مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد التاسع والثلاثون، يوليو 2013        Thirty-ninth issue, July 2013

 

تكرم چون جاور بالموافقة على نشر قصة "أرض التلفزيون" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Gower was so generous to permit the publication of the Arabic text of "TV Land" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Gower a great debt of gratitude for his kind permission.

TV Land” by Jon Gower. Copyright © 2011 by Jon Gower. From his story collection Too Cold for Snow © 2011 . Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

أرض التلفزيون

چون جاور

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يوليو-2013

 

 

 

 

المجموعة القصصية بردٌ شديد على الثلج، 2011

 

 

 

 

 

 

قد تَغرب الشمس يوماً على هذه البقعة في مجد استوائي، معكرونة من شظايا ضوء بلون اليوسفي وشرائط بلون العنب الأزرق تتحلق غرباً. ولكن ليس بعد، لا مع هطول المزيد من المطر الرمادي. لا في هذه المدينة الحافلة بالأسنان الرديئة والفضلات المشبَّعة بالمياه والأحلام المشوَّهة وثلاث نواطح سحاب. لا تأت هنا لو بغيتك مباني نيويورك العمودية العصية على الكبح. ولا شَبَكِية من أضواء النيون تئز بفعل سعار الإعلانات بطوكيو، ولا مزيج لوس أنجلوس الكثيف من الضباب والدخان، ولا ازدحام كامبالا المُطْبِق. تقيس بعض المدن بالرُؤى: هذه المدينة تقيسها بعصا.

فلنلف لفة حول المواقع الأساسية. شرقاً تقع الضواحي العظيمة للتخمة التلفزيونية. شمالاً قصور تعود إلى العهد الچورچي بين أشجار خليقة بغابة. أموال قديمة، جذور عميقة. شرقاً قرية فريسة للإهمال تتخللها الحدائق، وجنوباً سدوا مصب النهر محل التقاء النهر بالبحر، تلك الفعلة المتشنجة. لا بد أنك توافقني.

هذه المدينة العشوائية.

يختبر قسيس إحدى الكنائس غلمان جوقة جدداً وفي عينيه دمعة تشي بالشهوة. يُنْشِدون باخ وقطعة من ألحان أرويل هيوز تستدعي إلى الأذهان صور الثلج.

يتلو صبي صومالي في العاشرة كتيبات ضخمة من أدب شفهي تناقلته الأجيال جيلاً بعد آخر. يخطر في باله أنه سيحفظها كلها عن ظهر قلب، الحكايات والقصائد، ثم سينقلها بدوره إلى أطفاله. إنه أمين مكتبة استثنائي.

يتساءل رجل في أحد منازل منطقة كانتون كيف انتهى بحق السماء إلى شراء منزل مكوَّن من ثلاثة طوابق بدون أية سلالم. ما يحوي إلا فتحة كبيرة وحبلاً، سميكاً شأن أحبال السفن البحرية. ولكي يَبلغ حمَّامه، يجب أن يتسلق مثل القرد بيديه الجاسئتين كقشريات البَرَنْقِيْل وكأنما حاول كشط البَرَنْقِيْل عن جسم سفينة حديدي براحتيه العاريتين.

ثلاثة ملايين قصة شبيهة بهذه القصص، عشوائية لا تَنقصها الدلالات.

وفي شارع حائل اللون شماليّ محطة الحافلة تقف شاحنة صفراء لبيع شطائر اللحم المشوي. يديرون تجارة مزدهرة.

انطبعت على وجه مارتي ساثاير ابتسامة بغيضة شيطانية وهو يعد الفكة. لن يخمن أبداً الزبائن الذين تغدوا عند شاحنته – شاحنة البرجر الغالية – ما ضمته حقاً أرغفة الدجاج الحبشي المتربي في المراعي المفتوحة.

كان قد خرَج مبكراً ومعه الفخاخ، نصَبها في سبيل تصطف على جانبيه الأشجار المتعفنة خلف المخبز، هناك طاف اليمام المُطَوَّق والحمَام البلدي المثير للشهوة بأقدامه الحنفاء، بحث عن الطعام وتشاجر لنيل حبوب انزلقت بين اللوري وبرج العلف. لم تنقضِ ساعة إلا وقد ملأ جوالاً صغيراً، قتل كل الطيور بهراوة شرطي من العصر الفيكتوري سرقها من سوق للعاديات – ومعها فرشاة حلاقة من فرو حيوان الغُرَيْر وأداة بمقبض عاجي لتشذيب شعر الأنف.

أكنَّت بوبالاين صاحبة مارتي الأمازونية كراهية لكل سفك الدماء هذا، وكررت الحديث عنه مراراً وتكراراً حتى إن مارتي فكَّر في قَلْبَها لولا مواهبها البهلوانية الشهوانية.

ساعده أخوه على نتف ريش الطيور ثم شيها مضيفاً عشر دقائق إضافية في الفرن "خشية الأمراض".

كانت مائدة المطبخ لزجة بالأحشاء والأمعاء. لاحت يدا مارتي كقفازين على هيئة دميتين مخبولتين لِما التصق بهما من عشرات الريش الصغير. غسَلهما بمنظف قوي ماركة سوارفيجا، وبعدها بحث عن وصفة أكلة من بيرو اسمها كواي ثم اتصل بمساعِده يورويرث كي يُحَضِّر المكونات. لم يقتصر مارتي على طهو حمَام بلدي مترع بالأمراض. آه، لا، كان طهوه يليق بطهو عالِم أوبئة.

راجت أغنية شعبية بلغة الكيتشوا تغنيها قبائل في بذل فضية وكأنهم يعملون لدى ناسا. ملابس جديرة حقاً بعربة الآلهة. تقول الأغنية المقفاة، "يا أيتها السيدة العجوز، إنك في مثل عِتْق جبال الأنديز، في مثل تقلب الرياح، ولو تريدينني زوجاً لابنتك، افتحي الباب واطبخي بعض الكواي، ولكن اطبخيه بأكمله." ثم انقلبت الأغنية دعوة واستجابة، "الباب، الباب،" مغناة بصوت أشبه بصوت ريتشارد بيرتون، تَرَدُد موجاته أخفت من أي تردد، وبعدها "كواي، الكواي بأكمله" بصوت مغنٍ عالي الطبقة خصُوه قبل البلوغ للحفاظ على صوته، نغمات مرتفعة كما الأجراس الصغيرة، مدى المغني الكامل.

"إيه النظام يا أيوري؟"

"لستُ في أحسن حال. بام هجرتني. صارحتني بأنها ستنتقل إلى مدينة نوريدچ."

"نوريدچ. يا يسوع. فيندلاند. منطقة يمْكن أن يصبح الواحد فيها ابن عم نفسه. مسألة خطرة. قد أستطيع إذن أن ألهيك عن هذه الأمور. لا تزال مستعداً للقليل من الصيد والجمع؟"

"لو أنني مضطر اضطراراً."

"اجلب لي دستتين لو تستطيع."

"طبعاً."

لملم أيوري حاجاته وقاد الشاحنة حتى نهاية الشارع، انعطف يساراً ثم توقف. ارتدى فوق بنطاله الجينز زوجين من جزمة ثقيلة مضادة للمياه ووضع مشعلاً ثقيلاً من المطاط في سترته المضادة للمياه، وبعدها ضرَب حول غطاء البلاعة شريطاً حاجزاً محمولاً، وبحركة واحدة فتَحه عنوة ونزَل فيها.

كان قد اعتاد رائحة البواليع منذ سنوات خلت، الحق أنه شك في فقدان حاسة الشم حين ذكَرت بام عبير زهر المتْيُولا العابق بشذا الليل وهو يهب من الحديقة في إحدى ليالي أغسطس على حين عجَز لوري عن شم أي شيء.

جرَت المياه سوداء بلون الحبر في دوامات متدفقةً حول قرميد المبنى الفيكتوري وهو يشق طريقه إلى الفخاخ. كان قد اشتراها عن طريق الإنترنت، أتت من منطقة صناعية في فيتنام. أَفضل خمسين جنيهاً أنفقها منذ فترة طويلة. أحسن فخاخ للفئران في العالم، وعندما تناهى إليه الصراخ الممسوس، علِم أنه سيتمكن من توفير الطلبية دون نقصان. جال بباله أنه سيطهو ولا بد كواي حين فتح فم حقيبة الجثث ليمد يده إلى أول فأر سيموت.

كَسرة رقبة خاطفة هي أفضل وسائل القتل. في الإكوادور يضغطون على الرأس الصغيرة إلى الأمام من أجل ميتة عاجلة بدون ألم تحتفظ بدماء الجثة – قُرادَة كبيرة سمينة ملفوفة في لحاف غزير الشَعر. قطْع الحلْق مستهجَن لأنه يجفف اللحم، وهو ما لن يخدمك، أليس كذلك؟

إن الكواي مكوِّن غذائي قابل تماماً للتكيف. يمْكن شيه أو سلقه. اِقْلِ واحداً بعد أن تطْرق أولاً اللحم طرقاً لا مزاح فيه، تنتقم منه انتقاماً، تَضْرب شرائح اللحم المسطحة ضرباً ابن حرام.

اعمل مَرَقاً لو تشتهيه، استخدِم ثلجاً مذاباً من بركان بوبوكاتيبيتل وأعشاباً لا تَعرفها إلا سيدات السوق العجائز. اطبخ حساء رائقاً أو شوربة لحم خفيفة للغاية حتى إنها تبدو كالندى. تذوقها بملعقة ثمينة.

 

وفي الوقت نفسه كان هناك رَجل يَنفض عن عينيه آثار النوم في إحدى الضواحي الشمالية من المدينة. إنه المنتقم من مارتي، وقريباً ما سيتقاطع سبيلهما.

كان قد اختبر أصباحاً مزعجة بعد الليلة الفائتة غير أنها لم تكن في مثل إزعاجها. لم يكن صباحاً انتهى بقدم بشرية في الحوض. قدمٌ دامية داخل جورب دامٍ في الحوض ابن الوسخة. وقَف برينان هناك والشلل يَنزل به لمرأى الجَدَعَة، دَرْس تشريح صِرْف، العروق، الأوتار المتدلية. كاد يتقيأ، رشَّ وجهه بالماء. انتابه خُمَار ما بعده خمار مما يعني أنه سيضطر إلى تناول إفطار غني بالكلسترول. ساعده الطعام على التفكير وعافاه خلال الأزمة الواقعة بين الحين والآخر. وهذه أزمة ولا شك، قَدَمٌ في نهايتها جَدَعَة بمطبخه. طرأ في ذهن برينان أن لا شيء يضاهي مقلاة ضخمة عامرة بالدهون كي توقفه على قدميه من جديد. كُلَى. بطاطس وبصل مقلي. سجق خنزير ملفوف، ريان بنوع مضر من الدهون. لاح أكبره كالإصبع الكبيرة. وهو ما ذكَّره مرة أخرى بالقدم. لن تسير مبتعدة عنه بكل بساطة. لا بد أن يتصرف. ولكن ليس قبل أن يقوي نفسه برغيف آخر محشو بلحم الخنزير. إنه مدين لنفسه بواحد آخر على الأقل.

أين كان الليلة الماضية؟ لا بد أنه ذهب إلى حانة جرين باروت، فهو يقصدها دوماً في بداية فورة الخمر. كانت دائماً 'ساعة التخفيضات السعيدة' في الباروت، ثمن بخس للكوكتيلات. احتسى سكرام فايف بدون عصير رمان. أخبرته أمه يوماً أن الرمان فاكهة الشيطان، لذا خيْر لك أن تتحاشاه. وقد تحاشاه، وامتنع عن عصيره. مضى بعد ذاك إلى ملهى مِيت كوارتر ليقرص مهبلاً، ولكن المهبل لم يكن ما قد تصفه بأنه سهل المنال. مَلِكَة ديسكو في العقد التاسع ترتدي بلوزة من الفينيل، ثدياها مهروسان كبيضتين مقليتين تحت الأضواء الخافقة. رقَصت وكأن جرَّاحاً أزال من مخها الجزء المسئول عن التناسق. ثمة ندبة أسفل حد شعرها بالضبط وكأن جراح الأعصاب حاول دفع قطعة متبقية عبرها.

حاز برينان عدة حبوب. اشتراها من السحلية، رَجل جِلده أشبه بحقيبة يد من جلد التمساح. وُلد في مَقْلَب زبالة طافح بالسموم، بشرة من ذلك النوع. لديه حبة تتلون بالأبيض والوردي، وقُرْص بني ضارب إلى الأصفر. تناول الاثنين، لم يشعر بأنه في مزاج يسمح بأية اختبارات متهورة. اتجه إلى ساحة الرقص متجنباً النظر إلى عينيّ البغي لئلا تُوقعه في شرك تلك المؤامرة المألوفة، مؤامرة ستؤدي إلى الجنس وقوفاً في الحمَّام. علهما كانا حبيبين يوماً من قبل، لم تسعفه الذاكرة. نقل الدي جيه ساحة الرقص إلى جزيرة ايبيزا. هزت إحدى الفتيات رأسها مع إيقاع الأضواء الخافقة، فانطلقت قُطَيرات صغيرة من العرق رذاذاً من شعرها، سديماً كهربائياً.

سرعان ما ظهَر مفعول الحبتين وسرى عبر خرائط أوردته دفء حنون. أطبقت عليه حوائط الملهى لتنْقله عائداً إلى الرحم. اكتنفه شعور بالدفء والراحة داخل جِلده. وفي ملهى مساحته اثنتا عشرة بوصة، وفي خلال مزيج تالٍ من خراء ديسكو الثمانينيات المشحون بالعواطف المبتذلة، غاب عن الوعي. تاه من ذاكرة برينان ما جرى له. لعل كائنات فضائية اختطفته. والقدم هي التذكار الوحيد.

عندما خرَج بالقدم ملفوفة بإحكام ومحمولة داخل حقيبة أديداس، ألفى ماجز في انتظاره. يعمل ماجز عند لوثر، زعيم المافيا بمدينة كارديف، والمعروف لدى البعض على سبيل الدعابة باسم تافيا. كان برينان أدرى منهم. فقد فطن إلى أنهم في صلابة التيتانيوم، مجرَّدون من أي تردد أخلاقي.

"وضعتَ قدمك فيها؟" سأله ماجز بابتسامة حادة كقطَّاعة الخبز.

"إنه يوم مشرق، فلنتمش."

كان لوثر إلى جانب حمام السباحة بالمنزل ومعه فاجرة شعرها ملَّون بالأكسجين تدعى تريستار. وضعت لتوها الكثير من أحمر شفتيها على قضيبه المنتصب. كان لا يزال متورد الوجه لِما بذله من جهود طفيفة وهو يجذب بنطاله في انفعال.

"تفضَّل بالجلوس يا سيد برينان. هل تود شراباً؟ قد تحتاج إلى واحد بعد زيارتك إلى محل الرعب ليلة أمس."

"لا أستطيع أن أتذكر ما حدَث..."

"لقد صورنا فيلماً بكل ما حدَث، لا تقلق: الكرسي، الأدوات الكهربائية، لقطات عن قرب ومشاهد متزامنة سريعة، راعينا مبادئ القواعد السينمائية."

"أنا؟ فعلتُها؟"

"صورنا شخصاً يشبهك، يهجم على ذلك الرجل المسكين بضراوة تليق بضراوة أرميا النبي ودوافعها الأخلاقية. هل تريد أن تتفرج؟"

هز برينان رأسه. كان المخلوق هناك والسديم يلفه، انطلق شيطان المخدرات، ركض جِنِّي الأمفيتامين ركض المجانين.

"مارتي. إنه سبب جمْعنا. يكلفني أموالاً طائلة. لا تبيع شاحناتي ومتاجري أي خراء الآن. وفي مقابل كل شاحنة جديدة يضعها في الشارع، أسحب أنا واحدة. حسناً، يكفي ويزيد. إليك الصفقة. أريد أن أقضي على امبراطورية مارتي. اقض عليها وستعود حياتك حلاوة وقشدة مرة أخرى، مَحْرَقة ييتس والحَلَزُون*."

تلطخت سمعة لوثر بقافلة من شاحنات تبيع ما أسماه الأهالي 'شيش كباب الموت'، اختيار بين شيش كباب من لحوم غير صالحة للاستهلاك وشاورما من حثالة المسالخ – شفاه خنازير وأشْراجها، غضاريف متبقية، كُنَاسة أرضيات دامية. استيقظ العديد من الأشخاص صباح الأحد بكهوف من دهن شفاف محل أفواههم.

لا خيار أمام برينان. لوثر حية شريرة إلا أن هذا السبيل صخري لا يسعه السير فيه حافياً. راقه مارتي، وطوى صدره على احترام لبراعة الرجل، موهبته الصريحة في الاحتيال. ودرجة جرأته.

باع ذات مرة أسفلتاً بعد أن عرَض خليطاً مخصوصاً من الرخام سيجعل المالك فخوراً بممره في شارع طويل من الممرات. سوف يُحذِّر، 'ولكنه سيكلفك المزيد من الأموال'، وبطريقته المألوفة سيتوخى التقاء العيون بما يوحي بالصدق. صَبُّوه فتبدى شكل الرقائق البيضاء – "من مُحْتَجَر تديره أُسرة خارج مدينة تورِن" – مذهلاً على الأسفلت الأسود الفاحم. صافحهم، عبَّؤوا الشاحنة، وبعدما هطل المطر لأول مرة، ذابت أقراص النعناع التي ألقوها في الخليط وأمسى الممر فوضى لا تَسلم من الحفر والفجوات.

أو التسجيلات المخالِفة للقانون. سجَّل مارتي بعضاً من أجمل العروض الموسيقية على مر العصور باستخدام جهاز تسجيل متناهي الصغر، صنعه ويلف ابن عمه خلسة - العامل في معمل سري تابع لوزارة الدفاع بمكان قريب من مدينة أبردين. كان أول من أطلق ألبوم بريان ويلسون، ابتسامة، عملاً يعكس فخامة سيمفونية غامضة. ولو كان خرَج إلى النور قبل ألبوم البيتلز، الرقيب بيبر، لجعل فرقة 'الأربعة الرائعون' تَظهر على حقيقتها، دمى متحركة.

ما لبث أن انصرم شهران مثلهما مثل لعقة أمفيتامين وبرينان يعد خطته.

وفي خلالهما ولَّد نجاح مارتي مزيداً من النجاح. ابتاع خمس عشرة شاحنة إضافية بمنحة من وكالة ويلز للتنمية – هم ذاتهم محتالون في بذل لامعة. صمم له بِيت فاولر شعاراً في منتهى الجاذبية، وهو الشخص الذي صمم رسومات فرقة 'حيوانات بفراء ضخم'. كان تنيناً يتعشى، مخلوقاً متألق الألوان في بذلة سهرة بيضاء يتحلى بذروة أية ذروة بلَغتها حُنْكَة الوحوش. وأثناء تقديم جعة ڤارشتاينر إلى الجميع في حانة تشابتر، تفتق ذهن أصدقائه عن اسم من أجله.

"'اُدْخُلْ التنين'."

"صيني زيادة عن اللزوم."

"أو منحرف."

"ماذا عن 'كَبينة مارتي'، مثل كَبينة الطعام في السفينة؟"

"بحري زيادة عن اللزوم."

"أو 'طعم مثالي'."

"يعجبني."

وهكذا وُلد الاسم المحيط بقاعدة ذيل التنين.

أنذر الطلب بأن يفوق المخزون. ترْبح الوجبات السريعة في الغالب هامش ربح ضخماً، ولكن المبلغ المضاف إلى التكلفة - والبالغ نسبته أربعمائة في المائة في 'ط م' - جعل النظرة المعتادة هزيلة أيما هزال. استحق أن يُشكل فريقاً صغيراً لنصب الفخاخ تحت الأرض وأن يغامر بالذهاب إلى الأودية لصيد الحمَام. دفَعوا لفلاح اسمه ستيڤ مقدَّم أتعاب سخياً كي يَلزم الصمت ويبذر الذُرة في حقول تبقى فيها بعض الزرع عقب الحصاد، وهناك سيستخدمون شِباكاً تعمل بالصواريخ بمقدورها اصطياد سرب في المرة الواحدة.

اتسعت قائمة الطعام:

طعمٌ مثالي

برجر دجاج مشوي (يمام مُطَوَّق يقبضون عليه خلف المخبز – وزْن الدجاج نفسه إلا أنه أرخص رخصاً ابن حرام) 4 £

رغيف دجاج حبشي بالعنب (حمَام مطوَّق له اسم آخر) 3.50 £

أرنب بري ومعه أوراق خضراء عضوية (معظمها من حيوانات البلاليع المصطادة، ودفعوا نقوداً للأطفال في مقابل كل حقيبة تسوق لجمع الهندباء البرية) 4.50 £

 

اختاروا موقعاً للشاحنات بالقرب من مباني المكاتب أثناء الغداء، قادوها إلى المناسبات، بل إنهم حضَروا الفعاليات الزراعية، وهناك لم يسأل أي مخلوق عن أي شيء. تمطقت الشفاه. تعذبت حُلَيْمَات التذوق بالمنظر. جنت الشاحنات أموالاً وفيرة. كسبت إحداها ثمانية آلاف جنيه في خلال خمسة أيام. وقَعت حادثة مزعجة ذات ليلة عندما قلَبت ثلة من الأشقياء شاحنة فنشبت فيها النيران، وبالكاد تمكن الرجل الموجود داخلها – تيري فيتش – من الإفلات بحياته بعد أن تسلق فتحة السقف بمشقة. اشتعل اشتعال لهب المغنسيوم واحترقت ملابسه حتى باطن الجِلد، أرسل صراخاً كما ينبغي لروح برية ﻤﻨﺘﺤﺒﺔ ﺘﻨﺫﺭ ﺒﺎﻟﻤﻭﺕ. صد الشقي الوحيد الذي لم يطْلق ساقيه للرياح ألسنة النار بمعطف ثم ركض ركضاً. دفع مارتي تكاليف عملية التجميل، عرَض مازحاً أن يجعله شبيهاً بروبين ويليامز، ولكن تيري لم يبتسم قط بعد تلك الليلة، لم يقو على الابتسام، حقاً، إذ اضطروا لسبب ما إلى إعادة تشكيل فكه. وقد كانت تلك هي السحابة الوحيدة فيما تراءى صيفاً مُشْمِساً إشماساً لا تشوبه شائبة.

كان أحد آصال أكتوبر عندما اتصلت باحثة تلفزيونية بمارتي لتسأل إن كان يحب أن يحل ضيفاً على برنامج چوني سمووز الحواري. وافق مارتي بحماسة مفعمة بالبهجة. لم يَسبق له أبداً أن ظهَر في التلفزيون، وقد راقه چوني سمووز وما يتحلى به من دعابة حاضرة وتعليقات جانبية موجعة. "سنرحب بك ترحيبنا بالزُّهري،" واحدة من جمله المشهورة، هو مَن توج نفسه 'مَلِكاً للاستهزاء'.

أنهت الحلوة دردشتها مع مارتي بصوت كالقطيفة قائلة، "الخميس القادم، على الهواء مباشرة في السابعة، لذلك يجب أن تأتي إلى الاستوديو قبل الخامسة والنصف إن أمكن، من أجل المكياج وبروفة سريعة. سنرسل إليك سيارة أجرة – إلى المنزل، تمام؟"

"أتطلع إلى الحوار يا ميليسا."

ميليسا، اسم في جدول رواتب برينان الآن. وكذلك چوني وإن كان الدافع إلى ما يقَدمه من مساعدة هو الأخلاق، لا الأموال، فقد أقنعه برينان أن ما يوشك على فعله يهدف إلى المصلحة العامة.

سيدة المكياج دُمْيَة، وميليسا الباحثة دُمْيَة، وهنري منتج البرنامج لوطي مفتعَل الحماسة من لندن، نزَل مستواه بالعمل في التلفزيون المحلي بعد حادثة وقَعت أثناء تصوير فيلم وثائقي في المتحف البريطاني حين أصر على التقاط زاوية أفضل لزَهْرِيَّة تعود إلى سلالة مينج ثم وكَزها عن الطاولة. بدا أن طقم العمل وأمين المتحف المصعوق يعدون اللحظات قبل أن ترتطم بالأرضية لتُفتت نفسها خارجة من التاريخ.

"هل تسمح لي أن أقول لك،" نبس هنري بابتسامة بلهاء – كان ليصْبح بياتريس أو دليلة جميلة تتمايل على كعبين – "إني أعتقد أن برجرك يجنن. الأحلى والأشهى على هذا الجانب من الأطلنطي، بل إنك تَقْدر أن تنافس بعنف في أمريكا. هل فكرتَ أبداً في عمل توكيل هناك؟"

لم تطرأ الفكرة على بال مارتي حتى اقترحها هنري إلا أنه خزَّنها في عقله. كان يَعلم أن هناك أناساً يعيشون في بلاليع نيويورك، ربما تكون ميزة، وربما لا، وكان يَعلم أنهم اصطادوا الحمام الزاجل – أكثر الطيور عدداً على وجه الأرض يوماً، أسراب تُسَوِّد قُرْص الشمس – حتى تبقَّت واحدة ليس إلا، تجر قدميها على مجثم في حديقة حيوان سان دييجو، سقطة مسافتها عشر بوصات نحو الانقراض.

قال هنري، "فلنأخذك لتقابل الرجل الكبير."

اجتازا متاهة من الممرات حتى وصلا إلى باب تُعلِّمه نجمة ضخمة تمتد من مركزها عشرات من الشرائط الذهبية الرفيعة على شكل مروحة.

طرَقا الباب ثم دلفا منه.

"تفضل! تفضل! تحب مارجريتا بالعِنَبيَّة؟ زاخرة بفيتامين سي. اسمح لي أن أقول لك يا مارتي إنني معجب جداً بمنتجاتك. جداً."

"هل تذوقتَ أياً منها؟" تجرأ مارتي سائلاً بشيء من المرارة. وقَف شعر رأسه غضباً لأن چوني خاطبه عبر المرآة دون أن يتعطف ويوليه وجهه.

"جلبتْ باحثتي أرنباً برياً طعمه إلهي. منتَجك لذيذ، وقد سمِعتُ أن سلطان المال يعتني بك خير اعتناء."

"سلطان المال؟"

"الرب."

"أعلم مَن هو سلطان المال، ولكن إلام تلمح؟"

"ولا حاجة يا صاحبي. اسمع، لا تهتاج لحاجة تافهة. لا تخلط شخصيتي على المسرح بالرَجل ذي الثانية والخمسين الذي ركِب قطار الملاهي. لقد رأيتُ نجاحاً ورأيتُ فشلاً، والآن سأحتسي شراباً لأهدئ أعصابي قبل أن ألقي على الأمة تعويذة لفظية رديئة. لِم لا تَشْرب؟ تتولى الناس العصبية تحت أضواء التلفزيون. اضطررنا إلى أن نعطي أحد المشاركين – وكان مُحنِّط حيوانات من بلدة بريستاتِن – فنجاناً من الشاي مخلوطاً بالقليل من مهدئ الموجادون قبل أن نُخْرجه إلى موقع التصوير. المشكلة هي أنه كان قد احتسى فيما يبدو عدة جرعات من قارورة، واستطعنا بالكاد منعه من أن يحاول جماع دمية محشوة على شكل نمر. على الهواء، تخيَّل! أمام كل أولئك الناس."

"سأشرب ما ستشربه."

أردف چوني، "ولو أننا نتحدث عن الآلهة، هذه هي وجوههم." أشار إلى ما لاح كمزار مُصَغَّر قابع في الركن، كتلة من الفِلِّين ارتفاعها أربع أقدام تلتصق بها تشكيلة من وجوه الرجال.

"إنهم رجال الصحافة الصفراء، مَن يعلون شأن أمثالي ويخسفون بهم الأرض. ديلي ستار، ميرور، واللاذعة بقسوة، ذا صان. إليك عنواني المفضَّل من تلك الجريدة، عدد أغسطس. أراد معهد الدراسات الإستراتيجية أن يضم إلى مجلس إدارته أحد أنصار السِّلْم الرمزيين، فدعوا مايكل فوت لأنه كان وقتذاك أشهرهم تقريباً – مع أن بروس كيت كان على الأرجح سِلْمي السلميين – وقد وافق. نشرتْ ذا صان الخبر تحت عنوان "فوت يَركب جسد الأسلحة". تعالى ضحك مارتي وهو يرشف شراب المارجريتا القوي.

كان مدير الطابق في المساحة التقنية يتلو صلوات هندوسية تعلَّمها من حكيم في منزل مبني على شجرة بولاية كيرالا.

"إن مياهاً ترتطم بجذور المَنْغَرُوف لهي صوت مكان آمن، هي إيقاع البيت."

سحب نفساً عميقاً ثم سار إلى استوديو د كي يقُوم بروتين الفقرة الأولى، النكات المعتادة المترهلة كما الخس يعقبها مُقَرَّر الصحة والسلامة. على الهواء مباشرة في تمام العاشرة.

تطلع المُخرج إلى ساعته في شرفة المسرح. تَفْصله ساعة تقريباً عن الوصول إلى إحدى الحانات لينيك فمه بزجاجة جعة معتقة. ولو حالفه الحظ، قد يُعَلِّق ثعلبة صغيرة سهلة الانقياد تعمل في الحسابات. تساءلت مساعدة الإنتاج الجالسة بجواره إن كانت ستكسب رهانها الزهيد مع حامل كاميرا 4. كانت قد تنبأت بأن برنامج چوني سيَهبط ليلتها في الرسم البياني الخاص بنسبة المشاهدة. كان هذا العرض ينحدر من سيء إلى أسوأ، المسألة وما فيها أنهم لم يستضيفوا الأسماء الكبيرة، وفي عصر المشاهير هذا، كانت تلك هي قبلة الموت. والحديث إلى رجل يُقَلِّب البرجر لكسب رزقه ليس تحديداً كالبرنامج الواقعي الأخ الكبير في قصر باكنجهام، أليس كذلك؟

كانت ميليسا قد أنهت إليها أن هذه الحَلْقَة قد تكون أفضل مما تتخيل. كلبة سابقة لأوانها. أرستقراطية جامعتيّ أكسفورد وكامبريدج المصطنَعة!!

تألَّف الجمهور من فِرقة من عجائز الطبقة المتوسطة أتت من معهد للمرأة شماليّ الأودية، عجائز وجدن چوني صادماً صدمة سن اليأس. أتين دوماً من معهد للمرأة شماليّ الأودية في حافلات شهِدت أياماً أفضل، أيام عرائس الجنود الأمريكيين إبان الحرب ودفاتر الحصص التموينية. جاء أيضاً جمع أصغر سناً ممن راقتهم فكاهة المُضِيف العارية من الاحتشام.

ومع بيلي شارب - قائد موسيقي قصير القامة - عزفت فرقة البرنامج اللحن المألوف. تشوَّه بعض الشيء لأن عازف البوق سعل خلال المقطع الأوسط فبعث صوتاً أشبه بفرقة 'إرهابيو الصوت' الألمان.

عد مدير الطابق تنازلياً ثم دلف هابطاً سلالم زجاجية يحدها درابزين مغطى بالفراء. كان يرتدي بذلة كجلد الحمار المخطَّط وحذاء وردياً مستدق البوز بكعب سميك. تبختر ذلك التبختر الخليق به والذي جعله أيقونة من أيقونات المثليين تضارع الثلاثي الغنائي 'أخوات بيڤرلي هيلز'، جميعهن. هللت العجائز وصحن بينما تعالى من الشباب صوت مثل النباح يشي بالإعجاب، أصوات عجول بَحْر تَلِد، تصفيق مهتاج.

"مساء الخير على أجمل ناس وأهلاً وسهلاً بكم في أجمد برنامج. ولو أن اسمك بالصدفة جرام نورتون – رُحْ واسرق أفكار ناس آخرين يا ابن الوسخة يا ضائع."

انفجر الجمهور انفجار المفرقعات، صدمة زائفة وصدمة حقيقية. وبأصابع رشيقة ستَحجب المونتيرة الشتائم بصوت 'بيب' على أسماع جمهور التلفزيون. كان العرض برمته جزءاً من الحياة على الحافة.

جَلَبةٌ صاخبة من طبل تطوقه الأوتار. ظهَر مارتي من نافذة منيرة بجانب السلالم. تكلف ابتسامة عبر قناع ينم عن ارتباك جارح.

"لدينا من أجلكم رجل عصامي، رجل غني، لا رجل غبي. اسمه مارتي ساثاير، وهو ملك ملوك الوجبات السريعة وزعيم الطلبات الجاهزة ومواطن أصيل من مواطني هذه البلدة. المزيد منه بعد قليل، ولكننا سنبدأ – أين يا بيلي؟" استدار بسرعة إلى حيث هبط القائد الموسيقي لتوه من مقصورته الخشبية.

"لا أتهبب أَعرف أيها المتخلف."

"ماذا تَحمل معك إذن. ما الذي تأكله سراً؟"

"كعك قصير."

تصاعد على بغتة صراخ الجمهور. أحبوا نكات القزم المتوقَّعة – فقرة قصير الطيز كما أطلق عليها البعض. صرَف بيلي بإيماءة من يده ثم رنا إلى كاميرا 3.

"مَن يريد أن يَصعد هنا ويجرب حظه مع چوني؟"

رفَع ثلاثة أرباع الجمهور أياديهم، ولكنهم لن يختاروا الليلة كيفما يتفق. دسوا ديرك هناك لإضفاء التوابل على ليلة مارتي الجهنمية في التلفزيون.

تتبعه مصوِّر الكاميرا الثابتة من مقعده إلى مكانه أمام عرش چوني.

"اسمك؟"

"ديرك."

"لا شيء طبيعي هناك إذن. إنك المختار، المقتات من قعر البِرْكَة، المحظوظ المصطفى من بين كائناتها، أي جمهور الاستوديو الليلة. والآن اِرْكَعْ وبُسْ جزمتي."

نفَّذ ديرك ما قيل له. كلهم نفَّذوا، الأسبوع تلو الآخر. هناك بالرغم من كل شيء عطلة في ريو تتوقف على الدقيقة التالية.

"ماذا تفعل حين لا تقتات من القعر أو عله قعر أحد الرجال. يع. يا لها من صورة. سأحتاج إلى صدمة كهربائية لمحو تلك الصورة من عقلي: أنت تَفْصِل زوجيّ طيز مُطْبَقين بلسانك السمين البشع."

قام ديرك.

"ماذا تفعل إذن يا ديرك؟"

"أنا ممم موظف معايير تجارية."

"ممم موظف معايير تجارية متلعثم."

"لا، موظف..."

"عارف أيها الجِلْف المتناك بدماغك المتخلفة. اضغطي ذلك الزر يا ميج، فلنظل على الهواء مباشرة، ممكن؟" سوف تستقيل ميج بعد هذه الليلة. وجدت ما اضطرت إلى تحمله سخيفاً، ما قاله مدير البرامج من إنها غلطتها لو تسرب أي سِبَاب أنجلوسكسوني إلى أرض التلفزيون الويلزي.

"ماذا تفعل بالضبط؟"

"أحقق في قضية غش غذائي."

"أهو طعام سريع؟ لأنه لو طعام سريع، قد تود مقابلة ضيفي الرئيسي. انتظِره."

ارتفعت الأضواء خلف رأس مارتي غير أن علامات الحيرة لاحت عليه في هذه المرة. حرَّكت رعشة أعصابه شفته السفلى، فبدا كمن يوشك أن ينطق بشيء.

"فلنر على أي حال اختيار المتفرجين الليلة." (كانوا يدْعون المتفرجين إلى إرسال مأكولات يتذوقها المتنافسون بأعين معصوبة. شجعوهم على إرسال إمَّا طعام كريه كراهة تستعصي على الوصف وإمَّا طعام لذيذ حري بطعام السامري الطيب.)

"فلنر، لدينا تشكيلة يتحلب لها الفم من أطباق 'مفاجأة مدخل المسرح' و'الإعداد X' و'خطوة الأزْتَكِي 2'*، كلها مقدَّمة على مناديل مائدة خيَّطتها أيادي بعض السيدات العزيزات من الجمهور."

تتبعت الكاميرا الجالسات في الصف الثالث حيث أمضت السيدات المبتهجات أسعد أوقات حياتهن وچوني يدعوهن إلى المشاركة في الدردشة.

" اِخْتَرْ، اِخْتَرْ!"

حامت إصبع ديرك فوق طبق 'الإعداد X' (أرسلته السيدة دي روبرتس القادمة من بلدة بلينا فيستينيوج - ساحرة مبتدئة في أرض الإردواز المرتفعة) ثم أشار إلى 'خطوة الأزْتَكِي 2'.

"سكين وشوكة لديرك، لا لحاجتك إلى سكين بما أن 'ديرك' معناها سكين اسكتلندي صغير. سينفعك يا بيلي، أليس كذلك؟ – سكين اسكتلندي قصير، أيها القزم الغبي الوسخ." فات ميج المونتيرة تلك الشتيمة، سرَت اعتراضات غاضبة.

اختالت شقراوان شحيحتا الثياب طويلتا السيقان على كعوب عالية، إحداهما تَحمل سكيناً، والأخرى تَحمل شوكة. وَرَدَ في خاطر هنري، 'توقَّع تهديدات بالموت من النسويات'.

تذوق ديرك الطعام، وللوهلة الأولى تصوَّر اشمئزازاً غير أن اشمئزازاً لم يصبه. الحق أنه كان شهياً للغاية.

"ما رأيك يا عزيزي ديرك؟"

"ح ح حلو جداً."

"صحيح يا ديرك – حسناً، سنكتشف فيما بعد ما أدخلتَه في قناتك الهضمية. اسمح لكايلي وشارلين بمرافقتك إلى هناك كي تَجلس وتهضم. سيداتي وسادتي، إليكم ديرك! يا لها من خسارة للبذلة!"

عزفت الفرقة المصيدة لتعلن عن حضور ضيف الأمسية الرئيسي.

قادته مساعدة مدير الطابق على السلالم، نال من بصره الانبهار لحظات بفعل الأضواء: غزال صغير تتسلط عليه مصابيح شاحنة ماركة ماك ترسل قعقعتها.

جلس على المقعد إزاء چوني، مقعد نجَّدوه عن عمد ليغوص فيه الضيف ويبدو غير مرتاح من الوهلة الأولى.

"حسناً يا مارتي. أخبروني أنك مليونير، لا للإيحاء بأن ملابسك تُعَبِّر عن غناك."

"وا-وا" انطلق البُوْق مطرياً النكتة.

"أنت رجل عصامي كما قلتُ. مَن صَنعك البارون فرانكشتاين؟"

بالرغم من أن مارتي خلا من القبح، تراءى وجهه أقبح وهو يَجلس مترهلاً على أريكة نجَحت في جعله يَظهر مقطوع الأنفاس. لم يَفلح أيضاً في التفوه بكلمة واحدة وحيدة.

"لقد خلقتَ امبراطورية صغيرة من شاحنات البرجر، أصناف ممتازة من الطعام، أليس كذلك؟"

تمكن مارتي المرتبك من قول "أجل" ثم أخذ يتصبب عرقاً. كان واعياً بقطرة عرق تتجمع على أرنبة أنفه.

"أين تعْثر على الوصفات إذن – هل تسرقها من الكتب أم أنك رئيس طهاة مُلْهَم؟"

"لقد لقَطتُها خلال رحلاتي."

"ياه، ياه. إننا نشاهد رجلاً متعلماً. بليغ الحديث. متكلم وواسع المعرفة مثلما تبرهن تلك الكلمات المنتقاة بعناية. وأين سافر فصيحنا واسع الترحال في هذا الكوكب الرحب؟"

"رحتُ هنا وهناك."

علا صياح الجمهور لِما استبد به من إحراج.

"هل زرتَ أبداً أمريكا اللاتينية يا مارتي – هل غامرتَ بالسفر إلى هناك؟ أسمع أنهم يأكلون الخنازير الهندية هناك."

سرعان ما انتقلت كاميرا 4 إلى وجه مارتي المنتبه الآن إلى الدليل.

وقَع مارتي في شَرَك صمت أشبه بصمت رهبان دير 'لا تْراب'.

"أتعرف ما هي الحيلة الشريرة، مع التأكيد على 'الشريرة'؟ ماذا لو استبدلتَ الخنازير الهندية بفئران البواليع، جُرْذاننا البنية العزيزة، وقدَّمتَها في شطيرة. نباهة تجارية، أليس كذلك؟ أخْبِرْني الآن، أليس كذلك؟"

حاول مارتي أن يَنهض غير أن الأريكة قيدته.

"سيداتي وسادتي. هذا الرجل، مارتي ساثاير، يقترف تلك الفعلة تحديداً – يضع الفئران في البرجر والحمَام في الكباب، كل أشكال القذارة المتعذر وصفها، ويتجرأ بإظهارها في صورة طعام راقٍ. فلنُدخل دكتور فيليجري واتسون، الخبير في باثولوجيا الحيوان."

يَدخل عالِم مجنون أشبه بممثل في مسرحية إيمائية، رأس كقشرة بيضة فوق بابيون إجباري.

"دكتور واتسون، لقد فحصتَ محتويات منتجات السيد ساثاير. ماذا تستنتج؟"

"لا شك يساورني أن المكونات الأساسية في قائمة 'طعم مثالي' تتضمن الفئران البنية والحمَام المُطَوَّق الشائع واليمام المُطَوَّق وبعض الأدلة على الغربان والسناجب الرمادية."

"ولكنك لا تصفها هكذا في قوائم الطعام، أليس كذلك يا مارتي؟"

"لا، لا هكذا." ومع تلك الكلمات لعلعت فقرته كل اللعلعة. وبعد إشارة من مدير الطابق جرَّت كايلي وشارلين الجهاز الخشبي المألوف إلى مكانه أمام الفرقة، وكان أعضاؤها يرتدون قبعات لامعة مضادة للمياه ومعاطف من المطاط.

انفجر الجمهور في صياح عفوي لا يختلف عن النهيق.

"أداة التعذيب! أداة التعذيب."

استحال مارتي إلى زومبي لِما حل عليه من خزي، اقتيد إلى الأداة، وهناك دسوا يديه في الفتحتين. وفي طابور رصين رصانة لافتة سار أفراد الجمهور الواحد بعد الآخر الصف بعد الآخر حتى يقذفوه بدِلاء من زبالة الطعام. لم تكن نوبة سعار: كل شيء مخطَّط له لضمان أن يظل منقوعاً وأسماء طقم العمل تَنزل على الشاشة. تراوحت اللقطات بينه وبين ديرك وهو يتقيأ في كيس بني كبير.

في أحد منازل الطرف الجنوبي من المدينة كان هناك قسيس يتفرج على التلفزيون حتى يَشغل عقله عما جرى بعد تمرين الجوقة – حياة صغيرة أخرى تلوثت – مِثْل مَسْح وجنة بريئة بخِرقة ملطَّخة بالزيت.

وبالرغم من تحذيره من أثر التلفزيون القاتل للحيوية، ارتاح صومالي في مقتبل الشباب هنيهة من مآثر الذاكرة ليشاهد الدلاء المرمية وقد خالجه قدر من الحَرَج لأن فهمه للإنجليزية لم يكف لاستيعاب كل هَزْل چوني.

في أحد منازل مدينة كانتون أغلق رجل التلفزيون وراح ليبول في دلو، لا طاقة لديه ليتسلق الحَبْل إلى الحمَّام.

وبينما راح صوت المذيع يكرر عبارته المغرية، "في الوقت نفسه من الأسبوع القادم"، فتَح لوثر زجاجة شمبانيا ماركة كريستال وضرَب رقم هاتف برينان المحمول ليهنئه على ما أبلاه من بلاء حسن. شقَّت صاحبته تريستار خطين من الكوكايين فطقطقت أظافرها الطويلة الملوَّنة بالأسود على سطح المرآة مثلها مثل مناقير الغربان. كانت البودرة البوليفية من صنف ممتاز. سوف تَبيت ليلة من الأصفاد والعَرَق.

وفي غرفة تغيير الملابس خلَع نجم العرض سترته ووضعها بعناية على مشجب. فكَّر في قرارة نفسه في البضاعة التي باعها، بضاعة جذبت الناس إلى بعضهم بعضاً، قرَّبت أحدهم من الآخر. هذا المجتمع الافتراضي في عالَم يَفقد عقله. هذا المصباح الخافق نوره، يضيء وجوه موتى العقل ممن سيواصلون التفرج والنجوم تهبط والمدن تحترق. تفرَّجْ على شاشة عريضة، تفرَّجْ على شاشة بلازما. تفرَّجْ بأية طريقة. چوني هو الخبير.

 

 

 


* إشارة إلى شعر الأيرلندي ويليام بتلر ييتس.

* الأزْتَكِي: أحد أفراد شعب متمدن حكم المكسيك قبل أن يفتحها الأسبان عام 1519.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.