مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الرابع والثلاثين، إبريل 2012.

The thirty-fourth issue, April 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرمت مارجريت درابِل بالموافقة على نشر قصة "التعدي" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Dame Margaret Drabble was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Trespassing" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Dame Drabble a great debt of gratitude for her kind permission.

 "Trespassing" © Margaret Drabble 2011 reproduced by kind permission of United Agents Ltd. (www.unitedagents.co.uk) on behalf of Dame Margaret Drabble.

Special thanks go to Ms. Lara Hughes-Young from United Agents Ltd.

 

 

التعدي

مارجريت درابِل

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-إبريل-2012

Photo: Steffan Hill

 

 

 

كتاب المختارات القصصية كتاب ذا جارديان ريفيو للقصص القصيرة

 

 

 

 

 

كانت في طفولتها تحتفظ فوق رف المدفأة بغرفة النوم بصفيحة مستطيلة صغيرة من الرصاص ملوَّنة بلون رمادي مزرق تعلن، "احذر الموت". كانت تصور شكل جمجمة بدائية وصاعقة كهربائية متعرجة رمزية وتُبرز محذرة هذه الكلمات الثلاث البسيطة. عثرت عليها في بالوعة عند أحد الأركان بجوار محل الحلويات في ليدز مسقط رأسها، وأكنت لها كل الإعجاب. احتملتها أمها، ونجَت من حملات عديدة تعوزها الحماسة للتنظيف الشامل ومحاولات للتخلص من غير المرغوب فيه. انقضَت ثماني سنوات ثم أضافت إليها لافتة أخرى وجدتها قابعة تحت حائط حجري في عهدة نباتات الأشُن من حوائط مقبرة فرنسية بمقاطعة أوڤيرن، كانت تعلن، "دونچيه دو مور". فكرت في تكوين مجموعة من القطع المماثلة إلا أنها لم تفعل. لم تثابر. وعندما باع والداها المنزل لينتقلوا إلى كوخ في وادي ورفديل، فككا غرفة طفولتها، واختفت خلال الانتقال لافتات الخطر، ومعها كنوز أخرى أكثر قيمة ولا شك.

ولكنها واصلت حقاً حبها للتعدي على أراضي الآخرين. كانت تنجذب إلى علامات "ممنوع الاقتراب" وتستمتع بانتهاك الحدود وسبر الأراضي المحظورة. أرَّخت هذه النزعة إلى إثارة مبكرة انتابتها حين كانت تقتحم حديقة مهجورة بمنزل ضخم متداعٍ مرت هي وصديقتاها به يومياً في سبيلهن إلى البيت من المدرسة. وجدن البوابة الأمامية المفضية إلى ممر السيارات مسلسَلة ومغلَقة بقفل، ولكنهن لم يجدن صعوبة في الانضغاط بين قضبان السور وإقامة معسكر صغير في بقعة تسودها شجيرات مفْرطة في النمو. أطلقن على معسكرهن اسم البرية، كلمة بثت في قلوبهن البهجة. جثمن هناك وأكلن كعكاً صغيراً متلألئاً بمربى قرمزية اشترينه من أحد المحلات وكريمة صناعية بيضاء ناصعة اشترينها بنقود وفرنها من أجرة الحافلة. لو اخترن السير ميلاً ونصف إلى البيت، بمقدورهن شراء كعكة صغيرة لكل منهن. كانت أمهاتهن لترفض، كلاً من التعدي على ممتلكات الغير والكعك، ولكن الإحساس بالحظر أضاف إلى المتعة.

وفيما تلا من سنوات شجعت سلسلة من المعجبين على تسلق الأسلاك الشائكة خلفها وعبور أسياج الشجيرات لتعثر على أماكن لتناول الطعام في العراء وما توارى عنها من عُرُش ووِهاد وجحور. اكتشفت ممرات عامة للمشاة مكسوة بالأعشاب ومارست حقاً قانونياً منسياً منذ زمن في مرور السابلة عبر ممتلكات الآخرين مفتتِحة مسارات جديدة خاصة بها. لم تكن صاحبة عقيدة حازمة. فلم تكن مؤمنة بالأيدلوجية الداعية إلى حق السائر في المرور. ما أرادت إلا صعود سلالم الأسوار أو عبور الفجوات لكي ترى ما يحويه الجانب الآخر. شدَّتها نباتات القُرَّاص الواخزة ونباتات العُلَّيق الشائكة وحشيشة ست الحسن المميتة وأشواك الدُّرَّاج وغيرها من علامات خلفتها سكنى البشر القدامى. لم يتسم كل متابعيها بمثل حماستها، إذ تخلف عنها بعضهم على جانب الطريق وهم يشتكون من قصبة ساق مخدوشة، من لدغات الحشرات ولسعاتها، من الطين والشوك. وفي منتصف العمر عندما طار زوجها وأطفالها من العش، وجدت أنها تُفضل المغامرة بمفردها دون أن يَقوم أحد بدور مِلْزَم يثَبتها أو قبقاب يعيقها. لقد أقدمت على مخاطرها، عن طيب خاطر. اصطحبت بين الحين والآخر رفيقاً غير أن جبن الآخرين ألحق بها العصبية. لا للإيحاء بأنها هي نفسها جريئة كل الجرأة: فقد كانت متعدية تتوخى الحذر. ومع الكبر في السن، ألْفت أنها في حاجة إلى كل شجاعتها لنفسها. ما كان بوسعها أن تهدرها على تشجيع الآخرين.

أنفقت صيفاً أو اثنين وهي تستكشف مباني مسجَّلة شاغرة. عج بها الريف الإنجليزي، فقط قائمة هناك، فسيحة، مهجورة، أضخم من أن تَشهد توسعاً إلا أنها حمَلت أهمية معمارية وتاريخية حالت دون هدمها. وجدت منازل ريفية مرت بمراحل مختلفة من التدهور: كان قد صدر تكليفاً ببناء بعضها في إبان الحرب العالمية الثانية لتصبح مدارس داخلية ومستشفيات حربية، بعضها تدهور به الحال وانقلب بيمارستاناً للمعاقين عقلياً، بعضها استردوه ليجعلوه بيوتاً للعناية بكبار السن أو مراكز للدراسات الميدانية، ولكنهم تركوا ببساطة المنازل الأخرى للعوامل الجوية وراء أسوار حراسة عالية مزوَّدة بأنظمة تحذير ولافتات تهدد الرائي. ثمة دوماً طريق للمرور أمام المتعدي المصر: فقد كانت الأراضي واسعة وسعاً حال دون حمايتها أو حراستها بكفاءة. سقَط التفاح على الأرض من أشجار غير مشذبة في بساتين قديمة، ومثلها مثل نباتات السرخس ارتفعت رؤوس نباتات الهليون عالياً بين شجيرات صغيرة في حدائق للخضروات تحيط بها حوائط متهدمة. ازدهرت أشجار العُلَّيق والبَلَسان وطالت أسياج الشجيرات وتشابكت، تداخلت في اللبلاب والياسمين البري وتزينت بهما. أكلت شطائرها وسط البرية النامية.

اكتشفت لدهشتها أن هناك أيضاً مجموعة كاملة من المباني المسجَّلة تم بناؤها خصيصاً لتصير مستشفيات عقلية ومنشآت لرعاية المرضى النفسيين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بعضها في مرْج من الكنائس والأديرة والعِزَب، وبعضها وسط حقول خضراء. حققت الغرض منها، فقد تطورت النظرية الطبية وتطبيقها في التعامل مع المجانين والمعوقين مثلما تطورت لغة كانت تصف النزلاء السابقين. قامت الآن شاغرة، مواقع مهجورة يتعذر استغلالها، واقعة في شرك ركود اقتصادي لا ينقطع، محاطة بتليفزيونات ذات دائرة مغلَقة ولافتات تعلن، "أرض خاصة" و"ممنوع الاقتراب،" أدلة حزينة على ما داخَل الماضي من آمال رائدة ويأس كئيب وما شاب الحاضر من شلل مؤسسي ومالي. اتصفت بعض المباني بفخامة أي فخامة، بخزانات مياه شاهقة تلقي نظرة شاملة على الأرض المحيطة: آثر العديد من المعماريين التابعين للبلدية طراز الملكة آن، طرازاً إنجليزياً عتيقاً يستعمل الطوب الأحمر، بينما اختار قليلون منهم طراز المعماري الإيطالي بلاديو الخليق بالقصور. استطاعت أن ترى مكان قيام هذه المجموعات من المباني في خرائط المسح الحربية وإن لم تتضح دوماً طرق السابلة. كانت مختبئة وراء مجمعات سكنية حديثة تضم شوارع ملتوية وطرقاً مشجَّرة وأزقة تنتهي إلى ممر مشاة متوارٍ يفضي عبر حقول من الشجيرات الخفيضة إلى سور يحد المحيط الخارجي. اعتلى إحداها سقف محروق، وكانت -- وفقاً لصِبية المزارع من الأهالي -- تضم سكاناً مخرِّبين خطرين يتعاطون المخدرات ويحتلون المنازل بدون وجه حق. حجَبتها عن الطريق الفرعي مبان جديدة مستقلة تتلون بالأحمر الداكن وتضم بيوتاً ضخمة ثمينة ثرية، بكل منها خمس غرف للنوم وسيارتان. كانت لتتوغل في استكشاف هذه الأطلال إلا أن صِبية المَزارع -- الضجرين في الحقل على دراجات بأربع عجلات -- اتسموا بود زائد عن اللازم وتلهف زائد عن اللازم لمساعدتها. ادعت أنها تبحث عن موقع لتصوير فيلم. كانت غلطة.

وعندما تطلعت إلى مستشفى كانت يوماً مشهورة -- درَس لايونيل بينروز فيها كروموسوم متلازمة داون -- بدا ما أثارته من فضول مختلفاً أشد إرباكاً. نفَّرها من سبيل البيمارستان إلى الأبد. ومع أنه كان شاسعاً وفي عصره مشهوراً، وجدت صعوبة أي صعوبة في تحديد مكانه، تاه بين متاهة معروفة بتحييرها للسابلة، متاهة من الطرق الدائرية والطرق السريعة والدوائر المرورية الصغيرة في مقاطعة إسيكس، فكادت أن تيأس من البحث. التقت بمساكن مجلس المدينة لإيواء غير المؤهَلين للتوظيف، وسبل للتفرج على الطبيعة تَقطع غابة مأساوية، وأبراج كهربائية تَحمل لافتات "احذر الموت" التقليدية، ولكنها لم تستطع التوصل إلى موقع البيمارستان. انتهى بها الأمر إلى أن ركنت سيارتها في مركز تجاري صغير عصري الطراز للغاية عند طرف مَجمع للمكاتب التجارية ثم دلفت إلى محل كوافير سائلة عن مبنى اسمه سيفيرالز.

ما راقها أن تسأل عن الطريق. فضَّلت أن تجده.

سألت امرأة -- شابة متألقة بشعر مصفَّف وبلوزة وردية خلف مكتب الاستقبال -- عن بيمارستان سيفيرالز، استخدمت اسماً اعتقدت أنه معروف به على المستوى المحلي، إن كان معروفاً على الإطلاق. لم تتوقع شخصاً في منتهى اللمعان والصحة أن يحتفظ بأي ذكرى عن تاريخ من قرن خلا، وقد استحوذت عليها الدهشة عندما رحَّب بها إحساس بالتعرف وانطباع طفيف بجلال يشي بالتوبيخ. أجل، كانت الشابة تَعرف المستشفى، لا تزال قائمة غير أنها تعرضت لهجمات تهدف إلى إحراقها، إنه لخزي بحق، كانت أيامها مكاناً جميلاً يهيء أسباب الراحة، والأرض المحيطة به حسنة المنظر.

ألم بالشابة الإجفال من كلمة "بيمارستان"، وقد اتضحت أسبابها. كانت جدتها قد أقامت فيه مريضة عدة سنوات، وعمِلت إحدى عماتها فيه إلى أن تم إغلاقه. كان سيفيرالز قد وفر وظائف جيدة للأهالي؛ إذ آوى ألفين من النزلاء وطقماً ضخماً من العاملين. أضمرت ذكريات سعيدة عن زياراتها لجدتها. اعتنوا بجدتها خير اعتناء.

حاولت موظفة الاستقبال -- أنبأت طية سترتها الزبونات أن اسمها زوي -- أن تُرشد المستجوِبة، ولكن كان من الجلي أن ريبة خالجتها من اهتمامها.

وقد شعرت إليزابيث كليثيرو وهي عائدة إلى سيارتها أن الريبة خالجت زوي لسبب وجيه.

داخَل الخمول اهتمامها، وساورها إحساس المؤنَبة. هجَرت بحثها وكفت عن تتبع سبل عديدة تؤدي إلى البيمارستان، سبل مكسوة بالنباتات يلفها الغموض.

 

ولكنها لم تُقلع عن عادة التعدي على أراضي الغير. وجدت في الصيف التالي هدفاً أقيم. حثها إليه غيظ جدير بالخجل انتابها بسبب فاتورة شركة الكهرباء 'إيه دي إف' المعروفة بإليكتريسيتيه دو فرانس، ولكنها استطاعت ترجمة هذا الغضب البالغ إلى الإحساس بقضية أسمى. شهِد هذا الصيف ارتفاعاً صاروخياً لفواتير الطاقة لدى أرباب البيوت البريطانية بالرغم من انخفاض مزعوم في تكلفة المواد الخام. كانت شركات الطاقة الست الكبيرة قد استشعرت عجز أرباب البيوت في أعقاب معاناتهم السلبية على أيدي البنوك، فأقدمت على ضربتها القاضية، ولم يَبد أحد بقادر على ردعها. اعترضت إليزابيث كليثيرو، اتصلت بأرقام هاتفية وخطوط للمساعدة لم تجبها قط، كتبت خطابات، دخلت إلى موقع شركة إيه دي إف الإلكتروني لتقرأ عدادها وظلت تسجل وتتصل وترسل قراءة العداد بالبريد الإلكتروني على أمل انتزاع الرد عنوة من هذه الشركة الباردة القاسية المستغِلة. ولكنها لم تتلق إجابة. اعتراها الحنق حين دعاها الموقع الإلكتروني إلى أن تلعب ألعاب قراءة العداد، وكأنها طفلة، لا ربة منزل وأستاذة فخرية. اعتراها أيضاً استياء غير منطقي لأن الشركة المطالِبة بأموال كثيرة جنتها بكدها كانت فرنسية. البادي أن الفرنسيين كانوا يشترون كل ما يسعهم من محطات الطاقة الإنجليزية مثلما اشترى الأمريكيون والماليزيون مخزون بريطانيا المائي. لم تعتبر إليزابيث كليثيرو نفسها إنجليزية منغلقة، بل اعتبرت نفسها أوروبية، ولكن هذه الشركة -- مسخ جشع متعذر على الرؤية - لا تمت لأوروبا بصلة. لا تضمر أي ولاء لعملائها الإنجليز، ولا أي حب لأرض شيدت عليها. كانت غازياً من الجانب الآخر للقناة، بونابرت فاتِح من امبراطورية بلا حدود ولا تخوم يمْكن الدفاع عنها، فرنسي اسماً، ولكن عالمي طموحاً.

جفَلت لِما استبد بها من رهاب الأجانب، غضب خليق بالأسلاف. دائماً ما راقتها فرنسا والفرنسيون، استمتعت بالشعر الفرنسي والطعام الفرنسي والكاتدرائيات الفرنسية، كانت تجيد اللغة الفرنسية، ولديها أصدقاء فرنسيون. ما ودت أن تظن أن الفرنسيين يحاولون سرقتها. لم تَسعد بحَملها على الريبة.

ولكن دهشة نالت منها لأن لا أحد في الصحافة وأقل القليل من السياسيين لاح قلِقاً بشأن أمن الطاقة. تذمروا كثيراً من الأمن الغذائي غير أنهم باعوا بلا اكتراث مصادر الطاقة رخيصة دون أن يراودهم أي إحساس واجب بالهواجس.

الأرجح أن كل الشركات طماعة مخادعة بلا اختلاف، ربما كانت أي.أون وإنباور وبريتيش جاز وسكوتيش باور وثازارن إلكتريسيتي شركات ليست بريطانية، لا مكان لها ولا جذور مثل إيه دي إف. ولكنها كرِهت أكثر ما كرِهت إيه دي إف لأنها شركتها، أو بالأحرى لأنها زبونتها. لقد انتمت إليها.

خفضت درجة الترموستات وأغلقت أجهزتها الجهاز تلو الآخر ثم عزَمت على التمشية بحذاء السبيل الساحلي في الجنوب الغربي حتى محطتيّ الطاقة النووية على لسان هينكلي بوينت كي تجد متنفساً للضغط المتنامي داخلها. كانت تَعرف هذه المباني الاستثنائية منذ عهد بعيد، هذه الألواح الهندسية الرمادية المشوبة بالزرقة، ترتفع أمام خلفية من أمواج قناة بريستول، أمواج مكدومة رمادية كما الأسمنت ضاربة إلى الصفرة. جذبت العيون من كل الأراضي المحيطة بها شأنها شأن قباب أسطورية للمتعة في قصيدة "قبلاي خان". ومن السبيل الساحلي وتلال كوانتوك، من مرتفعات إكسمور وويلز على الجانب الآخر من المياه، بوسع المسافر رؤيتها، معلَّقة في خفة، تبدو للغرابة بلا وزن بالنسبة إلى مصنع صناعي ثقيل. كان الشاعران كولريدج ووردزورث يَعرفان خط الساحل خير معرفة، كانا ليتعجبا من تناسقها المخيف.

ألَّف كولريدج قصيدة "قصيدة البحَّار العتيق" على تلال كوانتوك وهو يطل على مشهد بديع، مقام المحطتين الآن. تدحرجت كلماته المألوفة مع المويجات في عقلها وهي تسير في طريق ممتد فوق أرض مسطحة وحلة.

قضى قبلاي خان في زانادو ببناء قبة متعة فخمة جرى فيها ألْف، النهر المقدس، عبر كهوف ضخمة لا يسع الإنسان قياسها هبوطاً إلى بحر لا يَشهد شمساً...

لا ريب أن شركة إيه دي إف انهمكت في ذلك المسعى الفرنسي الحري بالقرن الواحد والعشرين، تطوير المحطة النووية. وبدون تصريح كامل بالتخطيط كانت تخلي بالفعل الأرض لتشييد مفاعل ثالث سينضم إلى مفاعلين مرت عليهما عقود من الزمن: هينكلي بوينت إيه (وشيدته شركة ماجنوكس) وهينكلي بوينت بي (واشترته شركة إيه دي إف من شركة بريتيش إنيرچي)، سوف تحيي مشروعاً تمت دراسته ثم نبذه منذ عشرين عاماً لأنه غير قابل للتطبيق. قد تخال أن الكارثة النووية اليابانية في فوكوشيما في بداية هذا العام ستثير شعوراً بالقلق وتطرح أسئلة حول مدى سلامة البناء على طين ورمل وغابة تحت سطح البحر عند مصب نهر به ثاني أعلى مد وجزر في العالم، ولكن لا، تواصل الحفر والتنقيب والإخلاء. رد الرئيس التنفيذي في شركة إيه دي إف (لم يَبد اسمه فرنسياً لأذنيّ إليزابيث، بل بدا وكأنه اسم ينذر بالشر من أمريكا الجنوبية) على شكاوى الشعب من أسعار الطاقة المتصاعدة بحجة رُخص الطاقة النووية على المدى الطويل. قد تكون معلومة صحيحة، بمعنى ما، ولكن أبلهاً ليس إلا سيظن أن أرباح المفاعلين النوويين الجديدين -- هينكلي بوينت سي -- سوف تتوزع على المدى الطويل بين أرباب بيوت بريطانيا المساكين.

هبوطاً إلى بحر لا يَشهد شمساً، كررت إليزابيث لنفسها وهي تتجه شرقاً بخطوات واسعة على طول ممر المشاة في اتجاه هينكلي من قريتيّ إيست كوانتوكسهيد وكيلڤ الخرافيتين. حسَبت يوماً أن هذه السطور تشير إلى نهر أكس، نهر مقدَّس امتد عبر حجرات تحت الأرض وكهوف ضخمة ورواسب من الكِلْس تتدلى في وادي شيدار، ولكنها فطنت الآن إلى أن نهر ألْف بمدينة زانادو هو نهر سيڤِرن، والبحر الذي لا يَشهد شمساً هو رؤيا لكولريدج تتنبأ بأرض قاحلة رمادية مزرقة تلي العصر النووي عند هذا المصب النهري، أرض تترامى غرباً في مستقبل ما بعد العصر النووي صوب محيط أطلسي معدني متجرد من الأسماك.

لم تعان أسماك نهر سيڤِرن كثيراً إلى الآن بسبب مصانع الطاقة المشيَّدة في الستينيات. ماتت بعض الأسماك عند الحواجز في الأيام الأولى بعد أن تم مصها عبر قاع البرج الأسمنتي إلى ماكينات التبريد، ولكن بقى منها الكثير. بل إن الصيادين سردوا حكايات عن الصيد المتزايد الذي ازدهر في المياه الدافئة دفئاً غير طبيعي بمصب النهر. قاموا باختبارات، أجروا تجارب، أحصوا أنواع الأسماك. توافرت أسماك البوري والأنقليس والقاروس والإسبَرط والمفلطح والقوبيون الرملي والأبيض والقُد والبَوْت والداب. نادراً ما اصطادوا أنقليساً بحرياً كبيراً أو سمكة تُرس.

قيل أيضاً إن النباتات في سبيل هينكلي بوينت -- إليه كانت تشق طريقها التجريبي -- ازدهرت في خلال السنوات الماضية، ولكن عله ادعاء روجت له إدارة علاقات عامة ماهرة. كانت قد سارت في السبيل منذ سنوات، قبل وقت طويل من وصول محطة هينكلي بوينت سي إلى مسودتها الأولى على لوحة التخطيط، وأبصرت الفراشات الزرقاء والنحاسية والكتان الفاتح والنَّفَل الذهبي ونبات القنطريون المَلَكِي الأرجواني برأسه المتكبر. قيل إن السبيل لا يخلو من نباتات السَّحلَبية غير أنها لم تلمح أياً منها. هل لا تزال هناك، السَّحلَبيات الأشباح؟ هل لا يزال السبيل مفتوحاً؟ وهل تمكنت شركة إيه دي إف من اقتطاع، على نحو قانوني أو غير قانوني، جزء من السبيل الساحلي؟ كان تحدياً، وقد تسلحت للقتال بشطائر ملفوفة في ورق من الألمونيوم وزجاجة مياه بلاستيكية.

كان الفصل في مستهل الخريف، أول أسبوع من الفصل الدراسي، خلا السبيل الساحلي من أي مجموعات عائلية تتمشى. لم يكن الجو معتدلاً. إذ عصفت رياح شمالية غربية عصفاً من المحيط الرمادي المصفر كأكسيد الحديد، أرسلت صفيراً صاخباً عبر حقل من سيقان الذرة الخضراء المرتفعة، حنَت الدردار والزُعرور والصفصاف في البَر، حكَّت الأعشاب القصيرة وقِنَن المرتفعات الجرداء. تشجعت قلة من السابلة على الخروج يومها. استتر زوجان معتادان المشاق، بدون ملامح، داخل سترتين خضراوين من الفراء، قابلا إليزابيث كليثيرو بتحية مكتومة. تجاهلها رجل عجوز برأس مُطْرِق يساير كلبه البطيء. تابعت المشي شرقاً في اتجاه غير مريح، يقويها هدف غير مريح، في اتجاه شعرت أنه ضد الطبيعة. كان السير غرباً هو اتجاه الطبيعة والطريق الطبيعي لأي متنزِه.

أحياناً ما كان المفاعلان التوأمان يَظهران على مرأى منها، تعلقا كما السراب أمام جزيرتيّ ستيب هوم وفلات هوم، واحتجبا أحياناً خلف سطح الأرض ومنعطفات السبيل. تبدل شكلهما أثناء سيرها على حين كشَفت معالم أخرى عن نفسها في المشهد المتحرك: برج كنيسة وبرج علف يتبديان في الأفق، حصَّادة ودرَّاسة صفراء بعيداً عند طرف أحد الحقول، سَقيفة، مصب بواليع. وتحتها عند سفح الأجراف المنخفضة المتقوضة الغاصة بالأحافير أرسلت المياه المائجة أنيناً وجاشت جيشاناً. كان الساحل مجدباً من كل نبتة، تشمله طبقات صماء من الطين المتحجر وأرصفة هندسية غريبة الشكل معبَّدة بالصخور وشرائح وقمم حجرية نحتتها الأمواج. تجرد من الأعشاب الضارة والنباتات. بدا وكأنه نتيجة لكارثة نووية وقَعت منذ زمن طويل. لاحت الطبيعة في مثل ذلك اليوم مجرَّدة من الألوان. رمادي كما الإردواز، بني يَنقصه البريق، أصفر تشوبه القذارة، أرجواني كئيب، ورتابة أسمنت لم يصنعه الإنسان.

أبدى عُلَّيق مهلهل من جراء الريح ألواناً، بثماره الأسود والأحمر الجسور الأشبه بالجواهر، ولكن برودة الجو منعتها من التريث لقطفه. لو خفَّت سرعة الريح في وقت لاحق، سوف تجمع بعضه بعد أكل الشطائر.

فكرت كي تتناول وجبتها في الاحتماء ببرج مراقبة سامق يطل محْدقاً على القناة، مبنى كانت تقترب منه ببطء منذ ما يربو على ساعة ونصف والفضول يتولاها من أسلوب بنائه الساحلي الموحي، للغرابة، بالبهجة -- يكاد طرازه يشابه مراكز العطلات -- ودهانه الأبيض ونوافذه ذات الزجاج الفيروزي وسياجه الأنيق. ولكن لا ريب أنها ألْف الموقع كريهاً يوحي بالخطر حين دنَت منه، إذ حف به سياج وأسلاك شائكة، وحاقت به أكوام من الحطام. أبلغتها لافتة أنه ميدان لطائرات الأسطول الملكي، وأن كل عمال البناء ينبغي تقييد حضورهم لدى ضابط الصف. لدى هذا الضابط رقم هاتف لا غير، وليس اسماً. بدا مقِيماً بعيداً في بلدة يوڤِل. تراءى مركز المراقبة هذا فقيراً تكنولوجياً محدود النطاق بالمقارنة بتجهيزات هينكلي بوينت. أغرتها بوابة خشبية صغيرة جديدة مصنوعة بمهارة تقُوم خلف البرج، خالت أنها قد تؤدي إلى سلالم أو ممر مشاة يصل إلى الشاطئ أو لغز يستتر وراء صفوف من شجيرات العُلَّيق، ولكنها لم تؤد في الواقع إلى أي مكان على الإطلاق. فقد انتهت إلى دَغَل.

تناولت شطائرها عند بقعة أبعد، بجوار شاهد قبر من الركام الحجري، عليه لافتة مكتوبة بخط اليد دعتها إلى إضافة حَجَر لإحياء ذكرى مولي. كان آخر مَعلم وأكثرها إقفاراً قبل الوصول إلى محيط هينكلي بوينت. طوَّقت شاهد مولي علامات دالة على نُزَه صيفية حديثة، أغلفة حلوى قديمة، علبة من البلاستيك الأبيض، جورب رمادي، علبة سجائر وحِلة مكتوب عليها، "السجائر مميتة".

السجائر مميتة

احذر الموت

تذكرت اللوحة المعدنية الصغيرة الباهتة على رف المدفأة في طفولتها. كانت ابنتها كونستانس قد حذَت حذو نموذج أمها الجيني وألصقت بباب غرفة نومها في منطقة ستوك نووينجتون لافتة تفُوق الأخرى ألواناً وعبثاً، وإنما أقل أصالة. انكتب عليها بأحرف سوداء وحمراء سميكة،

منطقة تحذير 51

ممنوع الدخول بدون إذن مدير التجهيزات

لدينا تصريح باستخدام القوة المميتة

لم تعثر كوني على هذه اللافتة في بالوعة، فقد اشترتها من سوق ريدلي رود. كانت نسخة طبق الأصل من لافتة أمريكية، بإمكانك التأكد مما داخَل اللغة من عنف.

خامر إليزابيث كليثيرو إحساس بالانتعاش فدلقت بقية المياه عازمة على استخدام الزجاجة البلاستيكية في جمع ثمار العُلَّيق، وبعدها شقت طريقها قُدُماً. سرعان ما انحرف السبيل الرسمي بحدة بعيداً عن البحر وخط الساحل، إذ صعِد ليَعبر حقولاً من أقراص روث البقر جففتها الرياح ويجتاز أسياجاً من الشجيرات ثم يَنزل طريقاً عميقاً ضيقاً يسلكه قادة الماشية. تاه منها مشهد المحطتين النوويتين بيد أنها كانت تَعلم أنها شديدة القرب منهما. تناهى إليها نباح كلب وصوت رجال يتنادون أثناء العمل، وهناك، على منحدَر مرتفع أمامها، كانت مجموعة من البُناة تعمل في موقع تشييد بدا مرتكزاً على مبنى مزرعة قديم من الطوب يغطيه اللبلاب. استطاعت أن تسمعهم، وهم، لو تطلعوا ناحيتها، سوف يتمكنون من رؤيتها.

ما لبثت أن بدأت لافتات التحذير والأسلاك الشائكة والأسوار. لم تزل تسير في ممر مشاة عام، فقد اتبعت مطيعة العلامات، وسَم بعضها صَدف متحجر أبيض على حين ظهَر بعضها بحروف صفراء تقليدية محفورة في الخشب. ما كان من الممكن أن تكون متعدية على أراضي الغير بعد، وما كان من الممكن أن يقْبضوا عليها بعد. كانت السحب تنقشع، والرياح تخف، وسماء حِزَم الحصاد المثقَلة بالسحب تنير. ترامت على يسارها حقول شاسعة شاحبة بها ما بقي من الزرع بعد الحصاد، يضيئها وميض من شمس واهنة بلون القش. وفوق الأثلام البنية المنحنية انقضَّت أسراب هائلة من الطيور الداكنة ثم دارت في دوامة مثلها مثل شبح أرواح عديدة معذَبة يحتشد. وهناك، في منتصف المَجاز قبالتها، وقَف رجل يتحدث عبر هاتفه المحمول وحدود هيئته جلية أمام خلفية من الأفق النووي، كان قصيراً ممتلئاً متبلد الحس يرتدي ملابس صفراء زاهية وخوذة بيضاء. واصلت السير نحوه، ورنا هو ناحيتها ثم واصل الحديث عبر هاتفه غير عابئ. مرت به وهي تومئ إيماءة مهذبة مثلما يفعل السائرون والمتنزهون. قابل إيماءتها بمثلها بيد أنه لم يتحدث، أو لم يتحدث إليها.

واجه السبيل فجأة سوراً عالياً من الأسلاك ثم انعطف جنوباً بزاوية يمنى غير طبيعية. تابعت هي والسبيل طريقهما على طول حافة سياج من الأسلاك المتشابكة على شكل الماس، خلْفه تقُوم لافتة حمراء ضخمة على ارتفاع خمس عشرة قدماً تصرح، "أنت تَدخل موقعاً نووياً مرخَّصاً وفقاً لقانون التجهيزات النووية عام 1965، كما ورَد في التعديل." لم تكن تَدخله، كانت تمشي بحذائه، ولكن وسعها أن تتفرس فيما داخِله، حطام وأجهزة قياس مخطَّطة بالأحمر والأبيض وعلامات على حَفر. كانت مقالات الاحتجاج قد ذكرت أن شركة إيه دي إف تخطط لإخلاء 435 أكراً من الأراضي الخضراء -- بما فيها غابة عتيقة وممرات للمشاة وأسياج من الشجيرات ومخازن زراعية تاريخية -- واستخراج أمتار مكعبة من التربة والتربة السفلية والصخور تزيد على ما تم استخراجه في أولمبياد لندن.

حسناً، أجل، بوسعها أن ترى أنهم يخوضون بالفعل في الأمر وإن لم يخوضوا فيه حتى هذه اللحظة إلا على نطاق محدود.

وجدت نفسها تدور حول موقع تشييد القاعدة الجديدة إن حصلوا على التصريح بالتخطيط في الوقت الملائم. سادت الزوايا طريقها بالكامل، فقد قطَعت منعطف السبل القديمة ومحيطها، المزرعة القديمة. تصاعد في باطنها شعور بالقلق وهي تعد نفسها للمواجهة، ولكن لا أحد بعد لتواجهه. عبَرت بوابة في السبيل فالتقى ناظراها بلوحة ضخة تعلن،

هذه مِلكية خاصة، ولو تخطيت هذه النقطة، قد نعتبرك متعدياً.

شدت كلمة "قد" انتباهها، ولم يتضح لها مطلقاً أي نقطة لا ينبغي عليها تخطيها. ربما تخطتها بالفعل. قابلت بعد مسافة قصيرة رقعة منخفضة تضم غابة صغيرة رثة المنظر حسنة النية امتد عبرها يوماً سبيل مسموح به للتفرج على الطبيعة، وحين اقتربت منها، أمكنها أن تتبين لافتة بيضاء مثبَّتة في اللوحة الخشبية تغَير لونها بفعل العوامل الجوية. "سبيل التفرج على الطبيعة مغلَق،" هكذا أعلنت بأحرف ضخمة مطبوعة، وبأحرف أصغر أضافت أنه مغلَق حتى إشعار آخر بسبب أعمال الهندسة. كانت تَعلم أن إشعاراً آخر تعني إلى الأبد. صعدت السلم الخشبي بمشقة لتَعبر إلى الأرض المحظورة، أرضها، ثم سارت نحو بعض الشجيرات القصيرة. وهناك تشابكت شجيرات البَلَسان والعُلَّيق، وهربت هبَّة ريح خفيفة من الطيور الصغيرة عند اقترابها. فرَّت من شجرة هزيلة بأوراق فضية مرتعشة، طيور صغيرة تتحرك كروح نفْس صغير يرفرف، أوراق فضية تتحرك رافعة وجوهها الخفيفة وسط رياح الخريف المحتضرة.

اعتراها حزن غامر يفوق الوصف وهي تراقب الطيور تطير بعيداً وأوراق الأشجار تتقلب وتتقلب في أساها الجميل. كان حزناً على عالَم مفعم بالحيوية أحست به، على رعشة الأوراق الصغيرة والطيور الصغيرة. انتهى كل شيء، لن يردعها أحد عن التعدي، ولكن لا أحد سيردع أيضاً عملية الاستيلاء هذه. سوف تتواصل، الحفر والنبش واستخراج التربة إلى أن تتلاشى كل هذه الأرض. سوف تَخرج ومضات طفيفة تنبئ عن الاحتجاج، قليل من الأشخاص يجتمعون معاً اجتماعاً سلمياً كالعصافير في أحد أركان الشوارع ومعهم الرايات، عنوان صغير في الصحافة المحلية. ولكن لا أمل في الاحتجاج والتعدي على الأرض ولا جدوى منهما، وهو ما يَعلمه الجميع.

ومَن العالِم، ربما النووي هو الأفضل؟

سوف يغزو بونابرت إنجلترا الآن مع أنه لم يغزها وقتذاك. منذ قرنين من الزمان انتظره سكان المزارع والقرى السمكية والقرى الصغيرة على هذا الساحل وكلهم خوف، شيدوا شواهد قبور من أكوام الحجارة ونقاطاً للمراقبة ومناور، ركِبهم الذعر من الغزو، ولكنه، منذ قرنين من الزمان، لم يأت. إنه الآن هنا وإن تبدل شكله وهيئته تبدلاً عظيماً، بوجوه متعددة، وأطراف متعددة، مسْخ يتحدث عدة لغات ويتحلى بقوة مولِّدة هائلة.

أجل، "مغلَق حتى إشعار آخر بسبب أعمال الهندسة" تعني "مغلَقاً إلى الأبد".

لم يردعها أحد، لم يأبه أحد بتطفلها. بلَغت السبيل الممهَّد بالأسفلت في الجانب الآخر من الغابة ثم حملقت إلى المفاعلين العتيقين. صوَّرتهما بهاتفها المحمول من أجل ذريتها. لم يأبه أحد. اجتازتها السيارات غير حافلة في طريقها إلى الموقع ومنه. ما بالوا بامرأة كهلة تسير وحيدة. لقد بذلت كل جهد لتصبح شاهدة، وسوف تتراجع الآن تراجعاً مخزياً.

كانت أقل انتباهاً لعلامات الطريق ومعالمه حين شرَعت في شق طريقها غرباً راجعة إلى سيارتها. جمَعت وهي ماضية بعض ثمار العُلَّيق النووي من أسياج الأشجار لوجبة العشاء. عندما كان كولريدج يكتب "أثناء ذعر الغزو" عام 1798 ويؤلف سطور قصيدة "مخاوف العزلة" عابراً نفس هذا المشهد الطبيعي في اتجاه قرية نيزِر ستاوي، انفجر -- لدهشته -- في جيشان عاطفي من الحماسة الوطنية يكاد يكون محرِجاً بعد أن وبَّخ الإنجليز على أخطائهم العديدة،

أواه يا بريطانيا يا وطني! أواه أيتها الجزيرة الأم! لا يحيا في روحي شكل أو شعور غير مستعار من بلادي! أواه أيتها الجزيرة الإلهية الجميلة!

كانت تغمغم هذه السطور لنفسها وتفكر فيما ينطوي عليه صدرها من مشاعر لبلدها حين وجدت نفسها، يا للدهشة، عند مفترق طرق صغير، توقفت متسائلة أي الطرق تسلك. نال منها التعب، ولم ترغب في أن تخطئ طريقها إلى البيت وتطيل مسيرتها بلا داع والمساء يقترب. وقَفت تتدبر أمرها، تساءلت إن تُكلف نفسها مراجعة الخريطة. ما راقها أن تراجع الخريطة. كانت تبث فيها إحساساً بالضعف، حتى في عدم وجود أحد يراقبها.

ولكن أحداً كان يراقبها. بينما كانت في ترددها، وعت أن شخصاً يرصدها. رجلٌ في سترة صفراء زاهية أمامها بالضبط في المَجاز، يقف ثابتاً تماماً في مستوى أدنى منها قليلاً، يرصدها. كان يحدجها ببصره.

كان بمقدورها أن تتجنبه وتميل لتدلف إلى السبيل الآخر يميناً، ولكنها سارت نحوه. أخذ هو يسير نحوها. هم بالتحدث إليها. ما كان يبتسم. وما كان إنجليزياً. لم يكن من سكان الجنوب الغربي. قصير بدين، وأجنبي. لم يكن من هذه الجزيرة الأم. التقيا ببطء في المَجاز الضيق.

لم تنِم كلماته عن عداء. كان الرعب قد ألم بها وإن أدركت أنها مع شخص يسير بمفرده، ولكن كلماته أوحت بالود.

"أنت تائهة؟" كان سؤاله إليها. كان قد رأى ترددها فتقدم إليها ليعرض المساعدة. تلك قراءة محتملة للسؤال.

دار ببالها، ماليزي أو فلبيني. ليس فرنسياً ولا متنزِهاً. ماسح للأراضي؟ حارس أمن؟ جاسوس؟

"أحاول أن أَرجع إلى السبيل الساحلي، في اتجاه قريتيّ كيلڤ وإيست كوانتوكسهيد."

كان يَعرف طريقها. لم تكن كلماتها الإنجليزية الدخيلة وأسماء القرى المحلية غريبة عن أذنيه. أرشدها أن تسير في خط مباشر. وعند سفح التل هناك جسر صغير، عليها أن تجتاز الجسر ثم تَقطع مَجازاً من الرماد على يسارها، صعوداً على طول طرف الحقل، وهناك عند نهاية الحقل سترى بوابة تفضي إلى السبيل الساحلي. سوف تبصر اللافتة.

شكرته، بنبرة رسمية، رزينة. لم يبدر الابتسام من أي منهما. ماذا يفعل هنا، هذا الكهل القادم من خارج البلاد، بلكنته عسيرة التمييز، بمفرده في هذه البرية، غاية في البعد عن زملائه، في هذا الممر الريفي الضيق؟ ماذا كانت هي تفعل هنا، بمفردها في هذه البرية؟

تابعت المشي تاركة الغريب عند مفترق الطرق. شعرت بعينيه تتسلطان عليها واعية برصده إياها حتى غابت عن مرآه. منعزلاً وقَف هناك، منفرداً وحيداً بعيداً عن وطنه. اكتسى منحدَر الحقل المرتفع بما تبقى من الحصاد من زرع ذهبي باهت وأكداس ملفوفة ضخمة من حُزم الحنطة تزحف فوقه، وفي الأفق المنخفض ارتفعت شجرة بلوط رمادية بقمة أشبه برأس الوعل واتكأت على سحب ضخمة واللون الفضي يُهدب ضوء المساء غرباً. انقضَّت طيور العقل الداكنة منهمرة ثم دارت عبر هواء في سبيله إلى الظلمة. كان الشبح يصرخ احتجاجاً ويهجر أثلام الحقول العتيقة. لا تَحمل الشجرة إلا غصناً واحداً حياً، غصناً ضخماً محمياً يمتد إلى الجنوب بأوراق خريفية لا يعوزها العناد. كانت الأغصان الأخرى خشباً ميتاً.

وفي تلك الأمسية فكرت في الغريب غامق البشرة وهي تتناول عشاءها المتواضع منخفض الطاقة. أكلت بيضاً مسلوقاً بلوبيا محمَّصة على خبز محمص، وطهت في الميكروويف العُلَّيق مع بعض التفاح من الحديقة. استغرقا دقيقة ونصف بدرجة حرارة مرتفعة، ما كان من الممكن أن يضرا الفاتورة ضرراً كبيراً، ولا حتى الرئيس التنفيذي لشركة إيه دي إف سيَقدر أن يَنصب عليها نصبة عظيمة بسببهما. لن تضطر إلى إبلاغ مكتب أسواق الغاز والكهرباء باستهلاك الطاقة عن تلك الوجبة المتواضعة. وفيما كانت تأكل العشاء، كانت تستمع إلى موسيقى منبعثة من الراديو، أوبرا دون كارلوس لڤيردي، ميَّزتها، أكثر الأعمال الأوبرالية مأساوية.

أين هو الآن، الغازي المسكين ببشرته النحاسية، في أي كوخ أو مقطورة يَسكن بكوب بلاستيكي من معكرونة ماركة 'بوت نودلز' وجعة أجنبية؟ أم تراه يَشغل سكناً فخماً في مدينة برستول، يضحك شاعراً بالأنس والانتصار وسط أبناء بلده؟

ما كانت تدري شيئاً عن حياته أو ما كان يدري شيئاً عن حياتها. لم يعنفها كما عنفتها زوي حفيدة سيفيرالز. ومع ذلك شعرت بالتعنيف.

عندما سحبت الستائر استعداداً لحلول الليل، تعالت أغنية ڤيردي المهيبة مشحونة بالأسى والخسارة في كوخها الصغير وفي الوادي. غنَّت الأميرة المنفية منفطرة القلب، "إيو سونو سترانيارا إن كويستو سوول، إني غريبة في هذا البلد، كل آمالي على هذه الأرض راحت..."

خطر في بالها، أجل، هكذا الحال. هكذا حالي إذن، هكذا حاله إذن.

إني غريبة في هذا البلد.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.