مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت مارلين كريسل بالموافقة على نشر قصة "الخطر المحْدق" في مجلة البوتقة.

Ms. Krysl was so generous to permit the publication of the Arabic text of “The Thing Around Them” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Krysl a great debt of gratitude for her kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

الخطر المحْدق

مارلين كريسل

تقديم: هالة صلاح الدين

http://www.marilynkrysl.com

 

 

 

 

جرجروا الصبي خلف السيارة العسكرية فما كان من فاسوكي إلا أن أعطت ناديسان النقود كي يبتاع التذكرة. عندما قصدت أخاها وقد دست النقود في الساري، لم تكن تتحدث لغة الدول الكبرى ولم تعرف أحداً ارتحل إلى هناك. كانت على دراية بأن القوى الأجنبية قد احتلت الجزيرة في فترة من الفترات بيد أنها لم تكن متأكدة أي القوى كانت أو متى حل ذلك. لبث البرتغاليون ريثما طردهم الهولنديون؛ طرد الهولنديين البريطانيون؛ منح البريطانيون الجزيرة استقلالها حين أُرغم التاج البريطاني من قِبل مستعمراته الأخرى – كانت هذه حقائق لم ينبئها بها أحد من قبل. وحتى لو أطلعها أحد المدرسين على هذه الأحداث أو لو التقطت أذناها سياسياً ينوه بها أثناء حملته الانتخابية للفوز بمقعد بالبرلمان، فلم تبد حقائق ذات بال. ما وعته ذاكرتها عن الدول الكبرى هو أنها بلغت قدراً من الرخاء جعل حتى فقراءها القلائل يحيون في سعة. تعايش الناس في سلام وجالوا شوارع المدن والطرق الرابطة بين البلدان دون أن يعتمل الخوف في نفوسهم. كانت قد راقبت وجه ابنها في نفس تلك الظهيرة، رأت أساريره تتطلق عندما أعطته بعض الحبوب ليطعم الدجاج. انطوت نفسها على سرور مبعثه سرور ابنها ثم تأملت حال الصبي المرمي خلف السيارة العسكرية.

كانت فاسوكي تعرف أم الصبي. كانت عيناها قد وقعت على هذا الصبي ويداه تقبضان على مضرب كريكيت بملعب المدرسة مع الصبيان الآخرين الأكبر منه سناً. بعدها في الجنازة دنت فاسوكي من أم هذا الصبي ولمست يدها التي شابهت الورقة في رقتها. استشعرت فاسوكي النداوة الدالة على الحياة في يد الأم الأخرى، وخلال تلك اللحظات تجلت لفاسوكي هويتها: هي أم مانيكا وأم بونياه. رُزقت فتاة وصبياً في طريقه إلى بلوغ نفس سن ذلك التلميذ. صبي ذو عينين خجولتين وابتسامة كالوميض الخاطف الذي يبزغ عند انطلاق ببغاء من مجثمه وسط أوراق الموز – إلا أن الجنود قد أصروا على أن هذا الصبي جاسوس للمتمردين.

تخايل المشهد إزاء عينيها في غلالة من الضباب وقد تذبذبت تخومه مثلما تومض ذكريات الطفولة وتعدم الحدود. كان علي أم الصبي أن تراقب الجنود. طرحوا ابنها أرضاً وربطوا قدماً من قدميه بالرفرف الخلفي لسيارتهم العسكرية، قدم واحدة مربوطة من عند الكاحل. ثم صعدوا إلى السيارة وقادوها صارخين بتلك اللغة التي غمضت على الجميع.

 

عندما أعملت فاسوكي فكرها في طفولتها، ما استحضرت سوى صورة نفسها داخل جسم كروي رطب يتلألأ، داخل كُرة من الهواء الأخضر. كان جسدها ذاته عبارة عن كُرة صغيرة، رقيقة وممتلئة ومنفتحة، تندمج مع الهواء وأوراق النباتات ومياه البحيرة والأجسام الأخرى، تتحرك معها في الضوء الأخضر، الهواء. كان والداها قد هزهزاها أغلب حياتهما كما تهزهز المياه القارب، وكان الحال كما لو أنهم جميعاً وكل ما اكتنفهم يمثلون جسد حيوان واحد ينزلق من الضفة إلى الماء ليتحرك مع ارتطام أمواج البحيرة التي تحركت مع البحر وتيارات الهواء الأضخم.

ركضت فاسوكي وسري ذهاباً وإياباً مع أخوتهما وسط ذلك الضوء الأخضر. كان ناديسان الابن الثاني. كان يلعب دور المهرج فيما بينهم، إذ كان يستشعر المضحِك في الكبار ويحاكيه. أحياناً ما كان يقلد فاسوكي بطبيعتها الحالمة الخاشية، فتلقي عليه بحفنات من الرمال. كان يعدو ويطأطأ رأسه ويحتج. يغطي رأسه بيديه في ألم مصطنع حتى ينتهي بها الأمر إلى أن تضحك هي الأخرى ملء فيها.

أحبت ناديسان لمرحه. أما سينياه، أخوها الأكبر، فقد أحست وكأنها طفلته المدللة. تناهى إليها صوته وهو ينادي اسمها: فاسوكي! فجعلت طبقة صوته العالية اسمها يبدو وكأنه مصنوع من ذهب. كان يضطلع بالمسؤولية فيخطط للرحلات إلى ظلال أشجار البونسيانة ويأمرهم بأن يضعوا الطعام بأوراق الموز وترامس المدرسة. عندما كانت فاسوكي وسري تتشاجران، كان يتدخل لتهدئتهما. "لا تشدي شعر أختك. كونا لطيفتين مع بعضكما." علّمهما أسماء الطيور وخصائص زهرة الألاري. لهما أن تجمعا الزهور الصفراء لكن لا يجب أن تلمسا قط البذور السامة.

كانت تشاهد سينياه وهو منحن على كتبه في تركيز اقترن بالحماسة. طمأنهم بأنه سوف يرعاهم جميعاً عندما يطعن والداهم في السن. "سوف أعثر لكما على زوجين وسيمين،" قال لأختيه. "سأعمل كي يصبح مهراكما كبيراً."

تم إرساء قواعد واضحة بالمدرسة، هناك لغة واحدة. لم تكن فاسوكي تفطن أن هذه اللغة ليست لغة أغلبية سكان الجزيرة. فقد تصورت أنها اللغة العالمية التي يتحدث بها الناس في كل مكان وظلت على تصورها إلى أن نصَب الجيش مركزاً لقيادته بالبلدة. لقد وفد الجيش ليحمي الناس من المتمردين مثلما قال والداها. وعلى أنّ الجنود تخاطبوا بلغة ناء على الجميع فهمها، فقد وصفهم العمدة بأنهم ودودون. الواقع أن أم فاسوكي وأباها لم يبصرا الجنود وإن شاهد سينياه مؤخرة شاحنة تنعطف بإحدى الزوايا. شاحنة واحدة على متنها يقف العديد من الرجال المتلاصقين يرتدون زياً لونه أخضر داكن ويمسك كلٌ ببندقيته. جري ناديسان مع أصدقائه إلى ملعب الكريكت الذي صادره الجنود. لاحقهم بعينيه وهم يتقدمون في تشكيلات. أم كان هذا تمريناً رآه بالتليفزيون بمحل الإلكترونيات؟ لم يكونوا مصدقين دوماً لحكاوي ناديسان. إلا أنه حينما قلد تدريب العساكر وحركاتهم الفجائية الميكانيكية، حتى أمهم وأبوهم أغرقا في الضحك.

امتد النور الأزرق في الأمسيات وأمسى الهواء عليلاً فيما غاص الأزرق في الأسود. كان أبوهم قد جذب سري للتو في ذلك المساء وأجلسها على حجره لاثماً خدها. ضحكت سري بابتهاج مَن أحست في تلك اللحظة بأنها محور حنانه اليقظ. تضوعت رائحة الليمون الحامض ونفذت الرطوبة الحارة التي تعيش فيها الأبراص حيواتها الخجولة وصاحت الطيور الوضاحة تعبّر عن نشوتها اليومية. ثم حل الجنود – كم كانوا؟ – واجتمعوا بالمدخل.

تحدث أحد الجنود مع أبيهم باللغة الأخرى تلك. أومأ إلى أبيهم كي يتبعه. أزاح أبوهم سري عن حجره ونهض من مكانه. أدركت فاسوكي أنه تسبب بطريقة ما في إغضاب هؤلاء الرجال، فتولاها إحساس بالخجل. إذ لا بد وأن أباها قد بدر عنه شيء مخز بيد أن الخوف قد راودها أيضاً عليه. فقد لاح الأمر وكأن شيئاً دخيلاً اخترق المجمع، شيئاً أسود متحركاً لم يستطع أحد رؤيته ولا حتى الجنود. حاولت أن تبحث عن هذا الشيء، أن تتبين هيئته في الهواء، إلا أن الجنود اندفعوا عبر الوميض الأخضر ومزقوه. نفس ذلك الجندي الذي تحدث للتو لفظ أمراً بنبرات تمتلئ غضباً. تقدم آخران وقبضا على أبيهم ودفعاه بكل قوة عبر المدخل إلى الطريق وحتى سيارتهم العسكرية.

 

كان انتزاع شخص على هذا النحو المباغت أشبه بقطع شق في الهواء الأخضر وجذبه عبره! في نفس تلك الليلة احتجزوا أيضاً رجلين يقطعان الأخشاب مع أبي فاسوكي. لم يظهر المتمردون بأماكن قطع الأخشاب ولم يتصور أحد أن العمل في الغابة حيث قيل إن المتمردين يجولون قد يثير الشبهات حولهم. صحيح أن المتمردين، الذين أنشئوا في البدء معسكراتهم شمالاً، أنشئوا معسكرات هنا في وقت لاحق، إلا أنها كانت في الجزء الداخلي من البلاد بعيداً عن البلدة. كانوا يجمعون الضرائب إلا أنهم برغم كل شيء اضطروا إلى ذلك اضطراراً. فقد كانوا يقاتلون من أجل دولة إيلام، ذلك الفردوس على الأرض حيث ينعم الناس بالأمان. زار المقاتلون المدارس بالبلدة والقرى في سبيل تجنيد الصبية الصغار. كانوا في بعض الأوقات يريدون حطباً للوقود أو كيس أرز من الأهالي لكنهم في الغالب كانوا يدفعون لهم. عندما كانت فاسوكي في الصف الرابع، حدث ذات مرة أن جاء ثلاثة شبان يرتدون بزات منقطة وطلبوا بعض البنزين. أبلغتهم أم فاسوكي بأنها لا تملك بنزيناً فرحل الثلاثة إلى حال سبيلهم.

"مَن هؤلاء الذين يلبسون تلك الملابس الغريبة؟" تساءلت فاسوكي.

"ما هم إلا بضعة رجال في حاجة إلى البنزين،" أجابتها أمها. "أحضري لي دلو ماء من البئر."

في كل مرة تحاول أم فاسوكي والزوجات الأخريات الاستعلام بمعسكر الجيش، كان الرقيب يعاملهن بكل كياسة. كان يتكلم لغتهن ويدعوهن إلى الجلوس. يستمع إليهن وهن يكررن التماساتهن. ثم ينهي إليهن أسفه الشديد لأن الجيش لا يفقه أي شيء عن أماكن أزواجهن. على أنه كان يطمئنهن بأن الجيش معني برفاهيتهن. وسوف يتم الاستعلام عن المسألة.

ورَد على أم فاسوكي أنهم أخذوا رجالاً في الشمال كما حصل لزوجها. عاد بعضهم بينما لم يرجع البعض. لكنها لم تصدق تلك الإشاعات. حتى عندما أخذوا زوجها، ما فتئت تعتقد أنهم سوف يفرجون عنه. لقد وقع خطأ ما، وقد اعتقدت أن الرقيب سوف يكتشفه. وفيما كانت تنتظر، نصب الجيش المزيد من المعسكرات جنوب البلدة.

ثم حجز البوليس ستة من الصيادين. أخلوا سبيل أربعة منهم اليوم التالي. أما الاثنان الآخران فقد سلموهما إلى الجيش للتحقيق معهما. وحينما اتضح أن رجلاً آخر قبض عليه الجيش ببلدة في الشمال هو ابن عم زوجها، كتمت أم فاسوكي الخبر عن أطفالها. ونقلت إليهم أن ابن العم هذا ارتحل إلى العاصمة كي يستقل طائرة إلى الشرق الأوسط حيث وفق في العثور على وظيفة. أنصتت فاسوكي إلى كلماتها. ما خيمت على أمها السعادة البالغة لمثل هذه الأخبار. فمنذ اعتقال أبيها، أصبح قلق ما نغمة عالقة في الأفق تميز كيان أمها.

عندما مضت أمها نحو مكتب الرقيب ذات ظهيرة، قدِمت فاسوكي إلى البيت من المدرسة وراحت تأكل سلطانية من الأرز بجوز الهند. اجتازت أمها البوابة ودلفت إلى الداخل ثم اتخذت مجلسها إلى المائدة. قطفت في طريقها زهرة ألاري وحطتها على المائدة أمامها بجانب سلطانية الموز. سقط ضوء الشمس مائلاً على الزهرة فيما بدت على سحنة أمها آي الخيبة.

"ماذا دهاك؟" سألت فاسوكي. "هل ضربك أحد؟"

"لا،" نفت أمها. "لم يضربني أحد." طفقت فاسوكي ترهف السمع أكثر لما تحدث عنه الناس. تفكرت في قسيس كاثوليكي تطوع للتشفع لهم عند الرقيب رغم أن أسرتها لم تدن بالكاثوليكية. استخدم تعبيراً لم يرد قبلاً على أذنيّ فاسوكي: المختفون.

استطاعت فاسوكي أن تمد بصرها عبر المدخل نحو قارب وحيد يتمايل على البحيرة. رغم أنها لم يسعها أن تطالع ما يشذ عن المألوف، فقد بدا لعينيها وكأن خطراً يهدد هذا القارب الراقد في براءة على الماء. لعل شيئاً يشق القارب من الماء فلا تمضي لحظة حتى يحيله إلى شظايا. انزاح الضوء الواقع على المائدة عن زهرة الألاري فكمنت الزهرة عندئذ في الظلمة. انصرفت عينا أمها إلى الزهرة ثم ارتقتا. كان وجه أمها ثغرة تفضي إلى مكان فسيح قد يتوه به أي شخص في ثوان.

 

رفعت فاسوكي ابنها المولود حديثاً، بونياه، من الحوض وحملته على كتفيها. تلألأت قطيرات الماء على بشرته. قعدت ابنتها مانيكا بحوض مياه من الصفيح وأخذت تثرثر. استطاعت فاسوكي سماع صلصلة الأوعية وحركة أمها في المطبخ. طفت عبر الطريق شجرتان من أشجار السّنا في سديم أصفر من أزهارهما وفي الخلفية أرسلت الأزهار الحمراء لأشجار البونسيانة نيرانها. توهجت البحيرة عند منتصف النهار توهجاً عنيفاً حال دون التطلع إليها، فقد كان النظر إليها كالنظر في عين الشمس.

كانت تشاهد زوجها راج كل صباح وهو يركب دراجته ناحية الجسر. كان يعمل بصيدلية تمتلكها أسرته. نمت إليها أصوات ناديسان وسينياه وهما يغادران مع الصباح الباكر. كانا قد أمضيا ثلاثة أسابيع في أعمال البناء. ساعدهما راج في توفير الوظائف بأن تحدث مع كبير العمال الذي كان صديقاً لأبيه. كان الراتب جيداً وقد ساهما بأجورهما في نفقات المنزل. ود سينياه لو يدْرس بالجامعة بيد أنه لم يتأهل لها. استأذن يومئذ من عمله لكي يحضر امتحان الالتحاق مجدداً. تعرفت صوت ناديسان وهو يتمنى لسينياه كل حظ سعيد.

قلما أنعمت فاسوكي التفكير في أبيها. رغم أن الأسرة عاشت في منزل الأسلاف الذي انتقلت إليها حينذاك ملكيته، رغم أن هذا المنزل هو الذي عاش فيه أبوها معهم، حتى أمها لا تأتي على ذكره إلا في النادر. انسحب الجيش ناقلاً جنوده إلى الشمال. تزوجت فاسوكي من راج واستحوذ الأطفال على جل الاهتمام. ثم كان على الأسرة أن تتدبر أمر بناء منزل تقدمه سري كمهر. فشيد ناديسان وسينياه منزل سري على قطعة أرض ابتاعها راج. وهكذا أوقعت الأختان وأمهما أنفسهن في شرَك أوراق النباتات والضباب وصياح الطيور. تجسدت رموز حيواتهن في تقطيع لب جوز الهند ونشيج طفل قبل الفجر بساعة وترقرق الأمواج الصغيرة بالبحيرة حين يجري النسيم فوق سطحها.

إلا أن الجيش قد عاود عند ذاك الظهور. نصب الجنود معسكراً وأقاموا نقاط تفتيش تلحق بها مخابئ تحت الأرض عند نهايتيّ الجسر المفضي إلى البلدة. عندما توجهت النسوة إلى السوق، جعلهن العساكر ينتظمن في صف ليبرزن بطاقاتهن الشخصية ويفتحن حقائبهن.

أرسلوا الجنود لحماية الناس من المقاتلين غير أن هذا المكان كان موطن نفوذ المتمرد حيث يتحدث الناس اللغة المحلية. فكان بالمستطاع ملاحظة ما اعترى الجنود من عصبية. عندما يسدل الليل أستاره، قد يدخل بعض المتمردين إلى البلدة ليجلبوا الطعام أو البنزين. ومن حين لآخر يلقي أحدهم بقنبلة يدوية على مخبأ من مخابئ الجيش. حتماً هناك بعض المدنيين، الذين من المفترض أن يحميهم الجنود، يكنون تعاطفاً مع قضية المتمردين. ساورت الجنود الشكوك في الشباب على وجه الخصوص. فقد يكون الشباب مقاتلين بلا بزات وفدوا إلى البلدة لشراء الطعام. وحتى لو لم يكونوا مقاتلين، فربما يعاونونهم في الحصول على البنزين أو في إصلاح إحدى السيارات.

تفككت العائلات بعد أن جرجروا فرداً أو اثنين من أفرادها. أحياناً ما كان الجنود يفرجون عن الشاب في الصباح التالي وأحياناً يحبسونه لبضعة أيام ثم ينقلونه إلى السجن المدني. وغالباً ما كانوا يؤكدون جهلهم بمكانه. وكان يُعتقد أنه من الضروري أن تتجه أسرة الشاب بعد اعتقاله إلى معسكر الجيش بما أمكنهم من سرعة. فالإسراع إلى هناك قد يشكل فرقاً. فحالما يذهب الأب وعَمان من فورهم بصحبة أحد المحامين، يطلقون سراح الابن. ولو ظهر أن واحدة من الطرق كُللت بالنجاح، يجربها الآخرون. كانوا دائماً يحاولون أن يجدوا شخصاً ذا مكانة للحديث بالنيابة عنهم. وفي بعض الأحيان كانوا يبذلون للرقيب ما لديهم من أموال.

أحد الشبان احتجزوه قرابة السنة ثم رجع إلى بيته. لم يحل للآذان سماع قصته. فقد فعلوا به أشياء، فعلوها بالكهرباء والماء. ومع ذلك صعد القمر في كبد السماء ثم توارى عنه ليحرك ما يغسل المحيط من مد وجزر. تموج الحجاب الأخضر لمّا هبّ النسيم على البحيرة. غردت الطيور بنداءات اهتزت نبراتها قبل أن ينشق الفجر حاثة الشمس على أن تعلو في مسارها المتقوس. كان طعم الهواء حلواً فيما انبسط الضوء بين يديه.

ندّت عن بونياه أصوات الرُضع الناعمة. قبّلت فاسوكي خديه ونفحت الهواء من على جلد بطنه. لوّح بذراعيه فاستحضرت صورة حشرة سمينة تستلقي على ظهرها. قبّلت كتف مانيكا ثم ألبستها الفستان بيدين رقيقتين من فوق رأسها. راحت مانيكا تتناول طعامها في حين أطعمت فاسوكي بونياه لقماً من الأرز باللبن. خرجت أمها إلى الفناء لتجمع الغسيل. تفحصت مانيكا ساعة معصمها البلاستيكية وانهمكت في لعبة إعلان الوقت. أطبق بونياه شفتيه أمام لقمة قدمتها له. نفخ الهواء من بين شفتين مزمومتين وقوّس ظهره. فقد أراد النزول إلى الأرض.

تفتحت زهور الألاري بالقرب من البوابة. وقفت أمها هناك تخاطب شخصاً ما. ميزت فاسوكي صوت ناديسان ثم وصلها صوت أمها، لم يكن حديثاً إنما صرخة. هرولت وهي تترنح على الرمال باتجاه المنزل ويداها تلتفان حول حزمة ملابس.

"سينياه!" خرت أمها على ركبتيها طارحة نفسها على كومة الغسيل. "اجعلي راج يأتي معنا. يا فاسوكي! اذهبي اطلبي منه!"

ركع ناديسان جوار أمه. "سأذهب أنا إلى راج،" قال ثم رنا إلى فاسوكي. "أُطلقت النيران أمس على أربعة جنود يستقلون سيارة عسكرية في مكان ليس ببعيد عن الجامعة حيث تقوم أشجار جوز الهند. أغلق الجيش حرم الجامعة اليوم وقبضوا على الطلبة الرجال الذين وصل عددهم إلى سبعين، سبعين يا فاسوكي. أوقفوهم قبالة حائط ثم أخذوهم في شاحنات.

"سوف يطلقون سراح بعضهم،" قالت أمهما. "لا سبب يدعوهم للإبقاء على سينياه، فهو ليس طالباً."

"ومتى احتكموا إلى المنطق؟" قال ناديسان. "لقد قُتل أربعة جنود بالرصاص."

كان بونياه يتهزهز في مقعده. إلا أنه قعد عندئذ يتتبعهم بعين آنست إلحاح الموقف. ذكّر لون عينيه فاسوكي بالأحجار المصقولة المرمية على طول حافة البحيرة، لو حدث ودبت الحياة في تلك الأحجار.

تعلم بونياه المشي. كان يدرَج وراء أبيه كل صباح ليقف بالبوابة ويشاهد أباه وهو ينطلق بدراجته. التقط زهور الألاري وأخذها إلى مانيكا. طاب له غناء مانيكا له. كانا يلعبان في الرمال ليبنيا الروابي والأحواض. ومن وقت لآخر كانت سري تحضر ابنتها الرضيعة وتجالس الأطفال في الظل في الوقت الذي ترافق فيه فاسوكي أمها إلى السوق.

نام بونياه على صدر فاسوكي وحرارة منتصف النهار تلفهما. وسعها أن ترى البحيرة من فوق السياج المصنوع من سعف شجر جوز الهند. بدت المياه وكأنها كائن حي، جزء من جسد البحر فاض على البسيطة، يومض كما الآلاف من العملات الطافية. ألّف الناس معاً لجنة للمواطنين. سجلت هذه اللجنة أسماء المقبوض عليهم ومررت هذه المعلومات إلى عضو البرلمان الممثل لمنطقتهم. ومع ذلك لم يُفرج عن سينياه ولم يعترف الجيش باحتجازه.

بالليل صك آذانهم إطلاق النار من بعيد. أحياناً ما كانوا يبصرون الالتماع الباهت لمدافع الهاون. تحدث الناس عما يحدق بهم من خطر، كيف أنك لم تستطع تقدير ما قد يتجسد عليه من حجم، كيف أنك لم تستطع تقرير وقت انقضاضه. حتى ابن محامي المحكمة العليا وقع في كمين المتمردين وهو على متن قطار يتجه إلى العاصمة. وابنة الطبيب كانت تسير شطراً من الطريق إلى البيت قادمة من المدرسة مع صديقاتها ثم تلوّح إليهن وتشق سبيلها بمفردها. كانت الفتيات تتبعن هذا المنوال كل يوم. لكن في واحد من الأيام لم ترجع هذه البنت إلى البيت.

رفع ببغاء ليموني اللون صيحاته الحادة وطار عبر المجمع. حملت فاسوكي بونياه إلى الداخل ووضعته على الحصيرة ثم تمددت بجانبه. نامت مانيكا القيلولة جوار جدتها. فجّر المقاتلون سفينة بضائع بميناء العاصمة على الجانب الغربي من الجزيرة. زرعوا هنا ألغاماً جنوب البلدة حيث سيعبر أحد المواكب. حينما انفجر اللغم، قضى تسعة عساكر نحبهم. بعدها أضرم الجيش النيران في إحدى القرى بوسط البلاد.

"جاء الجيش إلى هنا لقتلنا،" قالت جارة فاسوكي.

لم يكثر القيل حول المقاتلين. كان كفاحهم من أجل الناس. لكن رغم أن العادة قد جرت بأن يدفعوا مقابل ما يأخذون، كانت ضرائبهم إضافة إلى ضرائب الحكومة. ومع ذلك هجر أبناء بعض الصيادين وأصحاب المتاجر بيوتهم وانضموا إليهم وكذا بعض الفتيات. قتل بعض هؤلاء الصِبية والفتيات في اشتباكات مع الجيش. هلل المتمردون لإحدى فتيات البلدة التي انضمت إليهم ثم قتلت وذلك بوصفها بطلة في عداد الشهداء. شاهدت فاسوكي صورتها مثبتة على عامود إنارة.

ثمة كذلك الصبيان بالبلدة ممن تلقوا تدريباً مع المقاتلين ثم تحرروا من إيمانهم بهم. وما إن فروا من المقاتلين حتى بدؤوا يأخذون حذرهم منهم. أراد أغلبهم أن يبتاعوا تذكرة  للسفر خارج البلاد. كان اثنان منهم أو ثلاثة يترددون على البيوت حيناً بعد حين مطالبين سكانها بالنقود. كانوا يهددون الأسرة، إذا لم تدفع، بإبلاغ الجيش أن ابنتهم أو ابنهم مؤيد للمقاتلين. عندما راح أحدهم مع الجنود إلى الجسر كي يقوم بمهمة الواشي، كسا الجنود رأسه بغطاء أسود لئلا يتعرفه أحد ثم اعتقلوا مَن أشار إليهم.

استدارت فاسوكي على جنبها لتتمكن من التطلع إلى بونياه وهو يغط في نومه. كان نَفَسه رخيماً. كانت قد علمت أن جُل الناس بالجزيرة يتحدثون لغة الجيش. كانت لغة الطائفة التي انتُخب منها رئيس الوزراء وأغلب أعضاء البرلمان. لم تكن لغتها إلا أنها لم تعبأ. فقد ناب عن منطقتها عضو في البرلمان وأذيعت برامج تليفزيونية ناطقة بلسانها. ومنذ أسبوع لا غير احتفل شرطي منتم إلى الطائفة التي تتكلم لغة فاسوكي وشرطية من الطائفة الأكبر عدداً بزواجهما في فندق محلي.

إضافة إلى أن بعض الناس تحدثوا بلغة الدول الكبرى. علمت فاسوكي حينئذ أن الطائفة الأكبر بالجزيرة هيمنت على البرلمان بعد جلاء البريطانيين. وأعلنوا لغتهم لغة رسمية للبلاد. ثم ما هي إلا أن عجز المتحدثون بلغة فاسوكي عن المتاجرة أو إيجاد وظائف. وفي الجيل التالي تمكنت الطائفتان من إعادة التفاوض حول قضية اللغة. فانصرمت فترة صارت فيها لغتا الجزيرة وكذا اللغة الكبرى لغات رسمية ودُرست اللغة الكبرى في المدارس. ثم راحت الحكومة تروج لفكرة تقول برفعة اللغات الأصلية ومن ثم تم إقصاء اللغة الكبرى من المناهج الدراسية. على أنها أعيدت مؤخراً إلى المقررات. فأمست مانيكا عند ذاك تحفظ الأغاني بهذه اللغة. وعُرضت برامج بالتليفزيون ناطقة بهذه اللغة. كذلك تحدث بها رجال الأعمال الذين قدموا لإنشاء المصانع.

ترامت إلى فاسوكي أنباء حرب دائرة بالدول الكبرى أيضاً، معارك صغيرة وقعت في على أجزاء: مجموعات من الصبية يشكلون عصابات، رجال شرطة يهاجمون رجلاً أسود البشرة، جمْع بمدينة يحرق متاجر يملكها كوريون. ونشبت حرب بين العائلات: أبناء يقتلون أباهم، أب يغتصب ابنته، زوج يقتل زوجته الزانية. اعتقدت فاسوكي أن تلك القصص قد تنطوي على مبالغة. ومهما يكن من أمر لم تكن تلك الحوادث حرباً. علاوة على أن الناس في الأغلب كانوا يقولون إن مَن تعلم اللغة الكبرى ومضى إلى إحدى الدول الكبرى صار فاحش الثراء. ففكرت أن من مصلحة بونياه أن يتعلم لغة الطائفة الأكبر عدداً وقدراً من اللغة الكبرى أيضاً.

 

لحق التمزق بالحجاب الأخضر. إذ قطع العساكر أشجار جوز الهند ليستخدموا الجذوع لبناء المخابئ. فساد شعور وكأنما حديث غاضب اندفع عبر الهواء لاعناً كل ما في سبيله من أشياء جميلة. سقط البستان تلو البستان أثناء هذا التقطيع، بساتين ترجع جذورها إلى ذلك الجيل الأول. بل إنهم قطعوا البساتين المملوكة للقساوسة الكاثوليك من غير ورقة واحدة تمنحهم إعفاء رسمياً. اعتلى الأجذال لون أبيض أوقع الصدمة في الأنفس. بعدها مات ما أحاط بالأشجار من شجيرات ونباتات. فترامت أطيان ممهدة من الرمال تحت أشعة الشمس. لن يروقك السير هناك، فقد طغى حزن بالغ على تلك الأماكن.

ضرب القحط للسنة الثانية. فاضطر الناس إلى حمل المياه من الآبار القلائل بالبلدة التي بلغ عمقها حداً يكفي للوصول للماء المتبقي. بين الفينة والأخرى كانت الرياح ترفع صفحة من الرمال لتعصف بها فوق المنازل. صفّى الجفاف الأوراق من ألوانها وأفردت السماء ألوانها الرمادية.

انصرف انتباه فاسوكي إلى الأخبار. فقد نقلت الجرائد أنباء مفرحة وأخرى سيئة. افتتح بالعاصمة فندق جديد خمسة نجوم. اعتقل الجنود تسعة من الغلمان القرويين وحجزوهم يوماً ثم سلموهم إلى السجن المدني. بُث برنامج تليفزيوني جديد ظهرت فيه نسوة يشبهن نسوة الدول الكبرى. عرض المقاتلون تسجيلات فيديو بالمدرسة الثانوية لإغراء الصبية فرحل منهم تسعة عشر. افتتح بإحدى المدن الجنوبية مصنع جديد للسماد سيوظف ثلاث آلاف عامل. تجمع ستة وثلاثون صبياً لخوض إحدى المباريات فانتهى بهم الأمر إلى أن قبض الجيش عليهم.

ثم فجّر المقاتلون بضواحي العاصمة صهريجين لتخزين النفط. فما عتمت الشرطة أن نقبت في أحياء العاصمة مستدعية للتحقيق الشبان الذين دلت أسماؤهم ولغتهم على انتمائهم للطائفة الأصغر. أخلوا سبيل بعض هؤلاء الشباب في حين حبسوا آخرين بدون توجيه اتهامات. في اليوم الثامن من حرائق النفط، عُثر على ثماني وثلاثين جثة عائمة ببحيرة تبعد عن العاصمة عشرين ميلاً. كانت أيادي الشبان مكبلة وراء ظهورهم.

وقفت فاسوكي تخلط دقيق الأرز مع جوز الهند بيديها. ترنحت البحيرة في حوضها الضحل وتموج سطحها الفضي. قيل إن هناك سمكاً وسط البحيرة، سمكاً يشرع في الغناء عند منتصف ليلة اكتمال القمر. بمقدورك سماع السمك الشادي لو ركبت قارباً إلى وسط المياه. بيد أن لا أحد وقتذاك كان يستقل القوارب بعد أن يفرد الليل جناحه.

أطل صبي من النافذة. كان يرتدي قميصاً قطنياً ويربط سكيناً بحزامه. طُبعت على القميص حروف باللغة الكبرى. خالته واحداً من أولئك الصِبية الذين هجروا المقاتلين، وهو الآن يريد أموالاً.

"اذهب،" قالت فاسوكي. "لا أمتلك شيئاً أعطيه لك."

"أعطيني شيئاً."

"بوسعي منحك لفة طعام."

"هلمي إذن،" أمرها. رصدها وهي تغرف الأرز والكاري بالمعلقة في ورقة موز ثم قدمت اللفة له. تناولها وسار حيث وقف الدجاج يلتقط الحبوب. جثا على ركبتيه فرمقته دجاجة بعين فضولية. عندما اقتربت الدجاجة، أمسك برجليها حاملاً إياها وصيحاتها تتعالى عبر البوابة.

 

كان راج طويل القامة، فميزه طوله عن المحيطين به. كان الناس يتحولون بأجسامهم نحوه. ولأنه أوحى بالثقة فقد طلبوا منه أن يلتحق بلجنة المواطنين. على الرغم أنه كان يغادر كل صباح إلى الصيدلية، فقد مكث بالمجمع ما أحدثه طوله من تأثير. إذ كان داخل المجمع أو بالقرب منه، كان رائحاً أو غادياً. طلعت الشمس في قوسها واستوت في الأعالي ثم انزلقت بطيئة في السماء. عاد أدراجه قبل حلول الشفق.

رجع إلى فاسوكي ليجدها واقفة بالمدخل. كانت هي اللون الأحمر، نبضه الملتهب. الآن تحوي الأسرة رجلاً يرعى لهيبها. عندما وُلدت مانيكا، صارت فاسوكي أم الأسرة. فاضطلعت بمكانة الأم في منزل أمها الذي ضم الأسلاف. كان راج هو الكاهن، يحمل عالياً الكافور المشتعل وهو يدنو من حجرة المعبد الداخلية. وهناك بالمنتصف نهضت فاسوكي، الثغر المتأجج.

أوقفوا راج على الجسر في الظهيرة. خرجت مانيكا من المدرسة حاملة رسم لمظلة. حاز المقاتلون مؤخراً أسلحة جديدة وحينما حلقت ثلاث طائرات من سلاح الطيران فوق أحد معسكرات المتمردين، تمكن المقاتلون من إسقاط الثلاث. كان الجميع يعلم أن الانتقام وشيك. مع أن مانيكا كانت في السابعة وباستطاعتها السير إلى المدرسة وحدها، طفقت فاسوكي تواكبها. كانت تخلف بونياه بمنزل سري ثم تأخذه في طريق عودتها. نشطت الرياح في ذلك اليوم. كانت عادة فاسوكي أن ترحب بعصفها بيد أنها كانت يومذاك تلسع جسدها. أحاطت مانيكا بذراعيها لتقيها. حكت مانيكا لأمها كيف أنها انتقت أول الأمر اللون الأحمر لتلوين المظلة ثم الأزرق ثم عدلت عن رأيها للمرة الثالثة لتستعمل الأصفر. لكنها أجمعت في النهاية على أن تضفي لوناً مختلفاً على كل جزء من أجزاء المظلة. عندما فرغت من التلوين، تبقت ألوان لم تستعن بها، العديد والعديد من الألوان، وكلها تستحق أن يشاهدها الرائي. فماذا يفعل المرء؟

تفكرت فاسوكي سلفاً في وصول راج. كانت ستكرر على مسامعه قصة مانيكا وعليها سيضحك. عندما أخذا بونياه، حملته فاسوكي في محاولة منها أن تحميه من سياط الريح. أعلنت مانيكا شاكية عن رغبتها في أن تُحمل هي الأخرى. عند البوابة هبت الرياح على زهور الألاري مبعثرة إياها على الأرض. أدخلت فاسوكي الأطفال كي يلعبوا.

انقطعت الرياح بعدها بوهلة. فتراءى الهدوء نقياً أيما نقاء، جاهر بوجوده شأنه شأن الإله الهابط من سماواته. انتهت قدما ناديسان إلى البوابة. 

"راج،" أنهى إليها. "فوق الجسر."

عندما تركت مكتب الرقيب مع ناديسان في وقت لاحق، نزعت بها ذاكرتها إلى شيء لاحظته تلك الظهيرة عندما كان بونياه ومانيكا يلعبان على الأرضية. كانت الرياح قد هيجت سطح البحيرة فتراءت المويجات أمام عينيها وكأن سوطاً يضربها، وكأن الرياح تسلخ جلداً.

 

شيدت فاسوكي في مخيلتها محرقة مثل تلك التي كانت ستحرق بها الأسرة جثة راج. لن تغدو كأولئك النسوة الأخريات، لن تصبح مهيضة الجناح تنتظر. لن يستبد بها الضعف مثل ثمرة يانعة تُركت لتُبتلي بالعفونة. لن تنتظر ولن تتمنى. فقد كانت الأم وقد وقفت الآن داخل هذا الحضور. بل إنها سوف تستمسك بمكانة الأم على نحو أكثر ضراوة.

أشعلت المحرقة فأمسكت النيران في الأعواد. علا اللهب بعد الآخر واتحدوا ليصنعوا حريقاً هائلاً. تخيلت هذه الحرارة وهي تدمر كل الجراح، وهي تخلص راج مما لا بد وقد عاناه من ألم. وفي كل مرة خالجها حنين إليه، رجعت إلى المحرقة والدخان يرتفع منها. غذت اللهيب بالأعواد، أعطته طعاماً، منحته أزهاراً. عادت مرة ثانية ووقفت حارسة على هذا الحريق.

 

كانت مانيكا أكثر تلميذات فصلها تفوقاً. كانت تمرق سريعة بين أجزاء المنزل فتبدو في هذه الحركات المتعجلة وكأنها تتلألأ. راقها أن تُعلم بونياه أغاني اللغة الكبرى. كانت أحياناً تُجلسه على حجرها لتقرأ له. رمى بطرف شاخص إلى بعيد، داخلته لهفة وارتسمت على وجهه تقطيبة خفيفة وهو يتصور ما تصفه مانيكا من أحداث. وبعدها بينما كانت مانيكا تعاونه فيما عليه من عمل، ألا وهو تكويم ما أطاحت به الريح من أغصان النخيل، كانت تصدح بأحد أبيات الشعر فيعيد بونياه غناءه بعدها.

لا تستطيع الأرملة أن تنال تعويضاً من غير شهادة وفاة، ولا تستطيع أن تحصل على شهادة وفاة لشخص إلا إذا أثبتت وفاته. أخذت صحة أمها تضعف واحتاجت إلى مصاريف للعلاج. برحت أمها البيت لتعاون سري في العناية بابنتها الثانية، لكن فاسوكي اضطرت إلى مساعدة سري وزوجها في دفع علاج أمها. أعطى ناديسان كل راتبه تقريباً لفاسوكي كي تقوم بأود منزلها غير أن الجفاف تسبب في رفع الأسعار. تولى أخو راج الأصغر مسؤولية الصيدلية على أنه لم يستطع منح فاسوكي إلا القليل.

طفقت مع ذلك تنحي جانباً مبالغ لا تذكر. كان راج قد ادخر بعض النقود للطوارئ فكانت تزيد عليها كلما استطاعت. في ذاك العام فاتحت أربع عائلات ناديسان في الزواج. فقد تناقص عدد الشباب وقتذاك واضطرت المزيد من النسوة إلى تدبر حياتهن بلا أزواج. كان ناديسان على قدر من الوسامة وقد نضج عبثه ليستحيل مرحاً جذاباً. اصطفي فتاة تزرع أسرتها أشجار البلاذر. وعندما انتقل إلى منزل أسلاف زوجته، لم تنقطع أمواله عن فاسوكي.

قصدت فاسوكي المعبد حتى تدعو لسلامة أطفالها. أخذت على نفسها نذراً سائلة الآلهة أن تحفظهما من الشرور. وكي تفي بالنذر، سارت وسط النار مع النسوة الأخريات حاملة بونياه بين ذراعيها. حاولت أن تعيش عيشة بسيطة، أن تلقى الآخرين برحابة صدر. لكن أحياناً ما اخترق قلبها خوف لافح. ثمة صدع في الهواء: غاب عن عينيك لكن ما تدري إلا وشخص على بعد أقدام منك يُنتزع من الوجود.

راح الأبناء أكثر من البنات. لكن بمضي الوقت ظهر أن ما أحدق بهم قد يفترس البنت بنفس سهولة افتراس الابن. إذ كان الجنود يلتقطون الفتيات كيفما اتفق ويحجزوهن لعدة أيام ثم يلقوهن بعدها على جانب الطريق. بعضهن استلقين في المصرَف بلا حراك فيما تمكنت أخريات من المشي إلى منازلهن. رقدت واحدة في فراشها شهرين ثم فاضت روحها. بعضهن عدن إلى منازل والديهن ثم ابتلعن بذور الألاري السامة.

ألمّ بأمها ذات الرئة. وافاها الموت بعدها بيومين. بعد الجنازة طلبت فاسوكي من ناديسان أن يحتفظ لها بالقليل من النقود. سألها عما ورائها. حين أطلعته، ما كان منه سوى أن هز رأسه. أنبأها بأنه قد وصله أن بعض الأتراك اللاجئين إلى واحدة من تلك الدول كانوا نياماً عندما أضرم حشد من الناس النيران في فندقهم. وقف الحشد يتفرج على النيران وهي تتصاعد وراح يهلل لها. وأمسك أشخاص من بين الحشد بمن تمكن من الفرار وأوسعوهم ضرباً.

أنصتت فاسوكي إليه نافذة الصبر. عل هناك بعض الحوادث تضرر فيها شخص أو اثنان إلا أن الجميع يعلم أن الناس بالدول الكبرى يعيشون في سعة وسلام. كان الناس هناك يرغبون في تبني الأطفال الأجانب، فلِم يضربون الأجانب؟ بإمكان أي طفل هناك أن يحصل على تعليم يؤهله لأن يصبح طبيباً أو عالماً أو رئيساً لشركة تصنيع. عندهم غسالات ومكانس كهربائية وأجهزة فيديو. الكل يمتك سيارة. وفي هذه السيارات يُقل الناس أطفالهم إلى المدارس ثم يأخذونهم عندما تغلق أبوابها.

خالت ناديسان يلعب دور رب الأسرة. كانت زوجته حاملاً فتملكه الزهو كديك يختال في مشيته. سوف يصبح أباً. استراح إلى هذا التدبير الإلهي، فخاطبها بلهجة الواثق.

"سوف يتحسن بنا الحال،" طمأنها. "غداً لناظره قريب."

 

ذبلت الكثير من أشجار المانجو من جراء الجفاف. منع الجيش الصيد لأن المقاتلين كانوا يأتون إلى البلدة ليرموا قنابل يدوية من فوق السور قرب مركز قيادة العميد. شَح السمك من السوق وغلت أسعار الخضراوات. اصطفت فاسوكي في الطابور للفوز بالماء. تجاذبت المنتظرات أطراف الحديث. بعثت أمريكا بقوات الجيش الخاصة للمساعدة في تدريب الجنود. توقع اللواءات مجيء معدات أكفأ وأغلى مع الأمريكيين ستمكنهم من هزيمة المتمردين هزيمة منكرة. راح الشباب الذين تجنبوا صفوف الجيش في السابق يسجلون أسماءهم للخدمة. إذ حلا لهم الاقتراب من هؤلاء الجنود الأجانب الذين ارتدوا أجسامهم الطويلة القوية وكأنها بزات ولاحوا وكأن لا معترض على الإطلاق يستطيع اعتراض طريقهم.

سرعان ما صرح الجيش بعد قدوم القوات الخاصة بأن المنطقة الشمالية "سالكة." وعليه أرسل اللواءات المزيد من القوات شرقاً. فإذا بالبلدة تعج بالمزيد من الجنود. عندما لم تكفهم شاحناتهم، صادروا الحافلات العامة. روت امرأة أنها همت بحضور جنازة بيد أنها لم تجد حافلة تستقلها. تفحصت حراب العساكر عند نقاط التفتيش ما تحمله النسوة من أكياس قماش تحوي أرزاً. اتفقت النسوة على أن المسألة مسألة وقت ليس إلا قبل أن يقتل المقاتلون بعضاً من هؤلاء الجنود الجدد. بعدها ستقع حادثة في منتهى السوء، علها عدة حوادث. سيعتقل الجنود الشبان أو قد يضرمون النيران في إحدى القرى أو ربما يحبسون الصيادين ذلك لأن عملهم تحت الشمس لوّن جلودهم بسمرة قاتمة كجلود مَن عاش في العراء من المقاتلين.

قالت إحدى النساء، "خيرٌ لنا أن تنفجر قنبلة كبيرة لتودي بنا جميعاً على الفور."

 

في نهاية اليوم الثاني لهجوم الجيش، انتابت زوجة ناديسان آلام المخاض. شن المقاتلون هجوماً على معسكر للجيش قرب البلدة فأودوا بحياة اثنين وخمسين جندياً وأحرقوا ثلاث خيام. فتح الجنود النار على المزارعين في حقولهم وأحرقوا المنازل. وفي البلدة لم تتشكل الصفوف ولم تجر الحافلات ولم تفتح المحال أبوابها. لجأ الناس إلى منازلهم وأوصدوا الأبواب. ثمة خلل في حالة زوجة ناديسان، فقد طال المخاض أكثر من اللازم. عندما سحبت القابلة الرضيع، كان الولد الصغير ميتاً.

في نفس ذلك اليوم ربط الجنود قدم الصبي في مِصد سيارتهم العسكرية. أنهت أم الصبي إلى فاسوكي أن السيارة قد رجعت. توقف السائق في الشارع الرئيس. هرعت للقائها، وقفت على بعد يسير ترصد أحد الجنود وهو يترجل. إن كان قد لاحظ وجودها، فهو لم يكترث لها. تناول سكيناً من حزامه وقطع الحبل.

في اليوم التالي أعطت فاسوكي ناديسان النقود. اصطحبت الطفلين إلى البحيرة. استدعى بونياه في ذاكرة أمه صورة واحد من الضفادع الصغيرة المرتجفة التي تظهر بالطين بعد هطول الأمطار. جلس القرفصاء وحط قاربه الورقي على سطح المياه المتمايل. راقب القارب يتأرجح بين الأمواج وغنى أغنية علمتها له مانيكا.

"انظري!" قال مشيراً إلى أعلى. كانت خمسة من طيور النورس تدور فوق الماء.

"سوف تطير كواحد من تلك النوارس،" قالت فاسوكي. شرحت له أنه سيرتحل في طائرة كبيرة جداً إلى بلد جديدة تخلو من الجنود ويطوف بها الأطفال بحرية. وعلى الطائرة ستصحبه عمة طيبة ستمنحه الحلوى وطائرة لعبة يلهو بها بينما تطير الطائرة الكبيرة عبر السماء.

سيكون أول مَن يرى البلد الجديدة. ستلحق به مع مانيكا بعد قليل. حلقت طيور النورس صوب البحر. قطبت مانيكا حاجبيها. هل ستأتي سري وابنتا خالتها أيضاً؟ ماذا عن خالها ناديسان؟ أومأت فاسوكي.

"بونياه أصغر من أن يسافر بمفرده،" قالت مانيكا. "يجب أن أسافر معه."

"وتدعين أمك وحدها؟" داعبتها فاسوكي.

"لا طبعاً،" نفت مانيكا. "سنرسل إليك بمجرد أن نصل إلى هناك."

 

بلغت كلبة الجيران، كلبة صغيرة من طائفة الترير، مرحلة النزاء. أقبل خُطابها من الكلاب على مدى ثلاث ليال، تطلق نباحها تحت نور القمر وتجري بحذاء السور جيئة وذهاباً. نهضت فاسوكي في الليلة الرابعة وملأت دلواً بمياه البئر القذرة وقذفتها عليها. وفي خضم ما تلا من هدوء استسلمت للنوم دون أن تراودها الأحلام. استيقظت مبكرة وعبرت البوابة باتجاه الممر. أطل البدر غرباً فوق الأفق تماماً. وشرقاً كانت الشمس تنجلي فوق المياه. اتخذت مكانها وسط هذين القطبين بالضبط. طوقتها الحركة الموقوتة لهذين الجسمين فخامرها التيقن من قرارها.

لكن هل تقوى على التغلب على آلام انتزاع بونياه من أحضانها؟ في ذاك الصباح جهزت حقيبة صغيرة. وضعت فيها ملابس جديدة ولعباً صغيرة وتمثالاً للآلهة. اشترت كتاباً، الكتاب الذي كانت مانيكا تقرأه على بونياه باللغة الكبرى. تمثل لخيالها بونياه وهو ينزل من الطائرة ممسكاً بحقيبته الصغيرة. وبالأسفل يبتسم الوالدان العطوفان متهيئين لإسباغ الحب عليه. تنحني الأم استعداداً لأخذ جسده المنمنم بين ذراعيها. رغم أن موظفاً قد يقابله ويأخذه إلى مكان آخر ليلتقي بالوالدين. أياً كان الأمر، سوف يتوج الشعر الأصفر رأس أمه. تخيلت فاسوكي ما ستسلكه هذه الأم الجديدة من طرق صغيرة لتدليل جسده البالغ حد الكمال. أما الأب، رجل طويل كأفراد القوات الخاصة، فسيزخر قلبه بالعطف عليه. تخيلته وهو يومئ برأسه استحساناً. سوف يتيه افتخاراً بهذا الابن الصالح.

رفعت الببغاوات الخضراء أصواتها الحادة وغطست وسط أوراق الموز في حين طار البعض من بينها. أنبتت أشجار البونسيانة بتلاتها النارية. عندما أتت على أعمال المنزل الصباحية، أخذت بونياه إلى البحيرة. انقضّت فراشتان قرب شجرة مارجوسا على بعضهما في حركة رسمت أقواساً بيضاوية. وافق صياد كان يصلح قاربه على أن يركب معه بونياه. بقيا بالقرب من الشاطئ وحينما وجّه الصياد قاربه إلى العمق، تسلق بونياه القارب وجعل يرشرش المياه باسماً.

"هل ركبتْ مانيكا قارباً من قبل؟" تساءل. "لا أظن."

في الغسق تركته فاسوكي يطعم الدجاج. قرق الدجاج في انفعال وجرى إلى حيث قذفت يده الحبوب. عاد بونياه إلى المنزل وقد غمره شعور بأهمية إنجازه. ارتقى القمر فوق البحيرة والتمعت النجوم على الرمال. عاونت مانيكا بونياه في الانتهاء من ملء الحقيبة. وضع شاحنة لعبة ودمية صغيرة أعطتها له مانيكا ثم أحضر ملاءته المفضلة من على حبل الغسيل.

"جفت في ضوء القمر،" قال. وضع الملاءة أمام الدمية ثم عدا إلى الخارج وقطف ثلاث من زهور الألاري ووضعها فوقها.

 

تآمرت الأرض مع الهواء تحت جنح الظلام فانهمرت الأمطار العذبة مدراراًً. شربت منها حتى الثمالة أشجار السنا القائمة عبر الممر وأشجار البونسيانة بالخلفية. جثمت طيور صغيرة تنفش ريشها وتساقطت قطرات المياه من أذيالها. سُحقت الرمال واغتسلت.

اضطجعت فاسوكي بجانب بونياه. عندما كف المطر، أدركها الكرى. بعدها عندما أيقظها المنبه، كان القمر يهبط للتو. أيقظت بونياه ثم أحمته وألبسته ثيابه. بينما كان يأكل طعامه، أتى ناديسان، منشرح الفؤاد يمازح مَن حوله. سوف يأخذ بونياه إلى العاصمة. كان قد اتفق مع راكب آخر، ابن عم زوجته من بعيد، أن يعتني ببونياه خلال الرحلة. أعجبته حقيبة ابن أخته. ربت على كتف بونياه وغمزه بعينه.

"أنت وأنا سنذهب في مغامرة. فالآخرون لا يتحلون بالشجاعة الكافية، لذا لا بد أن يبقوا هنا حيث الحياة الراكدة."

شق الضياء العتمة بما يتسع لتحقيق الرؤية. كانت مانيكا لا تزال نائمة عندما مضى إليها بونياه ليلثم وجنتها. مشى مع أمه وخاله نحو البوابة. طبعت فاسوكي عليه القبلات ثم تراجعت. راقبت بونياه وهو يأخذ بيد خاله. خطيا عتبة البوابة. حانت من بونياه التفاتة ولوّح بيده فأجابته فاسوكي بمثل تلويحه. وقفت بالممر إلى أن انعطفا عند الزاوية.

سارت إلى المنزل فيما شملت المحيط صيحات الببغاوات. كانت نداءاتها الجشاء تطرق أسماعها كل صباح مثلما تنطلق السهام الملونة عبر أكثر الأغصان ارتفاعاً. أما هذا الصباح فقد بدت كل صيحة لأذنيها كومضة نصل.

 

عرَضت أشجار البونسيانة حفنات من البتلات الساخنة وخلط النسيم سعف أشجار الموز بمنزل الجار. تهللت أسارير مانيكا وهي تلبس. جعلت تثرثر حول ما قد يصنعه بونياه لحظتها. تمنت فاسوكي ألا يصاب بونياه بالحنين إلى البيت قبل إقلاع الطائرة. تأرجح إحساسها بالأسى عند ذلك الفاصل الضبابي الذي تنَقل بين ما يتيسر عليها احتماله وما يتعذر. ستصبح مثل سري، أماً لابنة من غير صبي. ستوقف حياتها على قضاء احتياجات مانيكا. ستنتسب إلى لجنة المواطنين. كما عقدت العزم على تعلم اليسير من اللغة التي صارت مانيكا تجيدها، اللغة التي ستغدو لسان بونياه.

أعدت مانيكا أثناء سيرها إلى المدرسة قائمة بما ستفعله مع أمها من أنشطة. انقض طائر قنبرة أمامهما فأصدر انزلاقه صفيراً خفيضاً ثم حوّل مساره إلى أعلى وابتعد. غشي فاسوكي ارتياح، فمانيكا لم يبد عليها الافتقاد الشديد لبونياه، على الأقل ليس بعد. لفت انتباهها شكل زهرة سقطت على الطريق بجوار بوابة المدرسة. داخَل حماسة مانيكا وهي تقول ’مع السلامة‘ شيء من الخفة والعجلة فبدت لفاسوكي كما لو كانت لغة جديدة خلقها الكون للتو، لغة بدأت بالكاد تسمعها.

سارت عائدة وأشكال الضوء والظل الممتدة فوق الرمال تحيق بها. في المجمع حط طائر أصفر وراح ينقر ما فات الدجاج من حَب. كان لا بد أن تغلي المزيد من ماء الشرب. شرعت تقوم بهذه المهمة ثم انخرطت في البكاء. جعلت تبكي فيما تشق الحرارة جَدَدها بالنهار. زحفت الأبراص نحو الظلال. امتدت البحيرة في استواء وكأن العالم قد برئ من الاضطرابات، وكأن ما اكتمل من أشياء استعصى على الكسر.

عندما اتخذت مجلسها كي تحتسي كوباً من الماء، شعرت بالحرارة شعورها بجسم مألوف، شعورها بشخص نامت إلى جانبه. إلا أن هذا العالم الخارج عن جسدها وقع الآن من نفسها موقعاً غريباً. فبدا الأمر كما لو أن لوناً عجيباً جديداً تحرر في جنبات العالم. لم تستطع أن تقول بجمال هذا اللون أو عدمه.

رفرف سديم من الفراشات الصفراء فوق الألاري وجثم على السياج طائران صغيران تلون رأساهما بلون السماء. دلفت فاسوكي إلى الممر وأغلقت البوابة. كان المعتاد خلو الممر. الآن هناك خمسة جنود يقْبلون نحوها بخطى واسعة. رماها أحدهم بنظرة ثم رد الطرف بعيداً. أفسحت فاسوكي مكانها حتى يعبروا.

لم يأت الجنود إلى هنا، فقد لزموا الجانب الآخر من الجسر. سارت حيث تقاطع الممر مع الطريق الرئيس. عندها ألفت العديد من العساكر يخرجون من الشاحنات لينتشروا في أرجاء المكان. لمحها القريبون منها ثم واصلوا السير. ذهب أربعة أو خمسة على حدة إلى المنزل بعد الآخر، يقرعون الأبواب ويصرخون ليلقاهم السكان. ظهر في أحد المداخل شاب يرتدي السارنج* ويرشق وجوه الجنود بنظرة عصبية.

ما الذي جد ليحدو بالجنود على المجيء إلى هنا؟ لا بد وأن الموضوع يتعدى حدود لغم. حمَل الهواء رائحة دخان، رائحة طهو. أم أن جندياً أخمد ناراً كان يطهو فوقها؟ لحسن الحظ أن ناديسان راح إلى العاصمة، لحسن الحظ أن زوج سري لم يرجع إلى بيته بعد. أوسعت فاسوكي خطاها نحو المدرسة. اعتلت البحيرة مياه كانت كما المرآة في نعومتها وكمالها. حاولت أن تسكّن من روعها، أن تتحلى بالهدوء، فما ترنحت في مشيتها إلا قليلاً مثلها مثل المياه. غير أن جسدها أبى هذه النصيحة. يا لتمهل الهواء المحيط بها ويا لنعومته، ويا لعصبيتها وهي تندفع في غماره. تراءت المدرسة أمامها، ثمة عند البوابة شجيرتان من أشجار الخطمي تلوح منهما أزهار برتقالية فاقعة. أقفر الملعب من اللاعبين. أدخلت فاسوكي الناظرة، امرأة تتسم بالجلال وترتدي الساري على الدوام. تجمعت أمهات أخريات بالمدخل.

"ما الذي جرى؟" سألت فاسوكي. هزت الناظرة رأسها.

"مَن عارف؟ الأفضل أن ننتظر هنا حتى يرجع الجنود عبر الجسر. سننتظر كلنا معاً."

وقعت عينا مانيكا على فاسوكي فخفت إليها وهي تلوح بورقة.

"هذا هو منزلنا بالليل. لن يمكنك رؤيتنا لأنك وبابا وأنا وبونياه نيام، إنما كل الأشجار مرسومة كما أضفت قمراً."

جثت فاسوكي على ركبتيها واحتوتها بين ذراعيها ثم ألقت نظرة على رسم مانيكا.

"جنود!" هتف أحد الصبية. اعتدلت فاسوكي ورنت إليهم من خلال النافذة المفتوحة. كانوا سبعة جنود، اجتازوا البوابة ووقفوا حينئذ في الانتظار. ومن خلفهم أقبل من البوابة المزيد من الجنود الواحد بعد الآخر. ما منهم إلا وقد انتعل نفس الحذاء الطويل الأسود ذي الرباط.

انتشروا في صف يواجه مدخل المدرسة. أطرق الأطفال فبدت بزاتهم البيضاء في الهدأة مشرقة كل الإشراق. أرخت فاسوكي جفنيها وتركت عينيها لترتاحا للحظة في الظلام. عندما فتحتهما، رأت طفلاً يشد ساري أمه بقوة متوسلاً إليها أن تحمله. رفعته أمه فقبض بقدميه على خصرها.

قام الجنود على مقربة بما يكفي لأن ترى فاسوكي وجوههم. قرأت ما يحمله كل وجه من اختلاف، واحد وسيم المحيا، التالي بشرته مجدرة، واحد وشى بالعنف، آخر نالت منه الحيرة والعصبية. كانوا صغاراً، تزيد أعمارهم بالكاد عن التلاميذ. ومن ورائهم نبتت زهرات شجيرة الخطمي. أرادت فاسوكي أن تنادي على العساكر، أن تسألهم عن أسمائهم وأسماء آبائهم غير أن أعين الجنود لم تكن تتطلع إليها. تقوس الصف وما انفك يتقوس إلى أن تحلق حول المدرسة. ثم صرخ أحد الجنود بلغة فاسوكي.

"اخرجن!" قال صائحاً. "اخرجن كلكن."

تقدمت الناظرة.

"لا تذهبي،" قالت إحدى الأمهات. "لا تفتحي الباب."

عبست الناظرة واستقامت في عزة. "يجب أن أتحدث إليهم،" قالت. "فربما لا يرومون سوى المبنى."

شدت مانيكا ساري فاسوكي. ندت عن فاسوكي كلمات تتلاءم مع الموقف بغية تهدئتها، ولكن ما إن تكلمت حتى انمحى من ذاكرتها ما نبست به. تفكرت كيف لا يزال الأخضر صامداً في بعض الأماكن. ما أكثر التمزيق، ما أكثر التقطيع، ومع ذلك لم يطل شجرة المانجو أدنى تغيير. مهما بلغ عدد مَن مات من الجنود، ما يزال بإمكانك أن تستحم، أن تشعر بالانسكاب المقدس للماء. لا يزال الأطفال يفدون إلى الدنيا، يركضون من الظل إلى الرمال المشمسة وأصواتهم تنادي بعضهم بعضاً كما تنادي طيور النورس في دوارنها.

أضمرت فاسوكي عند ذاك شعوراً خفياً مثيراً بالتفاخر شأنها شأن عَلم نُشر في شموخ من ساريته. لقد تصرفت في الوقت المناسب. فاقت هؤلاء الجنود دهاء. فبونياه في طريقه إلى بلد يرغب فيه الأغنياء الطيبون في الأطفال الأجانب. لقد خططت للمستقبل وأقدمت على ما هو صواب. أرسلت ابنها خارج دولة الموت إلى دولة أخرى سيرفل فيها بالأمن.

حاولت أن تركز في وجه أقرب الجنود بيد أن ما رأته ارتعش وكأنها تنظر من خلال نسيج شفاف. انضغط جسم مانيكا بوركها. غضت فاسوكي طرفها نحو يد مانيكا الممسكة بالرسم. يا لها من يد صغيرة، يد أمسكت بقلم شمع أخضر وحركته في تصميم على الورقة. تعلق بصرها بيدها المضمومة فوق كتف مانيكا وحانت منها نظرة إلى أظافرها الطويلة.

لم تكن هذه يداً يسعها أن تنقذ أحداً. فهي لا تفلح سوى في هش الذباب ومزج الأرز بجوز الهند. ثم وللحظة لاحت لها هذه اليد وكأنها ليست يدها إنما يد شخص غريب. خطر ببالها أن ثمة فعلة قد تصنعها هذه اليد، فعلة لم تجر بخاطرها قبل لحظتها. لو سمح لهن الجنود بالعودة إلى بيوتهن، يمكن لهذه اليد أن تفعلها فيما تدخل المجمع مع مانيكا. تخيلت هذه اليد تمتد إلى زهرة الألاري وتمثلت لعينيها أصابعها وهي تجمع بذورها.

 


 

* السارنج: الزي الرئيس للجنسين في سريلانكا وهو تنورة زاهية الألوان تلف حول الخصر.

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.