مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الثاني والثلاثين، يناير 2012.

The thirty-second issue, January 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرم توني إبرايل بالموافقة على نشر قصة "الخنفساء القبيحة" في مجلة البوتقة.

Mr. Eprile was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Ugly Beetle" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Eprile a great debt of gratitude for her kind permission.

"The Ugly Beetle" by Tony Eprile. Copyright © 1989 by Tony Eprile. Published in his story collection, Temporary Sojourner: And Other South African Stories. Copyright © 1989 by Tony Eprile. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

الخنفساء القبيحة

توني إبرايل

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يناير-2012

 

 

المجموعة القصصية

مقِيم مؤقت: وقصص أخرى عن جنوب أفريقيا

 

 

 

 

 

"ياااه، أيها القبيح! إنك أقبح من جراد الجُنْدُب في سن يأسه. إنك أقبح من أن تحيا." وقَف خَطَر مولولوفو، أخو الضبع، المحطَّم، القبيح زيادة عن اللزوم، الخنفساء السوداء، أمام بلور النافذة محملقاً إلى صورته. مد يده إلى معطف حافل بالثقوب من معاطف العسكر امتلكه أبوه يوماً إبان الحرب العالمية الثانية. أخرج علبة خراطيش قديمة غاصة بالنشوق. أنشب ظفراً في صلابة القَرن ليُخرج ملء مجرفة صغيرة من النشوق. وضعه بحرص في منخره الأيمن. ومن المنخر الأيسر -- ذلك الشق الصغير في كتلة مشوَّهة من اللحم -- جذب... خنفساء سوداء. يا لضحكات الصورة المنعكسة على النافذة! سقط بعض النشوق على شفته العلوية، شفة غليظة لا تَسلم من الشقوق، ولكنه استنشقه مرة أخرى بـ "ووه" سريعة ونَشْقَة. عطس ثم عاد إلى الضحك. من المؤسف أن صِبية صندوق الزبالة من قبيلة السوتو كانوا يتوخون كل الحذر منه حتى إنهم لم يَحْضروا ويضحكوا من عرضه القصير. ما بدر منهم إلا الركض جواره بصناديق زبالة طافحة، وكلهم ذعر من التطلع إلى وجهه. وقد كانت الساعة مبكرة تبكيراً في الصباح حتى إن رجلاً أبيض لم يَخرج إلى الشارع ليمر به بنظرة اشمئزاز مغمغماً، "شحاذ زنجي." آآه، لقد تولاهم جميعاً الخوف منه. بل إن خوفاً ساور رجال الشرطة من لمسه. فاحت منه رائحة كريهة! مرة ثانية أرسل هو وتوأمه في المرآة ضحكات خافتة على نكتتهما المشتركة.

ولكنه وجده مكاناً مناسباً. خلا قلبه اليوم من السواد. هنا في المدينة أدرك كيف يستغل قدراته. كان قد قدِم لتوه إلى إجولي[1] -- المدينة الذهبية -- وكان يسير في الشوارع المغمورة في الشمس مرتدياً نفس هذا المعطف. جذبت الصورة المنعكسة على نافذة المحل عينيه. كانت أول مرة على الإطلاق يبصر فيها طوله بالكامل ويتفحصه. رمق الصورة كمن يكره نفسه. لا عجب أن القرويين تحاشوه. لا عجب أنهم خافوا منه، وخوفاً من مخاطبته بأي شيء أطلقوا اسمه على ضبع ضال شِبه أليف يتسكع في أنحاء القرية. لا عجب أن الفتيات الصغيرات يخفين وجوههن ويقهقهن حين يمر بهن.

لم يكن ذنبه أنه قبيح، أن وجهه ملتو محطَّم، أن فخذيه ناتئان، أن ظهره محدَّب حول منكبيه العريضين. كان قد وُلد مع توأم، وكما جرَت العادة، وضعوه هو وأخاه وسط سبيل الماشية المؤدي إلى الزريبة. سوف تحدد حوافر الأبقار أيهما سيعيش. حالف أخاه الحظ وقُتل في الحال. ولكن عم الوحل مرقده، وحين أراحت البقرة حافرها على وجهه، قررت في اللحظة الأخيرة أن تنقل ثِقلها. نجا من الموت غير أن ندوب الحافر لم تزل منطبعة... مثلما ستنطبع إلى أن يَرقد مجدداً في الوحل. أراد أبوه أن يخنقه ويدفنه مع أخيه المهشَّم الميت. لم تنطق أمه بحرف؛ ليس من حقها قول أي شيء، لديها على كل حال طفل أكبر لتُرضعه. دان بحياته لجدته، إذ أخذت على عاتقها مهمة تربيته. كانت قد أخبرت الآخرين أن مَن يعصي أوامر الروح العظيم كما يُظهرها خدمه الأبقار سيَنزل به ولا شك العقاب. أنهت إليهم كذلك أن من يَحمل ندبة دالة على حظوة الماشية سوف يصبح بالتأكيد طبيباً ساحراً عظيماً -- إنيانجا -- بين الأطباء السحرة. آه، ولكن الحيزبون -- ساحرة لم يجرؤ أحد على اتهامها بشيء -- خالفت التقاليد نفسها. كان من الواجب أن تطلق عليه اسم 'المعفى من الماشية' أو 'المفضَّل لدى الأبقار' مثلما يتسمى دائماً التوائم الناجون. ولكن لا، أسمته ڤويو على اسم زوجها، محارب شهير قاتَل في معركة إساندلوانا[2] واشترك في ذبح حامية بريطانية كاملة. لا بد أنها أضمرت بغضاً أي بغض للمحارب العجوز الذي تزوج بها ثم هجرها حاملاً ليرحل إلى حيث لا يَعلم مخلوق. لا بد أنها أضمرت له بغضاً أي بغض حتى إنها سمَّت هذا الرضيع المشوَّه الممسوخ على اسم المحارب العظيم.

كان يَعلم نيتها، كان دوماً على علم بنيتها، وقد تكفل بكراهيتها. لم ترغب في إنيانجا عظيم. رغِبت في خادم أبله ينفذ أوامرها ويجعل أدويتها أقوى وأفيد بلمسة شخص نال حظوة الماشية. بل إنه سمِع مَن يتهامس في القرية بأنها هي -- لا الاستلقاء الطويل في الوحل المبتل وهو رضيع -- مَن لوَت جسمه حتى إن الضبع المحدودب تبدى كاملاً مقارنة به.

ولكن ضربة البقرة على رأسه لم تصبه بالغباء. وقد برهن للعجوز. في البداية عندما كان غاية في الصغر، لاحقها وثباً هنا وهناك كعلجوم صغير واحتمل صفعاتها وتذمرها المستمر. وبمجرد أن كبِر بما يكفي لأن يعي بذاته، فطن إلى غرضها. استحضر كل ما قالته له، فرَزه حتى وقَف على دوافعها الخفية. اعتاد الهرب إلى المرْج وترك مهام حددتها له دون إكمال. فلتملأ الحيزبون دلوها بنفسها من النهر لو أمكنها العثور على مكان ألقاه فيه. فلتراقب العصيدة على النار؛ إنه عمل امرأة. ولو احترقت والتصقت بقِدر الطبيخ الحديدي، أحسن. استطاع دائماً أن يجد طعاماً في أكواخ أخرى. كان يَظهر عند الأبواب روحاً حقوداً هبَّ من المرْج مخيفاً القرويين ألا يطعموه.

وعلى العكس من قرويين آخرين لم يغامروا قط بالخروج إليه بمفردهم، ونادراً في الليل، كان يحب المرْج. كان يضطجع على التراب تحت ضياء الشمس الدافئ، يتفرج على السحالي والحشرات تعدو ذهاباً وإياباً من سويقة عشب إلى سويقة عشب، ومن حَجَر إلى حَجَر. ما تولاه خوف من الثعابين ولا العقارب السامة ولا حتى دودة الألفية البالغ طولها عشر بوصات، بأرجلها الألف التي تتقوس داخل عَجلة صغيرة حين يَحملها. بل إن رعدة ألمت بالحيزبون لمرآها. ولكن هو لا.

طفق ينفق معظم وقته في المرْج بعد أن داهمه الشيء للمرة الأولى. وبعد أن تعلم الكلام ما لبثت جدته أن أسرت إليه أن شيئاً سيستولي على عقله كاشفاً عن طبيب ساحر عظيم. باحت إليه بأن الشيء عندما يحل عليه، سيجعل حديثه العاقر ولوداً، سيحسر النقاب عن أماكن إخفاء السلع المسروقة، سيشم الساحرات ويكشفهن. كانت تولي انتباهها إلى كل ما ينطق به، ومعاً يهيمنان على المنطقة بأسرها. بل إنها حاولت التسريع بمجيء الشيء بأن أطعمته أحساء ومساحيق غريبة. كانت توقظه في ذروة البدر ليَخرجا ويجمعا أعشاباً من المرْج. لم تلمس قط هذه الأعشاب إلا أنها كانت ترغمه على التقاطها ووضعها في حقيبة من أجلها. وذات يوم أثناء جلوسه بجوار النار في انتظار عصيدة المساء، شعر بفكيه ينغلقان بإحكام وظلمة كالحة تَذهب ببصره. وحين فتَح عينيه مرة أخرى، كانت جدته تُحلق فوقه وعيناها الطافحتان بالعنف تثقبانه. همست غاضبة، "لقد رقَدتَ هناك كخنفساء تتظاهر الموت. لم تتحرك. لم تنطق. الروح الذي ركِبك كان ميتاً." سددت بعدئذ كتلة من البصاق إلى وجهه مباشرة. ومنذ تلك اللحظة لم يكف عن كراهيتها.

كان قد صحا في اليوم التالي مع شروق الشمس وهرع رأساً إلى المرْج. وجد خنفساء صغيرة بلون الأبنوس في أول بقعة توقف عندها. نقَر ظهرها المنحني الصلب كالقَرن. تيبست أرجلها ثم رقَدت متصلبة وكأنما ماتت منذ سنوات وجفَّت على هذا الشكل. رفَعها بحرص ثم حطها على صخرة مسطحة. ومع ذلك لم تتحرك. قبَض على صخرة أخرى ليهشم الخنفساء المرة بعد الأخرى حتى لم يتبق شيء إلا اللب. استلقى بعدها باكياً بين التراب والصخور وشجيرات الزعرور إلى أن أتى الشيء ليفلطح جسمه الأعوج ويصير في مثل تيبس جسم الخنفساء. وعندما أفاق، أدرك أنه لن يجرح أبداً خنفساء مرة أخرى.

بدأ الضبع ناقص النمو -- السارح دوماً في ضواحي القرية والمسمى على اسمه -- يتبعه إلى المرْج. أحياناً ما كان يلقي إليه حشرات يختارها بعناية -- جرادة سمينة، أسروع ريان -- ينهشها الحيوان في شره. سرعان ما تعلم تقليد صيحته العالية الهادرة، صيحة تضاءلت تدريجياً لتستحيل قرقرة مجنونة. أتقن تعلمها بما يكفي ليثير نباح كل كلاب القرية متى اختار.

وذات يوم تسللت إليه خلسة مجموعة من الصِبية الرعاة وهو يرمي إلى الحيوان يرقات سمينة وجدها أسفل صخرة. حاق الصِبية الرعاة بالضبع وشرَعوا في ضربه بعصي طويلة يَحملونها لوكز الماشية. انطلق الحيوان مجنوناً في دائرة محاولاً الفرار من معذبيه. وبأنين يعكس غضباً اندفع إلى أضخم الصِبية الرعاة ولوى العصا من يده ثم أمسك فتى آخر بيديه المعقوفتين ليقذفه فوق شجيرة شائكة على بعد عدة أقدام. انطلق الضبع بسرعة الريح وعدْوه القافز يَحمله سريعاً بمنأى عن الأنظار. وقَف جامداً ينتظر أي عقاب قد يُنزله به الصِبية الرعاة. تفرسوا في وجهه ثم انسلوا صامتين الواحد تلو الآخر. تعلموا الخوف من قبحه. والآن، بعد أن نظروا مجدداً إلى حدبة ظهره الأشبه بحدبة البقرة، استحوذ عليهم الخوف من قوته أيضاً. اختفى الضبع بعد بضعة أيام. عثر في النهاية على جثته متدلية من شَرك بدائي من السلك. قاوم الحيوان طويلاً، فقد شق السلك عميقاً حتى إنه ظهَر بالكاد للأعين.

ومع ذلك لم يفارق القرية. بل إنه بقى حين غادر كل مَن في سنه بحثاً عن عمل في المناجم وتبِع الأبقار مجموعات متتالية جديدة من الصِبية الرعاة. زادت مرات نومه في المرْج، أمضى هناك أياماً بلا انقطاع، يأكل النمل الطائر والجراد وخوخ المرولا والتين البري. نادراً ما كان يتبادل النظرات مع العجوز على أنه كان يُحْضر لها من حين لآخر أعشاباً وحشرات، فقد ألمَّ بها ضعف حال دون أن تصطادها بنفسها. دلف إلى الكوخ ذات ليلة فألفاها ممدَّدة على كومة من أدويتها. كانت في مثل تيبسه حين داهمه الشيء. شعر بعينيه تدوران عالياً إلا أنه استطاع التحكم فيهما حتى انقضَت الظلمة وتمكن من الإبصار بوضوح من جديد. كانت أول مرة يفرض فيها سيطرته على الشيء. فطن إلى أنه يجب أن يغادر على الفور. لو مكث في الكوخ، لن يتحرر مطلقاً من تأثير الحيزبون. حمَل جثة العجوز الخفيفة ورائحة الموت تهجم على منخريه، وضعها على حشية من القش اعتادت النوم عليها. فكَّر لحظة في دفنها بيد أن القرويين سيظنون أنه قتلها.

أجال ناظريه في الكوخ الضيق. كل ما به مألوف، حتى الأدوية المكدَّسة في الركن. لم تسمح له قط بلمسها إلا حين تأمره غير أن العجوز أعلمته بطرق استخدام كل مخزونها. كان يَعلم كيف يلقي بالعظام المتكلمة ليبصر المستقبل أو الماضي، أي الأعشاب أو التعاويذ لعلاج العقم، الألم، الأحباء التعساء. لفَّ كل الأدوية في بطانية ثم أسقطها في كيس دقيق كبير متوقعاً طيلة الوقت أن تثب العجوز عليه بالصفعات واللعنات. ولكن العجوز لم تبدِ حراكاً. لم يستغرق الأمر إلا عدة دقائق حتى جمع كل ما شاء، وبعدها خرَج من الكوخ إلى الأبد.

كانت ليلة مضيئة بالقمر فلم يجد عناء في العثور على سبيله عبر المرْج. وبحلول الفجر بلَغ طريقاً كان هو وجدته يسلكانه دوماً إلى السوق الشهري. قامت عن يساره بلدة السوق الصغيرة؛ وعن يمينه، بعيداً، بعيداً في الأفق، وقَعت المدينة الذهبية. وبدون أن يخالجه أي تردد انعطف يميناً.

ارتحل عدة أيام سائراً في الطريق حتى نال توصيلة من عربة فاكهة وخضروات تقصد المدينة. وبعدها، حين كاد يصل إلى حدود المدينة، توقفت قدماه. لم يعد منجذباً إليها. وبدلاً من دخولها سار نحو مجموعة من المباني يطوقها سياج مرتفع. سار حتى رأى رجلاً يسند ظهره إلى أحد المباني. رشقه الرجل بنظرة قائلاً، "أجل، سوف تنفع. بك من القبح ما يخيف أي شخص." ما خامره اندهاش حين خاطبه الرجل بلغته، وليس ببربرة قرَدة تناهت إليه على الطريق. أحس بأنه مكان يلائمه.

اشتغل حارساً ليلياً إلى أن انصرم الصيف ثم هلَّ من جديد. ومع أنه نادراً ما كان يتحدث إلى أي شخص، أرهف السمع حتى استقرت ثرثرتهم الغريبة في ذهنه ككلمات بمقدوره فهمها. عاش خلال هذه الفترة في مجموعة مزدحمة من الأكواخ الضيقة؛ ولكن حياته لم تختلف عزلتها عما كانت عليه بالقرية.  كثيراً ما كان يَسمع اختلاط ضحكات الرجال والنساء فيستبد به الغضب والغيرة. ولكنه علِم أن لا جدوى -- مع قبحه -- من مفاتحة أية امرأة. ومع ذلك اشتهى امرأة. ومع اقتراح ساخر أبداه كبير العمال الأسود الذي وظفه، ذهب ليزور بغياً. اتبع توجيهات رئيس العمال منتهياً إلى مجموعة من الأكواخ تفيح منها رائحة جعة مصنوعة في المنزل. وجد عدداً من النسوة يَجلسن حول نار صغيرة. وعندما خطا إلى الدائرة المنيرة بالنار، أغرقن جميعاً في الضحك. صك أذنيه إحداهن تقول، "أوف، مَن سترغب في النوم مع تلك الخنفساء القبيحة؟" ونبست أخرى، "فلنعطه إيستر،" ثم عدن إلى الضحك وهن يصفعن أفخاذهن في ابتهاج.

اتضح أن إيستر هزيلة. عندما تحدثت، أطلقت سعالاً جافاً مخشخشاً أنبأه بقرب موتها. تطلع مرة بعين التوق إلى امرأة بفخذين ضخمين كانت تَجلس بالقرب من النار، تتجرع جرعات وافرة من الجعة من دلو قصديري. لا ريب أنها ستشب كما الفرس في اهتياج ما بعده اهتياج! لحِق بإيستر إلى الكوخ. وهناك خلَعت رداءها الرخيص ثم رقَدت على كومة من أكياس الدقيق والبطانيات، أغلقت عينيها. لم يعبأ من فرط هيجانه بأن يتعرى بالكامل، ألقى نفسه عليها إلقاء حتى إنها أطلقت أنيناً عالياً ينم عن الألم. وحين فرَغ، أدارت فجأة رأسها واستفرغت ما في جوفها. استطاع أن يشم رائحة دماء وجعة وقئ؛ كانت يده لزِجة وعضوه وروحه مستنزَفين. ارتدَّت قبضته ليضربها غير أنه منع نفسه في اللحظة المناسبة. من السهولة كل السهولة أن يقتل مثل تلك العصا.

كان بالفعل خارج الكوخ عندما بدأ التقيؤ من جديد. وقَفت المرأة البدينة المليحة في الخارج وابتسامة خفيفة تلاعب شفتيها. دفَع ما طلبته. مرتب أسبوعين من أجلها على حين يمْكن لكيس دقيق أن يؤدي نفس المهمة. "أتمنى ألا تكون قتلتها. آه، أيها الصرصور،" صاحت به البدينة وهو يسير مبتعداً صوب الظلمة. لعنةٌ عليها وعلى كل قبيلتها!

أجل، كان أفضل حالاً مع نفسه. كمَنت سعادته الحقيقية في انفراده بنفسه ليلاً، مسلَّحاً بعصا طويلة من الخشب القوي وقدمين أدفأتهما مجمرة من الفحم، مجمرة تبعث وهجاً ضعيفاً بالكاد ينفذ إلى الليالي الحالكة. كان يجلب معه كيساً صغيراً يعج بخنافس سوداء أسرَها وروضها. يضع الواحدة تلو الواحدة على الأرض ثم يرصدها وهي تترنح نحو العتمة المحيطة. وبعد هنيهة يُخرج علبة النشوق ثم يضعها بحرص على الأرض، وبخفة -- آه، بخفة متناهية -- ينقرها بظفر سبابته الطويل الصلب. وبعد بضع دقائق يعود إلى النقر وأذنه شديدة التلهف على نقرات خافتة تجيبه من الظلام. هكذا تدعو الزوجة الخنفساء إليها، ولكنه درَّب الخنافس على الرجوع استجابة لنقرته هو وحده. وفي النهاية كانت الخنافس تأتي متمايلة إلى ضوء النار، الخنفساء بعد الأخرى، إلى أن تستقر كلها آمنة في الكيس. هه! تلك الخنافس! هياكلها صلبة، ومع ذلك يا لسهولة أن يسحقها المرء إن ود. ولكنها تعود إليه مخْلصة مِن أماكن مَن العالِم بها، تتجاوز مخاطر عديدة تكتنف مثل هذا المخلوق الصغير، وكُله من أجل نقرة غاية في الخفوت لا يقوى أحد على سماعها.

أتى وقت لم يعد بإمكانه تجاهل نداء المدينة. وبدلاً من الذهاب إلى موقع الحراسة المعتاد، عبَّأ خنافسه وأعشابه، ودون أن تلحظه عين، خرَج من المُجَمَّع. ومع انبلاج الصبح كان يقف وسط المدينة الذهبية ذاتها. ولكن لا شيء عدا هذا. لا نداء آخر أتاه، ولا حتى إيحاء هامس باتجاه ما. لأول مرة في حياته لم يَعرف مَن هو، أين هو. مشى ساعات بقدمين مضطربتين في شوارع صلبة في منتهى النظافة متسائلاً كيف سيتغلب على كل هذا السطوع والتألق. كاد يفقد وعيه من فرط الحرارة. هو القادر على الاستلقاء طيلة النهار على لوح من الصخر الساخن بالمرْج متفوقاً في قدرته على الاحتمال على السحالي. خشي أن تموت الخنافس اختناقاً في قيظ الكيس. ولكنها كانت فكرة حمقاء.

لمَح بعدئذ صورته منعكسة على نافذة محل فسار ناحيتها. تفرج طويلاً على قبحه مقترباً أكثر فأكثر من صورته إلى أن حجَبها في النهاية ظله وتمكن من التطلع داخل المحل نفسه. ثمة رجل أبيض طويل يحتسي مياهاً من كأس أشبه بالفقاعة. دفَع الباب بدون تفكير ليمرق منه. أمره، "أعطني مياهاً،" مشيراً إلى الفقاعة. حدَّق إليه الرجل الأبيض بثغر مفتوح من فرط الذهول والغضب ثم صرخ، "يا شمشون، اطرد هذا الزنجي المنتن من هنا." بزَغ رجل أسود من ظل ضبابي في خلفية المحل واتجه ناحيته. بعدها داهمه الشيء. ما جال بخاطره منذ وفاة جدته، وقد تركه الشيء وشأنه. بمقدوره الآن أن يحس به يشده إلى عتمة أعمق وأحلك من جحر دُب النمل. اندفعت عيناه نحو السماء؛ ما بان منهما إلا البياض. تمايل قليلاً وهو يشعر وكأنه يَرجع من رحلة عظيمة. اخترق صوت شمشون أذنيه، "لن ألمسه. إنه خطر." لقد عاد! وسعه أن يرى شمشون يرتعد خوفاً، يراقبه بعينين متسعتين وعرَق بحجم بيض النمل ينبثق من جبهته. صبَّ الرجل الأبيض لعناته على الاثنين، وبتكشير يشي بالنفور راح يقوده إلى خارج المحل. "خطرٌ." اسم جيد. جاراه مطيعاً وهو يضحك في سِره من الأبيض الأبله الذي يجهل سهولة أن يكسر ظهر رجل عادي مستقيم القامة.

 

مثلها مثل كرة فضية فوق عجلة قمار تدحرجت ذاكرته عائدة أخيراً إلى نقطة الصفر. بهِتت صور الماضي وخلفته مجدداً بصورته مبتسمة إليه ابتسامة عريضة لا تَسلم من العته. انصرف عن النافذة وقطَع عدة خطوات ثم جلَس بظهر متكئ على الحائط. أخرج فنجان الشحاذة وأسقط فيه عدة عملات صغيرة ثم وضعه بجواره. كان قد تعلم الكثير منذ دخوله المحل يومذاك. ومع ذلك أتته كل الذكريات في لحظة سمِع فيها اسمه الجديد وانتزع نفسه من الشيء. كان قد زايله كل ارتباك والرجل يرافقه إلى خارج المحل. لم تصبه الشمس بالاكتئاب. تفحص المدينة مثلما تفحص صخرة أدارها كاشفاً عن المخلوقات المختبئة أسفلها، وقد عرَفها الآن مثلما عرَف المرْج طيلة حياته. سهُلت عليه المعرفة، فهو شحاذ يرتحل أينما يحلو له الارتحال. أوقفته الشرطة عدة مرات إلا أنه كان يتظاهر في كل مرة بأن الشيء ركِبه فيتركونه وحاله، وبين الفينة والأخرى يركلون جسمه المتيبس بضع ركلات، ولكن سرعان ما يتوقفون خشية توسيخ جزمهم السوداء اللامعة. جنى أيضاً أموالاً أكثر مما جناها أثناء عمله حارساً ليلياً، فقد أكسبه قبحه الأموال. ولكنه لم يبال كثيراً بالأموال. أجل، باستطاعته كسب كل ما يريد من بيع التعاويذ إلى عصابات السود ليجلب لهم الحظ في لعبة الطاولة أو عجلة القمار أو لحمايتهم من الإصابة خلال حروبهم. بل إن عصابات السود المسيطرة على المنطقة بالعنف والاحتيال اعترفت بأنه إنيانجا. آه، ولكنه أوقع في أنفسهم الغضب، فقد رفض إهدار قواه على تعاويذ سخيفة لم يؤمن بها. ما رغِب في مقايضتها بهذه الطريقة الفجة، علاوة على أنه كان يَعلم أن قواه لا تفلح إلا حين يتتبع نداءها.

لو تمكن من السيطرة على أفراد العصابات بإدارة حدقتيّ عينيه بدلاً من مجرد تخويفهم، سيَقدر ولا شك أن يفعل ما يشاء بالمدينة. لو ائتمرت العصابات بأمره، سيتمكن من جر المدينة على طول خيط غير مرئي بنفس ثقته وهو يجذب الخنافس من الظلمة بنقراته. سوف يجد المسألة غاية في اليسر. لم يتطلب إنجاز كل شيء سوى رجل بجانب مجمرة، وقد كان هو هذا الرجل. كان يفقه كل شيء عن المدينة، وباستطاعته المضي إلى أية بقعة يواجه فيها اللصوص مشاكل مع الشرطة. أنصت إلى الأطفال وهم يتحدثون عن عطلاتهم، علِم أي المنازل سيتركها أهلها ولأي مدة. علِم أي الحراس الليليين يروقهم الخمر أو تدخين الماريجوانا أو الأعشاب القوية الأخرى، أيُهم لديهم حَبيبات، أيُهم يعتريهم أعظم الخوف من الأرواح. كان يَعرف كيف يخدعهم جميعاً، بقواه، وأيضاً بقوة ملاحظته. كان يَعرف كيف يخلق المشاكل بأبسط الخدع.

كان يسير ذات مساء في شارع جانبي يخيم عليه الهدوء عندما لمَح رجلاً وامرأة على وشك تناول العشاء في سكن الخدم من منزل كبير. كانت ليلة دافئة والباب مفتوحاً. استطاع أن يرسل طرفه إلى كل شيء داخل الغرفة الصغيرة. ألفى نفسه يمشي في الممر ويمرق من باب الغرفة قائلاً، "بسرعة. صاحب البيت يريد مائدته فوراً." ناول مصباح المائدة إلى الخادمة المذهولة وأعطى الأطباق العامرة بالطعام إلى الرجل صديقها ثم اختفى في الممر والمائدة فوق ظهره. وبعد عدة صفوف من المباني رمى المائدة الصغيرة على بعض الشجيرات القريبة وضج بالضحك. حتام سيقف هذان الأبلهان هناك ممسكين بمصباحهما وأطباقهما قبل أن يسألا، "لِم يحتاج صاحب البيت إلى المائدة؟" هل سيفطنان إلى الخدعة أم سيظنان فحسب أنه مثال آخر على جنون الرجل الأبيض؟

لو تمكن فقط من حث أفراد العصابات على الإنصات إليه والامتناع عن سرقات وجرائم قتل لا هدف منها يرتكبونها في البلدة، لو تمكن من حثهم على خداع سكان المدينة بخدع سحرية غامضة، أواه، قد يستطيع أن يَقلب المدينة بأكملها رأساً على عقب كما يَقلب الصخور المسطحة في المرْج. وبالضبط مثلما يَهلَك النمل الأبيض واليرقات عديمة اللون القابعة تحت الصخور في الشمس المتوهجة، كذلك سيتلوى سكان المدينة ممتقعو الوجوه ويموتون!

ولكنه جابه مشاكل مع العصابات، وليس فقط بسبب تعاويذ رفض بيعها لهم. كان قد عاد منذ بضعة أيام إلى غرفة ضيقة -- منامه في أغلب الأيام -- ببلدة السود. وقبل أن يصل إلى الكوخ الصغير، راوده إحساس بأن هناك أناساً داخله، لذا لم يندهش حين وجد ثلاثة أفراد من العصابة الروسية يقفون في منتصف الغرفة. لم يلمسوا أي شيء خشية لعنات يصبها الإنيانجا على العابثين بممتلكاته. ومع ذلك تطلع الشبان إلى وجهه بجرأة. وسَّع عينيه فدفَعهم إلى إشاحة أبصارهم. ولكن تحدث إليه أحدهم بقدر من العجرفة، "اسمع يا رَجل. نحن الرجال نفكر بما أن عندك هذه الخنافس والأشياء، ما رأيك في أن نقِيم سباقات للخنافس ونُحْضر المقامرين ليبعثروا أموالهم؟" كان تصريحاً أكثر منه سؤال، ولكنه أدهشهم حين أجاب مستخدماً لهجتهم، "تريدون أن أسابق أنا الآخر؟ انظروا، أنا خنفساء." ومع هذه العبارة وثب خطوة إلى الأمام دافعاً إياهم لِصْق الحائط. مد يداً مفتوحة، أدارها وأحكم قبضته، أدارها مرة أخرى ثم فتَحها بخنفساء مُسْتَكِنَّة في منتصف راحته. "سيكون سهلاً عليكم لو عرَفتم أين تختبئ،" قال مشيراً بيده الأخرى إلى أفراد العصابة ليَخرجوا من الباب. هرع اثنان منهم إلى الظلمة بيد أن القائد توقف عند عتبة الباب. مد يده أسفل دثار يرتديه حوله وجذب سكيناً طويلاً. لوَّح به فوق رأسه قائلاً، "نحن الروس" ثم أسرع بالابتعاد.

كان قبلها يَقطع الأزقة في ساعة متأخرة من الليل حين استشعر خطراً خلفه. التفت سريعاً فاندفعت بجوار رأسه الهراوة المصوَّبة لترسل صوت هبة هواء وتمس كتفه بخفة. ضرَب الهراوة بيد واحدة وقبَض على حلْق الرجل بالأخرى. شد وجه الرجل أمام وجهه بالضبط ثم سحق قصبة المهاجم الهوائية بضغطة قوية واحدة ماصاً بفمه المفتوح آخر نفَس من أنفاس الرجل المحتضر. قيل إنك لو تنفستَ آخر لهاث لرجل، سوف يصبح روحه خادمك إلى الأبد. ولكن هل هذا صحيح بالفعل؟ ربما كان الرجل روسياً هو الآخر، ربما خمنت العصابة الآن قاتله بمثل تلك الطريقة الغريبة. كان قد مر ذات صباح بجثة دامية ملقاة في بالوعة. كان يدري أن حتى الإنيانجا يمْكن قتله بالرصاص. ولكن خوفاً لم ينتابه. لا ريب أنه سيشم رائحة الموت قبل أن تهل، وهو لم يشم الآن أية رائحة. حسناً، سوف يمضي الليلة ليتحدث إلى الروس. لن يَقلق على خنافسه لأن العصابة ستغدو خنافسه. سوف ينهي إليهم خططه ويعرض عليهم أن يصبح "دماغهم". إمَّا سيستمعون إليه، وإمَّا -- في حال شعروا بالإهانة -- سيقتلونه. ولكنه لم يشم رائحة الموت!

نال منه الإجفال حين ارتطمت أذناه بصوت مفاجئ صادر من عدد وافر من العملات في فنجان الشحاذة. كانت هناك امرأة بيضاء البشرة طويلة القامة بشفتين ملونتين بلون أحمر صارخ تخفض إليه ناظريها.

لفظت، "أوه، أيها الرجل المسكين."

 

 

 

 


[1] إجولي: اسم محلي لمدينة جوهانسبرج.

[2] معركة إساندلوانا (22 يناير 1879): معركة من معارك حرب الزولو وقَعت في جنوب أفريقيا بين شعب الزولو والإمبراطورية البريطانية. 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.