مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم جيس رو بالموافقة على نشر قصتيّ "بحيرة الفردوس" و"القطار المتجه إلى لو وو" في مجلة البوتقة.

Mr. Row was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Heaven Lake" and "The Train to Lo Wu" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Row a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

القطار المتجه إلى لو وو

بحيرة الفردوس

جيس رو

تقديم: هالة صلاح الدين

http://www.jessrow.com/

 

 

القطار المتجه إلى لو وو

 

 

 

متى تستدعي ذاكرتي لين، أفكر في السيارات الأجرة. فقد أمضينا وقتاً طويلاً جالسين في مؤخرة واحدة منها، في مكان ما بمدينة شانيان – نسرع مبتعدين عن المحطة العابرة للحدود أو عائدين إليها. أتذكر أننا كنا نتقابل دوماً أثناء أصباح مشرقة تتدفق شمسها من النوافذ المتربة؛ أو في ساعة متأخرة من الليل وجسدانا مخططان بألوان مصابيح نيون تجتاز رؤوسنا. جلس كل منا على الجانب المقابل من المقعد، يدانا مطويتان كما الأخ والأخت؛ لم تدعني أنطق بكلمة أو حتى ألمس رجلها. لو تناهت إلى أذن السائق لهجتي المندرينية البشعة، أفضت إليّ، سوف يقف هو وأصدقاؤه على هويتها بالضبط: فتاة ريفية أخرى تتجول بائعة نفسها لرجل من هونج كونج في مقابل أموال سهلة.

 

سمعتُ لكلامها، بالطبع. لذا خالجتني كل الدهشة في المرة الوحيدة التي خرقت فيها قاعدتها. كنا قد انعطفنا للتو عند فندق كورودا؛ على بعد خمس دقائق من لو وو، الحد العابر إلى هونج كونج، عندما التفتت إليّ لتقول، إن لم أتصل بك هذا الأسبوع، ماذا ستفعل؟

 

سوف أتصل بكِ طبعاً. لِم تسألين؟

 

لا. لا أعني ذلك. ماذا لو لم أتصل بك أبداً مرة أخرى؟

 

كانت قد وضعت صباحها درجة جديدة من أحمر شفاه اشتريته لها؛ بان في مقابل بشرتها كما الدماء الطازجة. أوقع في جسدي رجفة.

 

إذن سأجيء وأعثر عليكِ. بطريقة أو بأخرى.

 

لكنك لن تستطيع، أردفت. إن لم تتصل بي أبداً، بمقدوري أن أجد رقم هاتفك بدليل هونج كونج. بمقدوري أن أجد عائلتك ومحل عملك. لكن ماذا بوسعك فعله؟ الصين كبيرة زيادة من اللازم. لو اختفيتُ، تلك هي النهاية. سوف تبتلعني الصين.

 

كانت على صواب فيما يخص السائق؛ إذ أدار رأسه نحونا وهو يقود ليُحسن الإنصات، وحينما وصلنا إلى إشارة مرور، التفت ورماني بابتسامة عريضة لا تبرأ من شهوانية. وددت أن أصب عليه الشتائم لكني لا أعرف شتائم إلا باللهجة الكانتونية، وهو لن يفهمها.

 

لين، ماذا تريدين أن تسمعي مني؟ سألتُها. أنتِ على حق ولا شك. لو أردتِ الاختفاء، فبوسعك الاختفاء. عندك القدرة عليه بطريقة أو بأخرى.

 

اتسعت عيناها وكأن إجابتي أغضبتها فجأة. مِن أين لكَ بذلك اليقين؟ لفظتْ. مِن أين لكَ بتلك الثقة؟

 

تاهت مني الكلمات. كنا نتوقف وراء صف طويل من سيارات أجرة تقف إزاء المحطة؛ عج الشارع بأناس يهرولون في اتجاه المدخل. استشعرت حكة في ساقيّ. سأراكِ الأسبوع المقبل، أردت أن أقول لكني عرفت، بدون رغبة في المعرفة، أن لا أهمية للكلمات. استدار السائق في مقعده وترددت عيناه بين وجهي ووجهها متلهفاً على سماع الجملة الأخير. أخرجتُ لفة نقود من فئة مائة يوان وأعطيته أقذرها.

 

عندما تَركب القطار، قالت، تشعر وكأنك في حلم، أليس كذلك؟ وكأن لا شيء من هذا وقع حقاً. ذلك شعور جيد. ينبغي أن تحافظ عليه. فأحياناً ما تتكرر الأحلام وأحياناً ما تمتنع.

 

لين، قلت، ذلك أسخف –

 

فتحتْ الباب وأسرعتْ بخطى واسعة لتشق طريقها وسط الزحام شأنها شأن سمكة تكافح ضد التيار.

 

 

لولا ’الأخ الصغير،‘ ما كنتُ لأفكر في الصين على الإطلاق. أقطن في منطقة ’نيو تيريتوريز،‘ ليس ببعيد عن الحدود. يقطع القطار إلى لو وو محطة أَركب منها يومياً بيد أني لم أفكر مرة في أخذ القطار إلى هناك. لا أقارب لي في الصين – إذ عاشت خمسة أجيال من أسرتي في هونج كونج – ولا يحلو لي السفر. فما خامرني قط ذلك النوع من الفضول. وأخالني لا أزال أَذكر قصصاً حكاها أصدقاء والديّ عن الشيوعيين والحرب العالمية الثانية – قصصاً أنزلتْ بي الكوابيس في الطفولة. صفوف من الجثث ورُضع خزقتهم الحراب. بإمكانك القول أني اعتبرت الصين مكاناً لا يوجد سوى في الماضي، لكنه ماض لا يخصني، ذكرى ليست من ذكرياتي.

 

الحق أن حياتي في منتهى البساطة. توفى أبواي منذ سنوات خلت عندما كنتُ في الكلية؛ لم ينجبا غيري، وقد خلفا لي مجموعة من أسهم العقارات وشقتهما بمنطقة ’تاي وو.‘ أتولى خلال النهار حسابات شركة لتجارة النفط بمنطقة ’كواي هينج،‘ وفي الظهيرة، كل ظهيرة، أستقل الحافلة إلى ملهى ’شيك أو سيلبورد‘ في أقصى الطرف الجنوبي الشرقي من جزيرة هونج كونج. لو حدث في أي وقت من الأوقات أن رَكبتَ المعدية أو قمتَ برحلة حول الجزيرة في إحدى السفن الشراعية صينية الطراز، ربما أبصرتَني في الأفق وأنا أقطع سبيلك: شكلاً صغيراً مظلماً يتصل بشراع مثلث يعمه الضياء، يندفع عبر الأمواج اندفاع الحصاة من المقلاع. هذا هو خليج ’بيج وويف‘ حيث تُقبل الأعاصير الاستوائية إلى الشاطئ، حيث تَسجل ذات يوم الرقم القياسي العالمي للسرعة. يدلعني الناس باسم ’فيي يو،‘ أي السمكة الطائرة، وهو اسم تدليع في محله. فيومان خارج المياه عمر طويل بالنسبة إليّ.

 

سوف تستلزم العملية ساعتين من الزمان، صرح الأخ الصغير في ليلة من ليالي الجمعة بالحجرة الخلفية من حانة ’شا تين.‘ تعبر الحدود، تغير بعض النقود، تَركب سيارة أجرة، تستلم بعض الصناديق ثم ترجع إلى بيتك. ما أسهلها مهمة!

 

رمقناه بعيون تمتلئ شكاً. الأخ الصغير هو أصغر خمسة أصدقاء صاحبتُهم منذ المدرسة الابتدائية – الأخوة الخمسة كما نطلق على أنفسنا – ومثلما يليق بأخ صغير بجد، كان هو الأجمح. صبغ شعره باللون الذهبي وطفق يسابق الدراجات البخارية بسباق ’فورم ثري‘ وهو في الرابعة عشرة ليس إلا. يمتلك الآن محل تصليح بمنطقة ’مونج كوك‘ ويصطحب جدته للعب مكعبات ’ماه جونج‘ كل أحد.

 

ماذا يوجد في الصناديق؟ سأله سو وونج.

 

قطع غيار. قطع غيار هوندا.

 

مسروقة؟

 

وكيف لي أن أعرف؟ كل ما سمعتُه هو أنها هناك بنصف الثمن الذي أدفعه مقابل تلك القادمة من اليابان.

 

لماذا تحتاج إلينا نحن الخمسة؟ سألتُه.

 

مَن العالِم بما سيجري، باح إليّ. إنها شانيان، أليس كذلك؟ كما أني فكرت في استكشاف المنطقة قليلاً، بما أننا هناك. أنتَ عارف، سكان هونج كونج يعيشون كالملوك في الصين. الأفضل من كل شيء. ندت عن عينيه غمزة.

 

تولاني التردد: ما راقني إنفاق ظهيرة أحد آحاد إبريل بهذه الطريقة. لكن كيف بمقدوري أن أرد له طلباً لو أراد معونتي؟ بدت المسألة غاية في السهولة – كل ما توجب عليّ فعله هو إحضار جواز السفر.

 

لم يكن أحد منا نحن الخمسة متزوجاً. كان ينبغي ذكر تلك المعلومة.

 

 

حين تجتاز قدماك معبر الحدود ووجهتك شانيان، يتراءى الهواء في البداية حافلاً بالغبار لكن الحقيقة هي أن التلوث يضفي على الضوء قدراً من عدم الصفاء حتى في أشد الأيام صحواً. يلوح كل شيء أكبر من المعتاد: أرصفة عريضة شاغرة وشوارع تتألف من ست حارات ومحطة قطار تمتد عبر أربعة صفوف من المباني وناطحات سحاب تتواري قممها في السديم. بل إن بزات رجال الشرطة تبدو منتفخة فضفاضة وكأنهم أطفال يرتدون ملابس آبائهم أثناء اللعب. ومن كل جانب تحيط بك أشياء للبيع – منتجات نايكي وسترات نورث فيث وساعات تيسو وأفلام جديدة على أقراص فيديو مضغوطة – وفقط عندما تدنو منها تستطيع أن تبصر علامات مقشرة نُسخت برداءة وسوستاً تتدلى طليقة وصوراً ضبابية على العلب. ولو أطلت الوقوف في أي مكان، سيدفعك شخص من الخلف ثم يقذفك بعدة مقاطع فظة ستتعرف عليها، إنما بالكاد. درَستُ المندرينية في المدرسة وأجيد التحدث بها غير أني لا زلت أستحضر دائماً قول أمي المعتاد، إنها لا تستطيع البتة أن تثق بأحد يفكرها صوته بصرير قارض، بفأر واقع في شرك.

 

أول مرة ركِبتُ فيها سيارة أجرة، لم أُبعد وجهي لحظة عن النافذة متجاهلاً المحادثة ومحاولاً استيعاب كل ما وقعتْ عليه عيناي. مبان مشيدة من قرميد أبيض – تلك النوعية المستخدمة في الحمامات – تعترضه نوافذ ذات زجاج تشوبه زرقة؛ امرأة في زي جندي تَركب دراجة على حين تتمايل ابنتها تمايلاً خطراً على قضيب الدراجة؛ رجل ببذلة لا تلائم حجمه وحذاء من الجلد بدون رباط يجرف الفحم في سلة من أماليد مجدولة. يقف الأخ الصغير على الرصيف، يدخن السيجارة تلو السيجارة ويجادل مع صاحب المحل بكانتونية متكسرة. لم تنفعه في شيء: بيعت كل قطع الغيار بالفعل. أتذكر أني رنوت إلى ساعتي لأكتشف أن أربع ساعات فاتت بالفعل. خطر ببالي أن مع عودتنا إلى الحدود سوف يرين علينا شعور بأن الوقت لم يمر البتة.

 

اسمعوا، أعلن الأخ الصغير في إحدى اللحظات. دعونا لا نحكم على تلك الرحلة بالفشل الذريع. سآخذكم يا جماعة إلى ملهى نيكو. إنه في فندق راديسون – يمكننا أن نمشي إلى الحدود من هناك.

 

فيه راديسون هنا؟

 

طبعاً، أجاب نافد الصبر. هذه شانيان. إن لديهم كل شيء.

 

 

ألِفتُ بعدها أن أغيظ لين لمظهرها عند لقائنا لأول مرة: كانت تلبس تنورة فوق الركبة تجمع بين الأبيض والأزرق الفاتح وجزمة ترتفع حتى ركبتيها وقبعة بيرة لاوينبراو، أي إعلان بشحم ولحم. كانت فتاة من فتيان الحانات تنقض على الموائد قبل وصول النادلة لتوزع المجاني من الولاعات وحلقات الأكواب وتعْرض بيرة لاوينبراو "بسعر استثنائي،" وقد كانت بشعة في عملها. عاب صوتها علو النبرة وصر بقدر من العصبية كما شوه نغمات الكانتونية؛ دفعتْها ضحكات الزبائن إلى الوثوب من المائدة إلى الأخرى ككرة لعبة البينبول. كان الأخ الصغير يسرد قصة طويلة عن أول مرة زار فيها حلبة سباق مدينة جوانججو لينتهي بي الأمر إلى أن فقدت خيوط القصة وأسندت ظهري عن المائدة. كنا وقتئذ في ساعة متأخرة من الليل ولم يدلف إلى الحانة زبائن جدد؛ كانت تقف قبالة الحائط الخلفي بالقرب من باب الحمام، وحتى عبْر تلك الغرفة المعتمة تبينتُ وجنتيها المتقدتين.

 

أنا ذاهب إلى الحمام، قلت وأنا أحط البيرة. خبط سو وونج الجالس جواري على ظهري. وبينما كنتُ أمر وجّهتُ إليها لمحة فأشاحت بوجهها؛ سالت خطوط الماسكرا من ركنيّ عينيها.

 

هاك، خذي هذه، قلت على بغتة بعد أن أخرجتُ علبة كلينيكس من سترتي وأقحمتُها أمام وجهها. قبَلتْها بلا كلمة واحدة. دخلتُ الحمام واستعملتُ المرحاض ثم غسلتُ يديّ مراراً. سنحت مني نظرة إلى المرآة فألفيت وجهي متورداً.

 

شكراً، نبستْ بمجرد أن فتحتُ الباب ثم أرجعتْ علبة المناديل إليّ. تلطخ حيث مسحتْ حول عينيها باللون الكحلي فتبدت أشبه بالباندا. أنا أفضل الآن. كله تمام.

 

إنها ليست غلطتكِ، لفظتُ بلسان مرتبك محاولاً تذكر الكلمات بالمندرينية. إنها ليست لغتك. جربي في المرة القادمة العمل في حانة لا تضم هذا العدد من سكان هونج كونج.

 

سكان هونج كونج يدفعون بقشيشاً.

 

لا بد أن آي الحيرة تراءت عليّ لأنها ضحكت في وجهي بصوت جاف. آه، قالت، أنتَ بحق واحد منهم، أليس كذلك؟ ألم تزر الصين من قبل قط؟

 

أبداً.

 

حسناً، دعني أنبئك بشيء لا علم لك به. أحمل شهادة جامعية ولن تضبطني أعمل في حانة عند الحثالة. الربح هنا وفير.

 

ما هي شهادتك؟

 

التعليم الابتدائي.

 

عقدتْ ذراعيها وصرَفتْ وجهها عني ثم أخذت تصوب إليّ لمحات جانبية. إنها في انتظار ضحكاتي، أدركتُ. زممت شفتيّ وأومأتُ برأسي وكأن ما جاهرتْ به هو أكثر الأشياء طبيعية على الإطلاق. ولم تستطيعي العثور على وظيفة تدريس هنا؟ استفسرتُ.

 

أنتَ مجنون؟ فتاة ريفية مثلي، من أنهوي؟

 

ربما أقدر أن أساعدك. أخرجتُ من محفظتي بطاقة عمل أعطيتها إياها فقبَلتْها على نحو رسمي، بيديها الاثنتين. لديّ بضعة أصدقاء يعملون في شانيان، أبلغتُها. ربما يتمكنون من إيجاد شغل أحسن لك. هل عملتِ سكرتيرة من قبل؟

 

لم تكن منصتة؛ لم تزل تقرأ البطاقة وشفتاها تتحركان في صمت. ها في، فاهت. ذلك اسمك؟

 

نطقه هارفي.

 

طيب، اسمع يا هارفي، قالت وهي تتحول لتواجهني وذراعاها لا تزالان معقودتين. لن أحرجك وأعطيك بطاقتك أمام أصدقائك لكني لا أود هذا النوع من المساعدة.

 

لكني كنت فقط –

 

أنتَ أطرش؟ سِبني في حالي!

 

عندما رجعتُ إلى المائدة، كان الأخ الصغير قد نطق بالفعل بالعبارة الأخيرة من نكتته والكل يعج بالضحك وزجاجاتهم تصلصل طالبة دورة أخرى من البيرة. مال سو وونج على أذني.

 

ذوقك أحسن من تلك بكثير، أسر إليّ. لِم تلعب في الزبالة؟ كل ما عليك هو أن تطلب من الأخ الصغير أن يأخذك يوماً ما إلى ’قرية الزوجات الثانيات.‘

 

كل ما قدرتُ على فعله هو ألا ألتفت لصفعه على وجهه.

 

 

لا أخالني كنت بمثل ما بدوت عليه أمامها من سذاجة يومذاك. أعلم كيف يتخطى الكثير من الرجال حدودهم خلال ’رحلات العمل،‘ وكيف تلبث العديد من الصينيات في شانيان لسنوات في انتظار السماح لهن بدخول هونج كونج للانضمام إلى رجال يحسبنهم أزواجهن. لكني لست ممن يربطون بين وجوه الناس وأخبار شاهدوها في نشرة التلفزيون. وما تخيلتُ قط أن أحداً قد يرشقني بمثل تلك النظرة: كحيوان مفترس، كثعبان ماء زلق حسبما يقول سكان هونج كونج. شغَلتْ خاطري عدة أسابيع معيداً حوارنا مراراً وتكراراً لأتساءل لو كان باستطاعتي فعل شيء مختلف.

 

كنتُ على شراعيتي خلال أول اتصال منها. عندما رجعتُ إلى خزانتي وتفقدتُ جهاز النداء الآلي، نمت إليّ رسالة غريبة مشوَشة: فتاة حانة نيكو ترد، أفضل وقت قبل 20:00، ورقم هاتف في شانيان. وحينما اتصلتُ، بالكاد بلغني صوتها من جراء الموسيقى المدوية وأصوات الطرق العجيبة في الخلفية.

 

أين أنتِ؟

                       

لا عليكَ، أجابت. أرغب في لقائك ثانية. سأكون في ردهة شانجري-لا الساعة الرابعة يوم الجمعة.

 

حسبتُك سترمين البطاقة، بعد ما قلتِه.

 

أظنني ربما كنت مخطئة، أخبرتني. أليس كذلك؟

 

بالتأكيد.

 

لعلمكَ، باحت إليّ، أنا لا أنتظر منك أي شيء، ولا يجب عليك أنت الآخر أن تنتظر شيئاً. سوف نبدأ بداية الأنداد.

 

ما الذي ترمين إليه؟

 

سترى، قالت. أراكَ هناك. ثم أغلقتْ السماعة.

 

 

لم أمض إلى فندق شانجري-لا بهونج كونج سوى مرة واحدة لحضور مراسم لتوزيع جوائز. لكن وفقاً لذاكرتي عنه، كان فندق شانيان صورة طبق الأصل منه: ثريات ورخام ومرايا كثيرة وسجادة سميكة تكتم صوت خطواتك. تصيبني الفنادق الفخمة بالعصبية. دائماً ما أتحاشاها قدر المستطاع. فدخول واحدة منها يجعلني أشعر وكأن أحدهم سلمني شيئاً هشاً – سلطانية زجاجية أو زهرية عتيقة – دون أن يسمح لي بوضعها في مكان.

 

مكثتْ في انتظاري وهي تحتسي القهوة عند مائدة منخفضة بالردهة. تساءلتُ في قرارة نفسي إذا ما كنتُ سأتعرف عليها ثانية، بدون الملابس، لكني التقطتُها في الحال حتى من خلال النوافذ الخارجية. تجمع شعرها في كعكة مشدودة وارتدت سترة ذات لون أخضر غامق؛ لاحت بشرتها في مثل بياض الطباشير حتى بدون مستحضرات التجميل. لم يصدر عنها ما يدل على انتظارها لأحد. استقرتْ عيناها على الأرضية؛ أدنت الفنجان من شفتيها بيد بطيئة وكأن لديها ساعات للإتيان عليه. ما قابلتُ مطلقاً أي شخص جميل بهذه الطريقة، من الحزم والاتزان وضبط النفس في غاية.

 

تقدمتُ إليها فتبسمتْ بالكاد.

 

آسفة على المكالمة، اعتذرتْ. كان الخط رديئاً. لم أستطع التحدث طويلاً.

 

لا بأس. ما إن اتخذتُ مجلسي حتى طلع علينا أحد النُدل. قهوة، طلبتُ. ما تشربه.

 

هل كان مشوارك طويلاً؟

 

لا. شقتي على بعد نصف ساعة فقط من الحدود، في ’تاي وو.‘

 

أومأتْ برأسها إيماءة الأدب. لا فكرة لديها عن مكانها، ورد ببالي. لا تكن جلفاً. أشعر بشيء من الارتباك، كاشفتُها. أنا حتى أجهل اسمك.

 

اسمي بيي مينج، نقلتْ إليّ. إلا أن الجميع يدعونني بلين.

 

كلين في الكتاب، أليس كذلك؟

 

حدجتني بعينين تنمان عن الحيرة وهزت رأسها.

 

لين داي-يو، قلت. مِن كِتاب حُلم الغرفة الحمراء؟

 

لين كانت أختي الكبرى، فاهت همساً. ماتت وأنا في الثانية عشرة.

 

حسوت حسوة من القهوة وأجَلت النظر في أرجاء الردهة؛ استطعت أن أرى عشرة انعكاسات متباينة لرأسينا الاثنين معاً في عدة مرايا، عن بعد. وكأننا رجل وزوجته أو أخ وأخته أو مدير وسكرتيرته؛ وكأن لدينا سبباً وجيهاً للجلوس إلى نفس المائدة.

 

لم أقصد إحراجك، قلت. ربما يجب علينا التحدث بصراحة. لستُ واثقاً من فهمي لسبب طلبك مني المجيء إلى هنا. هل أردتِ أن تستعلمي عن وظيفة؟

 

أردتُ أن أتكلم، أفضت إليّ. لم يسبق لي أن قابلت أحداً من هونج كونج – أقصد مجرد شخص عادي. فظننت أنك ربما شخص عادي.

 

ماذا تعنين بـ ’عادي؟‘

 

شخص لا يريد شيئاً.

 

لا أخالني مؤهلاً لذلك التعريف، أخبرتُها. فالكل يريد شيئاً. كل الحكاية هي أني بالصدفة لا آتي إلى الصين بحثاً عنه.

 

حملقتْ إلى وجهي طويلاً حتى إني تململت في مقعدي.

 

وماذا تريد؟

 

هززت كتفيّ. نفس ما يريده الجميع على ما أظن، الحظ السعيد، المزيد من الأموال. شقة تطل على الشاطئ. سيارة. صحة سابغة. أسرة لي.

 

لستَ متزوجاً؟

 

وهل يدهشكِ ذلك؟ هل أبدو متزوجاً؟

 

لا، نفت. لم أظنك متزوجاً. لكنك لا بد أن تكون متزوجاً لو كنتَ قادماً من بلدتي.

 

جرى الابتسام على ثغري. أبواي متوفيان، أبلغتُها. لا أحد يقرع بابي طالباً الأحفاد.

 

غضت طرفها إلى يديها. تراءت بشرتها عن قرب رقيقة بل وتقريباً شفافة كورق الأرُز؛ جرت ظلال تنزع إلى الأزرق الشاحب تحت عظمتيّ وجنتيها. ألا تأكل؟ تساءلتُ. أو لا تخرج إلى أشعة الشمس؟

 

إذن فكل واحد منا يلم الآن بسر الآخر، قلت ضاحكاً أو حاولتُ الضحك؛ فقد بدا صوتي أقرب إلى السعال. تلك بداية جيدة، أليس كذلك؟ لن نُظهر حماقة تفُوق ما أظهرناه حتى الآن.

 

يمكنك الانصراف، قالت بسرعة. لو تريد. لا تشعر بأنك ملزَم بالبقاء.

               

أبداً أبداً، قلت. لكني أود أن أسألكِ سؤالاً. لم أردتِ أن نتقابل هنا؟ ألا يوجد مكان أقل في رسمياته؟

 

أنا آتي هنا طوال الوقت، أعلمتني. إنه مكان هادئ، مكان نظيف، وبه كل هذه المقاعد التي نادراً ما يجلس عليها أحد. جميع النُدل يعرفونني – إذ كنتُ أعمل في الحانة الواقعة بالطابق السفلي. وهم لا يَعبئون لو جلستُ هنا ساعات.

 

يبدو لي موحشاً للغاية.

 

الأمر يتوقف على كيفية نظرتك إليه. أنا أجد به سَكينة.

 

وضعتُ فنجاني وأمعنتُ النظر في وجهها وكأني أتطلع إليه للمرة الأولى. تُوقع كلمة السَكينة، كلمة نينجينج، في نفسي معنى أشد ما يكون تحديداً وخصوصية: تعني صوت البحر، صوت الأمواج وهي ترتطم بالشراعية تحتي، إحساسي وأنا أعبر الخليج في يوم عاصف خال من أية مراكب أخرى، المياه بلون الإردواز، وأنا وحدي تماماً يكللني سقف من الغيوم. لا يُكثر أهالي هونج كونج من استخدام هذه الكلمة، وحين يستخدمونها، يساورك شعور بأنهم لا يفقهون شيئاً مما يتحدثون عنه.

 

أظنك تقضي كل وقت الفراغ في حانات الكاريوكي، قالت.

 

لا، نفيت. ذلك بالضبط ما كان يجول في رأسي. إني أقوم بالعكس تماماً. هل تعلمين ما هو ركوب الأمواج؟ هزت رأسها. سأريكِ، قلت ومددت يدي نحو منديل المائدة. هل معكِ قلم؟

 

 

وهكذا رسمتُ لها صورة لشراعية وشرحتُ لها قليلاً طريقة ركوبها، كيف تقف وتتشبث بالذراع وتُميل الشراع ليدور، كيف يشعر كتفاك وربلتاك وخلفية رأسك بتغير الرياح. وفي حين كنتُ أتحدث، طفقتْ عيناها تلمعان قليلاً وبدأتْ تطرح الأسئلة. لِم لا تقع؟ ماذا تفعل لو خمدتْ الرياح؟ علت ضحكتها وهزت رأسها ساخطة شأن مَن لا يصدق إجاباتي تمام التصديق. آنت عند ذاك الخامسة تقريباً، وكان كلانا مضطراً إلى المغادرة؛ سألتني إذا ما أرغب في مقابلتها مرة أخرى فأجبت بنعم على نحو آلي، ثم طرأ على بالي أن هذا هو أول شيء يحصل في حياتي دون أن يسعني على الإطلاق تفسيره لأي شخص.

 

التقينا طوال الشهر التالي مرة كل أسبوع، في آصال الأسْبُت، دائماً بشانجري-لا. وفي مرة من المرات تمشينا بعدها في الشارع صوب أحد مطاعم شنغهاي وتناولنا كرات لحم ’رأس الأسد‘ ولحم خنزير شييوكسينج. دائماً ما كنتُ أطلب الفاتورة؛ وفي الخارج – كيلا تتسبب في إحراجي – تدفع لي نصفها بأوراق بالية من فئة اثنين يوان بلغتْ طراوتها حداً انسلت معه من بين أصابعي لترفرف على الرصيف. وعندما جاهرتُ باحتجاجي، تلاشت تجاعيد الضحك من ركنيّ عينيها لتطالعني بابتسامة باردة. لو رغبتَ في رؤيتي، قالت، ستدعني أدفع نصيبي.

 

لكن هذه سخافة، قلت. إنهم حتى لن يأخذوها عند شباك الصرافة، هل تعلمين ذلك؟

 

انحنت لتلتقط النقود وركبتاها مثنيتان إلى جانب ثم دستها في جيب سترتي. احتفظ بها كتذكار، قالت. إنها ليست تافهة بالنسبة إلىّ.

 

ندت عني ضحكة لكني كنت الضاحك الوحيد.

 

 

سوف أكون أول المعترفين بأني لست خبيراً في الحب. صاحبتُ فتيات أخريات قبل لين لكن الحق أني ما صاحبتهن إلا مصادفة، وما استمرت علاقاتي قط أكثر من بضعة شهور. سكرتيرة في قسم آخر من الشركة بعد أن اجتمعنا في إحدى حفلات المكتب. صديقة لأخت سو وونج الصغرى التي طلبت مساعدتي في بعض المشكلات الحسابية. انتهت كل واحدة من تلك العلاقات بنفس العبارة إنما مع بعض الاختلافات: أنتَ رجل لطيف لكننا لا يجب أن نواصل. ليس هذا هو الحب. كلام صحيح طبعاً: فما داخلني أي إحساس مميَز تجاه أي منهن، ولا حتى أثناء الجنس، ولا حتى خلال لحظة نشوة الجماع. بالنسبة إليّ كان الأداء بالكامل جسدياً كلية، عاطلاً من المشاعر الشخصية كلية لدرجة أني كنت أحس بعدها بالقليل من الإحراج متمنياً ألا تفعل الفتاة شيئاً سوى أن تغادر. وبعد لقاءات قليلة يتفاقم هذا الإحراج بما يمنعني من مجرد تجاذب أطراف الحديث. وهكذا تنتهي العلاقة، بسرعة وبهدوء، وباعتراض طفيف من كل منا.

 

انصرمت فترة في منتصف عقدي الثالث تساءلتُ فيها إذا ما كنتُ شاذاً أو متجرداً من الإحساس الجنسي، إذا ما كنتُ سأشعر بسعادة أكبر لو صرتُ أعزب مدى الحياة أو راهباً. بل إني فكرتُ في استشارة طبيب نفسي لأعلم إذا ما كانت هناك حادثة مستترة في الماضي تمنعني من القدرة على الحب. إلا أنني لم أنفذ تلك الفكرة مطلقاً. الحقيقة المحزنة هي أن المسألة لم تزعجني كثيراً. كان عندي أصدقائي؛ وعندي صحتي وقوتي؛ وعندي المحيط والأمواج والريح – الحب العميق الوحيد بحياتي، كما قد تقول. يمكنك القول إني قررت ترك القدر يختار نيابة عني. ربما حسبتُ أني سوف أنتهي بالفعل إلى الزواج والإنجاب، لكن ليس بجهودي الفردية إنما بالقوة.

 

لم يثب إلى خاطري مرة قط خطورة هذا النوع من السلبية. لم أحسب البتة أن الحب سيهبط من السماء في وقت أقل ما أكون توقعاً له، شأنه شأن عاصفة خلال يوم صاف، وأني سوف أعدم أي خيار خلا الانحناء له ومواجهته، بلا استعداد.

 

 

لم آت على ذكر لين لأي شخص خلال كل تلك الفترة. فحينما استفسر أصدقاء الملهى عن مكاني أيام السبت، أبلغتْهم بأني مشغول بمشروع إضافي يخص العمل؛ ولو اتصل سو وونج، أدعي بأني منهك إنهاكاً يقعدني عن الخروج. لم تكن المسألة مسألة إحراج فحسب. فكل مرة أتخيل فيها إعلاني – إنها في منتهى اللطافة والذكاء، تحمل شهادة جامعية، إنها بحق مُدرسة – تتكور معدتي لتستحيل إلى كرة مشدودة صغيرة. ولو، ترامى إليّ تعليق سو وونج، ماذا ستفعل بعدها، ستعيش في شانيان؟ ليست لديها أية صلات، ولا يمكنها الرحيل. هل تظن أن باستطاعتك أن تصير بكل بساطة صينياً؟

 

لا ريب أن ذلك هو السؤال الحقيقي. كانت لين تنظر إليّ نظرتها إلى رجل لطيف يرتدي البذل الرياضية طوال الوقت ويطلق نكتاً ساذجة بمندرينية حافلة بالأخطاء: كل بقية حياتي – أبويّ ومهنتي وأصدقائي – كانت بالنسبة إليها أشبه بالظلال في عرض للعرائس المتحركة. بل إني وجدتها أشد تحييراً. اشتغل أبواها مهندسين في مصنع ملابس حكومي يصنع بزات الجيش. بُعثا في إبان الثورة الثقافية إلى أقصى الغرب، إلى جانسو، ليعملا في استخراج الحجارة من أحد المقالع؛ وقد وُلدتْ هناك، في كوخ من الطين، بلا مياه جارية. ماذا بوسعي أن أقول عن ذلك؟ كل ما أحيط به عن الثورة الصينية استقيته من الأفلام.

 

جئت في النهاية بالفعل الوحيد الذي دار ببالي: جلبتُ لها المجلد الأول من حُلم الغرفة الحمراء. يروي الكتاب حكاية لين داي-يو، حب البطل الحقيقي، يتيمة جميلة بالغة الرقة محظور عليه الزواج بها لبيئتها الفقيرة المشؤومة. وفي آخر الأمر اقتنع بالزواج بغريمتها لتسقط هي فريسة للمرض وتموت من الحسرة، إلا أن تلك التفاصيل لم تعنِني في شيء؛ فالجزء الأول من الرواية يزخر بأحلام البطل عنها وقصائد مكتوبة تكريماً لها. أعطيتُها إياه في أحد أيام السبت من شهر مارس، وفي الأسبوع التالي دخلتُ لألفيه مستقراً على المائدة بجانب مرفقها، متجعداً مطوي الزوايا.

 

هل أتممتِه بالفعل؟

 

أتممتُه؟ لاحظتُ أن عينيها منتفختان وكأنها لم تذق النوم ولم تبال بمساحيق التجميل. لقد قرأتُه مرتين. لا أظنني أفهمك.

 

ألم يعجبكِ؟

 

هارفي، قالت، إنها يتيمة. تعيش بعيداً عن منشأها وتعلم أنها قد لا ترى الجنوب مرة أخرى. ومن كل جانب يحيق بها أشخاص ذوو غنى فاحش إلا أن المال يعوزها. بم سأشعر في ظنك؟

 

إنها رواية. قلت. ليست مقالة عن المجتمع. إنها قصة حب.

 

دفعتْه عبر المائدة ليسقط على حجري. خلِ رواياتك لنفسك، قالت. حسبي ما عندي من مشاكل.

 

قلَبتُه بين يديّ: زالت قشرة الغلاف الرقيقة وانثنى ظهر الكتاب وتمزق. لين، نبستُ، قولي لي ماذا تريدين؟

 

رمتني بنظرة فيها من الريبة ما فيها. تقصد الآن؟

 

في المستقبل. قولي لي ما هو أكثر شيء تريدينه؟

 

كسَرتْ طرفاً محدقاً إلى يديها.

 

وإلا فأنا لا أعرف لِم يجب عليّ الاستمرار في المجيء إلى هنا، قلت. ما فائدة أحدنا للآخر؟ البادي أنك تظنين أني عاجز عن فهمك، مهما اجتهدتُ في المحاولة.

 

إنها حاجة سخيفة، صارحتْني. سوف تضحك مني.

 

أحضر النادل فنجانيّ القهوة؛ رشفتُ على الفور رشفة أحرقتْ لساني. أكملي، قلت والألم يتراءى على وجهي.

 

أريد روضة أطفال. عضت شفتها السفلية وحكتها بأسنانها. لا أن أشتغل في روضة، فقد عملتُ ذلك من قبل. أريد امتلاك روضة خاصة مثلما يفعلون في شنغهاي وبكين حيث يدفع الآباء. وبهذه الطريقة تستطيع شراء الكافي من البطانيات والأغطية والكراسي لكل تلميذ. يمكنك الرسم والعزف على الآلات الموسيقية وتدريس الإنجليزية. ويمكنك الحصول على طباخ خاص وطعام لائق. ولن يُسمح بقبول إلا عدد محدد من التلاميذ كل عام.

 

لا سخافة فيما قلتِه، أخبرتُها. وكم تكلفتها؟

 

استردتْ المائدة بصرها فيما تصاعد الاحمرار من عنقها.

 

إنها مستحيلة. لن يسمحوا لي بتغيير إقامتي، وسوف أضطر إلى شراء رخصة تدريس جديدة – لو حتى وافقوا على بيعها لي.

 

هل أنتِ متأكدة من ذلك؟ رغبتُ أن أسألها لكن شيئاً عقد لساني – ما ظهر على كتفيها من ترهل وما لاح على وجنتيها من بقع ساطعة. شكراً، قلت. أنا سعيد لأنك أفضيت إليّ بذلك.

 

لماذا؟

 

لأني لا أريد أن أتركك.

 

غضّنتْ حاجبيها؛ حسبتُ للحظة أنها لم تفهمني.

 

لا ينبغي أن نتحدث هكذا. أنتَ لا تدرك ما تقوله.

 

أظننا لا بد أن نتحدث، قلت. لا أحسبنا نستطيع أن نواصل طويلاً بهذه الطريقة.

 

أنتَ غير مستوعب، فاهت. لا توجد طريقة أخرى. لا توجد خيارات.

 

ربما ينبغي أن نذهب إلى مكان آخر لنتكلم على انفراد.

 

أنا مقيمة في مبنى للطالبات، أعلمتني. مبني لا يحوي سوى النساء. لو رآني أي شخص معك، سيطردونني في ثانية.

 

ربما يجب إذن أن –

 

نمضي إلى غرفة في فندق؟

 

لا أريد أن أكون سوقياً، قلت. لا رغبة لي سوى في قضاء المزيد من الوقت معك.

 

ثمة أماكن، لفظتْ وشفتاها تنضغطان لتصنعا خطاً. لكنك لا بد أن تدفع بالساعة، وأحياناً لا يغسلون الملاءات بين الساعات.

 

حسناً. سأقضي إذاً الليلة في فندق وسنخرج معاً صباحاً لتناول أطباق ’ديم سوم.‘

 

هزت رأسها. خذ بالك، قالت. المسألة ليست عدم رغبة من جانبي، لكن لو تصرفتْ الواحدة كالعاهرة في شانيان، ستكون عاهرة. وأنا لن أفعل ذلك، ولا حتى لثانية واحدة.

 

لستِ مضطرة، قلت محكماً قبضتيّ تحت المائدة. لن يصل الأمر إلى هذه الدرجة.

 

 

استغرق العثور على حل أسبوعين. حينما صارحتُ الأخ الصغير بما أريده، أغرق في الضحك حتى إني أبعدت الهاتف عن أذني وصحت به ليهدأ ويلتزم الجِد. فات يومان ثم بعث لي بالفاكس قائمة شقق في شانيان يمكن تأجيرها بالليلة أو بالأسبوع أو بالشهر، بدون المجاهرة بأسماء وبدون طرح أسئلة.

 

أليس عندك أي أصدقاء بشانيان؟ سألتُه في اليوم التالي. أنا أبحث عن – عن ترتيب شخصي أكثر.

 

ما معني هذا الكلام؟

 

لا أريد أن أدفع، أبلغتُه. ليس بصورة مباشرة. ربما تستطيع أن تمنحه هدية ثم أعوضك عنها. لكني لا أريد أن أضطر إلى دفع الأموال مباشرة. لقد قطعتُ وعداً.

 

أنت إنسان غريب، قال. ما نوعية هذه الفتاة؟

 

إنها صاحبة مبادئ.

 

وأنت تتصرف من وراء ظهرها؟

 

لا توجد وسيلة أخرى. لستُ راضياً عن سلوكي.

 

أياً كان ما تريده أيتها السمكة الطائرة، قال. كل ذلك الماء المالح نفذ في النهاية إلى رأسك. سوف أعثر لك على مكان.

 

عندما أنبأتُ لين بهذا الترتيب، ابتدأتْ بالرفض. لقد فاتكَ القصد، نبستْ. قلتُ لكَ من قبل. لو دفعتَ ثمن هذا، فلتدفع إذن ثمن كل شيء. لن يتملكني أحد، أفاهم؟

 

لن أدفع أي حاجة لأي أحد، نقلتُ إليها. هناك شخص يقَدم لي خدمة. لا يتضمن الموضوع أي أموال.

 

لكنه يخصك. إنه صديقك. أنتَ قادر على القبول أو الرفض.

 

قرري أنتِ إذن، قلت. سأكون هناك يوم السبت. تعالي أو لا تجيئين.

 

 

وهكذا انتهيت إلى المكوث بالشقة القائمة في ’نانهاي لو.‘ كانت تستقر في عمارة حديثة مطلية باللون الأبيض عند نهاية رقعة ضيقة من أرض نتأت في خليج شانيان. شغَلتْ بقية الرقعة منشآت فندقية حديثة هجرها بناة لم يخلفوا سوى أسس أسمنتية وشوك معدنية صدئة بارزة في السماء. احتلّت الشقة الطابق الرابع، وواجهتْ نوافذ غرفة النوم المياه؛ انقضَت أوقات استيقظتُ فيها هناك لأتفرس إلى الخليج دون أن تعي ذاكرتي أين أنا.

 

كانت لين تأتي أحياناً في آصال السبت لتنصرف في الأمسيات متوجهة إلى عملها بلا عودة؛ لكنها كانت تلبث فترة وجيزة يوم السبت وطوال الأحد في أغلب عطلات الأسبوع. تعاملتُ معها بما أمكنني من بطء: تفرجنا على الأفلام في مشغل أقراص الفيديو المضغوطة، ولعبنا لعبتيّ ’خمن الأصابع‘ و’جو،‘ واستمعنا إلى ما فضلناه من أقراص مضغوطة، شوبان وفاي وونج وكيني جي. علمتني كيف أطبخ بالبخار سمكة كاملة بصلصة النبيذ الحلو؛ وطبختُ لها معكرونة بفخذ خنزير مقدد وشاي باللبن.

 

يبدو ما سأقوله سخيفاً – وبالأخص الآن – لكني أعتبر تلك الأيام من أسعد أيام حياتي. عندما انغلق الباب، تحولتْ لين إلى شخص آخر. كانت تستحم طويلاً لتمتلئ الشقة بالبخار ثم تخرج من الحمام حافية القدمين مرتدية بذلة رياضية ماركة بولو اشتريتها لها من الحدود. اشتملت غرفة المعيشة بالشقة على طقم من أريكتين يكسوهما البلاستيك؛ راقها أن تتمدد مغمضة العينين على واحدة منهما وتسند رجليها على الأخرى. هذا المكان يُفكرني بمسقط رأسي، باحت إليّ. غرفة لتمدد جسمك فيها. لا أحد يرصدك طوال الوقت.

 

اخلعي البلاستيك، قلت لها مرة. صاحبة البيت لن تمانع. من المفروض أن ننزعه.

 

لا مانع عندي من البلاستيك، ضربتْ الوسادة تأكيداً. إنه نظيف. لا يبتل ولا يتعفن.

 

لكنه غير مريح، رجلاك تلتصقان به.

 

لا تقلق، نطقتْ بصوت خفيض يقترب من الهمس. في سبيلها إلى الوسن كما يحدث في الغالب؛ كانت في بعض الآحاد تقَيل ساعتين في منتصف الصباح. أنتَ عارف يا هارفي، نطقتْ وصوتها يتهدج بالنعاس، أنتَ طيب زيادة عن اللزوم. طيبتك خسارة في هذا العالم. يجب أن تتحلى بالمزيد من التعقل.

 

لستُ بهذه الطيبة مع كل الناس، قلت. معكِ أنت فقط.

 

ذلك قصدي. لستُ شخصية رائعة. أنا لا أستحقها.

 

لا أصدقك.

 

هل تعرف كيف أتيتُ إلى شانيان؟ جلستْ وهي تمسح فمها بكمها وتطوي ساقيها تحتها. هل أخبرتُك بهذه القصة من قبل؟

 

لا.

 

دفعتُ رشوة لمفوض مرور في جانجو كي أنال تصريحاً بالإقامة، كاشفتني. أراد علبتين من سجائر مارلبورو وزجاجة ويسكي سانتوري. جئتُ بسجائر مقلدة من شخص عرفتُه أيام الكلية. كان الويسكي صعب المنال. اضطررت إلى التحويش ستة شهور لإحضار زجاجة واحدة صغيرة.

 

إنه نظام ظالم. لِم يجب أن تشعري بالذنب بسببه؟

 

ليس بسببه، نفت. كان رجلاً ضخم البنية ممتلئ الجسم، عارف، ممتلئ امتلاء لدرجة أنه قعد خلف مكتبه بشق الأنفس. بدا رأسه كالبالون، مستدير استدارة تامة. وكان لديه شارب نبَت بلون أسود من جانب واحد. لمّا أعطيتُه السجائر، فتح العلبة الكرتون وراح يدخن الواحدة بعد الأخرى في نفس الوقت الذي كان يملأ فيه استمارتي. ترك بصمات زيتية عليها بالكامل. ثم سمعتُ بعد أسبوعين أن أزمة قلبية ألمت به. سقط على مكتبه بلا مقدمات. وحين ورد الخبر إليّ، ما كان مني سوى أن ضحكت. لقد ارتسم في مخيلتي بكل وضوح. كان يمص تلك السجائر مصاً حتى ظننتُه قد يقع مغشياً عليه وأنا هناك.

 

ارتفعتْ قهقهاتها قليلاً وغطت فمها لكن ليس بما يحول دون أن أبصر ابتسامتها العريضة. شفتَ؟ قالت. هل أستأهل طيبتك يا هارفي؟ رجل مات وكل ما يبدر مني هو الضحك.

 

لين، قلت، أنا لا ألومك. لو كنتُ في مكانك، لراودتني نفس المشاعر.

 

لكنك لم تكن في مكاني، قالت. أنتَ لم تضطر قط إلى الإتيان بمثل هذا الفعل. لِم تتعاطف معي؟ لَم أقدر أبداً على استيعاب ذلك. لستُ مميَزة كل هذا التمييز. لِم تجبر نفسك على خوض كل هذا العناء؟

 

ربما لأنكِ لا تريدين ذلك مني، قلت. قصدتُ مزاحاً من وراء هذه الكلمات لكن بمجرد أن خرجتْ من فمي، اكتشفتُ أنها الحقيقة. لقد ابتليتِ في حياتك بتعاسة لا حد لها، قلت. لا ألومكِ على شكك فيّ. لكني راغب في الفهم. ألا يُعد هذا شيئاً؟

 

هزت رأسها. ليس بمقدوركَ، أخبرتني. لا جدوى من المحاولة. إنها سادية. أنتَ تعلم ذلك، أليس كذلك؟

 

مريني بالرحيل لو تلك رغبتك، قلت. عراني الغضب فجأة؛ جف كل الدفء من وجهها في لحظة وكأن إرادتها هي الفاعلة. لسنا مختلفين تماماً كما تخالين، تابعتُ. أبواي ميتان. وقد اختبرتُ معنى أن أصحو دون أن أعرف إذا ما كنتُ أفضل الموت على الحياة. لا تقولي لي إني لم أعان لمجرد أن لدى أموالاً.

 

ابق، قالت. رفعتْ يديها وأومأتْ إليّ بالاقتراب منها. جلستُ على الأريكة فمالت عليّ لتعتمد برأس حذر على كتفي. كفانا كلام، قالت. الكلام يُفكرني بأني لا بد أن أغادر.

 

لكننا سنصبح بدونه غريبين.

 

نحن غريبان على أية حال، توقعتُ منها هذه الجملة. حطت يدها على مرفقي وكأنها تمنعني من الحركة. وخلال دقائق معدودة سمعتُ أنفاسها البطيئة المنتظمة لأفطن إلى أنها نائمة.

 

 

كل مرة تجيء فيها أُقبلها مرة واحدة فقط، قبل لحظات من مغادرتها، وبمرور الأسابيع طالت القبلات أكثر وأكثر إلى أن أسقطتْ حقيبة ملابس العمل ووقفتْ في المدخل وذراعاها حول كتفيّ والدموع تنبثق من عينيها.

 

لستِ مرغمة على الانصراف، أنهيت إليها. قولي لهم إنك مريضة.

 

المفترض أني أوفر أموالاً، قالت. وبدلاً من ذلك أصرفها. إن لم أذهب، سيفصلونني فوراً. في شانيان لا ينال المرء فرصاً ثانية.

 

يمكنكِ العثور على حاجة أحسن، قلت. إنك تصرفين كل ما تكسبينه في سيارات الأجرة. هذا غير منطقي يا لين.

 

لقد قلتُ لكَ. حذرتُك من الفشل.

 

خليني أساعدك إذن.

 

ضغطتْ بإصبعها على شفتيّ.

 

حياتي بالنسبة إليك تافه، همستْ. فرقعة إصبعين. أنا التراب الذي تنفضه عن حذائك.

 

هل تظنين أن ذلك ما قصدتُه؟

 

هزت رأسها. لستَ مضطراً إلى أن تقصده. إنه الواقع فحسب.

 

 

حل يونيه. كنتُ أخرج بعد انصرافها في الأمسيات لأتمشى بحذاء سور بحري أسمنتي يشرف على الخليج، لأشاهد الشمس وهي تذوب عبر طبقات من السديم. تخثرتْ المياه هناك بفعل قاذورات البالوعات وبطون الأسماك اللامعة؛ ورغماً عني تخيلتُ نفسي أجدف عبرها فوق الشراعية، فاستولت عليّ رجفة غثيان واشمئزاز. لا عدل في ذلك، حدّثتُ نفسي. إن الزبالة لا تفارق الشاطئ أمامشيك أو.‘ التفتُ شرقاً ليرتقي بصري إلى الأفق أو القليل مما استطعت رؤيته منه عبر الضباب والدخان: خليط لا انتظام فيه من القمم والاسطوانات العالية وصفوف الأبراج الزجاجية المتلألئة، بعضها نسخ من مبان في هونج كونج والبعض الآخر قد يكون نسخاً من مبان في مناطق أخرى من العالم. لماذا تتراءى شانيان غريبة بهذا الشكل؟ تساءلتُ. لِم تبدو كالسراب وكأني قد أؤوب إليها في الأسبوع التالي لأجدها غائبة؟

 

نمنا معاً للمرة الأولى ليلة 1 يوليو، في الذكرى الأولى لتسليم السلطة وعودة هونج كونج إلى الصين. مددنا أبصارنا من ’نانهاي لو‘ إلى الألعاب النارية فوق قلب شانيان التجاري وجسر ’تسينج ما‘ بهونج كونج. تفرجنا في القنوات الفضائية على الحشود الصغيرة وهي تتجمع في ميدان ستاتيو، تُلوح بعَلم هونج كونج الجديد – عَلم تزينه الزهرة الأرجوانية، البوهينيا. النكتة، كما قلت لها، هي أنها زهرة هجين عقيم. لا تنتج بذوراً. لكنها لم تضحك. عدِم وجهها الحركة والتأثر أمام نور الشاشة الخافق؛ لا شيء فعلتُه حملها على الابتسام.

 

آسفة، قالت. أنا فقط متعبة.

 

أنتِ في حاجة إلى البحث عن وظيفة أخرى، وظيفة بالنهار. هذا العمل ليس بالمناسب لكِ.

 

لا أفهم بم يحتفلون، أعلنتْ وهي تومئ إلى الشاشة. ألم تكن سنة فظيعة؟ ماذا عن انهيار سوق الأسهم؟

 

إذن فهم يحتفلون بالمستقبل. ستتحسن الأحوال.

 

المستقبل، نبستْ. يا للترف.

 

أغلقتُ التلفزيون ثم جلسنا مسترخيين على الأريكة والظلام يلفنا.

 

آسفة. لمستْ ركبتي. أنا حاسة أني سممتك.

 

لا بد أن ننسى كل هذا، قلت. ألا يمكننا أن نتصرف على طبيعتنا، مرة واحدة؟

 

مدت يدها لتضغط على يدي، بقوة. وهو ما أريده، قالت. حاول أن تُنسيني.

 

وعندما انتهينا، طوت نفسها قبالتي، رخوة كجثة جرفها المد.

 

 

عندي فكرة، أطلعتُها في الصباح التالي وأنا أُحضر لها فنجاناً من الشاي في السرير. أريدك أن تنصتي إليّ حتى أفرغ. هل ستستمعين؟

 

أومأتْ وهي تزيح الخُصل عن عينيها.

 

كنتُ أقرأ بعض المقالات عن الهجرة، فاتحتُها. كلانا يعلم أن لا وسيلة لوضعك في مقدمة القائمة لهونج كونج، والقانون لا يسمح لي بتغيير إقامتي إلى البر الرئيسي – حتى لو أردتِ مني ذلك؟ لكن لا مانع يمنعنا من الهجرة إلى دولة ثالثة في نفس الوقت.

 

لكن –

 

رفعتُ يدي. أمامنا خياران، قلتُ. كندا واستراليا. والاثنتان مكلفتان. عليّ بيع استثمارات والديّ. والأرجح أننا سنضطر إلى الانتظار سنتين أو ثلاث حتى تحصلي على التأشيرة. لكن ذلك كل ما في الأمر – ثلاث سنوات على أكثر تقدير. بإمكانكِ أن تؤسسي روضة صينية في تورونتو أو فانكوفر أو سيدني. لن يشق عليكِ – أستطيع معاونتك.

 

سوف تفعل ذلك؟ تترك هونج كونج إلى الأبد؟

 

ليس بالضرورة إلى الأبد. حالما تصبحين مواطنة في دولة أخرى، بمقدورنا الرجوع إلى هونج كونج لو وددنا. سوف نحتفظ بشقتي ونؤجرها.

 

احتست الشاي في جرعة واحدة ثم وضعتْ الفنجان. لقد تدبرتَ الموضوع من كل جوانبه، علّقتْ، أليس كذلك.

 

المسألة ليست عويصة إلى هذا الحد. فالناس يفعلونها طوال الوقت.

 

بالطبع، فاهت. الناس يشترون الزوجات طوال الوقت.

 

احتقنتْ عيناها بالدماء وتلطخ أنفها بمسحة من أحمر الشفاه. شعرتُ بعدم القدرة على احتمال عنادها دقيقة أخرى. بدا متعمداً بل ومصطنعاً، أحسست بالغضب يتنامى داخل صدري، وإطار من العرق الساخن يحف بشفتيّ.

 

ليست بقية العالم كشانيان، أخبرتُها. لستِ مضطرة إلى رؤية المسألة هكذا. لسنا مضطرين إلى رؤية المسألة هكذا. ما إن ترحلين عن الصين، ستجدين كل شيء مختلفاً.

 

أرسلتْ صيحة خفيضة كقطة داس أحدهم على قدمها ثم مدت يدها وصفعتني على وجهي. لا تخبرني عن بقية العالم! صرختْ. لا تخبرني بما تستطيع صنعه من أجلي. أهذا هو الحب؟ انتقلتْ إلى الجانب الآخر من السرير ثم وقفتْ لتلف الملاءة حولها. كفاية، قالت. أُوشك على الإفلاس، ولا بد أن أترك غرفتي.

 

لَم تخبريني بذلك من قبل.

 

سأتخلص من هاتفي المحمول، أعلمتني، وسأترك شغلي.

 

وماذا ستفعلين؟

 

لا تسألني ذلك السؤال.

 

لين، قلتُ، ألا أستأهل رداً؟

 

انصرفتْ إلى النافذة مغطية وجهها بيديها فيما تهدلت الملاءة حول كاحليها. لازم أن تنساني، لفظتْ بصوت أجش كتمتْه راحتاها. أنا حذرتُك. ما كان يجب أبداً أن تتوقع مني شيئاً.

 

لا أصدقك، قلت. أنا عارف ما تريدينه. ما عليكِ سوى أن تتشجعي وترغبي فيه بما يكفي.

 

تناولتْ ركناً من الملاءة وأعادت لفها حول صدرها. تمخطتْ بأصابعها كما يفعل الفلاحون. القضية ليست قضية شجاعة، قالت. أنتَ لا تزال غير مستوعب.

 

طرفتْ عيناي مرة، مرتين؛ لاحت الغرفة وكأنها تنثني من حولي كأحد انعكاسات تلك المرايا المضحكة بمتنزه أوشن بارك. لين، قلت، لا يهم مَن يمتلك النقود ومَن تنقصه. لو كنتُ في مكانك –

 

لو كنتُ أعيش في هونج كونج، ما كنتَ لتلتفت إليّ قط، قالت معْرضة عن النافذة. ما كنتَ لتنظر إليّ مرتين. أليس ذلك صحيحاً؟

 

لا، نفيت، بيد أني شعرت بثِقل يتدلى داخل صدري كمن ابتلع حجراً. لا مراء من صدق قولها. رأيت نفسي مرة أخرى في الزاوية الخلفية المعتمة لملهى نيكو وأنا أعطيها علبة مناديل وبطاقة عمل – متى كنتُ لأفعل ذلك خلال حياتي العادية مع غريبة؟ هذا لا يهم، أردت أن أقول لها. كيف له أن يكون بهذه الأهمية؟ لكن أبت الكلمات أن تتشكل على لساني. أبصرتُ وجهي مثلما ولا شك أبصرتْه: حاجبيّ مائلين بما يوحي بالهم، فمي يؤلف المقاطع ببطء شأن المتحدث إلى طفل. لم أقصد أن تخرج الكلمات بتلك الطريقة، حدّثتُ نفسي. لكن كيف تسنى لها سماعها بطريقة أخرى؟

 

إن الشفقة ليست حباً، لفظتْ بصوت انخفض ليستحيل إلى همس. إنه لا ينقلب حباً. ربما ظننتُه ممكناً لكني كنت مخطئة. آسفة لو كنتُ خدعتك.

 

غير معقول أن تكون هذه هي النهاية، قلت بنبرة واهنة. جلستُ على حافة الفراش مثبتاً جسمي بيديّ؛ بدت الأرضية وكأنها تنهار بعيداً عني، تتقوس لتمسي غوراً بين موجتين. حسبتُ للحظة أني سأتقيأ. أنتِ ترتكبين غلطة فادحة، رغبتُ أن أهتف بها. ستندمين عليها طيلة عمرك. لكن لم يخف عليّ رد فعلها. لقد ارتكبتُ تلك الغلطة بالفعل.

 

أظنكِ تكذبين عليّ، صرختُ فيها فجأة. بل إني لم أكن واعياً لكلماتي؛ ما أحسست سوى بكتفيّ ينطبقان معاً كمن يتوقع انهيار السقف على رأسه. لستِ عاطلة عن العمل، أليس كذلك؟ الأمر وما فيه هو أنكِ سأمت مني وتريدين رجلاً آخر. حجة ملائمة، أليست كذلك؟

 

استدارت إليّ بعينين شاخصتين وسرت في جسمها رعشة تشي بالإقرار وكأني أكدت معلومة لم تغمض عليها قط. أنا ذاهبة إلى بلدي، نقلتْ إليّ. راجعة إلى أنهوي. ربما أحصل على وظيفة، والأرجح أني لن أحصل عليها. لا أبالي لو أُرغمتُ على أكل الأرُز من حفرة في الأرض. على الأقل لن أكون واحدة من هؤلاء النسوة اللاتي يجلسن في فيلا في انتظار رجل، مثلهن مثل دمية بزنبرك. قد أتجنن لكن ليس على هذا النحو.

 

 

استقللنا معاً سيارة أجرة من ’نانهاي لو‘ إلى المدينة. وعند زاوية أحد الشوارع، بعيداً عن الحدود ببضعة صفوف فقط من المباني، أمرتْ السائق بالتوقف لتخرج مسرعة دون أن تند عنها كلمة. أنتِ! صاح السائق. الأجرة!

 

لا بأس، قلت. سأدفع لنا نحن الاثنين.

 

وبينما كنتُ أسير صوب محطة الحدود، بدأتْ السحب في الانقشاع وتوهجتْ الأرصفة تحت الشمس الساطعة. وبعد عشرين دقيقة، حين ترك القطار المحطة في جانب هونج كونج، اتكأتُ بجبهتي على زجاج النافذة البارد وأرخيت جفنيّ. عرفتُ بالضبط كيف أريد أن أتذكرها: جالسة على الأريكة ذات البلاستيك، قدماها تستندان عالياً، شعرها لا يزال مبلولاً من الدش، ضاحكة من كوميديا رومانسية تافهة في التلفزيون. جاهدتُ لتثبيت الصورة في ذهني لكن صعُب عليّ بالفعل استدعاء التفاصيل: كيف حركتْ يديها؟ كيف بدا صوتها وهي تنطق باسمي؟

 

لو اختفيتُ، تلك هي النهاية، قالت. سوف تبتلعني الصين.

 

وفي النهاية استسلمتُ وفتحتُ عينيّ.

 

عندما تستقل القطار وتتجه جنوباً من الحدود إلى هونج كونج، بعد أن تَعبر بلدة ’شونج شو‘ الصغيرة، سوف يترامى الريف وادياً خصباً، غابة منخفضة تنتشر فيها مزارع صغيرة تتسلق جوانب تلال منحدرة باعتدال. إنه وادي فانلينج. خلال كل رحلاتي بمحاذاة ذلك المكان لم أشاهد قط ما أجتازه: مائة درجة من لون أخضر ظهر صارخاً عميقاً حتى إنه أذى عينيّ. قرأتُ مرة أن الإنجليز من الحكام والقضاة امتلكوا في أيام الاحتلال ضياعاً هائلة في فانلينج. كانوا يلعبون لعبة يطلقون فيها ثعلباً ثم يطاردونه بالأحصنة وفريق من الكلاب. كان لا بد من استيراد جميع الحيوانات من إنجلترا – حتى الثعلب! لكنهم وجدوها تستحق لأنها نفس اللعبة التي لعبوها في وطنهم بإنجلترا، وقد راموا أن ينسوا مدة الصباح أنهم هنا بدلاً من هناك. سألتُ نفسي عن إحساس المرء وهو يمتطي حصاناً عبر تلك المناظر الطبيعية الخلابة، خضراء خضرة تؤذي عينيك. وتساءلتُ إذا ما أبطأ أحد هؤلاء الإنجليز حصانه هنيهة واستنشق الهواء شاعراً في تلك اللحظة بأنه ينتمي إلى هنا، إلى الجانب الآخر من العالم، الجانب الآخر من مكان مولده. رفعتُ رأسي عن النافذة فتبددتْ وجوه الرُكاب الآخرين وكأني أرنو إليهم من تحت الماء؛ ثم همستُ لنفسي، السَكينة، السَكينة، السَكينة.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.