلتك." ما اضطر أحدهم إلى الإفصاح عن السبب. انتهت المقطوعة الموسيقية – بنعومة ما بعدها نعومة – قبل أن يتمكن إرِن من متابعة القصة. لم يُصفق أحد هذه المرة؛ أرسلوا التنهيدات وندت من رؤوسهم الإيماءات وأرخوا أجفانهم ثم تبادلوا النظرات مبتسمين. تمنى إرِن لو تزخر المقطوعة التالية بالصخب والمفاتيح الموسيقية الثانوية حتى يستطيع أن يحس كيف انقلبت ياش على نفسها, كيف جال أتباع حزب الحرس الحديدي في البلدة في حال من الهياج العنيف لمدة تسعة أيام عاثرين على كل يهودي. كانوا أسوأ من النازيين, فهم أناس وثقوا بهم؛ كان بعض تلاميذ راديليسكو وزملائه القدامى من بينهم. عجَز إرِن عن تصور الحرس بدون تصور رجال في بذل من الصفائح المعدنية. صحح أبوه هذه الفكرة منذ أمد طويل بيد أن الصورة لم تتبدد. ولكن لم يَنقص المقطوعة الموسيقية التالية الهدوء ولا التوتر, وعليه بدلاً من الصخب قام في مخيلة إرِن ما دار داخل مَدرسة موسيقية حبس فيها راديليسكو ومورجينستيرن وستة طلبة أنفسهم. دان أربعة من الطلبة باليهودية؛ وكان كلا المُدرسين يهوديين. شعر إرِن بتمايل الواحد وأربعين شخصاً من حوله في الحجرة, أشخاص لم يكونوا راديليسكو, وأحس بهم يحاولون تخيل وقته في الحجرة الضيقة. جانبهم الصواب. كان شَعر راديليسكو ليَظهر متموجاً ساكناً, وإنما أسود كثيف, يلتقط ضوء مصابيح المبنى المتفرقة ويكسر أشعته ليحولها صوب أركان تقبع في الظلمة. تخيل إرِن أن الموسيقيين اختاروا غرفة واحدة وحيدة, غرفة البيانو, ورغم أن مداخل المبنى مغلقة, أغلقوا أيضاً هذا الباب الآخر الأصغر في حال اقتحم الحرس الحديدي الحاجز الأول. كانوا لينقلوا البيانو وراء الباب. أحسوا هنا بالأمان؛ بل إنهم قد ينجوا من النيران بما أن المبنى مشيد من القرميد. ونظراً لأن المَدرسة الصغيرة كانت جديدة وغير معروفة تقريباً بالمرة, الأرجح أن الحرس لن يفكروا حتى في تحطيم الأبواب أو ضرب النار من النوافذ أو غمر الشرفة بالغاز. علِم إرِن مما أفضى به راديليسكو إلى أبيه أن ثمانيتهم ما عاشوا إلا على حلوى صغيرة حامضة أبقاها راديليسكو في سلطانية فوق مكتبه. لم يدر إرِن إن كانت هناك مياه جارية. لا بد أن بعضاً منها توافر لديهم, فالبشر لا يبقون على قيد الحياة لمدة عشرة أيام بدون مياه. وفي اليوم السابع, انهارت الطالبة الوحيدة – شابة يهودية واعدها أبو إرِن ذات يوم – من جراء الجوع والإنهاك. كان يأخذها ليحتسيا القهوة في الجانب المقابل من الشارع؛ كان يذاكر الشعر والرياضيات في الطابق السفلي على حين ينتظر انتهاء درسها. نعِمت بأصابع قوية صغيرة, مثالية للكمان. سوف تعيش لتمرق في النهاية مضطربة الساقين من المبنى غير أنها ستفارق الحياة في اليوم التالي من الأكل بسرعة أكثر مما ينبغي وإفراط أكثر مما ينبغي. حاول إرِن أن يحس بجوعها في معدته بيد أن مثانته امتلأت وضغط حزام بيجامته المطاطي على معدته. تخيَّل بدلاً من ذلك انتفاخ جسدها جوعاً بيد أن التصور لم يتناغم مع صورة امرأة قصيرة القامة سمراء البشرة في فستان ربيعي محلى بالورود مستلقية في أحد الأركان بين حُزَم ساقطة من النوت الموسيقية. داهمهم المرض, كلهم دون نقصان, بلا قدرة على البقاء يقظين فترة طويلة. لو نقَلوا البيانو حقاً لسد الباب, لا بد أن قلقاً مسهم ألا يقووا على إرجاعه بعد انتهاء النيران وطلقات الرصاص. كان يجب عليهم أن يتقبلوا في مرحلة من المراحل احتمالية موتهم في الغرفة. سيكتب المتزوجون منهم -- مثل مورجينستيرن عازف البيانو -- خطابات وداع لزوجات خشوا أن يكن بالفعل في عداد الأموات. حاول إرِن أن يستشعر يأساً يتخلل الموسيقى – يتخلل خدوش مسموعة دون النغمة تركها القوس في الوتر. ومع ذلك كان أول طالب يموت هو زولتان. طالب مجري لم يدن باليهودية, ولكنه – مثله مثل غير اليهودي الآخر في الغرفة – مكث ربما من قبيل الولاء أو ربما لخوف الموسيقي من العنف. ينبغي أن تتصف أيادي عازفي الكمان بالنحول؛ علِم إرِن أنهم على الأرجح من صغار القامة. وعندما صار هو نفسه أضخم وأعرض هذا العام, أخذت أصابعه تتجاوز الأوتار وترتطم بعضها بعضاً. ناقش مدرس إرِن مسألة تحوله إلى عزف التشيلو. وفي اليوم الثامن عندما تطايرت من الشوارع روائح كريهة أكثف وأكثر شبهاً بالمسك من الحريق السابق. اختفى زولتان في خزانة المؤن عدة دقائق. حين صك آذانهم سعاله, نادوا عليه. خرج وقد تغطت شفتاه وذقنه ويداه بمسحوق أصفر فاتح. راح يبكي فشقت الدموع خطوطاً عبر اللون الأصفر. كان راديليسكو هو أول من أدرك أنه أكل من مادة القلفونية الرخيصة. لو كانت لديهم مياه, لا بد أنهم أسقوه بعضهاً منها, ولكنه لفظ أنفاسه الأخيرة خلال الليل – من القلفونية أم الجوع أم الخوف, لا علم لديهم. تساءل إرِن عما صنعوه بالجثة. إن تصوره لغرفة يعترضها متراس البيانو لم تترك لهم اختياراً سوى إبقائها هناك أو رميها من النافذة. لو وجد وسيلة, سوف يسأل أباه عما فعلوه بالجثة. لا مانع عند أبوه من الأسئلة. إلا أن الشوارع بدأت تهدأ في ذلك اليوم التالي. غابت طلقات الرصاص عن مسامعهم. أرسلوا بعد الظهر واحداً من الطلبة, صبي يهودي لم يَعرفه أبو إرِن -- أصغر الطلبة, في السادسة عشرة وشجاع. ولكي يرسلوه إلى الخارج لا بد أنهم حركوا البيانو وهبطوا إلى الطابق السفلي. تخيل إرِن أن الصبي صاغ نظاماً ما ليتصل بهم ويطلعهم أيلبثون بلا حراك أم يركضون من الباب عابرين الشوارع إلى منزل الطالب الثاني غير اليهودي, عازف البيانو النجم. سوف تنتظرهم أيلينكا زوجته على أمل أن تجده حياً, وسوف تبقيهم جميعاً في أمان. ربما حازوا خيطاً, خيطاً طويلاً أشبه بخيط استخدمه البطل ثيسيوس للخروج من المتاهة. جره الطالب عبر الباب من أحد طرفيه. لو شده شدة, معناها البقاء. شدتان معناهما الركض. بيد أن الصبي راح دقيقتين ثم ترامى إليهم صوت طلقة رصاص. علها كانت آخر طلقة من طلقات المذبحة غير أنهم لم يقفوا على هذه المعلومة. لبثوا يوماً إضافياً, يوماً كان من الممكن أن تجد فيه الفتاة المنهارة طبيباً. لبثوا, وبعدها استعانوا بما تبقى من طاقتهم ليتخبطوا في الشوارع ويعثروا على بيت أيلينكا (ربما خلف أبو إرِن وراءه بعضاً من حظه الشهير). حينما فرغ إرِن من قصته, انتهت المقطوعة الموسيقية. عد انتهاءها إشارة إلى أنه مصيب؛ لقد تناغم مع التردد الصحيح. خمس مرات علِم إرِن علم اليقين أنه مصيب, بالترتيب الزمني: 1. الكنيس في مدينة بون. 2. عندما أصبحت عمته حاملاً. 3. كانت مدرسته تحصل على الطلاق. 4. كان السمك سيَمرض. 5. في اللحظة الحالية. جلس زوجان شابان لا يعرفهما على الدرجة الثانية من نهاية السلم. استندت المرأة إلى الرجل, رأسها على كتفه. تهامس الناس بينما كان راديليسكو وأم إرِن يعزفان بعض الموسيقى بشيء من الفتور. نمى إلى مسامع إرِن الرجل وهو ينهي إلى المرأة, "لن يستعديها كلية قط." "ومع ذلك فهو مذهل," ردت المرأة. لم يظن إرِن أن هناك أي شيء ناقص على الإطلاق, أي شيء خلا الإصبع. سلَّط فكره الآن على الحجرة فشعر أن العديد من الأشخاص ينبسون, "لا, لن يستعيدها قط," وتخيل الأشباح الثلاثة, المرأة, الصبي الصغير, المجري ذا الوجه الأصفر, يبكون في صمت لِما طرأ على يديّ راديليسكو من تغير. هز الشبح المجري رأسه, فهطلت مادة القلفونية غير المرئية فوق الحجرة كما الثلوج. لن يفطن إلى الفرق الحقيقي إلا الأشباح وأبو إرِن, وهكذا رصد إرِن وجه أبيه ملياً. كان واثقاً أن ما رآه هناك لم ينم عن خيبة أمل, وإنما عدد لا يستهان به من المشاعر الأخرى الفظيعة: ذنب, حزن, غضب, خوف. ذنب قبل كل شيء, ذنب خمَّن إرِن أن مرجعه مغادرته, حظه. راقب إرِن أباه وراديليسكو يتهامسان الآن. تنفسوا, أمر إرِن الناس في الحجرة, فشعر بهم جميعاً يزفرون. "لقد دعا السيد راديليسكو حاخامنا الصغير لينضم إليه," أعلن أبو إرِن للحضور ثم ارتقى طرفاه إليه مباشرة, فوق السلالم, وكذلك ارتقت أعين كل الضيوف. لم يَعلم كيف رآه أبوه وهو جالس في العتمة غير أنه شعر الآن بأن خيوط أبصار الجميع كلها تطوقه, تربطه كما الأنشوطة. كان الآن الذبابة الواقعة في الشبكة, لا العنكبوت. ما كان يجب أن يغير ملابسه. ما أبدى إرِن حراكاً لحظة بيد أن نظرة أبيه باحت بأنه لا ينبغي أن يظل على السلالم. نهض على قدميه الحافيتين في بيجامته ثم نزَل بين الزوجين المنفصلين لينضم إلى أبيه عند المدفأة. داخَله إحساسه وهو صبي في الخامسة عندما اعتاد أن يهبط في بيجامته ليُقَبله الضيوف ويسددون إليه نظرات الإعجاب. ود لو يحَدق إلى أبيه ويُعبر عن ارتباكه تعبيراً علنياً ولكنه علِم أنها أسوأ ليلة للتعبير عن ذلك الارتباك, وهكذا سحب نفسه عالياً وهو يكبح نفسه. صرح راديليسكو بشيء بالرومانية ففهمه عشرة أشخاص أو اثنا عشر ممن كانوا في الحجرة وتعالت ضحكاتهم. "أول كمان من خماسية البيانو," تفوه أبوه همساً. "سوف يُكمل السيد راديليسكو وأمك الأجزاء الأخرى." كانت مقطوعة يتدرب عليها منذ شهرين, أحياناً مع أمه وهي تعزف على البيانو, لذا ساوره شيء من الراحة. تناول إرِن كمانه من الخزانة وسارع بدوزنة الأوتار. حدَس أن أباه قد رتب لهذه الثلاثية, ولكنه أحجم عن ذكر أي شيء كيلا تركب إرِن العصبية؛ كان يَعلم أن ابنه يفرط في التفكير ويزيد منه. وبينما أخذ يعزف, تفاقمت حالة حلق إرِن, جفاف جعَله الآن راغباً في ازدراد رقيه لمجرد التجربة, ولكن كان مدركاً لقدرته على تجاهله. أمال نفسه كي يتمكن من التطلع إلى يد راديليسكو اليمنى. وسعه أن يرى – كما رأى الليلة الفائتة في العشاء – جدعة امتدت أعلى المفصل الأول تماماً, نتوء أكبر بالكاد من إصبع مثني لتوه في قبضة. وما إن شعر بالاسترخاء في العزف حتى دفعته الموسيقى المجاورة إلى تحسين عزفه, وألفى نفسه يطيل نغمات ويقصر غيرها اعتباطياً -- حركة لم يُقْدم عليها البتة من قبل -- على حين كان العازف المصاحب يبقي نغماته معلقة في الهواء إلى أن يشعر بلحظة يوالي فيها. كان واعياً أن نغمته ابتعدت عن المثالية ولمسات أصابعه عازتها الدقة, ولكن هذا ما عناه الناس حين تحدثوا عن العزف بشغف وإحساس. تمنى أن يَسمعه أبوه. لن يتدبر أغلب الأشخاص في الحجرة تلك الأيام العشرة في مدرسة الموسيقى, وإنما سيتدبرون عشرين عاماً أنفقها راديليسكو داخل السجن عاجزاً عن عزف الكمان. علِم إرِن أن شرفاً يخامرهم جميعاً لوجودهم هنا, يشهدون عودة الرجل العظيم الحصرية الخاصة. لم يَخرج من السجن إلا بعد أربعة أشهر من سقوط الرئيس تشاوشيسكو, وهنا, في غرفة المعيشة الكائنة في الضواحي, جرَّب ثبات يديه. عندما جاء السوفيت عام 1944, جعَلوا على الأقل الأجواء آمنة لمعيشة اليهود بالرغم من طوابير الخبز والرجال على شاكلة تشاوشيسكو وملصقات تأمرك بالاجتهاد في العمل. "لقد أنقذونا من النار ليرمونا في الجحيم," نبس أبو إرِن. كان يقول دائماً, "أنقذونا," مع أنه لم يرجع قط. ومع نهاية الحرب استرد راديليسكو المعافى من سوء التغذية وظيفته السابقة في الجامعة. آثره الشيوعيون على غيره ورعوا حفلاته الموسيقية ثم أودعوه السجن. ما استوعب إرِن تمام الاستيعاب ما صنعه ليسقط من رحمتهم بيد أن أباه عرِف أناساً كثيرين أودعوهم السجون؛ هذا ما جرت به عادة الشيوعيين. ترنَح إرِن على بغتة مستعيداً الوعي بعزفه فتمنى لو لم يسترده. بعثته غريزته من قبل على المواصلة, ولكنه اضطر الآن إلى أن يتوقف ويفكر في النقطة التي انتهى عندها, يخمن ما يلي, يلحق بالآلة الأخرى, يحصي النغمات. شعر بأعين الجميع مثبتة عليه ما عدا عينيّ راديليسكو؛ فقد غاب العجوز في الموسيقى. لم يغلق راديليسكو عينيه أثناء العزف, ولكنه عصَر وجهاً منقبضاً وحملق إلى منتصف الأفق. كان الكل يعهد قصة راديليسكو في السجن, وعليه ليس هناك الكثير ليكشف إرِن عنه النقاب. حينما اقتادوه في البدء إلى هناك, أراودا أن يضمنوا أنه لن يعزف أبداً الكمان. رصَد الحراس اليد التي يأكل بها, ولمَّا تأكدوا أنها اليمنى, اصطحبوه إلى إحدى الغرف وقطعوا من تلك اليد أصغر الأصابع. لم يكن من بينهم موسيقي واحد وإلا لعلِموا أنه استخدم يده اليمنى لتحريك قوس الكمان ويسراه للعزف بأصابعه. اضطر ولا شك إلى إدخال بعض التعديلات, ولن يغدو كسابق عهده قط. إلا أن راديليسكو بدأ بعد إزالة الضمادة يصنع كماناً في زنزانة السجن. جذب من طرف الكم في زي السجن عدداً هائلاً من الخيوط وضفرها معاً ليصنع الأوتار. كان يحفظ عن ظهر قلب سمك كل وتر. أخذ بعدها لوحاً رفيعاً من قاعدة سريره الخشبية. فرك جانبيه حتى باتا في عرض عنق الكمان ثم تناول مسماراً من السرير ونحت أثلاماً من أجل الأوتار. صنع بعد ذاك قوساً بالمزيد من الخشب وخيوط الكتان الرمادية. كان الحراس يقعون كل عدة أشهر على الكمان مخفياً في سريره ويأخذونه, ولكنه كان يصنع واحداً جديداً. صُنعت كل أَسرة المبنى من الخشب, وعليه لم يتمكنوا من صد جهوده في خلع الآلة تلو الآلة من عظام السجن. تساءل إرِن لِم لم يأخذوا السرير بأكمله ويجعلوه ينام على الأرضية, ولكن حتى الشيوعيين قد يتَّبعون قواعد للمعاملة العادلة. ربما راقتهم اللعبة. وباستخدام مسمار نقَش راديليسكو على ظهر كل نموذج اسم زميله المدرس, عازف البيانو, وكأن ذلك الرجل هو صانع الآلة: مورجينستيرن, هكذا أعلنت الآلة بدلاً من اسم صانع آلات الكمان ستراديڤاري. لم يخطر ببال إرِن قبل تلك اللحظة أن مدرس البيانو كان بالطبع حبيب راديليسكو. لم تتكشف له هذه المعلومة كرؤية قدر ما تكشفت من خلال تعرفه بالأدلة أمَا وقد بات في سن تسمح له بإدراك هذه الأشياء. لذلك كان أبوه يتحدث دوماً عن الرجلين الاثنين معاً, باعتبارهما كياناً واحداً, ولكن بصوت خيم عليه شعور بمأساة تستعصي على الوصف؛ الثابت أن راديليسكو كان هنا بمفرده. إمَّا أن عازف البيانو مات وإمَّا أنه هجره خلال عقوبة السجن الطويلة؛ غير أن ألبوم مورجينستيرن الأخير, ألبوم عام 1986, أظهر رجلاً أكبر سناً موفور الصحة, عيناه براقتان وخداه مُوردان, في صورة ملونة تلويناً رديئاً. لقد هجره إذن. بينما كان راديليسكو ينقش اسم عازف البيانو, صاغ ذلك الرجل حياة أخرى مختلفة يُشكلها ما هو أكثر من السجن والخسارة والذاكرة. خمس مرات في اليوم, بعدما يمر الحراس مباشرة, يتناول راديليسكو كمانه من مخبأه ليعزف مقطوعة تنثال على ذاكرته. يعم السكون زنزانته عدا صرير الوتر على الوتر. حاول إرِن الآن أن يَشعر كيف بدت الموسيقى الحقيقية لأذنيّ العجوز, كيف بدت لأذنيه تلك الحكة الخام الأولى من الكمان عقب عشرين عاماً من الصمت. خام فجة مثلها مثل حلْق جف ريقه. عاد إرِن فجأة إلى الموسيقى مرة أخرى متخيلاً النغمات على الورقة. سمِع نفسه يعزف نغمة خاطئة – لم يَسمعها هو وحده , وإنما سمِعها كل الحضور. انتظر الإيقاع لينضم ثانية إلى الموسيقى عند النغمة الصحيحة, ولكنه وجد نفسه كمن فاته قطار ولم يستطع القفز عليه. صوَّب راديليسكو إليه نظرة ثم تابع اللحن في تناغم وسلاسة. التفت كي يتمكن إرِن من رؤية أصابعه على الأوتار؛ قلَّده إرِن إلى أن استعاد بنفسه تيار اللحن وعاد راديليسكو إلى الطفو بين نغمات البنية والمقاطع الرئيسية لثلاثة أدوار وترية أخرى. رنا إرِن إلى الوجوه المحتشدة فرآهم جميعاً مبتسمين في تساهل, لا يكترثون إن أخفق في دوره أم لم يخفق. اكتشف أنهم لم يعتبروه هو وراديليسكو اثنين من الموسيقيين, وإنما اعتبروا إرِن تجسيداً للشباب, مثالاً حياً على ما خسره العجوز. ورَد ببالهم, تنتظره حياته بأكملها. ورَد ببالهم, آه, لا بد أن دافعاً سوف يحثه الآن على العمل لتحقيق ما راح من راديليسكو. ورَد ببالهم, يا له من صبي أمريكي محظوظ, إنه لا يَعرف الألم. ما انفك إرِن يعزف وإن افتقر إلى براعته السابقة. ما جازف الآن بتغيير سرعة العزف بل حاول عد النغمات والحفاظ على العزف المنتظم. انتقل أبوه إلى مقدمة الحشد, سهُل على إرِن حقاً أن يقرأ أفكاره: كان يهدي هدية. لعل هذا كله هدية لإرِن, شيء أحس أن ابنه سوف يستوعبه أكثر مع تقدمه في العمر ويعز ذكراه, أو علها هدية لراديليسكو, نسخة أصغر من نفسه آبت إلى المُعلم الأستاذ. أبصر إرِن في عينيه المتلألئتين وفكه المطبق وعيه الذي يستحضر كلاً من القديم والجديد. طارت الأشباح كما الطائرات الورقية فوق رأسه. لم يطق إرِن وجه أبيه هكذا فأشاح بعينيه ولكن ليس في الوقت المناسب. غمَره إحساس بالغثيان, بل عله كان أقوى من غثيان يومذاك في بون, تاه منه تيار الموسيقى. استبدت به رعشة وارتج القوس طليقاً في يده. فطِن في لحظة واحدة لأمرين, أولهما غاية في الجلاء غاية في الوضوح, جوهر الذنب في وجه أبيه: لم يكن أبوه ببساطة رجلاً محظوظاً, ولكنه تطلع إلى مغادرة رومانيا, رحَل مبكراً عن عمد متجهاً إلى كلية جوليارد, خلَّف عائلته وحبيبته ومدرسه – لا بهدف الدراسة ولكن بهدف إنقاذ نفسه. وما العيب في إنقاذ النفس؟ ما العيب في الفرار؟ نفس الشيء فعله ولا بد مورجينستيرن عازف البيانو, نقَل آلته إلى الجانب الآخر من البلدة, لم يمش أبداً بحذاء السجن, بل إن راديليسكو خلَّص نفسه في ذلك المبنى الصغير, خلَّصها من طلقات نارية أودت بالنساء واعتقلت الرجال نحو قطار الموت. إلا أن الفرار يخالطه ألم من نوع خاص, ولسوف ترتبط بك دوماً خيوط أرواح لم تنج بنفسها. غير أن الأمر الثاني والأشد إذهالاً هو التالي: لم يكن هذا وحياً إلهياً متاحاً لإرِن دون سواه. إنها الفطرة السليمة, طافية على مرأى من الجميع, تفُوق في وضوحها وإبهامها أي شبح. لقد قصَر عن فهمها لأنه ببساطة عاش هنا في أمريكا, والآن في الوقت الحاضر؛ وقد غص الهواء بأشياء سوف يُغفلها إلى الأبد ما لم ترتبط به مصادفة, اتفاقاً على حين غِرة, شأن سكين ضال. عندما امتنع راديليسكو عن العزف والتفت بعينين تشيان بالقلق, جعَل إرِن يبكي شأن طفل أصغر بكثير. نال منه إنهاك لم ينل منه قط. كانت الحجرة قارباً تتقاذفه العاصفة, وعندما غاص إلى الأرضية, شعر بالبول يسيل على ساقه وكاحله. لم يزل قابضاً على الكمان في يده اليسرى والقوس في يمناه متذكراً بطريقة ما ألا يتركهما للسقوط. لاح أبوه فوقه, يلمس شعره وجبهته ليلفظ في البداية, "ولا يهمك, ولا يهمك," ثم يهمس بكلمات همسه للتعاويذ: "فليكن هذا الشعور أسوأ شعورك على الإطلاق." قام خلفه, بين الضيوف السكارى, ضيوف سمعوا قصة بون في العشاء وأبصروا الصبي هادئ الطبع ممتقع الوجه يستحيل أشد امتقاعاً وينهار, ضيوف أرسلوا همهمة: لقد شهَد رؤية, قالوا. لقد شهَد الحاخام الصغير رؤية. |