مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الثاني والثلاثين، يناير 2012.

The thirty-second issue, January 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرمت چانيت بيري بالموافقة على نشر قصة "ما قاله الرعد" في مجلة البوتقة.

Ms. Peery was so generous to permit the publication of the Arabic text of "What the Thunder Said" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Power a great debt of gratitude for her kind permission.

"What the Thunder Said" by Janet Peery. Copyright © 1992 by Janet Peery. Originally appeared in Black Warrior Review, 1991. Published in her story collection, What the Thunder Said. Copyright © 2007 by Janet Peery. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

ما قاله الرعد

چانيت بيري

تقديم: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-1-2012

 

 

المجموعة القصصية ما قاله الرعد

 

 

 

 

 

كان الفصل شتاء حين وقَع بصري لأول مرة على كول لوكاس وإن كنتُ قد رأيته ولا شك من قبل. انتبه كل منا إلى الآخر انتباهاً أقرب إلى المفاجأة شأن فكرة سرية تستحيل أكبر ثم أكبر إلى أن تفشيها بدون تفكير وتكاد تَجفل فزعاً حين تسمعها وهي تقال. كان يحلب بقرة اسمها بوس، كَفَله المسطَّح الخليق بأكفال الرجال على مقعد على شكل حرف T، ركبتاه عاليتان، رجلاه مفرشحتان، يَدفع كَشْح بوس بمنكبه، ذراعه مرفوعة حول رجلها ليقيدها، رقبته ممدودة جانباً تنظر عالياً إلى لا شيء، إلى حمَام يعتلي الروافد ثم إليّ، إلى ماكي سبون، في الثامنة عشرة، تَدْخل لجمع البيض. لدى زوجته دجاجة جاثمة في الحظيرة، وقد خرَجتُ لأعثر على العش.

لقد أخطأنا فيما فعلناه، وإن قد توجد طريقة لتغيير الحُكم، إذ تبين أن ما جرى بعدئذ ربما يفضي إلى جعله صواباً. كان ميعاد الحلب، في الخامسة والنصف، الجو دافئ في الداخل لوجود الماشية، لوجود مخلوقات صغيرة تعيش في التبن كي تجعله يرسل حرارة أنفاسه الخضراء. تراءت الشمس برتقالية مخطَّطة عبر الألواح الخشبية، أحاط بي الغبار والهباء وكأني دلفت إلى هالة موشاة بالترتر، تدفقتْ القضبان البرتقالية أمامي سلسة خفيفة مثل المياه. شممت رائحة عشب التبن غير المُقَدَّد الدافئة، رائحة الغبار والماشية، زيت بزر الكتان وجِلد طقوم الماشية، أعشاش طيور السنونو بما فيها من طين وقش وريش، الفئران، رغوة اللبن من سطل كول عندما حطَّه وتكسرتْ موجة اللبن على التراب وهو يتجه ناحيتي، ملابسه المتسخة حين اقترب، أنا في معطفي الصوفي والثلج المبتل يذوب على كتفيّ بعد سقوطه من الأفاريز، جسدي تحت فستاني؛ رقَدنا وسط كل شيء، رَقْدَة شعرتُ معها وكأن العالَم اجتمع بأكمله في جِلد حلو واحد. ومع أنك تَعلم أنك ترتكب خطأ، في أعماقك، في عظامك ودمائك وعضلاتك، تشتهي الشيء الوحيد الذي يخبرك عقلك بأنك لا يجب أن تشتهيه، وفي ذلك الاشتهاء، في تلك المعرفة بالخطأ، يقبع في المنتصف سكون صامت كامل ماكر ينبع من معرفتك بأنك سوف ترتكبه في كل الأحوال، تأمر عقلك بالامتناع عن التفكير، بترك العظام والدماء والعضلات تنال مبتغاها، بكل سرور، ففي ذلك الوقت بينما يتعارك كل شيء في باطنك، تكتمل اكتمالاً لم تشهده قط في أي وقت مضى. لقد عرَفتُ حق المعرفة أن الأول خرَج من جنة عدن عن طيب خاطر.

خيم الهدوء بعدها على كول، ندَّت عنه رعدة واحدة. رفَع سطله ثم رجَع بخطوات بطيئة عبر قضبان النِير ليُخرج بوس، تطلع خلفه إليّ وكأنما يفطن إلى سريرتي إلا أنه لم يرني في حياته من قبل. عكستْ عيناه نظرة زرقاء توحي بأنه يحملق طويلاً إلى الشمس، وكأن وجعاً يلم بهما.

أقيم في المكان، في منزل جانبي صغير الحجم. كنت قد أتيت استجابة لإعلان يطلب مساعدة للزوجة في المنزل. عاش أهلي على الجانب الآخر من سكة حديد أوكلاهوما، ولكن ضجراً أي ضجر تولاني من البيت والكنيسة مكان نشأتي. كنت أَعلم أن باستطاعتي إيجاد المزيد. كنت أَعلم أن بوسع رجل أن يحب امرأة أكثر من أرضه وإنجيله وثغره حين ينطبق قائلاً كلمة مُنْكَر. كنتُ أَعلم أن الأفاعي نحاسية اللون وثعابين الصنوبر ليست دليلاً على أي شيء، وأن ألسنة اللهب لن تلتهمني لو قبَّلتُ صبياً ثغره حلو الطعم في مثل نظافة قشة المقشة. لقد كونتُ أفكاري الخاصة، لذا رحَلتُ.

لم تكن مزرعة كول غنية، أغلبها قمح وفصفصة وكتان. كان قد أصابها ضرر من عواصف الغبار إلا أنه أقل مما تعرض له آخرون. إذ وقعَتْ المزرعة في أرض منخفضة، تربة رملية خصبة على طول نهر نينيسكا، وقد قللت أجمة الصفصاف وأشجار الحور القطني وأشجار البرقوق الرملي من التلف. بإمكانك مع ذلك تبينه في آثار حَفْر وسَمت الموجودات.

كانت الزوجة امرأة ضئيلة القامة، عظامها ضعيفة كعظام زغلول، شعرها خفيف أصفر اللون كزغب كتكوت. كانت ترتدي أثواباً بدرجات زرقاء فاتحة. كثيراً ما كانت تَمرض، وقد شَغِفتْ بها 'حَلْقَة حَنَّة الدينية'[1] وجلَبتْ لها أطباقاً مغطاة وكعكاً وفطائر لإغرائها. كُنَّ معها في المطبخ حين عدتُ بالبيض، اثنتيّ عشرة بيضة بيضاء، ست بُنية، اثنتين ورديتين.

أمرتني الزوجة، "ضعيها بجانب الحوض يا ماكي. يمْكنك غسلها فيما بعد."

عرَضت عليها إحدى السيدات، "جربي قطعة من فطيرة الخوخ يا ليلا."

ردَّت، "آه، شكراً، لا. ربما بعد قليل." تناهت إليّ تنهيدتها. "لا أشعر بكامل حيويتي الآن."

قرقرتْ نساء 'حَنَّة' حولها مثلهن مثل الدجاج بينما وقَفتُ عند الحوض، أُجري الماء الساخن لتنظيف أطباق تركتُها بعد العشاء. شعرتُ برقبتي تنقلب وردية كلطخ أحمر الخدود على وجنتيّ الزوجة. كنتُ وقتها هناك منذ أربعة أسابيع.

سألتْ إحدى السيدات عن صحة الزوجة فأجابتها، "متوعكة ومتعَبة. ولكني سأتحمل."

أردفتْ أخرى، "مِن عطْف كول أن وفَّر لك خادمة."

وافقتْها الزوجة، "أجل. هناك الكثير من العمل، ولم يُنْعم الله علينا بأطفال."

بدأن يتحدثن عن مشاكل النساء، حاولتُ أن أغلق أذنيّ. أسرعتُ بتجفيف الأطباق وكلي رغبة في الانصراف. كنتُ أَعلم أن كول سوف يُحْضر لبن المنزل، وما أردتُ أن تتصاعد الرائحة الدافئة الطازجة في المطبخ حيث أقف، ما أردتُ أن يحل على رأسي دوار لم أشهده مطلقاً في أي اجتماع من الاجتماعات الصاخبة لإحياء الروح الدينية، اجتماعات على مرأى من الجميع تليق بشعائر الديانة الودونية.

ما كان من الحياة إلا أن توالت. اشتغلتُ في المنزل وحول الفناء ومع الدجاج. أخذتُ حصصاً مما طهوته وأكلتُ وحدي في مسكني، وعليه لم يَحدث أن جلَس ثلاثتنا معاً إلى المائدة. ما اجتمعنا إلا صدفة. أَكون عند الحوض ويجلب هو اللبن لأنزع قشدته، فنصبح معاً، نعمل، نرسل أنفاساً قريبين قرباً يمَكننا من شم روائح يتذكرها كلانا، ولكن لا يبدر من أحدنا كلمة. لا يتصرف أحدنا بما يوحي بأن الآخر حي، ولكن في طيات ذلك التجاهل كَمَنَ ما هو أكثر مما لو حاول أحدنا الحديث إلى الآخر.

لقد صنَعتُ عالَمي الخاص، عالَماً كنتُ أَعرف أنه ممكن. تظاهرتُ بأننا زوجان، أنا الزوجة وهو الزوج، تظاهرتُ بأني أدير المنزل وأنهض بشئونه دون تذكِرة من أحد. وعندما التقينا في الحظيرة، أمسكتُ عن الادعاء وتركتُ نفسي على سجيتها، ثم عدت إلى التزام الصمت. بدأتُ أشعر بسلطة على الزوجة، أشعر بأني قوية وأنها ضعيفة، ولا وضع يصح سواه. اعتدت أن أَصفق الأشياء -- فنجانها في منزلها، مقصاً طلَبتْه -- متظاهرة بأنه، الصفق، غير مقصود. كانت تتلقاه بعينين ضيقتين بيد أنها تكتفي بالقول، "بالراحة يا ماكي، بالراحة."

تتابع هذا الحال عاماً، يتحرك ثلاثتنا هنا وهناك، يقابل أحدنا الآخر اتفاقاً. لم نسهب في الحديث، وإنما انشغلنا في العمل مثل خلية عاجة بالنحل إلى أن كادت فكرة ما يجري تئز في أذنيّ.

حدَث بعدئذ أمران. اصطحب كول زوجته إلى الطبيب في مدينة بيلا بلين، وعندما رجَعا، خلَدتْ هي إلى الفراش ولم تقم مرة أخرى من رقادها. ولكي أوليها عنايتي، انتقلتُ إلى الغرفة الإضافية. وضعنا بجوارها جرساً حتى تتمكن من استدعائي. تقبلتْ الوضع إلا أنها تقبلته بثغر صغير مزموم، وبدا بطنها منتفخاً وكأن الورم يغذي نفسه بما يَعلمه عني. ولكن إلى أن جاءت إحدى ليالي مارس حين كابدتْ بوس صعوبة في الولادة وصاح كول بي لآتي، أظن أن شكاً ليس إلا خامرها.

أطلقت بوس خواراً وصيحات طويلة وكأن الأرض ترسل لهاثاً. عمِلنا على ضوء المشكاة لندير عِجلها، أنا أدلك بطنها الجامد، وكول العاري حتى الخصر يقحم كل ذراعه عالياً داخلها، يجذب بقوة إلى أن شعرتُ بإذعان ثم حركة. زلَّق ذراعه خارجها حمراء دافئة يرتفع منها البخار، ورأينا قمة رأس الرضيع. نمى إلينا بعدها صوت آخر يعلو على أنفاسنا، جَرَس الزوجة، ولكنه قريب في الخارج، استدرنا فوقَعتْ أعيننا عليها في قميص النوم الأزرق الفاتح، تَعبر المدخل نحونا والبرودة تسود الحظيرة، ترن الجرس، تنادي بصوت هامس. صاحت قائلة إنها نسيت شيئاً، صاحت لأنها لم تَقدر على تذكره، ولحظتها علِمنا نحن الثلاثة أنها علِمت بيد أننا لم نجهر بحرف، وهكذا تتابع الحال، أنا وكول داخل المنزل كرجل وزوجته، والزوجة كطفلتنا.

كنتُ أقول له، "جعلتُها تشرب بعض المَرَق. تذمرتْ غاضبة، ولكنها تناولته."

فيرد، "لم تكن تسرف أبداً في الأكل." هكذا تحدثنا عنها، لا شيء عميق. لم نتحدث قط عن نفسينا أو عما نفعله أو شتائم سنضطر إلى تحملها، ولكن قلبي تغنى بما تطور إليه الوضع لأن الأمر الثاني كان الحمْل.

حدَث ذات ليلة شتوية في السنة الثانية عندما مضيت للاستحمام. كنتُ قد سخَّنت مياهاً في المنزل وحمَلتُ إلى مسكني كوزاً. أضأتُ المصباح ووقَفتُ عند المنضدة أغتسل. سمِعتُه في الخارج، وبزهوي الغض وما تعلمتُه عن الرغبة، أدركتُ أن منظري يمْكن أن يثيره، لذا لم أتحرك لأستر نفسي، ما بدر مني إلا أن استدرت قليلاً، فلم ير أحدنا الآخر بدون ملابس بعد. وحين دخَل، عاونتُه على خلع ملابسه وحممتُه إلى أن بردتْ المياه.

ما كان مني في البداية إلا أن تجاهلتُ علامات دلت على أني -- والزوجة راقدة هناك -- أحتضن شيئاً خاصاً بي. حل الوجع والانتفاخ بقدميّ وأنا أَقوم على خدمتها، وسرعان ما تقيأتُ إفطاري بمجرد أن ابتلعتُه، ولكني حاولت إظهار الود لها وأحجمتُ عن صفق الأشياء. لم أصارح كول بما أحمله إلا أني خططت أن يَكبر بطني بما يكفي ليلاحظه، وعندما تموت، يُقْدم على الصواب ويتزوجني لنواصل فحسب الحياة. لأني في ذلك المنزل الهادئ المبتلى بالحزن كنت سعيدة، ولم تسَعني الأيام. أبصرتُ عدالة العالم في كل شيء. عندما وَلدتْ خنزيرة الاستيلاد عشرين خنوصاً، فطنتُ إلى أن الرقم يعني عمري. لو جمَعتُ سبعاً وثلاثين بيضة، فقد رمزتْ إلى عمر كول. ضرَب البرق شجرة الجوز في إبريل وشقَّها حتى الجذور، فأدركتُ المغزى، سوف تفارق الحياة في غضون شهر.

ما فارقتنا 'حَلْقَة حَنَّة' حينذاك، إذ واظبن على جلب الطعام. تطلعتْ أكثر من واحدة منهن إليّ شزراً، ولكني أبقيت بصري مطرقاً كيلا ينبسن بكلمة ضدي رغبةً في إبداء التعاطف. علَّقتْ إحداهن، "ماكي سبون تلك لا تفوتها وجبة." ولكنهن لم يزدن الكلام لأن كول كان رجلاً معروفاً باستقامته.

سألتني إحداهن، "إلى أين ستذهبين عند وفاة ليلا؟"

أجبتها، "لا أَعرف." ولكني كنت أَعرف.

أردفتْ أخرى، "قد تجدين مكاناً في مزرعة كوستِن. بِيتي كوستِن منهَكة جداً مع كل هؤلاء الأطفال."

اقترحتْ أخرى قهوة مقامة على الطريق السريع.

قلت، "سأدع الأمر إلى حينه."

قالت إحداهن، "تبدو على كول آيات الاعتلال،" ولكني استعنت بالصمت.

قلن لي، "أطعميه يا ماكي، ذلك كل ما بوسعك."

جلَستُ ذات ليلة في مستهل مايو بجوار سريرها، أحممها بإسفنجة مبللة بعصير الليمون. كانت حطاماً، جسمها هزيل ككيس فارغ من القمح، جلدها بلون الرماد المبتل، رمادي ضارب إلى الزرقة، غارقة. طلبتْ مني أن أضع الوسادة على وجهها، أنفها وفمها، وأثبتها عليه. "أرجوكِ يا ماكي."

كان الشيء الوحيد الذي أرادتْه، آخر شيء باق فيها لتريده. أردت أن أفعل الفعلة من أجلها، ولكن من أجل كل شيء أردته وأخذتُه منها، لم أقو عليها. أجبتها، "لا أَقدر."

"من فضلك. أرجوكِ."

بكيت في راحتيّ، "لا أَقدر،" وبكت معي، ربتت ذراعي قائلة، "أَعلم يا طفلتي."

انهمك كول طيلة الوقت في عمله وإن استطعت أن أسمعه في جوف الليل يطرق على السندان داخل سقيفة الأدوات. رمَقتُ ببصري ما شاب راحتيه من بثور، وآثار الفأس كالمحفورة بإزميل مثلها مثل جروح مشقَّقة في أرضية مخزن القمح. تجنب غرفتها طيلة ذلك الشهر، ورغم أني تفهمت تجنبه، رغم أن حبي له لم يقل، انطوى صدري على شيء من الكراهية له.

 

كنتُ في المطبخ بعد صلاة الجنازة، بعد انصراف جميع المعزين، ألِف الطعام بفوط الأطباق وأغطي السلطانيات بأطباق العشاء حين ترامى إلى مسمعيّ صوت آتٍ من الحظيرة عبر النوافذ المفتوحة، صوت يشْبه صوت الرياح قبل أن يَشرع الغبار في الهبوب. ركضتُ خارجة والمريلة لا تزال حول خصري، قطَعتُ الفناء في اتجاه الصوت. سددتُ عينيّ إلى داخل الحظيرة. كان على ركبتيه بجوار التبن، أدركتُ أنه ربما بدأ بنِية الصلاة غير أنه انتهى إلى الولولة فحسب. ارتطم بصري بقميص النوم الأزرق الفاتح، وجدتُه يحشوه بالتبن ثم يحاول تمزيقه، يحشوه مرة أخرى ويطْلق العويل. راقبتُ وأنصت حتى لم أطق المزيد فأعرضتُ عنه جارية ويداي فوق أذنيّ وثِقل الطفل الجامد جمود الصخر داخل بطني. ركضتُ إلى المنزل وصفَقتُ الباب، انتحبتُ، من أجلي، من أجله، من أجل كل شخص أراد ذات يوم شيئاً ضاع.

عندما استيقظتُ صباحاً، ألفيته نائماً على الأرضية بجانب سريرها. تحركتُ صامتة في أرجاء المطبخ وأنا أعد إفطاره. خرَجتُ. تراءى اليوم جميلاً مشرق الشمس. طارت طيور السنونو داخل الحظيرة وخارجها حاملة حُزَم من القش لتبني أعشاشاً جديدة. وبعيداً في الغابة بلَغني خوار أحد العجول. أرسلتْ أشجار الحور القطني هبَّات من نباتات صغيرة تجمعتْ على أسلاك الغسيل كرقائق من الصوف. ذهبتُ لإخراج الدجاج وقد استولى عليّ شعور الزوجة النظيفة نظافة ملاءة علَّقتُها على حبل الغسيل. أحسست برسالة تنتقل إليّ مع الهواء قائلة إن ليلا أسعد حالاً، أخذتْ السعادة تطغى عليّ من أجل نفسي. كنت أَعلم أن بمقدوري إسعاد كول هو الآخر، رحت أغني أغنية افعلها يا رب -- أوه، أرجوك تذَكرني -- وبدأتُ أشعر بأنه يتذكرني في كل العالَم المتقلب، وعندما وصلتُ إلى جزء يتكلم عن بيت في أرض المجد يفوق الشمس إشراقاً، تعالت الشمس ذاتها فوق الحظيرة وعكستْ على السطح وميضاً حتى لاحت في احمرار لسان من اللهب. اعتبرتُها علامة على انقلاب العالَم مجدداً إلى الصواب وانتهاء كل الآثام إلى الغفران، ولمَّا علا صياح الديك، كان البوق يعزف احتفالاً بعام اليوبيل.

عُدت إلى المنزل فوجدتُ الباب موصداً. كنت أدرى من أن أجرب الباب الأمامي، فقد كان دوماً محْكم الغلق منذ حاقت بنا عواصف الغبار. ألفيت حقيبتي على السلم، وفوقها استقر ظرف مربع أبيض، لا كتابة عليه أو داخله، لا اسمي، لا شيء إلا خمس أوراق ملساء قيمة الواحدة منها عشرون دولاراً.

 

اشتغلتُ مرة على الأقل في كل المقاهي بدءاً من بلاكويل ووصولاً إلى واكو واجو، وعدة مرات في بعضها. لم أتزوج. لم أفضِ إلى مخلوق بحقيقة ما جرى. قلت لابني إن أباه صبي وقَعتُ في غرامه ثم رحَل قبل أن يَعلم بأمره. لا أُبصر سوى ذقن كول المستقيمة في ابن ابني. انتظرتُ ثلاثين عاماً كي يتحدث إليّ كول، كي يقول إنه يَعرفني. أوقفتُ العالَم بالانتظار دون أن أبدأ من جديد حتى يدلف إلى محل عملي أياً كان ليكاشفني، "ماكي سبون، إني آسف." فقد اعتقدتُ أن ذلك اليوم قادم.

انتظرتُ هذا اليوم، ومع تقلُّب مائة موسم، لم أر إلا كول مقْبلاً متوسلاً. تقدمتْ الأشتية عبر الأربِعة والأصياف، وظللت منتظرة. سقَط البرقوق الرملي، وتحول نضجه إلى كدمات ليتمكن هو من إبصار الخزي في الهَدْر. طارت أوراق الشجر من أغصان عارية ممتدة لا لغرض إلا أن تريه فداحة ما ارتكبه في حقي من جور. سوف يُذَكره الصقيع ببرد أقسى؛ والثلج بلون فاقع متشقق يتلون به قلبه. ولكني سوف أصفح عنه. كل ما تطَلبه الصفح هو أن يطلبه. استطعت أن أرى هذه اللحظة عبر المطر، سوف نصير عندئذ كاملين متجددين، سوف يذوب قلبه من فرط السعادة لِما أبديته من صفح.

التقت به عيناي عدة مرات، لمَحتُ شاحنته، لمَحتُه، ولكنه لم يبادل نظراتي بنظرة إلا مرة واحدة في خلال ثلاثين عاماً، في الصيف الفائت حين التقط منزل كوستِن القديم الحرارة واحترق وتجمع كل الناس هناك. كانت الحظيرة لا تزال تحترق، ولكن تَدمر المنزل. أضاء الناس المصابيح فوق كومة من الرماد بيد أن شيئاً لم يتبق ليروه سوى خشب متفحم وإبريق شاي واحد لا غير على موقد لم يبرأ من السواد. وعلى الجانب الآخر من رماد كان في الماضي منزلاً، أمام نيران حامية كانت في الماضي حظيرة، وقَف كول. ظننت أني تجاوزت شهوة الجسد، ولكن الإثارة طالت شيئاً في أعماقي عند رؤية ثغر تذكرتُه. تطلع إليّ من الجانب الآخر من المنزل المحترق عن آخره، بوجه لا يخفى ملمح من ملامحه، والنيران من خلفه ملتهبة تَضرب سياطها الريح، وألسنة اللهب متوقدة توقداً جعل عينيه ظلاً تعَذر عليّ النفاذ إليه، علِمتُ أن اليوم قد أتى.

وبطريقتها سوف تهب عاصفة صيفية من الغرب، من جبال لم أمد إليها بصري قط، وإنما وقَفتُ على وجودها، بطريقة مفاجئة حتى إنك -- مع رؤية برج السحب الداكن -- تكاد تحسب أن جدران الغبار هلَّت من جديد إلى أن تحس بحدة الريح ونظافتها وتلتقط رائحة أمطار تقترب.

يلتف رأس العاصفة عالياً ثقيلاً فوقنا، يرتفع مثله مثل التحذير، ثمة شيء أشبه بالانتظار، برصد ما يجري على الأرض من أحداث، ثمة شيء في سُحُب إثْم لن يؤول إلى الغفران. انتظرتُ ظهور البرق، وميض ينم عن ظن سيحرق كول جزاء ما اقترفه.

ولكن بدلاً من أن أراه في الليلة الأخيرة، أبصرتُ رسالة البلهاء التي كنتُها على الأرض حين حاولتُ أن تنسجم إشارات السماء مع أهداف إرادتي، ولمَّا التمع البرق في عينيه، أبصرتُ عينيّ -- لا عينيه -- بخدعة مروعة نفَّذها الضوء، صورة قاسية لهما لا تخلو من تكبر.

شعرتُ بعظامي مثقَلة من جراء المشهد، بأعوام، برغبة مباغتة في الرحمة، في أن تَحملني الأرض ذاتها كيلا أقع. صِحت به، "آسفة."

لن أستطيع أن أقف قط على ما ساوره إلا أن ما ساوره بعثه على التحول عني.

لم أفكر. عدوت وسط الحطام والرماد وانتزعتُ الإبريق. سفَع المقبض جلدي، ولكني تمسكت به وعدوت نحوه وهو يسير مبتعداً. كان الصوت الخارج من حلْقي ضجيجاً لم أسمعه طيلة حياتي -- لغة رهيبة مخيفة أو لسان آخر -- لم يكف حتى رشقتُه بالإبريق، بقوة. ارتطم بظهره، قعقعة، صليل مكتوم شأن قصف رعد ناءٍ. كفَّت قدماه، وقَف بلا حراك، بدأ يستدير ثم تمالك نفسه واستأنف السير تحت مطر هطل في هبَّات وجيزة سريعة ثم راح يَسقط كالأمطار، كالأمطار لا غيرها.

 

 

 

 


[1] حَنَّةُ: أم النبي صموئيل الأول

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.