مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الرابع والثلاثين، إبريل 2012.

The thirty-fourth issue, April 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرم فيليب أو كالا بالموافقة على نشر قصة "الابتعاد" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Ó Ceallaigh was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Walking Away" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Ó Ceallaigh a great debt of gratitude for his kind permission.

"Walking Away" by Philip Ó Ceallaigh. Copyright © 2008 by Philip Ó Ceallaigh. First published in The Dublin Review, Autumn 2008.  From his story collection, The Pleasant Light of Day. Copyright 2009 by Philip Ó Ceallaigh. "Walking Away" is Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

الابتعاد

فيليب أو كالا

تقديم: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-إبريل-2012

 

 

 

غلاف المجموعة يصور كوبري قصر النيل، القاهرة، مصر

المجموعة القصصية ضوء النهار اللطيف (2009)

 

 

 

 

 

 

ظل رقم هاتفها في جيب بنطال الجنازة لِما يزيد على أسبوعين. لم ينسه إلا أنه لم يكترث له أيضاً اكتراثاً يُذكَر. كانت نهاية الخريف والأيام تَقصر. المدينة، الناس، الأشجار -- ينال منها جميعاً البطء وتنقلب داخل نفسها.

أسقطت الأغصان أوراقها، واستقل الناس -- الآن بقبعات ومعاطف تعلقت طويلاً في الدواليب -- الحافلات وعربات الترام بخفة أقل من ذي قبل. استمع إلى أحاديثهم وشاهدهم في الشوارع، فخامره إحساس أنه يرنو إلى أناس يتكلمون ويتحركون غير أنه لم يقف على السبب ولم يعبأ. وفي خلال هذه الفترة وجد مشقة في الوجود معهم في مساحات ضيقة. تولاه منتهى القلق في الحافلات وعربات الترام وأضمر كراهية لكل وجه وقَعت عليه عيناه. شعر بالمزيد من الراحة وهو يَقطع المسيرة الطويلة من مكتبه إلى شقته عابراً شوارع باردة تسودها العتمة، وهو يراقبهم من بعيد. أخذه سبيله إلى ما وراء جدران عالية تحيق بالمقبرة اليهودية، وفي كل أمسية كان يلاحظ لافتة مكتوبة بخط اليد على الباب تطْلب بستانياً. وكلما التقى طرفه بالعلامة، طرأ في خاطره أن القيام بمثل هذا العمل قد ينفعه، القيام في تلك المرحلة بشيء بيديه، بالتربة، بحديقة اليهود الموتى. وعلى الجانب الآخر للطريق من المقبرة، عبْر بلور نوافذ مضاءة إضاءة ساطعة بالمتجر الكبير، أبصر أناساً يتحركون في الممرات كالسائرين نياماً، يضعون علباً ملوَّنة ورزماً في عربات متحركة.

انتهى إلى البيت في تلك الأمسية الاستثنائية حين قرر أن الأوان قد آن مرة أخرى لفعل شيء. كنَس الأرضية وغسل بعض الأطباق. أكل شطيرة وصب لنفسه شراباً ثم وقَف بجوار نافذته والكأس في يده مطلاً على أنوار المدينة. مد بصره إلى مصابيح الشوارع وأنوار المركبات المتحركة ورُقع منيرة تتألف من نوافذ مضاءة في مبان سكنية. وفي اتجاه المركز، ربما على بعد كيلو مترين، قامت لافتة عملاقة متوهجة تَجمع بين الأخضر والأحمر معلنة عن جعة بيك. لاحت الروافع في خلفية من الأفق رسوماً ورقية يَقطعها الأطفال. حل التغيير على أفق المدينة. ارتفعت مبان مكتبية جديدة شاهقة العلو. أموال تُستغل. لاحت المدينة وكأنما تَصغر في السن على حين يَكبر هو.

كان يشْرف من النافذة عندما استدعى كيف لزِمت جواره وهي تتحدث بسرعة أي سرعة في طريقهما إلى المقبرة. آذى كلامها وقتذاك أعصابه، ليس فقط لأن طريقتها في الحديث افتقرت إلى الرزانة، ولكن لأن الكلمات نفسها لم تَحمل أية علاقة بأي شيء حولهما أو أي شيء جرى وصدرها الأيسر يمس ذراعه، المرة بعد المرة. فرَغ من شرابه ولا يزال يتطلع إلى المدينة. لم تعُد شابة في ريعانها، ولكنه لم يعُد شاباً هو الآخر. مر وقت منذ كان مع امرأة، وقد كانت الدعوة بسيطة. دار بباله وركاها، وركان صارا ثقيلين، ولكن لا بأس أيضاً بهما. فقد شعر برغبة في الإمساك بشيء جامد غير مثالي، برغبة في جذب نفْسه عائداً إلى الكرة الأرضية من أيام السير نوماً تلك.

وهكذا التقط سماعة الهاتف في تلك الأمسية، بعد أسابيع من الجنازة، ليتصل بها. بدت مسرورة لاتصاله ودَعته إلى بيتها مباشرة. ومع أن الساعة لم تكن مبكرة تماماً، شعر برغبة في التحرك ببطء. لم يطلب سيارة أجرة. استقل حافلة إلى نقطة تقاطع خطوط الترام ثم انتظر الترام والبرد يلفه. انقضَت خمس عشرة دقيقة ثم أتى ترامان في الوقت نفسه، كلاهما يَحمل الرقم نفسه، لا الرقم حاجته. طال انتظاره وانتابت قدميه البرودة، وحينما شك في مجيء المزيد من العربات، استقل سيارة أجرة.

قرأ أرقام البوابات، وعندما وصل إلى بوابتها، دلف إلى حديقة مظلمة مقترباً من المنزل، رن الجرس. منزل قديم غير أن مَن جدده أحسن تجديده. فتَحت له الباب وابتسامة ترتسم على وجهها، خطا إلى الداخل. وبينما كانت تأخذ معطفه، اعتذر عن التأخير، أرسلت ضحكة قائلة ألا يَشغل باله. تكلمت بلسان سريع، مثلما يتذكر عنها، بتلك الحماسة للحديث نفسها, حماسة بدت له يومذاك غير لائقة بالموقف وهما سائران في موكب الجنازة. ما كان بمقدورها أن تَسمع نفسها كما سمِعها. أنبأته هذه المسافة الفاصلة أن العلاقة بينهما لن تتعقد. لم تكن شخصاً سوف يساوره أي تعلق بها.

مرَّا من الردهة إلى غرفة معيشة صغيرة الأركان جيدة التدفئة، بها أريكة تواجه تليفزيوناً خفيض الصوت. أفضت هذه الغرفة إلى غرفة إضافية أوسع تضم أثاثاً عتيق الطراز. بدا أن أحداً لا يعيش فيها وكأنها لم تَشغل مسكنها إلا مؤخراً في بيت شخص أكبر كثيراً في السن.

مكثا في الغرفة الأصغر، دعته إلى الجلوس على كرسي خشبي يميل بزاوية غريبة، ظهره ضيق طويل مستقيم وكأنه قطعة من متحف فني، تلاعبٌ ما بفكرة الكرسي. فرض عليه جلسة ليست طبيعية على الإطلاق. قام وانتقل إلى الأريكة، إلى جانبها. فتَح زجاجة نبيذ كان قد أحضرها، ثم احتسيا الشراب أمام تليفزيون صامت يعرض فيلماً تليفزيونياً. كانت المشاهد منيرة إنارة غاية في الصفاء حتى إن الأشياء تراءت غير حقيقية. تولت هي الكلام.

كانت تمتلك أموالاً. أجادت كسبها وإن كان من الواضح أيضاً أنها نشأت في وسطها، ومعها إحساس راسخ بقيمة ذاتها. كانت تقِيم في أفخم الفنادق حين تسافر. بعد أن احتست كأساً من النبيذ، كاشفته بأنها ألَّفت رواية حين كانت أصغر سناً. نهضت ومضت إلى خزانة لتسترجع صندوقاً. عادت إلى الجلوس ثم فتحت الصندوق لتريه. تصَفح الكلمات، ألوفاً عديدة من الكلمات، أومأ برأسه دون أن تَطرق ذهنه كلمة ليلفظ بها. أعاد الصفحات إلى الصندوق نيابة عنها على حين أرجعت هي الغطاء. أرته بعد ذاك جريدة قديمة كانت قد نشرت لها قصيدتين. علهما جيدتان، ولكنه لم يستطع التقرير، فقد تطلبت الكلمات تحليلاً من نوع ما أو انهماكاً في مشاعر لم يأبه لها. ولكنها كانت تحكي بالفعل عن تجوالها يوماً مع مجموعة من الغجر وسيرها حافية في الشوارع مستجدية الغرباء العملات. أجادت الاستجداء. لم تكن في حاجة إلى النقود بيد أنها ودت اختبار ذلك الجانب من الحياة. اشتغلت كذلك في مسارح الهواة. باعت ذات مرة خضراوات في السوق، أرته صورة لها مرتدية ملابس فلاحة في كشك. مرة أخرى، كانت جزءاً تجربه, ولكنها كانت أيضاً بائعة خضروات ماهرة جداً. تكلمت في أغلب الوقت بينما كان هو يومئ برأسه. فتَحت له قلبها. كان سيود أن يشاركها ويفتح بدوره قلبه، ولكنه كان عاجزاً. راوده إحساس بأن لا شيء لديه ليريها إياه. لم يكن يؤمن بأي شيء ذكَره لها.

راحت تتحدث عن ظروف لقائهما، فألفى أنه عاجز أيضاً عن التحدث بالرغم من أنها الموضوع الوحيد المتاح. كان مجمَّداً منذ الحدث، لو باستطاعته العثور على الكلمات السليمة، شعر أن بمقدوره تحرير نفسه من حالة وقَع في شركها في تلك الأسابيع والشتاء يحيق به. ولكنه لم يَقدر أن يجد كلمات. أَقرب ما ناله لحظة التقط فيها طرفه -- وهو واقف في الشارع -- قطتين صغيرتين تلعبان بين الشجيرات، تتشاجران، تَسكنان جسديهما بالكامل، من غير تفكير. قام في خاطره، هكذا إذن، الحياة هكذا. هو ما تعنيه الحياة. ثم أحس بجسده -- جسد في سبيله إلى الشيخوخة -- يبطئ، يتيبس، يثقله الفكر والأسى. كان يفكر من حين لآخر في القطتين، وقد كانت هذه اللحظة أقرب لحظاته إلى الصفاء.

حينما فرَغت الزجاجة -- لم تحتس إلا هذه الكأس الواحدة -- أقدم على خطوته الخرقاء. ردت عليه بمثلها وبعدها ذهبا إلى غرفة النوم.

في الظلام، بدون ملابسهما، لم يهم مَن هي أو كم عمرها أو ما شكلها. نسي أيضاً نفسه، وهو مراده. نسي أمس، وغداً. أصبحا كل الآخرين، ولا أحد. تحركا في الغرفة الغريبة كما الأشباح، فبات الموقف مُلحاً لا يَعدم الأهمية. ثم انتهيا وخلدا إلى النوم.

نهض في الصباح بخطوات متمهلة قبل أن ينشق كامل الضياء. أخذ يرتدي ملابسه، ولكنها استيقظت وأصرت على تحضير القهوة. احتساها معها في شِبه ظلمة، على عجل، ليحُول دون تبادل أي كلمات غير ضرورية. ود أن يبتعد، بسرعة، دون أن يعود.

وعندما حط الفنجان الفارغ على الطبق، طلبت منه البقاء قليلاً، ولكنه لم يدر لِم ينبغي عليه البقاء بعد أن خالجه عندها إحساس قوي، وبدأ عقله يصحو.

على وشك، قال في سره وهو يشعر بثقل معطفه حول كتفيه فيما وقفت هي بجانبه كمن تتمنى لو تستبقيه قليلاً. ربت جيبيه متفقداً محفظته ثم قبَّلها موَدعاً وخطا خارجاً من الباب. انغلق خلفه بتكة تشي بالحسم. أوقع فيه الصوت الرضا. وجد الهواء منعشاً في اللحظات الأولى من الابتعاد، استنشقه عميقاً، بكل امتنان. كانت تربة الحديقة هشة من جراء صقيع الصباح الباكر. لعل سقوط الثلج على بعد أسابيع ليس إلا. احتمالٌ. أنبأته الضوضاء المتعالية خلف بوابتها أن المدينة تعد العدة ليوم آخر. كان بالفعل متقدماً بخطوة. أراحه أن يتحرك، ويبتعد.

حينما قابلها يومذاك، وهما يسيران في الموكب، تحدثت عن أحد المعابد التايلاندية، مكان شبيه به، إحدى جولاتها السياحية، قالت: تَدفعك إلى التفكير -- أنت عارف؟ مثل تلك الأماكن -- فيما يعنيه كل شيء، فيما يقبع بعدها. لم يعارضها، بل عله أومأ برأسه وكأنما يتفق مع تلك العِبارة، فيما يقبع بعدها. ولكنه كان في الواقع يُحَدث نفسه: يا للحماقة، الحديث عما سيدور فيما بعد ونحن بالكاد نفقه ما بين أيدينا هنا، على هذه الأرض، أمام أم أعيننا. هكذا فكر وهما ماضيان إلى المقبرة لدفن صديقه، رجل نادر الوجود، طيب وكريم، كان منفتحاً على المستقبل أو هكذا تخيل العالَم. لا سبيل إلى التعبير عما جرى بكلمات لن تتراءى جوفاء. ولمَّا مسته المرأة المجاورة له بلحمها، ما تمالك أن ظن أنه سيستفيد من فرصة.

حلٌ سهلٌ لمشكلة معقَّدة، هكذا عرَّفها أحدهم، جملة تذَكرها وهو يشعر بجمال الابتعاد، وهو يَعبر الحديقة في اتجاه شوارع المدينة المستيقظة.

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.