مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون          albawtaka@albawtaka.com              تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد التاسع والعشرون، إبريل 2011

Twenty-ninth Issue, April 2011

 

 

 
 

تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد التاسع والعشرين من مجلة البوتقة

 

 

 

 

 

تكرمت ريتشل كاديش بالموافقة على نشر قصة "نساء يحلمن بالقدس" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Kadish was so kind to permit the publication of the Arabic text of "Women Dreaming of Jerusalem" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Kadish a great debt of gratitude for her kind permission.

"Women Dreaming of Jerusalem" by Rachel Kadish. Copyright © 1996 by Rachel Kadish. Originally published in Story, v44 #3, Autumn 1996. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

نساء يحلمن بالقدس

ريتشل كاديش

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: Apr.-1-2011

 

 

 

مجلة ستوري، خريف 1996

 

 

 

 

هناك مقولة يتناقلها البعض في القدس، سوف تتبدل المدينة بأسرها عندما يأتي المخلِّص ويندمج عالَمنا مع العالَم التالي. لأن هناك قدسين. قدس على الأرض، وقدس في الأعالي.

وعند نهاية الزمان سوف تَهبط قدس الأعالي إلى الأرض لتحل محل القدس التي نعهدها. لا حاجة بنا إلى القلق على التوه في القدس الجديدة، لا حاجة بنا إلى القلق على التعثر برصيف غير مألوف في طريقنا إلى المخبز أو السقوط في فم بئر غير متوقَع أثناء الانصراف من عيادة طبيب الأسنان. قُدس الأعالي نسخة مطابقة من قدس الأرض. ولكنها مختلفة، مختلفة بكل الصور.

 

في مطبخ داخل ملجأ نساء القدس المضروبات تقف امرأتان تشيح كلتاهما بوجهها عن الأخرى. لا تباليان بالحديث. أرسلتهما هنا في حرارة الظهيرة أخصائية اجتماعية إسرائيلية حادة الملامح أمرتهما بالتصالح: لن تغادرا هذه الحجرة إلى أن تتغلبا على خلافاتهما.

لا تحفلان بالتغلب على خلافاتهما. تامار، أيرينا. امرأتان مستقيمتا الظهر تنقادان إلى مطبخ متجرد من النوافذ، ثم ينغلق الباب وراءهما. تحفلان بغضبهما. فهو يستحوذ على انتباههما كما لم يستحوذ عليه شيء في الذاكرة. يبث في كلتيهما رعدة وهما تدركان قدرتيهما على التحديق – لو شاءتا – إلى وجه الأخرى باحتقار لا تقنع فيه، أو تجاهل الأخرى بأقل تحول من العيون ومعصماهما يختلجان بالازدراء. تخبرهما الأخصائية الاجتماعية أن المودة يجب أن تربط بينهن جميعاً هنا في الملجأ غير أن هاتين المرأتين أدرى من أن تنصاعا. تعيان أنهما خلفتا ليالي من الإجفال بقلوب تَخفق خفقاً كلما تقلبت أجسام أزواجهن في نومهم الثقيل؛ لقد انتهتا إلى محل الأمان. لا اضطرار إلى الخوف من نوبات غضب يتردد صداها في غرف قليلة الأثاث، طفل واقف في مدخل غرفة النوم أيقظته الصرخات ليلاً. هما أخيراً حرتان. وهذا هو المعيار، خيوط حريتهما الجديدة ونسيجها: لا أحد يَقدر أن يمنع إحداهما من كراهية الأخرى.

 ومن حجرة الانتظار في الملجأ تستمع الأخصائية الاجتماعية إلى صمت أتاها من المطبخ، تُقلب حدقتيّ عينيها إلى المتطوعة الأمريكية الجالسة إلى مكتب الاستقبال. من العسير حمل هؤلاء المهاجرات على أن يَسلكن سلوكاً مقبولاً. قد تظن أن المَولودات في إسرائيل بحلاهن الهندسية وردودهن الغاضبة هن مثيرات الشغب. قد تظن أن المهاجرات حديثاً – المتلعثمات في مقاطع لغة غير معهودة – سوف يبدين التعاون الأكبر.

ولكن النسوة الإسرائيليات يثرثرن معاً في الكلام عن ممثلي التلفزيون. يقايضن وصفات الطعام ويتبادلن الملابس من حقائب عبأنها على عجل ويصففن شعور أطفال بعضهن بعضاً. المهاجرات – الأثيوبيات والروسيات – هن رافضات الحديث.

وطيلة ثلاثة أيام الآن لم يعم إلا الصمت والضغينة. تطوي الروسيات الأربع الغسيل في جانب من غرفة النوم الرئيسية، يجذبن مَرافق أطفالهن بأياد عنيفة حين يبدون في خطر ملامسة أحد الأطفال الأثيوبيين. يوجهن إليهم أصابع اللوم بنبرات عالية متفجعة تخلف الأطفال مضطربي المزاج لا سبيل إلى معرفة ما يعتمل في صدورهم. وعند الطرف الآخر من ماسورة البخار هناك ثلاث أثيوبيات مجتمعات، يرسلن من حين لآخر لمحات إلى الروسيات ويلفظن بعبارات خافتة باللغة الأمهرية.

أجهدت إسرائيليات الملجأ الخمس أنفسهن في محاولة إقناع الأثيوبيات والروسيات بالتعقل. حاولن إغراء مارينا بالحديث إلى كيساي، إذ طلبن منهما طهي العشاء معاً (قرْع القدور أسفل تيار الحنفية البارد، صفْق باب الثلاجة، عشاءان منفصلان: حساء خضراوات بارد، يخنة خضروات متبلة). والآن تسلي بعض الإسرائيليات أنفسهن بالعقبات: يدفعن الأَسرة بالقرب من بعضها بعضاً، لا يتركن إلا قِدراً واحداً متاحاً عندما تحتاج روسية وأثيوبية إلى مياه مغلية. يحمسن بعضهن بعضاً ويقلبن حداق عيونهن في انتظار التفرج على الأثيوبيات والروسيات وهن يناورن دون أن تبدي أي واحدة منهن أي رد فعل تجاه وجود الأخرى.

بدأت المشكلة بسلطانية معدنية وضعتها ناتاشا في الميكروويف. أرسلت دخاناً يتحلق عالياً نحو السقف فخلفت الميكروويف وجزءاً من حائط في حال من السواد حين أبصرت إحدى الإسرائيليات ألسنة اللهب.

وضعت تالي، الأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية، الميكروويف على مكتبها فارتفعت ضربة مكتومة. سلَّطت الإسرائيليات عيونهن على أقدامهن وانسلت منهن الضحكات وهن يلكزن بعضهن بعضاً. ما بدر من تالي ضحك. «ماذا، لمْ يُعطله أحد؟ فرن ميكروويف يتعطل وحده، من تلقاء نفسه؟ تشب فيه النيران دون أن يلمسه أحد؟» مقاطع عبرية قاسية تنهال فوق هواء الأصيل الساكن. سددت الروسيات نظرات تشي بالجمود إلى شقوق الحوائط مثلهن مثل أطفال عابسين في انتظار تقريع المُدرسة. شابهت لمحات الأثيوبيات لمحات الطيور، ترتد عن الجدران لتستقر في النهاية كما الظلال على أقدامهن. هزت تالي منكبيها مزيحة عنها السخط. لو أن هذا مرادهن، حسناً إذن. لن تستبدل الميكروويف بآخر إلى أن تَجْمع النساء النقود.

خطَت إحدى الأثيوبيات خطوة إلى الأمام شأن تلميذة تُسَمع درساً. «ناتاشا عطَّلتْ،» صارحتها.

أتت الإهانات أولاً، الصمت ثانياً. اتسمت الأثيوبيات بالهمجية والبدائية، أصاب القمل أطفالهن. تصبب العرق من الروسيات حتى عندما كان جلدهن بارداً لزجاً، فاحت منهن رائحة كريهة، ونمى على شفاههن الشعر. كانت أرجلهن أغلظ من الأشجار الكبيرة.

«نحن على الأقل لا نقفز من النوافذ،» قالت ناتاشا وهي ترسم ابتسامة متكلفة رداً على اشمئزاز تفتح في وجه تامار. كادت أم تامار تصبح الأثيوبية الثالثة التي تخطو من نافذة الطابق الثامن في مركز الإدماج. ما أخبرهن أحد أن المقصورة حمَلتهن بعيداً كل هذا البعد فوق الأرض الصخرية.

«نحن على الأقل لا يجن جنوننا عندما يضعوننا في مصاعد لأننا نظن أن أحداً يحبسنا في قفص،» أردفت ناتاشا وهي ترصد عينيّ تامار البنيتين الناعمتين تقسوان لتنقلبا حصاتين فضيتين. «نخبط الجدران مثل الحيوانات.»

نبست تامار بصوت ينبئ عن غضب، «ولكن أزواجنا ليسوا سكارى لا يفقهون الفرق بين النهار والليل.» حبَست الأثيوبيات الأخريات أنفاسهن. انتظرن رد فعل الروسيات.

هزت ناتاشا كتفها. «أزواجنا على الأقل لا يتعلقون من الأشجار.»

«وكل أزواجنا يضربوننا. لِم إذن لا تَذهبن إلى النوم، ممكن؟» هتفت إسرائيلية من سريرها وابنتها تتقوس ناعسة بجوارها. «لا، أرجوك يا ييل،» صفَّقت إسرائيلية أخرى، «لا تقاطعيهما. الكلام بدأ يحلو. أريد أن أَسمعنا نشتم أزواجنا. ستكون تسلية أي تسلية.»

«زوجي أحسن منكن جميعاً،» غمغمت ناتاشا.

شاهدت الأثيوبيات الروسيات ينصرفن عنهن ثم يتقهقرن إلى أَسرتهن في الركن القصي من الحجرة.

«متوحشات جاهلات،» صاحت روسية من فوق كتفها.

 

لم تتوقع الأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية أن يستمر الجدال طيلة هذه الفترة الطويلة. رصدتهن في صمت ثلاثة أيام دون أن تخبر المتطوعة الأمريكية باستنتاجها إلا هذه الظهيرة: تامار وأيرينا هما خير أمل بعقد الصلح بين المجموعتين.

تقف تامار وأيرينا في المطبخ مثلهما مثل نُصبين لا سبيل إلى زحزحتهما.

كانت تالي تقحم إصبعاً في ركن عينها أسفل النظارة حين قالت إن المشكلة بين الأثيوبيين والروس ليست العِرق. تشرح تالي لمتطوعة أمريكية ذات بشرة بلون القهوة الباهتة، لا شيء في بساطة العِرق. المشكلة هي التالي: الروس غيارى، الأثيوبيون غيارى. يضمر الجميع الحب للأثيوبيين. لا للإيحاء بأننا لا نرحب بالروس، ألم تتعهد البلد بإيواء كل اليهود؟ الأمر وما فيه أن شيئاً من الضجر يحل بالإسرائيليين. فلا أحد يود الاعتراف بأن المهاجرين عبء. الروس معتادون الطرق الروسية، يطالبون الحكومة بكل شيء. بل إنهم يطالبون بأشياء لا يحظى بها الإسرائيليون: وظائف، إعانات، خدمات. ويجلبون معهم سوقاً سوداء تنجر خلفهم كالرائحة النتنة. الأثيوبيون لا يطلبون شيئاً. الأثيوبيون على الأقل شاكرون.

«إنهن لا يفقهن أي شيء،» تردف تالي. «الأثيوبيات. أَسمع أن قراهن عبارة عن تراب وعصي. لذا يضمرن ولا ريب الغيرة للروسيات – فالروسيات على الأقل يَعلمن كيف يُصرفن أمورهن.» ترسل قهقهة في يدها مسترقة النظر فوق كتفها لتتأكد من عدم إنصات واحدة من الأثيوبيات. «هل تصدقين أن بعض الأثيوبيات لم تقع أبصارهن البتة على مرحاض؟»

تَخلع الأخصائية الاجتماعية نظارتها بعد لحظات وتمسكها بيد واحدة على حين تريح الأخرى برفق على سطح المكتب المعدني. «يجئن جميعاً إلى هذا البلد ونفوسهن تطوي هذا الإيمان، أليس كذلك. يعتقدن أن هذا المكان سوف يُصلح كل شيء.» تهز كتفها ثم تربت المكتب بيد مسطحة مرة، اثنتين، ثلاثاً. «لا عجب أنهن لا يستوعبن عندما لا يكف أزواجهن عن ضربهن هنا.»

 

في قدس الأعالي تصطبغ سماء الليل بزرقة داكنة سوف تخر خرير المويجات إن رميتَ نحو السماء حجراً. في قدس الأعالي قد تَرقد امرأة على الأرض الصلبة – وحجرٌ يَقوم مقام الوسادة – لتنام دون أن تصحو. تَنعم قدس الأعالي بتلال منحدرة ومماشٍ متمعجة. تنير الشمس الغاربة المدينة بألوان يتلون بها هلال ظُفرك. وردي، بني، أبيض.

قُدس الأرض هي مقر أكثر فرق الروك شعبية في هذا الموسم. تتوسع أحياؤها اليهودية المتدينة كما يتوسع مطعمها الصيني. يبيع مُجمَّع المتاجر الجديد في شارع كينج چورچ أحذية بكعوب عريضة عالية وهواتف محمولة. هناك خَصم للجنود. وفي القدس الشرقية يصيح بائع مصابيح وبناطيل جينز زرقاء برَجل يعتمر غطاء رأس أبيض ويتأمل أنقاض منزل متهدم، «أَعرف مكاناً يمْكن أن تقِيم فيه أسرتك فترة.»

 

يحتل ملجأ المضروبات موقعاً سرياً في القدس. انتقل بالفعل مرتين، وقد ينتقل مجدداً. خطوط الهاتف في الملجأ غير مزودة بخدمة معاودة الاتصال، خدمة جديدة في المدينة. ومن حين لآخر يقترح شخص قطع الاتصال الهاتفي عن الملجأ كلية: هؤلاء النساء لسن أهلاً للثقة، سوف يتصلن بالعالَم الخارجي ويفضحن موقعهن في محاولة يائسة لزيارة الحب من جديد. ولكنهم لم يقروا هذه السياسة. شعروا أن انتقال الملجأ من وقت لآخر إلى أماكن لا تُعَلمها علامة كافٍ كيلا يعثر عليه الخارجون أو تَعرف الداخلات موقعهن بالتحديد فلا يتسنى لهن التسبب في اضطراب لا داع له.

سرى كلام عن إقرار هذه السياسة فيما يتعلق بدولة إسرائيل.

 

عندما انضمت تامار وأسرتها إلى مجموعة تنتظر نقلها بالجسر الجوي من أديس أبابا، كانوا قد ساروا أياماً. اصطبغ المساء بلون برتقالي شاحب، تراءت السحب بعيدة لا وزن لها وهم يمرون صامتين بالجزء الأخير من الطريق في اتجاه المدينة. كانت رسالة قد ورَدت إلى توليكا والقرى اليهودية الأخرى: خذوا ما يسعكم حمله وازحفوا شطر الجنوب. آن الأوان. سوف يرحل فجراً كل القادرين جسدياً على السير.

وبعد انقضاء ساعات، مع شروق الشمس، ولَّت القرية الفرار. عبَرت قمم تلال منخفضة يسودها الهدوء، اجتازت أكواخاً مسيحية نائمة ذات مداخل شاغرة. تحركت القرية في سكون ناحية الجنوب والصرر والسلال بين أياديهم. ساروا في قيظ النهار، ساروا حتى حل المساء ثم الليل. ثارت بين السائرين سُحب من الغبار فلم تبصر تامار إلا وجهاً شاخصاً بين الحين والآخر. كان زوج تامار في مكان ما من المقدمة، ولكنه لم يَرجع لملاقاتها. تقدمت تامار وعلى منكبها يد أمها الخفيفة كالريشة. وفيما غلَّفها من سديم صكَّت بصرها أشباح. رأت مطراً صلَّت من أجله قرية توليكا ذلك الشتاء بيد أنه لم يهطل قط. رأت زوجها كما كان حين خاطبها لأول مرة، ينحني صوته عليها كالغصن الغض. جثا صبي نحيل عريض المنكبين على رصيف ضيق يجاور طرف حقل من البراعم الخضراء؛ اتكأت ركبتاه على كومة من الأحجار جمعها لتخيف نبلته الطيور. رفَع رأسه لينظر لحظة إلى تامار بعينين تشيان بالألم وكأن هيئتها الهزيلة حمَلت كل ما قد يحتاج إليه من أجوبة. رأت تامار جدتها الكسحاء، تخلفت عنهم في توليكا مع العُجُز ونساء في المخاض. سوف نأتي حين تسترد النساء عافيتهن، هكذا جاهر العُجُز غير أن جدة تامار هزت رأسها. ردت على اعتراضات تامار، إنني عجوز. سوف يتهيأ الآخرون لرحلتهم. وقبل أن يَفرغوا من ترتيباتهم، سيعاجلني الأجل. كررت الآن لتامار بصوت خافت، لا تقلقي علينا. لو أتى قطاع الطرق إلى توليكا، سوف نتدبر أمرنا. سوف يرينا الرب سبيلاً، فقد أتوا من قبل. سارت تامار عبر أعمدة من الغبار. رأت أمام عينيها إسرائيل: امتداداً من الخضرة، جدولاً عامراً بالصخور، سلالم مكللة بالظلال تفضي إلى الهيكل. مكان لتريح عليه رأسها، تسند إليه قدميها. مكان لتأخذ إليه يد أمها وتشطف التراب عن تجاعيدها الدقيقة، ترتقي بوجهها لترنو إلى عينيّ زوجها وقد امتلأتا بالطمأنينة.

استقرت القرية في أديس أبابا داخل مجموعة من الشقق الرمادية. كان النبأ يذاع يومياً من السفارة: ليس بعد. ليس اليوم. هزهزت تامار طفلاً يسعل، ابن أسرة من الأسر التي تشاركهم الشقة. وفي الشارع وقَف الرجال يسددون إلى السيارات المارة عيوناً نصف مغمضة ويتجاذبون أطراف الحديث بأصوات خفيضة. انصرمت شهور، ذاع النبأ من جدران السفارة: ليس اليوم. غنَّت أم تامار لها: سوف ننعم في إسرائيل بحديقة وبئر، منزل جميل.

وبعدها أقبل الليل. لم تكن التعليمات في حاجة إلى تكرار. يجب أن يأتوا، حالاً. غير مسموح بجلب أي شيء من متعلقاتهم. سوف تنقلهم حافلة إلى المكان. أخذوا كل مَن في السفارة، لا وقت لانتظار مَن لم يصل بعد إلى أديس أبابا.

رجَّت ضوضاء مدوية الظلام في مهبط المطار. ألْفت تامار نفسها وسط امتداد لا نهائي من البشر: في مثل كثافة نجوم السماء، عدد من الناس لم يقع عليه ناظراها مطلقاً. وقَف يهود أثيوبيا على الأسفلت، عيون داكنة براقة تنقب في الوجوه المجاورة وكأنها تراها للمرة الأولى، تَدرس منحنى مألوفاً في شفة، ندبة متغضنة فوق عظمة وجنة، لوناً أبيض زاهياً يميز بطاقة مُرقَّمة تلتصق بجبهة لا تبرأ من تجاعيد طويلة. فعلت تامار مثلما أراها الآخرون وألصقت بطاقة على جبهتها وأخرى على جبهة أمها. تمتمت قرى اليهود واستكنت بالقرب من بعضها بعضاً. انسابت الكلمات من خلالهم انسياب مويجات تنتشر. لقد كان الخلاص. سوف تَحملهم الطائرة إلى القدس. تناهت إلى أذنيّ أحدهم نفخة في قَرْن كَبْش، لا بد أن الأمر صحيح. سوف يكونون هم – من بين كل الأجيال – مَن سيلقون التحية على المخلِّص. تصادمت الهمسات، ارتفعت وسقطت فوق سيول من الإشاعات تجري ضد التيار: كانت خدعة، ورَدَ على أحدهم أن المتمردين قادمون أخيراً للإجهاز على اليهود. كان حشدهم في أديس أبابا شَركاً رغم كل ما قيل. لن ينجو واحد منهم.

ولكن رجالاً ببشرة ممتقعة كانوا يَحملون أوراقاً هنا، يسْرعون بينهم الخطى. عندما طلَب منهم هؤلاء الرجال بأمهرية متلعثمة التزام الصمت، نزَل بالحشد الصمت؛ عندما طلَبوا معرفة زعماء القرية، تقدم الرجال دون أن ينبسوا بكلمة. آن الأوان، مَرَّ الهمس عبر تامار. سوف يأخذوننا. انقلبت القرية خطاً يتقوس في سكون صوب قرية أخرى خلفها. بل إن الرُضع لم يند عنهم صوت. توقف بالقرب من تامار رجل يدون علامات على رزمة من الأوراق. بلَغ خريف العمر، تبدى قوي البنية وإن أتلفت الشمس والرياح بشرته. كان يحملق إلى القرى المتقوسة على الأسفلت وقد امتدت صوب الأفق. يصطف الناس واحداً تلو الآخر: شابات يَحملن رُضعاً في حمالات، عُجُز يتشبثون بأكتاف أحفادهم البالغين. خفَض الرجل أوراقه ببطء إلى جانبه ثم رفَع في الهواء يداً مرتعشة. فرَّت من شفتيه كلمات غريبة تنبئ عن العجب أو الدعاء إلى الرب. كان باستطاعة تامار عندئذ أن تفتح فمها، كان باستطاعتها أن تخاطب الرجل بالأمهرية لتفضي إليه برؤاها لسحب الغبار وليال من وقع الأقدام الخافتة. ولكنها رفَعت رأسها عالياً بقدر من التفهم. كان رجلاً يعتاد النطق يومياً بهذه الجمل: رجلاً من الأرض الموعودة.

جلسوا معاً تكتظ بهم أرضية الطائرة في انتظار تعليمات الرجال حاملي الأوراق. وبالاستعانة بمترجم أبلغهم الرجال أنهم سيَصلون إلى إسرائيل مع شروق الشمس. عندما سارعت الطائرة إلى شق الهواء ثم علَت بجهد مريع إلى السماء، همست أم تامار بصلوات تشي بالبهجة. الأرض المقدسة. لم تُصدق حتى الآن أنهم سوف يأخذونهم إلى القدس، ولكنها تدرك الآن صدقهم، فقد تحركوا عالياً نحو السحب حتى تلون كل شيء بالأبيض. سوف يذهبون إلى المدينة الكائنة فوقهم، قدس الأعالي: قدس تجُول في السموات كصبي يشرد مطمئناً عن القطيع في الغسق.

انفصل زوج تامار عن مجموعة محتشدة أمام إحدى نوافذ الطائرة ليشق إليها طريقه. «إنه يومنا الأعظم،» أخبرها. حل الإجفال بتامار لمَّا لمس كتفها. تولتها الريبة وهي ترتقي بعينيها إلى مهابة ترين على ملامح وجهه. لأنها لم تلد لزوجها طفلاً اتهمها بعدم توخي قوانين الطهارة، بالتآمر ضده. تمَوج خارج النافذة بحر من اللون الأبيض أسفل سماء زرقاء مشرقة. انحنى زوج تامار فوقها وقد ساوره خجل أشبه بخجل الصِبية. اختلج صوته في إباء معلناً، «إنني الآن إسرائيل.»

انضمت تامار بعد ذاك إلى أمها بجوار النافذة لتُعْلمها، «موشى غيَّر اسمه.» ولكن ما بدر من أمها إلا أن قبَضت على ذراعها وأشارت إلى النافذة هامسة، «انظري إلى الجمال.»

بعد مضي ثلاثة أشهر حطت أم تامار سلة الغسيل برفق على أرضية منزلهم خارج مركز الإدماج بمدينة بئر السبع. «في كل مكان، يهود.» أرسلت أم تامار ضحكة عالية، صوتاً رقيقاً غير معهود. «في كل مكان يهود،» كررت.

يهود يجْرون للحاق بالحافلات ويقفون في الطوابير. يهود يفلحون الأرض ويتاجرون في الأسواق. هزت تامار رأسها بما يوحي بالحيرة. من كان ليحلم بهذا المنظر: العديد والعديد من اليهود ببشرة بيضاء.

سارت أم تامار نحو سلالم المنزل الإسمنتية. خرَجت من الباب، مشت في الفناء عبر تراب تتشابك فيه الأعشاب الضارة، دارت دائرة صغيرة حول المنزل. كانت تامار جالسة على مقعد في المطبخ، تشاهد أمها من النوافذ وهي تمر خلف عمود الهاتف، حول شجرة نحيلة في زقاق يمتد بين منزلهم والمنزل المجاور، على طول سبيل يفصل منزلهم عن طريق طرَقته الشمس اللافحة، عائدة إلى الباب الأمامي. خطَت أم تامار بقدمين هادئتين إلى المنزل.

«ليس كما ظننتُ،» نبست بعد لحظات. «ولكنه كاف.» ربتت إحدى راحتيها الأخرى برفق، مرة ثم مرة ثانية. «جميلٌ أن نكون هنا معاً.»

استلقت تامار مستيقظة ليلاً في ذلك الأسبوع، تُنصت إلى صوت سيارات تنهب الطريق خارج نافذة الطابق الأرضي. حلَمت مجدداً بذلك اليوم الأول، يوم قضوه في فندق تحَول إلى مركز للإدماج خارج تل أبيب. مدير الفندق يمسك أمها في ركن المصعد وذراعا أمها مثَبتتان لِصْق جنبيها كما أصر المترجم وهو يتحدث إلى تامار. قولي لأمك إننا لا نضعها في قفص. مدير فندق لا يَسلم من الإعياء يقبض بإحكام على امرأة تضربه كطائر مرعوب كيلا تنبشه بأظافرها وتُسيل دماءه. وفي الطابق الثامن من الفندق تقهقرت أم تامار إلى أحد أركان الغرفة والارتعاد يستبد بها وأنفاسها تتهدج، أبت أن تلفظ بكلمة. كانت تامار تفرش بطانية عند نهاية السرير المرتفع حين التفتت لترى أمها قابضة على عتبة النافذة. مالت أمها إلى الأمام وكأنها ستخطو منها. مالت أمها إلى الأمام وكأنها ستخطو من هذه العتبة نحو أحلامها. ثمة أصوات تصرخ أسفلهما في الشارع، ثمة رياح تمشط شعرها.

استمعت تامار المضطجعة في الفراش إلى صمت الصحراء المحيطة بهذه المدينة الإسرائيلية، بئر السبع. أيقنت تامار أن جمالاً يقبع في مكان ما من هذا البلد غير أنها فتشت عنه ولم تعثر عليه. لم تلتق عيناها إلا بظلال ساكنة طرَحها هذا المنزل بجدرانه المشيَّدة من الجص. ما رأت إلا أنها امرأة من دولة أجنبية ترقد بلا حراك إلى جانب زوجها داخل غرفة نوم بمحاذاة الطريق. أفزعتها تنهيدة فرت من تجاويف عظامها لأنها كانت صوتاً أجنبياً، مغناة بلغة أجنبية، لا تستحق ملجأ في هذا المشهد، مشهد تنتثر فيه الصخور.

وإلى جوارها زعَق إسرائيل في نومه وجلَس على الفراش. تحسس الحائط بارتباك بحثاً عن مفتاح النور ثم رمق تامار في ضوء النيون الخافق. نظَر إليها نظرة بائع إلى فاكهة، بعناية وعينين تلتقطان التفاصيل. مست أصابعه بقعة غامقة في الجزء النحيل من أعلى ذراع تامار، قبَض عليه ورماها قبالة الجدار لكي يرمي هذا البلد الملعون ببيروقراطيته الملعونة.

سوف يرميه بعيداً. أيام من هواء متذبذب فوق مواقف السيارات ولا شيء عدا الصحراء خلفهم، أيام من الوقوف في الطوابير مع آخرين في منتهى اللهفة على نيل الاستحسان حتى إن إيماءات ندَّت من رؤوسهم إلى كل إسرائيلي رأوه. أبلغته المرأة الجالسة إلى المكتب أن لغته العبرية يجب أن تتحسن قبل أن يصبح مستعداً للتدريب على النجارة وعدد من الدروس الإضافية وعدد من الخُطب الإضافية عن التاريخ واليهودية والسلوك القويم في هذا البلد الصارخ المتدافع وكأنه معدوم التربية والعادات الحميدة. حتام يجب أن يتحمل رجل قبل أن يتمكن من مغادرة هذه المدينة الملعونة المنعزلة انعزالاً؟ لم يكن طفلاً كي تؤدبه امرأة. لم يكن طفلاً في فناء مدرسة. كان متحكماً في مصيره. هذا البلد بتصاريف أفعاله الملعونة. على الأقل في أثيوبيا لا يوجه العدُو إليه ابتسامة. إنه رجل، وليس مهاجراً. تدفقت من فمه اللغة كما تتدفق المياه من صخرة. هنا يكرر الأخصائيون الاجتماعيون بلهجة تنم عن ضجر: ارجع الأسبوع المقبل، وسنرى ما يمْكن فعله.

شعرت تامار باللمسة المرتابة على ذراعها ففطِنت إلى السبب في اضطرار إسرائيل إلى إبراحها ضرباً. استوعبت أنه ليس المُلام على غضب صلَّب مشيته في بعض الأمسيات، وهكذا علَّمت نفسها أن تقف في مواجهته دون أن ينال منها الإجفال، علَّمت نفسها أن تحتمل دون أن تنطق بصوت. كانت تامار راقدة في الفراش أسفل النور المرتجف حين استوعبت أن زوجها ليس المُلام. لم تكن غلطته. لقد هزَمته القدس.

جلَس إسرائيل متربعاً في الفراش وهو يدلك مؤخرة عنقه. باح، لم أكن أظن أن هذا سيكون حالنا.

 

في ملجأ المضروبات بالقدس تنفصل اثنتا عشرة امرأة عن مراسي النوم في غرفة واحدة. يَرقد أطفالهن بحذائهن على الأَسرة المنخفضة أو تتقوس ظهورهم معاً فوق بطانيات منبسطة على الأرضية. يلعب المتطوعون مع الأطفال في خلال النهار على حين تعمل النساء في المطبخ أو غرفة الغسيل. يكوين الملابس ويطوينها، يقطعن الطعام جنباً إلى جنب، ولكن بعضهن يؤدين العمل في صمت مشوب بالضراوة. استمر هذا الوضع أياماً. تدنو الأثيوبية المدعوة تامار من الروسية المدعوة أيرينا. تمد تامار يدها فوق كتف أيرينا لتتناول مقلاة تحمير. تسحبها تامار بالقرب من وجه الروسية ثم تمسك. تغَني في ذهنها فكرة: ليست مكرَهة على احتمال الألم. ليست مكرَهة على احتمال الإهانة. لن تطيق بعد الآن أي شيء.

بوسع أيرينا أن تَسمع أنفاسها. ليس هذا حال الأثيوبيات أبداً، يَصرفن وجوههن على الدوام وعيونهن تلوذ بالفرار كطيور السنونو. لِمَ ينفذ إليها ما تكنه هذه المرأة لها من كراهية مكتومة تصطدم بها كضربات منتظمة تَسقط في صمت مطْبق؟ لا تستطيع أيرينا أن تتمالك نفْسها، تتراجع بخطوات متقلقلة.

تتحرك تامار ببطء وهي تخفض مقلاة التحمير وتَقطع المطبخ إلى جانبه الآخر. ترصد النساء الواقفات بجانب أيرينا تامار في سيرها. حين تنتهي إلى الجانب الآخر من الغرفة، تبدأ الهمهمة الروسية: مَن تظن نفسها، أميرة؟

تقطع أيرينا البصل، مستنزَفة من كل فكر. لن تنصت إلى الهمهمات، لن تحاول أن تفهم هذه الأثيوبية. لِم ينبغي عليها أن تحاول فهم أي شيء؟ لِم ينبغي، في هذا البلد المنهِك المخدِّر.

 

عندما قال المتطوع الروسي لأيرينا في مركز الإدماج إنها هي وزوجها جيل الصحراء، انتهت إلى أنه أبله متعجرف.

«أنا نفسي أتيت هنا من موسكو، لذا استمعي إليّ جيداً. لستُ مضطراً إلى أن أنصحك، هذه النصيحة التي أسديها إليك مجاناً.»

ربتت أيرينا رأس ابنها بوريس الجالس ثقيلاً على حِجرها. لم تكن تستمع والمتطوع يتحدث عن الكتاب المقدس ويحكي عن أطفال إسرائيل الهائمين في الصحراء. أطلت أيرينا من النافذة صوب قمم النخيل.

«هاموا أربعين عاماً، وفارقوا الحياة هناك،» تخللت لغة الرجل الروسية عبارات عبرية، علا ذقنه بما ينم عن كبرياء. «وهل تَعلمين السبب؟»

كانت أيرينا ترهف السمع إلى سعف النخيل في الرياح.

أجاب الرجل، «من أجل أطفالهم. لقد مات اليهود الهاربون من العبودية في تلك الصحراء، لم تقع عيونهم قط على الأرض الموعودة. ولكنهم وهبوا حياتهم للتجوال كي يتمكن أطفالهم من العيش بحرية في إسرائيل.»

خطَرت مدينة جوركي ببال أيرينا.

«لن يَسهل عليك أن تكوني مهاجرة، كما تَعلمين. لن تَعرفي هنا كيف ترسلين خطاباً. لن تَعرفي كيف تبتاعين الطعام. بل إن أفكارك ستكون خاطئة.» تعالى صوت الرجل ساخطاً إلا أن أيرينا لن تَصرف عينيها عن النافذة. «حين تفدين إلى هنا، تضعين نفسك في الصحراء كي يتيسر لأطفالك يوماً أن يكونوا في موطنهم. الغريب لك سوف يكون عادياً لهم. سوف تظلين دوماً مهاجرة غير أنهم سيكونون أبناء للبلد. ولن يفهموك.»

قام البرتقال في خيال أيرينا.

برتقال في ظهيرة خريفية للاحتفال بزفافها. وبدموع تسيل كانت أمها تزرر فستاناً أبيض انتقل إلى أيرينا من جدتها. كانت أيرينا تتحلى بالجمال، بمنتهى الجمال. كَنْزهم، هل علِمت أيرينا ذلك؟ أجمل فتاة في جوركي. شعرٌ بني اللون فاتحه، خُصله طويلة متموجة ناعمة، يا لاستقامة أنفها، لن يخمن أحد أنها يهودية. وعينا أيرينا الزرقاوان الفاتحتان، رموش طويلة غاية في السواد، رموش كريش ناعم قاتم. قالت لها أمها، إنك فرحتنا. اعترى الخجل لمسة أبيها على كتفها وهو يسايرها إلى مظلة أتموا المراسم تحتها. مد يداً إلى وجنة أيرينا ثم تحول سريعاً عن قُبلتها وكأنما لم يحتمل أن تَشهد هذه الابنة الجميلة جمالاً لا تفسير له عمق حبه.

أخبرها ديڤيد في تلك الليلة بعد أن انفرد بها في شقتهما أن عينيها في مثل صفاء المحيط ونقائه. قال إن وجهها جوهرة لا تشوبها شائبة. وجهها منبع فخره، كان قد علِم أنه يحبها لحظة التقائه بها.

ضربها ديڤيد لأول مرة في وقت الغروب. المرة الثانية، صباح رمادي يهدد بهطول الثلوج. تعلمت أن تدير جسمها حتى تضرب قبضاته الورك لا البطن، الذراع لا الضلع. تعلمت أمارات غضبه. ما كان صعباً. استيقظت في الصباح وأعدت إفطاره على موقد الغاز، جلَس كل منهما في مواجهة الآخر إلى مائدة المطبخ حتى انصرفا إلى العمل. حين نهَض ليغادر، طبَع على ثغرها قبلة عنيفة ثم مد يده متثائباً إلى الباب.

كانت مُدرسة رياضيات، لا تَبعد المَدرسة إلا عشرين دقيقة في الحافلة المتجهة إلى البلدة، نصف ساعة عندما تتوقف في الطريق لتترك الرضيع الجديد مع أمها. كان ديڤيد يشتغل مهندساً. كانا يجلسان مع الأصدقاء مساء بعد العشاء، يخمنون حتى حلول الليل مقاصدهم حين تتم الموافقة على التأشيرات. قارنوا القصص عن المدن الأجنبية وعدوا الأيام إلى أن حلَّت مواعيدهم التالية مع موظفي الهجرة. أصر ديڤيد أنهم «مجرمون، كلهم،» فبدرت الإيماءات حول المائدة.

كان سايمون يعلن النَّخْب في أغلب الليالي على حين تصب حبيبته أسايا الڤودكا. «في صحة أمريكا، في صحة إسرائيل، في صحة الأرجنتين أو أسبانيا. في صحة أي مكان يسمح ليهودي شارد بالمضي إليه،» جاهر سايمون. «في صحة أنف فيليكس، فلتتضخم على الدوام تضخم الجبال.» تعالت ضحكة فيليكس وواجههم بصفحة وجهه ليفوز منهم بنظرات الإعجاب. «فليصبح أنف فيليكس أثراً يُعمر أكثر منا جميعاً، فلتتسلق الكيه چي بي قممه يوماً لتغرز علماً يعلنه منطقة جديدة من مناطق التوسع السوفيتي.» خفَض سايمون صوته لينقلب همسة خليقة بالمسرح، «وليَسقطوا موتى من الصدمة حين يدركون أن هنا منطقة لا يمْكنهم طرد اليهود منها.»

نهض ديڤيد مرتكزاً على المائدة. تلويحة متقنة من اليد كي يستأذن سايمون، «في صحة ابني بوريس، وفي صحة زوجتي أيرينا، أميرة جوركي.» خالج أيرينا التردد وكؤوس الآخرين ترتفع حولها في الهواء، ولكنها لم تتبين في ابتسامة ديڤيد إلا لهواً.

عادت كؤوسهم إلى التضارب بخفة وهم يتمتمون كلمة لاخيم. كانت أيرينا تَحمل بوريس النائم على حِجرها عندما تطلعت إلى ديڤيد بطرف ينطق بالأمل. وقَف ديڤيد إلى المائدة وصوته يرتجف هامساً، «في صحتكم جميعاً، خيرة الأصدقاء.»

حين عاد ديڤيد إلى البيت مساء ومعه التأشيرات، راقص أيرينا على أرضية المطبخ. حويا بوريس بأذرعهما حتى قاوم الصبي ليتركاه. أجلساه بعدها على الأرضية ودارا في أنحاء الغرفة، هما الاثنان لا ثالث لهما، والموسيقى تملأ المطبخ المضاء بمصباح واحد وتَدفع خطواتهما واسعةً.

عندما غادر ديڤيد الشقة ليلتها، حضن أيرينا وبوريس حضناً قوياً. «سوف أشتري التذاكر، تذاكر ستمهد طريقنا إلى إسرائيل.» وعندما آب في الصباح، كان يَحمل خشباً. متدل من كتفه، مربوط إلى ظهره، والمزيد سيأتي بالسيارة بعد الظهر. كاشف أيرينا بابتسامة عريضة بأنه أفرغ حسابه في البنك عن آخره. ولا روبل باق عدا ما يحتاجان إليه لمعاونتهما حتى الرحيل. كان العجوز ياكوف قد أسَرَّ إليه بأن الخشب هو أثمن سلعة يمْكن جلبها إلى إسرائيل، وقد كان يلم بطريقة شحنه. «انس النقود، الأرجح أن الحكومة لن تسمح لك بأخذها. وانس أي أفكار تقترح بيع فضة جدتك حين تصل هناك. فإسرائيل طافحة بمهاجرين يأملون بيع الخردة القديمة. أمَّا عن إيجاد وظيفة يوم وصولك، فلا تظن أنك أول مهندس روسي في إسرائيل.» حط ياكوف يداً ارتفع صوتها على قفا ديڤيد ومال مقترباً منه. «ما تحتاج إليه إسرائيل هو خشب صلب ثقيل فائق الجودة. أحضِر ما يكفي لتشييد أرضية في منزل راق واطلب أعلى سعر. وسوف تبدأ مشروعك بداية ممتازة.»

تميز الخشب بالثقل والنعومة، لونه عسلي تخالطه خطوط غامقة تمتد رقيقة كالريش من أعلى الألواح العريضة إلى أسفلها. خطط ديڤيد لدهنه بورنيش بني صارخ، كان يَعلم كيف سيضمنون وصول الخشب إلى القدس دون أن تنال منه الخدوش. وبعدها، ستتاح لهم فرص أي فرص. حرية أي حرية. سوف يتمكنون من الصياح من أسقف المنازل بأية فكرة تطرأ على أذهانهم. سوف يعتلون ذلك الركام من الخشب ويمدون أبصارهم إلى المستقبل، يختارون طريقهم ويستهلون السير.

وفي تلك الأمسية كدَّسا الخشب داخل المطبخ، كوماه على طول مشمع الأرضية وفي علو مرافقهما. وقَف ديڤيد في ممر غرفة النوم وأيرينا تهدهد بوريس. وعندما وضعها ديڤيد بيدين حريصتين، أقحم الخشب الخشن شظايا في جلد أيرينا، لم تكترث. أمسكت بمنكبيّ ديڤيد وكأنهما عمودا العالَم ومارسا الغرام فوق ألواح عريضة كان من الممكن أن تقع في أية لحظة، ولكنها تزحزحت فقط وأرسلت التنهيدات، وهكذا دارت ببال أيرينا ألواح خشبية باردة تحت أقدام حافية في القدس، سماء تحت حيوات جديدة، حياتها وحياة زوجها وحياة ابنها.

تعلمت في القدس أن تمسح أرضية شقتهما الجديدة بشريط من المطاط وتترك الماء يسيل من فتحات المصرف ليترشش على أرصفة مليئة باليهود. شاهدت في القدس الشاحنات تطوي الشارع متسارعة مرتجة واضطرت إلى تذكير نفسها أنها يجب أن تفسح لها الطريق، تماماً كما كانت تفعل في جوركي. قادها يهود، هذه الشاحنات. شاحنات يقودها يهود. حافلات. في المتجر، بائع يهودي. عند ملتقى شارعين يُلوح اليهود بأياديهم في أوجه بعضهم بعضاً ويتكلمون في السياسة بأصوات صارخة. يوم الاستقلال، عرض جوي بالطائرات، يهود يتقاطرون عالياً في السماء، تتعقبهم سُحب من الدخان تجمع بين الأزرق والأبيض. أعمى اليهود عينيها، تعثرت في الشارع من فرط التحديق. غمرت جرأتهم كيانها. حاولت أن تصفها في خطابات كتبتها لفيليكس في جوركي وسايمون وأسايا في بيتهما الجديد بأمريكا. ولكنها لم تَقدر. وبدلاً من وصفها كتبت لهم عن الأسواق. لم تحو متاجر جوركي إلا سلعاً قليلة، رفوفاً بنية متجردة، صفوفاً من الزبد والبيض. زخرت القدس هنا بالأسواق المقامة في العراء، يمْكنك تناول عينة من كل كشك: بلح بالعسل من واحد، فستق من آخر، فراولة طازجة من ثالث، والبرتقال في كل مكان. حمَلت بوريس في أرجاء السوق مرتين يومياً، وفي كل مرة أعدت له وليمة من كشك إلى آخر. بلدٌ يفيض باللبن والعسل، التين والحلاوة الطحينية وخبز بالسمسم الحلو.

قال البائع، «سوف أتكلف الكثير لإعادة دهن الخشب». دار حول الألواح بقدمين حذرتين بينما تبعه ديڤيد في دائرة ضيقة حول مطبخ الشقة. كان الخشب يشغل كل الغرفة تقريباً؛ تناولوا عليه الوجبات أسابيع وأيرينا تناور حول الألواح كي تصل إلى الموقد. وعندما كان ديڤيد يَغيب عن الشقة، غيرت أيرينا حفاضات بوريس فوق قماشة مفرودة على الخشب. كان هذا أول بائع يوافق حتى على المجيء إلى الشقة. «سوف أعطيك ألف شيكل،» أنهى إليه الرجل. أرسل ديڤيد صيحة تنم عن الاستهجان ثم مد إليه الصينية مرة أخرى. أخذ الرجل كعكة وأكلها في قضمة واحدة. قال وهو يمضغ، «هل تظن أنك الوحيد في هذه المدينة بغرفة مليئة بالألواح الخشبية؟ كل روسي في البلد يعتقد أن لديه أفضل ورنيش ورَد على الشرق الأوسط على الإطلاق. دعني أقول لك، لن تبيعه أبداً بهذا السعر.» أشار البائع إلى أيرينا طالباً سترته ثم غمغم، «الأثيوبيون على الأقل لا يُحْضرون أرضيات.»

طاردها الرجل على طول صف الأكشاك في السوق. قبَض على ذراعها وأرغمها على مسايرته عائدين إلى بائعي الكمثرى والكعك. «احفظوا هذا الوجه،» أمرهم. وقَفت أيرينا بكماء. ومن تحت جفون مسدَلة في كلل سجَّل ملامحها أربعة يهود بشعور سوداء ورمادية بلون الفولاذ. «ماذا تحسبين، يمْكنك ببساطة أكل وجبة هنا مجاناً كل يوم؟» كان الرجل يهز أيرينا مع كل كلمة. «أليس بك خجل؟» شعرت أيرينا بجسمها يُستنزف من كل قوة حتى إن شيئاً لم يعد يبقيها على قدميها خلا أصابع البائع المعتصِرة، لا جوهر لها خلا ثقل بوريس على وركها. أبطأ في الممر رجل عجوز بسلة بيض وامرأة بحقيبة شبكية عامرة بالخضراوات. تناهى إلى أيرينا ضحكة مكبوتة فرت من المرأة ونخير من الرجل دال على اتفاقه معها، فوعت أنها لم تعد المرأة التي أبصرتها صباحاً في المرآة.

شق ألْف شكل بشري طرقاً متلوية عبر ممرات ساحة السوق، وانطلق ألْف بصيص من النور خلال سقف من القصب الأخضر يعلو الرؤوس. وعند نهاية السوق حيث تعترضه من الشارع مستويات مشرقة من ضوء الشمس حرر البائع ذراعها. عالة روسية، شتمها بعد أن ولَّته ظهرها. تعثرت بالرصيف المزدحم، زلَّت قدمها ناحية الشارع. وبعدها أتاها الإدراك. سقَطت على ركبة واحدة وسط الحشد المتعجل ممسكة بابنها على مبعدة ذراع. انتظر أن تتكلم، توردت وجنتاه الممتلئتان. كانت أيرينا تجثو على ركبتيها في شارع ارتطمت به الشمس ارتطاماً والأغراب يسْرعون ويتفادونها عندما سمِعت صوتاً رتيباً صدَر من الرجل في مركز الإدماج: هنا في القدس لم تكن أماً ملائمة. هنا في القدس كانت لا شيء. لقد سمَحت لذاكرتهم بحفظ وجه ابنها.

«ولكنه نفس المبلغ الذي دفَعتُه في مقابل الخشب،» قال ديڤيد للإسرائيلي. كان فمه في مثل نعومة فم طفل وجبهته لا تَسلم من التجعد. اندفعت أيرينا قُدُماً لتواجه البائع وتصر، «ضِعف ذلك، ضِعفه.» أغلق البائع سوستة سترته وانصرف إلى الباب قائلاً، «لديّ أسرة لأعيلها أنا الآخر.»

جادلت البائع. استخدمت كل حيلة عرَفتها، هددت بإخبار الجميع بأنه شحيح. هز الرجل كتفيه هزة من لا يبالي وسألها، «مَن قال لك إن بإمكانك الحصول على مثل ذلك المبلغ في إسرائيل مقابل أخشاب للأرضية؟» أفضت إليه بحالتها الصحية الخطرة، الخطرة جداً، وحالة جِدتها العجوز التي لم تفد إلا هذا الأسبوع من الاتحاد السوفيتي، في حاجة إلى أحذية خاصة، امرأة ضعيفة. وفي يأسها صارحته بالحقيقة: حاجتهم إلى كتب وملابس وطعام وأثاث. وعندما حسما المسألة، علِمت أن الربح سيغطي بالكاد مصاريف شهر. اعتمد ديڤيد بثقله على كومة الخشب. ما فاه بحرف. ولكن عندما صافحت أيرينا البائع وأغلق الرجل باب الشقة خلفه، ارتقى ديڤيد إليها بطرف كاره ظنت أنه تركه في جوركي.

حين أحضروا أيرينا إلى ملجأ المضروبات بالقدس، أدركت أنها لن تستطيع مطلقاً العيش مع ديڤيد. أدركت أن بوريس سوف يضطر إلى نسيان أبيه.

كانت أيرينا تقف صامتة في مطبخ الملجأ وهي تتخيل قدساً. مكان ترن فوقه الخطوات، قدس أيرينا، حيث يتكدس الفستق عالياً في براميل وتتنهد الأرضيات الخشبية أسفل همسة مقشة. مكان سيطهر الكل، يُخَلص الكل. مكان لا حاجة فيه إلى التفكير في النفقات أو الڤودكا أو أصوات مطْبَقة كالقبضات.

 

في الغرفة الرئيسية من ملجأ المضروبات بالقدس تتواصل المباراة في أوج حماستها. يرتفع ضحك إحدى الإسرائيليات، وهذه المرة حتى الروسيات والأثيوبيات يستمعن بآذان صاغية.

«ذلك لا شيء،» تقول المرأة. «زوجي أنا رماني بعلبة لعلاج فطريات الأقدام.» تفْرد ذراعيها على وسعهما ثم تثني ركبتيها مخْفضة رأسها تحيةً. «بل إنه حاول إضرام النار فيها أولاً.»

«ممتاز يا يوسي،» تنبس امرأة أخرى. يشيع في وجهها الدم، تُصفق بيديها. «يوسي تفوز بجائزة الابتكار.»

تضع إحدى الأثيوبيات طفلها على سرير. ينتابها قدر من التردد ثم تخاطبهن بالعبرية. «هل تعتقدن أننا سنكون في أمان لو غادرنا هذا المكان؟»

روسية مشغولة بترتيب فراش تقول بصوت خفيض، «سأكون في أمان. زوجي ليس منحطاً. إنه أمين صندوق في بنك.»

وإذ بأول متكلمة إسرائيلية تهب واقفة. تجتاز الغرفة بين نساء يجثون بجانب أحواض المياه لغسل شعورهن، ونساء يَرقدن فوق الأَسرة والشمس تنشر أشعتها نحوهن من الغرفة الأمامية حيث تَجلس الأخصائية الاجتماعية. تمر بالإسرائيليات الأخريات، الأثيوبيات على أحد جانبيّ ماسورة التدفئة، الروسيات على الجانب الآخر منه. ثم تبوح بعد لحظات، «جميلٌ أن أكون معكن جميعاً.»

تتحول عنها بعض النسوة فيما ترسم أخريات ابتسامة ويمددن يداً تمس كتفها.

«جميلٌ،» تكرر حين تتم دائرتها.

سوف تنتقل هي وابنتها إلى شقة صغيرة خاصة بها في موقع رتَّبه الملجأ. لن تعود إلى زوجها. تقول إنها أول مرة تَشهد فيها نساء ينجحن اعتماداً على أنفسهن. يتولاها الخوف، لن تكون بالمهمة السهلة. ولكنها ستجرب هذه الحياة الجديدة. تَقطع وعداً بدعوتهن جميعاً إلى بيتها الجديد بمجرد تجهيزه لاستقبال الصحبة.

 

يضم مطبخ ملجأ القدس امرأتين. أيرينا، تامار. تتحلق ذبابة بالقرب من السقف ثم تجري بخفة على جدران المطبخ. لا تحرك المرأتان ساكناً لهشها.

تَفتح الأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية باب المطبخ وتحَدق منه. ومن خلفها تحاول الأمريكية جاهدة أن تشاهد. «أنتما الاثنتان لم تسويا المسألة بعد؟» تستفهم الأخصائية الاجتماعية حازمة اللهجة مائلة الرأس بينما تهرب الذبابة بحذائها من الباب.

لا كلمة من المرأتين.

جرجرة أقدام متثاقلة، همهمة بالعبرية والإنجليزية، الباب ينغلق مرة أخرى.

 

لا تريد أيرينا أن تغادر الملجأ. يفزعها العُجُز السائرون على مهلهم في الخارج والتلاميذ الهارعون صوب الحافلة. ستكون بينهم أي أحد ولا أحد. بدون ديڤيد سوف تنسل بين الجمع وتتوه.

تقف تامار بلا أدنى حركة. تدقق السمع إلى دقات قلبها بلغة أجنبية: لم تعد مدركة أعبرية هي أم أمهرية. ما وعت إلا أنها أجنبية. كيف يمْكن أن تستدعي أمها من مدينة بئر السبع كما تحثها الأخصائية الاجتماعية؟ أمها التي قالت لها إن عنف إسرائيل سوف يتبدد لو تحلت تامار فقط بالصبر والطاعة.

تتنهد أيرينا روسوڤسكي تنهيدة عميقة عمقاً أدهشها وهي تفر منها. ومن الجانب الآخر من الغرفة تضحك تامار دابر. لا تتحرك إحداهما.

 

تضع الأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية مبرد الأظافر على مكتب الاستقبال. وببطء تضغط على صدغيها ببنانها. تظن أحياناً أنها تود أن تخلف كل شيء وراءها. لا ريب أن باستطاعتها شغل العديد من الأماكن الأخرى، أماكن لا ترغم المرء على الاحتراس الدائم من الخطر.

ولكنها تَعرف أن الملجأ هنا في حاجة إليها. تَعرف أن الحذر ضروري للملجأ. لو أن هناك شيئاً تعلمته في الصغر، فهو ضرورة الحذر. لا تطالعي في مثل هذه الغرفة المظلمة كيلا تجهدي عينيك. لا تَعبري الشارع بدون النظر يميناً ويساراً. لا تجري حافية بالقرب من سياج الأسلاك الشائكة. لا ترفسي علبة مسحوقة مرتمية في البلاعة، فقد تكون قنبلة. قبَض جدها المجري على يدها حين انتهيا إلى زاوية الشارع وكأنه يسند هذه الحفيدة الغالية في مواجهة رياح خاطفة غير متوقَّعة.

أحياناً ما تَعجز الأخصائية الاجتماعية عن تذكر أي المدن تقِيم فيها. تحني في بعض الأوقات رأساً ناعساً والحافلة في طريقها إلى البيت من العمل. تتخيل نفسها في مخبأ جدها المجري، طفلة تمضي حرباً في خزانة بلا نوافذ. وفي خارج الخزانة المجرَّدة من النوافذ تنساق قرية، تطفو وسط الحقول، تطوف الريف البولندي في شريط من عربات القطار ثم تختنق بالغاز.

تبتاع الأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية في الصباح لبناً لأطفال الملجأ، تتأكد من توفر لوازم النظافة وقطع الصابون والجبن الأبيض والخبز الطري. تترك حقائب البقالة في المطبخ، تزم شفتيها وتستقر جالسة إلى المكتب ومعها القهوة. تستمع إلى مهاجرات لا يَعلمن أنها تفهم الروسية. إسرائيل جُحر من الخراء. إسرائيل خيبت آمالهن. تقف الأثيوبيات وراء النوافذ وعلى وجوههن تعبير تدركه الأخصائية مع أنها لا تفقه كلمة من لغتهن. كل تلك الأعوام من الاضطهاد، كل تلك الأعوام من المعاناة لا بد أن تنتهي إلى شيء. لا يمْكن في النهاية أن تكون إسرائيل كأي بلد آخر، أليس كذلك؟

تتخيل الأخصائية الاجتماعية الملجأ يجول فوق رأسها وهي تَقطع المدينة لأداء المشاوير. تتخيله معلَّقاً مثل أكليشيه محفور قبالة السحب، صابراً في ترقب. تحاول في ذهنها أن تتجاهله، تسبقه، تتحاشاه في الأزقة المتشابكة، وحين تلتفت وتجده لا يزال طافياً هناك، تهز قبضة في اتجاه السماء.

لها رغبة في الحصول على منزل. مطلب ليس بالكثير في النهاية. منزل بمحاذاة البحر، منزل بنباتات وشرفة ونوافذ في كل حجرة. تُلحق بها القدس السأم؛ تشاء أن تَسكن في مدينة نتانيا. يقول حبيبها دوف العائد من الجيش الاحتياطي إن بإمكانهما إقامة حفل زفافهما في متنزه چان هابامون عندما يَفرغ من الدراسة. يفضي إليها بأنه ضجِر من الخدمة في قوات الاحتياط، ضجِر من الدوريات في المناطق الفلسطينية. يُفضل دراسة الهندسة. يقول إن لا مبرر بعد الآن للتمسك بحقول أناس آخرين وبساتينهم. لا حرية في منزل متهدم. فليمنحوا الأرض اللعينة مقابل السلام، مَن يرغب في الأرض بمثل هذا الثمن؟

يريد العيش معها في منزل بحذاء البحر. يريد دهن الحيطان بلون أبيض ناصع. يريد شراء أرضية من الخشب المستورد ليبسط عليها حشيته وينام نوماً خالياً من الأحلام.

 

وفي داخل ملجأ المضروبات بالقدس تنهمك بعض الإسرائيليات في المباراة مرة ثانية. «ما هو أسوأ شيء فعَله بك إيهود؟» تسأل امرأة أخرى. «هيا، حاولي أن تتذكري، ما هو أخبل شيء فعَله على الإطلاق؟» تضيف قصتها تشجيعاً لها، «أخذ ياكوف ذات مرة لوح أرغفة السبت. ليطاردني به. لاحقني وهو مغطى بالدقيق.»

«مرة أغضبتُ إيهود لدرجة أنه جرى خلفي في الفناء،» تصارحهن شقراء مترددة تحت عينيها هالات سوداء، «عارياً. كان فرجة الجيران.»

«وهل انبهروا؟» تسأل نينا من فراشها بلهجة تعكس سخرية.

«لا. ليس به ما يسر العين،» ما إن تنطق الشقراء بالجملة حتى تسارع بوضع يدها على ثغرها. يتفجر الضحك من كل مكان حولها، وبعد بضع ثوان تشاركهن وكتفاها يهتزان بلا صوت.

وفي مكتب استقبال الملجأ تلوي المتطوعة الأمريكية قسمات وجهها استهجاناً. تعتقد أن هؤلاء الإسرائيليات ينبغي أن يبدين بعض الاحترام في ضوء خطورة مأزقهن. فبالرغم من كل شيء كانت قد رأت هؤلاء النساء حين وفَدن إلى الملجأ. شفاه دامية، أضلع داكنة بفعل الكدمات، عيون سوداء متورمة.

والآن يضحكن من حالهن. تتساءل الأمريكية، أليس من عدم المراعاة أن يعاملن الماضي بكل هذا الاستخفاف؟ ولكنها وعَدت نفسها بأن تأخذ بأسباب الحياة هنا وفقاً لإرث مُعَين. كان أبواها قد خرَقا كل القواعد القائمة كي يتزوجا – كي يربياها في فردوس ريفي حيث الهيبيز هم القاعدة وفتاة مثلها يمْكنها أن تنشأ معتقدة أن لون البشرة والدين لا يهمان في شيء. وأياً كانت عيوب والديها الكثيرة – وطالما عددتها – فهي ثمرة مغامرتهما. وحتى لو كانا مخطئين في الاعتقاد بعدم أهمية العِرق والدين ومخطئين في تركها جاهلة كل الجهل بالاثنين حتى إنها لا تزال تشعر كالمحتالة أينما تولي وجهها، فالأمر متروك لها أن تُثْبت أنهما كانا على الأقل محقين في تقبل العالَم عن طيب خاطر رغم عيوبه. وعدَت نفسها – هنا في هذه القدس الجميلة جمالاً لا تنقصه الضراوة – أن تنفتح على كل ما تشاهده، لذا تحاول ألا تدع ارتباكها يَظهر للعيان.

 

في مطبخ ملجأ المضروبات بالقدس امرأتان متحررتان من قيودهما، تنصت كلاهما إلى أنفاس الأخرى. ما تغَير هذا الوضع منذ وقت طويل. لا تتكلمان. لو التفتتا لتبادل نظرة، سوف تجبَران – من الكدمات الباهتة على جسديهما – على إدراك أنهما ليستا في قدس الأعالي، وإنما في قدس الأرض. سوف تعيان أنهما يجب أن تتخليا الآن عن مرارتهما وتَقبلا بالحلول الوسطى. يتراءى لهما أنهما قد تَقومان بذلك في النهاية، أنهما سوف تَقبلانها، قد تلتفتان ببساطة في أية لحظة لتلقي كل منهما التحية على الأخرى باسمها.

ولكن الالتفات سوف يعني التنازل عن كل شيء، طرْح سِتر معاناتهما والاعتراف بأن أحداً لن يدرك أبداً ما كابدتاه.

إنه خيار مستحيل. كيف بمقدور أحد أن يطلبه منهما. كيف بمقدور أحد غير فاهم أن يجرؤ على مطالبتهما بنبذ كل ما فات ومواجهة بعضهما بعضاً، بحديث متلعثم وقلبين لا يزالان مفعمين بالأسى.

 

المشكلة في قدس الأعالي هي التالي: تُماثل قدس الأرض تمام التماثل. ولكنها مقفرة من الناس. أو عندما تضم ناساً، يَظهرون لحظة واحدة ليس إلا، أشكال بشرية تومض في الأفق ثم تتلاشى. تُرجع صهاريج المياه صدى صوت النسيم خافتاً، تَرقد الأحجار على الأرض الصلبة في انتظار الرؤوس المرهَقة. ولكن لا أحد يأتي. لا أحد يستطيع العيش طويلاً في قدس الأعالي. بوسع المرء أن يحلم بالمدينة إلى الأبد، ولكن عندما يفد إليها، يكتشف أن شيئاً غير سليم يداخلها. يكتشف شيئاً غير متوقَع على الإطلاق. لقد جذب ثِقل صُرة الأحلام المدينة إلى الأرض مرة أخرى.

قُدس الأعالي مدينة وحيدة تتوق إلى أهلها. تشتاق إليهم كما يشتاقون إلى بيتهم الحبيب. تتلو وجوههم من الذاكرة، تماماً كما يتْلون أسماء الشوارع والممرات. تحيط علماً بأحلام تنتابهم بالأمهرية والروسية. بالإنجليزية والإسباعبرية والييدية. بالعبرية. بالعربية.

تهيم قدس الأعالي صبوراً بين السحب. تلقي المدينة الصلوات. تحلم المدينة.

 

تواجه تامار جدار المطبخ الملطَّخ بالدخان، تتخيل أن هذه الروسية الواقفة خلفها قد تَعلم كيف تُقَدم تفسيراً لأم ترتعد اضطراباً. قد تَعلم كيف تفسر لأم تامار قرار تامار بالعثور على شقة تحويهما. كيف تفسر عزم تامار على هجر زوجها.

تمرر أيرينا يداً فوق قِدر حساء مقلوب فتمس أصابعها طاولة شوهتها السكاكين. تتساءل في قرارة نفسها إن كانت هذه المرأة مستقيمة الظهر بجمودها المدهش قد تَعرف ما تضمره هذه المدينة لمستقبل ابنها.

تؤجلان الالتفاف، كل منهما في انتظار أن تنطق الأخرى. تامار تنتظر أيرينا، أيرينا تنتظر تامار. لا شك في أن الأخرى ستستدير على بغتة وقدماها تحتكان بالأرضية المصنوعة من القرميد لتعلن، لقد عانيتِ، أعي الآن أنك عانيتِ.

ولكن غضبهما، في هذه اللحظة، داخل هذا المطبخ الساكن، هو أثمن ما لديهما، ملكيتهما الوحيدة. معه تدركان هويتهما. وحين تقفان بظهرين متقابلين، تَعرف كلتاهما الأخرى كما لم يعرفهما أحد من قبل. كلتاهما تجعل الأخرى حقيقية، كلتاهما تُوطد الأخرى وتحُول دون أن تصير قصاصة تتطاير في الرياح. عندما تقفان بظهرين متقابلين، تستحيلان معجزتين: تشتعل في عيونهما الدموع، مياه من صخرة. تنتفض الكلمات في حلْقيهما من غير حديث. ليسوا أناس الصحراء. إنهم أناس يقفون على شفير الأرض الموعودة، ولن يخيب أملهم.

   

                                                               

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.