ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

القطار المتجه إلى لو وو

شتاء 2004-2005

مجلة بلاوشيرز

albawtaka@albawtaka.com

متى تستدعي ذاكرتي لين، أفكر في السيارات الأجرة. فقد أمضينا وقتاً طويلاً جالسين في مؤخر واحدة منها، في مكان ما بمدينة شانيان – نسرع مبتعدين عن المحطة العابرة للحدود أو عائدين إليها. أتذكر أننا كنا نتقابل دوماً أثناء أصباح مشرقة تتدفق شمسها من خلال النوافذ المتربة؛ أو في ساعة متأخرة من الليل وجسدانا مخططان بألوان مصابيح نيون تجتاز رأسنا. جلس كل منا على الجانب المقابل للمقعد، يدانا مطويتان كما الأخ والأخت؛ لم تدعني أنطق بكلمة أو حتى ألمس رجلها. لو تناهت إلى أذن السائق لهجتي المندرينية البشعة، أفضت إليّ، سوف يقف هو وأصدقاؤه على هويتها بالضبط: فتاة ريفية أخرى تتجول بائعة نفسها لرجل من هونج كونج في مقابل أموال سهلة.

 

سمعتُ لكلامها، بالطبع. لذا خالجتني كل الدهشة في المرة الوحيدة التي خرقت فيها قاعدتها. كنا قد انعطفنا للتو عند فندق كورودا؛ على بعد خمس دقائق من لو وو، الحد العابر إلى هونج كونج. التفتت إليّ لتقول، إن لم أتصل بك هذا الأسبوع، ماذا ستفعل؟

 

سوف أتصل بكِ طبعاً. لِم تسألين؟

 

لا. لا أعني ذلك. ماذا لو لم أتصل بك أبداً مرة أخرى؟

 

كانت قد وضعت صباحها درجة جديدة من أحمر شفاه اشتريته لها؛ بان في مقابل بشرتها كما الدماء الطازجة. أوقع في جسدي رجفة.

 

إذن سأجيء وأعثر عليكِ. بطريقة أو بأخرى.

 

لكنك لن تستطيع، أردفت. إن لم تتصل بي أبداً، بمقدوري أن أجد رقم تلفونك بدليل هونج كونج. بمقدوري أن أجد عائلتك ومحل عملك. لكن ماذا بوسعك فعله؟ الصين كبيرة أكثر مما ينبغي. لو اختفيتُ، تلك هي النهاية. سوف تبتلعني الصين.

 

كانت على صواب فيما يخص السائق؛ إذ أدار رأسه نحونا وهو يقود ليُحسن الإنصات، وحينما وصلنا إلى إشارة مرور، التفت ورماني بابتسامة عريضة لا تبرأ من الشهوانية. وددت أن أصب عليه الشتائم لكني لا أعرف شتائم إلا باللهجة الكانتونية، وهو لن يفهمها.

 

لين، ماذا تريدين أن تسمعي مني؟ سألتُها. أنتِ على حق ولا شك. لو أردتِ أن تختفي، فبوسعك ذلك. عندك القدرة على الاختفاء بطريقة أو بأخرى.

 

اتسعت عيناها وكأن إجابتي أغضبتها فجأة. مِن أين لكَ بذلك اليقين؟ لفظتْ. مِن أين لكَ بتلك الثقة؟

 

تاهت مني الكلمات. كنا نتوقف وراء صف طويل من سيارات أجرة تقف إزاء المحطة؛ عج الشارع بأناس يهرولون في اتجاه المدخل. استشعرت حكة في ساقيّ. سأراكِ في الأسبوع المقبل، أردت أن أقول لكني عرفت، بدون رغبة في المعرفة، أن لا أهمية للكلمات. استدار السائق في مقعده وترددت عيناه بين وجهي ووجهها، متلهفاً على سماع الجملة الأخير. أخرجتُ لفة نقود من فئة مائة يوان وأعطيته أقذرها.

 

عندما تَركب القطار، قالت، تشعر وكأنك في حلم، أليس كذلك؟ وكأن لا شيء من هذا وقع حقاً. ذلك أمر جيد. ينبغي أن تحافظ عليه. فأحياناً ما تتكرر الأحلام وأحياناً ما تمتنع.

 

لين، قلت، ذلك أسخف –

 

فتحتْ الباب وأسرعتْ بخطى واسعة لتشق طريقها وسط الزحام شأنها شأن سمكة تكافح ضد التيار.

 

 

لولا ’الأخ الصغير،‘ ما كنتُ لأفكر في الصين على الإطلاق. أقطن في منطقة ’نيو تيريتوريز،‘ ليس ببعيد عن الحدود. يقطع القطار إلى لو وو محطة أَركب منها يومياً بيد أني لم أفكر مرة في أخذ القطار إلى هناك. لا أقارب لي في الصين – إذ عاشت خمسة أجيال من أسرتي في هونج كونج – ولا يحلو لي السفر. فما خامرني قط ذلك النوع من الفضول. وأخالني لا أزال أتذكر قصصاً حكاها أصدقاء والديّ عن الشيوعيين والحرب العالمية الثانية – قصصاً أنزلتْ بي الكوابيس في الطفولة. صفوف من الجثث ورُضع خزقتهم الحراب. بإمكانك القول أني اعتبرت الصين مكاناً لا يوجد سوى في الماضي، لكنه ماض لا يخصني، ذكرى ليست من ذكرياتي.

 

الحق أن حياتي في منتهى البساطة. توفى أبواي منذ سنوات خلت عندما كنتُ في الكلية؛ لم ينجبا غيري، وقد خلفا لي مجموعة من أسهم العقارات وشقتهما بمنطقة ’تاي وو.‘ أتولى خلال النهار حسابات شركة لتجارة النفط بمنطقة ’كواي هينج،‘ وفي الظهيرة، كل ظهيرة، أستقل الحافلة إلى ملهى ’شيك أو سيلبورد‘ في أقصى الطرف الجنوبي الشرقي من جزيرة هونج كونج. لو حدث أبداً أن رَكبتَ المعدية أو قمتَ برحلة حول الجزيرة في إحدى السفن الشراعية صينية الطراز، ربما أبصرتَني في الأفق وأنا أقطع سبيلك: شكل صغير مظلم يتصل بشراع مثلث يعمه الضياء، يندفع عبر الأمواج اندفاع الحصاة من المقلاع. هذا هو خليج ’بيج وويف‘ حيث تُقبل الأعاصير الاستوائية إلى الشاطئ، حيث تَسجل في يوم من الأيام الرقم القياسي العالمي للسرعة. يدلعني الناس باسم ’فيي يو،‘ أي السمكة الطائرة، وهو اسم تدليع في محله. إن يومين خارج المياه لعمر طويل بالنسبة لي.

 

سوف تستلزم العملية ساعتين من الزمان، صرح الأخ الصغير في ليلة من ليالي الجمعة بالحجرة الخلفية من حانة ’شا تين.‘ تعبر الحدود، تغير بعض النقود، تَركب سيارة أجرة، تستلم بعض الصناديق ثم ترجع إلى بيتك. ما أسهلها مهمة!

 

رمقناه بعيون ملؤها الشك. الأخ الصغير هو أصغر خمسة أصدقاء صاحبتُهم منذ المدرسة الابتدائية – الأخوة الخمسة كما نطلق على أنفسنا – ومثلما هو خليق بأخ صغير حقيقي، هو الأكثر جموحاً. صبغ شعره باللون الذهبي وطفق يسابق الدراجات البخارية في سباق ’فورم ثري‘ وهو في الرابعة عشرة ليس إلا. يمتلك الآن محل تصليح بمنطقة ’مونج كوك‘ ويصطحب جدته للعب مكعبات ’ماه جونج‘ كل أحد.

 

ماذا يوجد في الصناديق؟ سأله سو وونج.

 

قطع غيار. قطع غيار هوندا.

 

مسروقة؟

 

وكيف لي أن أعرف؟ كل ما سمعتُه هو أنها موجودة هناك، بنصف الثمن الذي أدفعه مقابل تلك القادمة من اليابان.

 

لماذا تحتاج إلينا نحن الخمسة؟ سألتُه.

 

مَن العالِم بما سيجري، باح إليّ. إنها شانيان، أليس كذلك؟ كما أني فكرت في استكشاف المنطقة قليلاً، بما أننا هناك. أنتَ عارف، سكان هونج كونج يعيشون كالملوك في الصين. الأفضل من كل شيء. ندت عن عينيه غمزة.

 

تولاني التردد: ما راقني إنفاق ظهيرة أحد آحاد إبريل بهذه الطريقة. لكن كيف بمقدوري أن أرد له طلباً لو أراد معونتي؟ بدت المسألة في غاية السهولة – كل ما توجب عليّ فعله هو إحضار جواز السفر.

 

لم يكن أحد منا نحن الخمسة متزوجاً. كان ينبغي ذكر تلك المعلومة.

 

 

حين تجتاز قدماك معبر الحدود ووجهتك شانيان، يتراءى الهواء في البداية حافلاً بالغبار لكن الحقيقة هي أن التلوث يضفي على الضوء قدراً من عدم الصفاء حتى في أشد الأيام صحواً. يلوح كل شيء أكبر من المعتاد: أرصفة عريضة شاغرة وشوارع تتألف من ست حارات ومحطة قطار تمتد عبر أربع صفوف من المباني وناطحات سحاب تتواري قممها في السديم. بل إن بزات رجال الشرطة تبدو منتفخة فضفاضة وكأنهم أطفال يرتدون في لعبهم ملابس آبائهم. ومن كل جانب تحيط بك أشياء للبيع – منتجات نايكي وسترات نورث فيث وساعات تيسو وأفلام جديدة على أقراص فيديو مضغوطة – وفقط عندما تدنو منها تستطيع أن تبصر علامات مقشرة نُسخت برداءة وسوستاً تتدلى طليقة وصوراً ضبابية على العلب. ولو أطلت الوقوف في أي مكان، سوف يدفعك شخص من الخلف ثم يقذفك بعدة مقاطع فظة ستتعرف عليها، إنما بالكاد. درَستُ المندرينية في المدرسة وأجيد التحدث بها غير أني لا زلت أستحضر دائماً قول أمي المعتاد، إنها لا تستطيع أن تثق البتة بأحد يفكرها صوته بصرير قارض، بفأر واقع في شرك.

 

أول مرة ركِبتُ فيها سيارة أجرة، لم أبعد وجهي لحظة عن النافذة متجاهلاً المحادثة ومحاولاً استيعاب كل ما وقعتْ عليه عيناي. مبان مشيدة من قرميد أبيض – تلك النوعية المستخدمة في الحمامات – تعترضه نوافذ ذات زجاج تشوبه زرقة؛ امرأة في زي جندي تَركب دراجة على حين تتمايل ابنتها تمايلاً خطراً على قضيب الدراجة؛ رجل ببذلة لا تلائم حجمه وحذاء من الجلد بدون رباط يجرف الفحم في سلة من أماليد مجدولة. الأخ الصغير يقف على الرصيف، يدخن السيجارة تلو السيجارة ويجادل مع صاحب المحل بكانتونية متكسرة. لم تنفعه في شيء: كل قطع الغيار بيعت بالفعل. أتذكر أني رنوت إلى ساعتي لأكتشف أن أربع ساعات قد فاتت بالفعل. خطر ببالي أن مع عودتنا إلى الحدود سيعترينا شعور بأن الوقت لم يمر البتة.

 

اسمعوا، أعلن الأخ الصغير في إحدى اللحظات. دعونا لا نحكم على تلك الرحلة بالفشل الذريع. سآخذكم يا جماعة إلى ملهى نيكو. إنه في فندق راديسون – يمكننا أن نمشي إلى الحدود من هناك.

 

فيه راديسون هنا؟

 

طبعاً، أجاب نافد الصبر. هذه شانيان. إن لديهم كل شيء.

 

 

ألِفت بعدها أن أغيظ لين لمظهرها عند لقائنا في المرة الأولى: كانت تلبس تنورة فوق الركبة تجمع بين الأبيض والأزرق الفاتح وجزمة ترتفع حتى ركبتيها وقبعة بيرة لاوينبراو، أي إعلان بشحم ولحم. كانت فتاة من فتيان الحانات تنقض على الموائد قبل وصول النادلة لتوزع المجاني من الولاعات وحلقات الأكواب وتعْرض بيرة لاوينبراو "بسعر استثنائي،" وقد كانت بشعة في عملها. عاب صوتها علو النبرة وصر بقدر من العصبية كما شوه نغمات الكانتونية؛ دفعتْها ضحكات الزبائن إلى الوثوب من المائدة إلى الأخرى ككرة لعبة البينبول. كان الأخ الصغير يسرد قصة طويلة عن أول مرة زار فيها حلبة سباق مدينة جوانججو، فانتهى بي الأمر إلى أن فقدت خيط القصة مسنداً ظهري عن المائدة. كنا وقتئذ في ساعة متأخرة من الليل ولم يكن يدلف إلى الحانة زبائن جدد؛ كانت تقف قبالة الحائط الخلفي، بالقرب من باب الحمام، وحتى عبْر تلك الغرفة المعتمة تبينتُ وجنتيها المتقدتين.

 

أنا ذاهب إلى الحمام، قلت وأنا أحط البيرة. خبط سو وونج الجالس جواري على ظهري. وبينما كنتُ أمر رميتها بنظرة فأشاحت عني بوجهها؛ راحت خطوط الماسكرا تسيل من ركنيّ عينيها.

 

هاك، خذي هذه، قلت على بغتة بعد أن أخرجتُ علبة كلينيكس من سترتي وأقحمتُها أمام وجهها. قبَلتْها بلا كلمة. دخلتُ الحمام واستعملتُ المرحاض ثم غسلتُ يديّ مراراً. سنحت مني نظرة إلى المرآة فألفيت وجهي متورداً.

 

شكراً، نبستْ بمجرد أن فتحتُ الباب ثم أرجعتْ علبة المناديل إليّ. تلطخ حيث مسحتْ حول عينيها باللون الكحلي فتبدت أشبه بالباندا. أنا أفضل الآن. كله تمام.

 

إنها ليست غلطتك، لفظتُ بلسان مرتبك محاولاً تذكر الكلمات بالمندرينية. إنها ليست لغتك. جربي في المرة القادمة العمل في حانة لا تضم هذا العدد من سكان هونج كونج.

 

سكان هونج كونج يدفعون بقشيشاً.

 

لا بد أن آي الحيرة تراءت عليّ لأنها ضحكت في وجهي بصوت جاف. آه، قالت، أنتَ بحق واحد منهم، أليس كذلك؟ ألم تزر الصين من قبل قط؟

 

أبداً.

 

حسناً، دعني أنبئك بشيء لا علم لك به. أحمل شهادة جامعية ولن تضبطني أعمل في حانة عند الحثالة. الربح هنا وفير.

 

ما هي شهادتك؟

 

التعليم الابتدائي.

 

عقدتْ ذراعيها وصرَفتْ وجهها عني ثم أخذت تصوب إليّ لمحات جانبية. إنها في انتظار ضحكاتي، أدركتُ. زممت شفتيّ وأومأتُ برأسي وكأن ما جاهرتْ به هو أكثر الأشياء طبيعية على الإطلاق. ولم تستطيعي العثور على وظيفة تدريس هنا؟ استفسرتُ.

 

أنتَ مجنون؟ فتاة ريفية مثلي، من أنهوي؟

 

ربما أقدر أن أساعدك. أخرجتُ من محفظتي بطاقة عمل أعطيتها إياها فقبَلتْها على نحو رسمي، بيديها الاثنتين. لديّ بعض الأصدقاء العاملين في شانيان، أبلغتُها. ربما يتمكنون من إيجاد شغل أحسن لك. هل عملتِ سكرتيرة من قبل؟

 

لم تكن منصتة؛ لم تزل تقرأ البطاقة وشفتاها تتحركان في صمت. ها في، فاهت. ذلك اسمك؟

 

يُنطق هارفي.

 

طيب، اسمع يا هارفي، قالت وهي تتحول لتواجهني وذراعاها لا تزالان معقودتين. لن أحرجك وأعطيك بطاقتك أمام أصدقائك لكني لا أود هذا النوع من المساعدة.

 

لكني كنت فقط –

 

أنت أطرش؟ سِبني في حالي!

 

عندما رجعتُ إلى المائدة، كان الأخ الصغير قد تفوه بالفعل بالجملة الأخيرة من نكتته والكل يعج بالضحك وزجاجاتهم تصلصل طالبة دورة أخرى من البيرة. مال سو وونج على أذني.

 

ذوقك أحسن من تلك بكثير، أسر إليّ. لِم تلعب في الزبالة؟ كل ما عليك هو أن تطلب من الأخ الصغير أن يأخذك يوماً ما إلى ’قرية الزوجات الثانيات.‘

 

كل ما قدرتُ على فعله هو أني لم ألتفت لأصفعه على وجهه.

 

 

لا أخالني كنت بمثل ما بدوت عليه أمامها من سذاجة يومذاك. أعلم كيف يتخطى الكثير من الرجال حدودهم خلال ’رحلات العمل‘ وكيف تلبث العديد من الصينيات في شانيان لسنوات، في انتظار السماح لهن بدخول هونج كونج من أجل الانضمام إلى رجال يحسبنهم أزواجهن. لكني لست ممن يربطون بين أوجه الناس وأخبار شاهدوها في نشرة التلفزيون. وما تخيلتُ قط أن أحداً قد يرشقني بمثل تلك النظرة: كحيوان مفترس، كثعبان ماء زلق حسبما يقول سكان هونج كونج. شغَلتْ خاطري عدة أسابيع معيداً حوارنا مراراً وتكراراً لأتساءل لو كان باستطاعتي فعل شيء مختلف.

 

كنتُ على شراعيتي خلال أول اتصال لها. عندما رجعتُ إلى خزانتي وتفقدتُ جهاز النداء الآلي، نمت إليّ رسالة غريبة يرين عليها التشويش: فتاة حانة نيكو ترد، أفضل وقت قبل 20:00، ورقم هاتف في شانيان. وحينما اتصلتُ، بالكاد بلغني صوتها بسبب الموسيقى المدوية وأصوات الطرق العجيبة في الخلفية.

 

أين أنتِ؟

 

لا عليك، أجابت. أرغب في لقائك ثانية. سأكون في ردهة شانجري-لا الساعة الرابعة يوم الجمعة.

 

حسبتُك سترمين البطاقة، بعد ما قلتِه.

 

أظنني ربما كنت مخطئة، أخبرتني. أليس كذلك؟

 

بالتأكيد.

 

لعلمَك، باحت إليّ، أنا لا أنتظر منك أي شيء، ولا يجب عليك أنت الآخر أن تنتظر شيئاً. سوف نبدأ بداية الأنداد.

 

ما الذي ترمين إليه؟

 

سترى، قالت. أراك هناك. ثم أغلقتْ السماعة.

 

 

لم أمض إلى فندق شانجري-لا بهونج كونج سوى مرة واحدة، لحضور مراسم لتوزيع جوائز. لكن وفقاً لذاكرتي عنه، كان فندق شانيان صورة طبق الأصل منه: ثريات ورخام ومرايا كثيرة وسجادة سميكة تكتم صوت خطواتك. تصيبني الفنادق الفخمة بالعصبية. دائماً ما أتحاشاها قدر المستطاع. فدخول واحدة منها يجعلني أشعر وكأن أحدهم سلمني شيئاً هشاً – سلطانية زجاجية أو زهرية عتيقة – دون أن يسمح لي بوضعها في مكان.

 

مكثتْ في انتظاري وهي تحتسي القهوة عند مائدة منخفضة بالردهة. تساءلتُ في قرارة نفسي إذا ما كنتُ سأتعرف عليها ثانية، بدون الملابس، لكن حتى عبر النوافذ الخارجية التقطتُها في الحال. تجمع شعرها في كعكة مشدودة وارتدت سترة ذات لون أخضر غامق؛ حتى بدون مستحضرات التجميل لاحت بشرتها في مثل بياض الطباشير. لم يصدر عنها ما يوحي بانتظارها لأحد. استقرتْ عيناها على الأرضية؛ أدنت الفنجان من شفتيها بيد بطيئة وكأن لديها ساعات للإتيان عليه. ما قابلتُ مطلقاً أي شخص جميل بهذه الطريقة، من الحزم والاتزان وضبط النفس في غاية.

 

تقدمتُ إليها فتبسمتْ بالكاد.

 

آسفة على المكالمة، قالت. كان خطاً رديئاً. لم أستطع التحدث طويلاً.

 

لا بأس. ما إن اتخذتُ مجلسي حتى طلع علينا أحد النُدل. قهوة، طلبتُ. ما تشربه.

 

هل كان مشوارك طويلاً؟

 

لا. شقتي على بعد نصف ساعة فقط من الحدود، في ’تاي وو.‘

 

أومأتْ برأسها إيماءة الأدب. لا فكرة لديها عن مكانها، ورد ببالي. لا تكن جلفاً. أشعر بشيء من الارتباك، كاشفتُها. أنا حتى أجهل اسمك.

 

اسمي بيي مينج، نقلتْ إليّ. إلا أن الجميع يدعونني بلين.

 

كلين في الكتاب، أليس كذلك؟

 

حدجتني بعينين تنمان عن الحيرة وهزت رأسها.

 

لين داي-يو، قلت. مِن كِتاب حُلم الغرفة الحمراء؟

 

لين كانت أختي الأكبر، نطقتْ همساً. ماتت وأنا في الثانية عشرة.

 

حسوت حسوة من القهوة وأجلت النظر في أرجاء الردهة؛ استطعت أن أرى في عدة مرايا عشرة انعكاسات متباينة لرأسينا الاثنين معاً، عن بعد. وكأننا رجل وزوجته أو أخ وأخته أو مدير وسكرتيرته؛ وكأن لدينا سبباً وجيهاً للجلوس إلى نفس المائدة.

 

لم أقصد إحراجك، قلت. ربما يجب علينا التحدث بصراحة. لستُ واثقاً من فهمي لسبب طلبك مني المجيء إلى هنا. هل أردتِ الاستعلام عن وظيفة؟

 

أردتُ أن أتكلم، أفضت إليّ. لم يسبق لي أن قابلت أحداً من هونج كونج – أقصد مجرد شخص عادي. فظننت أنك ربما شخص عادي.

 

ماذا تعنين بـ ’عادي؟‘

 

شخص لا يريد شيئاً.

 

لا أخالني مؤهلاً لذلك التعريف، أخبرتُها. فالكل يريد شيئاً. كل الحكاية هي أني بالصدفة لا آتي إلى الصين بحثاً عنه.

 

حملقتْ إلى وجهي طويلاً لدرجة أني تململت في مقعدي.

 

وماذا تريد؟

 

هززت كتفيّ. نفس ما يريده الجميع على ما أظن، الحظ السعيد، المزيد من الأموال. شقة تطل على الشاطئ. سيارة. صحة سابغة. أسرة لي.

 

لستَ متزوجاً؟

 

وهل يدهشِك ذلك؟ هل أبدو متزوجاً؟

 

لا، نفت. لم أظنك متزوجاً. لكنك لا بد أن تكون متزوجاً لو كنتَ من بلدي.

 

جرى الابتسام على ثغري. أبواي متوفيان، أبلغتُها. لا أحد يقرع بابي طالباً الأحفاد.

 

غضت طرفها إلى يديها. تراءت بشرتها عن قرب رقيقة بل وشفافة تقريباً كورق الأرُز؛ جرت ظلال تنزع إلى الأزرق الشاحب تحت عظمتيّ وجنتيها. ألا تأكل؟ تساءلتُ. أو لا تخرج إلى أشعة الشمس؟

 

إذن كل واحد منا يلم الآن بسر الآخر، قلت ضاحكاً أو حاولتُ الضحك؛ فقد بدا صوتي أقرب إلى السعال. تلك بداية جيدة، أليس كذلك؟ لن نُظهر حماقة تفوق ما أظهرناها حتى الآن.

 

يمكنك أن تنصرف، قالت بسرعة. لو تريد. لا تشعر بأنك ملزم بالبقاء.

 

أبداً أبداً، قلت. لكني أود أن أوجه إليك سؤالاً. لم أردتِ أن نتقابل هنا؟ ألا يوجد مكان أقل في رسمياته؟

 

أنا آتي هنا طوال الوقت، أعلمتني. إنه مكان هادئ، مكان نظيف، وبه كل هذه المقاعد التي نادراً ما يجلس عليها أحد. جميع النُدل يعرفونني – فقد كنتُ أعمل في الحانة الواقعة بالطابق السفلي. ولا يَعبئون لو جلستُ هنا ساعات.

 

يبدو لي موحشاً للغاية.

 

الأمر يتوقف على كيفية نظرتك إليه. أنا أجد به سَكينة.

 

وضعتُ فنجاني وأمعنتُ النظر في وجهها وكأني أتطلع إليه للمرة الأولى. تُوقع كلمة السَكينة، كلمة نينجينج، في نفسي معنى أشد ما يكون تحديداً وخصوصية: تعني صوت البحر، صوت الأمواج وهي ترتطم بالشراعية تحتي، إحساسي وأنا أعبر الخليج في يوم عاصف خال من أية مراكب أخرى، المياه بلون الإردواز، وأنا وحدي تماماً يكللني سقف من الغيوم. لا يُكثر أهالي هونج كونج من استخدام هذه الكلمة، وحين يستخدمونها، يساورك شعور بأنهم لا يفقهون شيئاً مما يتحدثون عنه.

 

أظنك تقضي كل وقت الفراغ في حانات الكاريوكي، قالت.

 

لا، نفيت. ذلك بالضبط ما كان يجول في رأسي. إني أقوم بالعكس تماماً. هل تعلمين ما هو ركوب الأمواج؟ هزت رأسها. سأريكِ، قلت ومددت يدي نحو منديل المائدة. هل معك قلم؟

 

 

وهكذا رسمتُ لها صورة لشراعية وشرحتُ لها قليلاً طريقة ركوبه، كيف تقف وتتشبث بالذراع وتُميل الشراع ليدور، كيف يشعر كتفاك وربلتاك وخلفية رأسك بتغير الرياح. وفي حين كنتُ أتحدث، طفقتْ عيناها تلمعان قليلاً وبدأتْ تطرح الأسئلة. لِم لا تقع؟ ماذا تفعل لو خمدتْ الرياح؟ علت ضحكتها وهزت رأسها ساخطة شأن من لا يصدق إجاباتي تمام التصديق. آنت عند ذاك الخامسة تقريباً، وكان كلانا مضطراً إلى المغادرة؛ سألتني إذا ما أرغب في مقابلتها مرة أخرى فأجبت بنعم، إجابة آلية، ثم طرأ على بالي، هذا أول حدث حصل في حياتي لا يسعني على الإطلاق تفسيره لأي شخص.

 

التقينا طوال الشهر التالي مرة كل أسبوع، في ظهائر السبت، دائماً بشانجري-لا. وفي مرة من المرات تمشينا بعدها في الشارع صوب أحد مطاعم شنغهاي وتناولنا كرات لحم ’رأس الأسد‘ ولحم خنزير شييوكسينج. دائماً ما كنتُ أطلب الفاتورة؛ وفي الخارج – كيلا تتسبب في إحراجي – تدفع لي نصفها، أوراقاً بالية من فئة اثنين يوان بلغتْ من طراوتها أن انسلت من بين أصابعي لترفرف على الرصيف. وعندما جاهرتُ باحتجاجي، تلاشت تجاعيد الضحك من ركنيّ عينيها لتطالعني بابتسامة باردة. لو رغبتَ في رؤيتي، فاهت، سوف تدعني أدفع نصيبي.

 

لكن هذه سخافة، قلت. إنهم حتى لن يأخذوها عند شباك الصرافة، هل تعلمين ذلك؟

 

انحنت لتلتقط النقود وركبتاها مثنيتان إلى جانب ثم دستها في جيب سترتي. احتفظ بها كتذكار، قالت. إنها ليست تافهة بالنسبة لي.

 

ندت عني ضحكة لكني كنت الضاحك الوحيد.

 

 

سوف أكون أول المعترفين بأني لست خبيراً في الحب. صاحبتُ فتيات أخريات قبل لين لكن الحق أني ما صاحبتهن سوى مصادفة وما استمرت علاقاتي قط أكثر من بضعة شهور. سكرتيرة في قسم آخر من الشركة، بعد أن اجتمعنا في إحدى حفلات المكتب. صديقة لأخت سو وونج الصغرى، كانت قد طلبت مساعدتي في بعض المشكلات الحسابية. انتهت كل واحدة من تلك العلاقات بنفس العبارة إنما مع بعض الاختلافات: أنتَ رجل لطيف لكننا لا يجب أن نواصل. ليس هذا هو الحب. وهو صحيح بالطبع: فما داخلني أي إحساس مميَز تجاه أي منهن، ولا حتى أثناء الجنس، ولا حتى خلال لحظة نشوة الجماع. بالنسبة لي كان الأداء بالكامل جسدياً تماماً، عاطلاً من المشاعر الشخصية تماماً حتى إني كنت أحس بالقليل من الإحراج بعدها متمنياً ألا تفعل الفتاة شيئاً سوى أن تغادر. وبعد لقاءات قليلة يصبح هذا الإحراج قوياً قوة تمنعني من مجرد تجاذب أطراف الحديث. وهكذا تنتهي العلاقة، بسرعة وبهدوء، وباعتراض طفيف من كل منا.

 

انصرمت فترة في منتصف عقدي الثالث تساءلتُ فيها إذا ما كنتُ شاذاً أو متجرداً من الإحساس الجنسي، إذا ما كنتُ سأشعر بسعادة أكبر لو صرت أعزب مدى الحياة أو راهباً. بل إني فكرتُ في استشارة طبيب نفسي لأعلم إذا ما كانت هناك حادثة مستترة في الماضي تمنعني من القدرة على الحب. إلا أنني لم أنفذ تلك الفكرة مطلقاً. الحقيقة المحزنة هي أن المسألة لم تزعجني كثيراً. كان عندي أصدقائي؛ وعندي صحتي وقوتي؛ وعندي المحيط والأمواج والريح – الحب العميق الوحيد بحياتي، كما قد تقول. يمكنك القول إني قررت ترك القدر يختار نيابة عني. علّني حسبتُ أني سوف أنتهي بالفعل إلى الزواج والإنجاب، لكن ليس بجهودي الفردية إنما بالقوة.

 

لم يثب إلى خاطري مرة قط خطورة هذا النوع من السلبية. لم أحسب البتة أن الحب سيهبط من السماء في وقت أقل ما أكون توقعاً له، شأنه شأن عاصفة في يوم صاف، وأني سوف أعدم أي خيار خلا الانحناء له ومواجهته، بلا استعداد.

 

 

وخلال كل تلك الفترة لم آت على ذكر لين لأي شخص. فحينما استفسر أصدقاء الملهى عن مكاني أيام السبت، أبلغتْهم بأني مشغول بمشروع إضافي يخص العمل؛ ولو اتصل سو وونج، أدعي أني منهك إنهاكاً يقعدني عن الخروج. لم تكن المسألة مسألة إحراج فحسب. فكل مرة أتخيل فيها إعلاني – إنها في منتهى اللطافة والذكاء، تحمل شهادة جامعية، إنها بحق مُدرسة – تتكور معدتي لتستحيل إلى كرة مشدودة صغيرة. ولو، ترامى إليّ تعليق سو وونج، ماذا ستفعل بعدها، ستعيش في شانيان؟ ليست لديها أية صلاتولا يمكنها الرحيل. هل تظن أن باستطاعتك أن تصير بكل بساطة صينياً؟

 

لا ريب أن ذلك هو السؤال الحقيقي. كانت لين تنظر إليّ نظرتها إلى رجل لطيف يرتدي البذل الرياضية طوال الوقت ويطلق نكتاً ساذجة بمندرينية حافلة بالأخطاء: كل بقية حياتي – أبويّ ومهنتي وأصدقائي – كانوا بالنسبة لها أشبه بالظلال في أحد عروض العرائس المتحركة. بل إني وجدتها أشد تحييراً. اشتغل أبواها مهندسين في مصنع ملابس حكومي يصنع بزات للجيش. وفي إبان الثورة الثقافية بُعثا إلى أقصى الغرب، إلى جانسو، ليعملا في استخراج الحجارة من أحد المقالع؛ وقد وُلدتْ هناك، في كوخ من الطين، بلا مياه جارية. ماذا بوسعي أن أقول عن ذلك؟ كل ما أحيط به عن الثورة الصينية استقيته من الأفلام.

 

في النهاية جئت بالفعل الوحيد الذي دار ببالي: جلبتُ لها المجلد الأول من حُلم الغرفة الحمراء. يروي الكتاب حكاية لين داي-يو، حب البطل الحقيقي، يتيمة جميلة بالغة الرقة محظور عليه الزواج بها بسبب بيئتها الفقيرة المشؤومة. وفي آخر الأمر اقتنع بالزواج بغريمتها لتسقط هي فريسة للمرض وتموت من الحسرة، إلا أن تلك التفاصيل لم تعنني في شيء؛ فالجزء الأول من الرواية يزخر بأحلام البطل عنها وقصائد مكتوبة تكريماً لها. أعطيتها إياه في أحد أيام السبت بشهر مارس، وفي الأسبوع التالي دخلتُ لألفيه مستقراً على المائدة بجانب مرفقها، متجعداً مطوي الزوايا.

 

هل أتممتِه بالفعل؟

 

أتممتُه؟ لاحظتُ أن عينيها منتفختان وكأنها لم تذق النوم ولم تبال بمساحيق التجميل. لقد قرأتُه مرتين. لا أظنني أفهمك.

 

ألم يعجبِك؟

 

هارفي، قالت، إنها يتيمة. تعيش بعيداً عن منشأها وتعلم أنها قد لا ترى الجنوب مرة أخرى. ومن كل جانب يحيق بها أشخاص ذوو غنى فاحش إلا أن المال يعوزها. بم سأشعر في ظنك؟

 

إنها رواية. قلت. ليست مقالة عن المجتمع. إنها قصة حب.

 

دفعتْه عبر المائدة ليسقط على حجري. خلِ رواياتك لنفسك، قالت. حسبي ما عندي من مشاكل.

 

قلَبتُه بين يديّ: زالت قشرة الغلاف الرقيقة وانثنى ظهر الكتاب وتمزق. لين، نبستُ، قولي لي ماذا تريدين؟

 

رمتني بنظرة فيها من الريبة ما فيها. تقصد الآن؟

 

في المستقبل. قولي لي ما هو أكثر شيء تريدينه؟

 

كسَرتْ طرفاً محدقاً إلى يديها.

 

وإلا فأنا لا أعرف لِم يجب عليّ الاستمرار في المجيء إلى هنا، قلت. ما فائدة أحدنا للآخر؟ البادي أنك تظنين أني عاجز عن فهمك، مهما اجتهدتُ في المحاولة.

 

إنها حاجة سخيفة، صارحتْني. سوف تضحك مني.

 

أحضر النادل فنجانيّ القهوة؛ رشفتُ على الفور رشفة أحرقتْ لساني. أكملي، قلت مجفلاً.

 

أريد روضة أطفال. عضت شفتها السفلية وحكتها بأسنانها، لا أن أشتغل في روضة. فقد عملتُ ذلك من قبل. أريد امتلاك روضة خاصة مثلما يفعلون في شنغهاي وبيكين حيث يدفع الآباء. وبهذه الطريقة تستطيع شراء الكافي من البطانيات والأغطية والكراسي لكل تلميذ. يمكنك الرسم والعزف على الآلات الموسيقية وتدريس الإنجليزية. ويمكنك الحصول على طباخ خاص وطعام مقبول. ولن يُسمح بقبول إلا عدد محدد من التلاميذ كل عام.

 

لا سخافة فيما قلتِه، أخبرتُها. وكم تكلفتها؟

 

استردتْ المائدة بصرها فيما ارتفع الاحمرار من عنقها.

 

إنها مستحيلة. لن يسمحوا لي بتغيير إقامتي، وسوف أضطر إلى شراء رخصة تدريس جديدة – لو حتى وافقوا على بيعها لي.

 

هل أنت متأكدة من ذلك؟ رغبتُ في سؤالها غير أن شيئاً عقد لساني – ما ظهر على كتفيها من ترهل وما لاح على وجنتيها من بقع ساطعة. شكراً، قلت. أنا سعيد لأنك أفضيت إليّ بذلك.

 

لماذا؟

 

لأني لا أريد أن أتركك.

 

غضّنتْ حاجبيها؛ حسبتُ لحظة أنها لم تفهمني.

 

لا ينبغي أن نتحدث هكذا. أنت لا تعرف ما تقوله.

 

أظننا لا بد أن نتحدث، قلت. لا أظننا نستطيع أن نواصل طويلاً بهذه الطريقة.

 

أنت غير مستوعب، فاهت. لا توجد طريقة أخرى. لا توجد خيارات.

 

ربما ينبغي أن نذهب إلى مكان آخر لنتكلم على انفراد.

 

أنا مقيمة في مبنى للطالبات، أعلمتني. مبني لا يحوي سوى النساء. لو رآني أي شخص معك، سيطردونني في ثانية.

 

ربما يجب إذن أن –

 

نمضي إلى غرفة في فندق؟

 

لا أريد أن أكون سوقياً، قلت. لا رغبة لي سوى في قضاء المزيد من الوقت معك.

 

ثمة أماكن، لفظتْ وشفتاها تنضغطان لتصنع خطاً. لكنك لا بد أن تدفع بالساعة، وأحياناً لا يغسلون الملاءات بين الساعات.

 

حسناً. سأقضي إذاً الليلة في فندق وسنخرج معاً صباحاً لتناول أطباق ’ديم سوم.‘

 

هزت رأسها. خذ بالك، قالت. المسألة ليست عدم رغبة من جانبي، لكن في شانيان لو تصرفتْ الواحدة كالعاهرة، ستكون عاهرة. وأنا لن أفعل ذلك، ولا حتى ثانية واحدة.

 

لستِ مضطرة، قلت محكماً قبضتيّ تحت المائدة. لن يصل الأمر إلى هذه الدرجة.