مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت نانسي رايسمان بالموافقة على نشر قصة "الشاي" في مجلة البوتقة.

Ms. Reisman was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Tea” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Reisman a great debt of gratitude for her kind permission.

“Tea” by Nancy Reisman. Copyright © 2003 by Nancy Reisman. Originally published in The Michigan Quarterly Review, vol.. XLII, no. 1, Winter 2003.  From her novel, The First Desire. Copyright 2004 by Nancy Reisman. Published by Pantheon Books. Reprinted by kind permission of Brandt & Hochman Literary Agents, Inc. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Marianne Merola from Brandt & Hochman Literary Agents, Inc.

 

 

 

 

نانسي رايسمان

الشاي

تقديم: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 27-نوفمبر-2008

Photo © 2004 Joe Vaughn

 

 

الرغبة الأولى

 

 

لم يكن الرجال الوسماء مشتهى ليليان على الدوام: راقتها ثقة معينة، رائحة، كيفية تبدل الرجال العاديين بفعل الرغبة. يا لجمالهم، أجسادهم تومض، أرجلهم تتمدد بعضلاتها، ظهور عريضة وأذرع غليظة تلتوي حولها، قضبان جامدة في ظلمة غرف الفنادق، كرات رقيقة على فخذيها. اختارت رجالاً لم يكشفوا عن طبائعهم الأحلى إلا في الخفاء: أخذوا كلهم بأسباب حيوات لا تَعرف الغفران، أرادوا كلهم الغفران. بل إنهم على ما يبدو توسلوا لنيل مثل ذلك الشيء، ليس مجرد الجنس إنما ما قد يسبغه الجنس من سمو، نعمة جامحة مستحيلة. هل كان وهماً، رؤيتهم على هذا النحو؟ تخيُّل أصابعها وهي تنساب على أضلع رجل وراحتها تتكور لتمسك بقلبه. رامت ذلك، وفي لحظات معينة تراءى الرجال أيضاً – بوجوه يغمرها الشوق – راغبين فيه. لكن على الرغم من كل ما يبدونه من مظهر عفوي ونيك يكاد يستميتون فيه وتصريحات نشوة الجماع أحبك يا ليليان أحبك يا ليليان آه ليليان ليليان آه – سرعان ما تلاشى الرجال دون أن يهجروا زوجاتهم قط. كانت قصة تناهت إلى أذنيها في مكان آخر. أمَّا كيف أضحت قصتها، فلا علم لديها.

 

إلا أن خيوط حياتك تنفك بصورة أو بأخرى انفكاك الخيوط من المِكب. تصورت ليليان كيف يمكن لحياتها أن تمضي. عندك والداها، أبوها أبله وكريم وميت؛ أمها شكسة في شحوب السمكة، امرأة متذمرة لا جدوى منها. سمكة شبوط تحت جليد النهر تقضم قضمات صغيرة من إحباطات عتيقة. تبددت أقل المتع – حمَّّام ساخن، شاي، غسق برتقالي عبر شجر الدردار العاري – داخل منزل أم ليليان. باستطاعة ليليان على الأقل اختيار وحدتها: حصلت في السابعة عشرة على شقة صغيرة ووظيفة بائعة في متجر.

 

تتكتك السنوات. تمُرين برجال مُعينين في الشارع. تجذبين بعضهم داخل جسمك، لفترة وجيزة، دوماً لفترة وجيزة زيادة عن اللزوم. تلازمك طعوم وروائح فريدة حتى عندما تتيقنين من النسيان. وبعدها، في إحدى حفلات العطلات أو حفلة استقبال بأحد الأفراح، تتلقين القبلة السريعة على الخد، قريبة بما يكفي لالتقاط الرائحة من جديد. تندفع داخلك إثارة جنسية: لا بد أن تتثبتي لئلا تقعي لأن التالية في الصف – قد تكون زوجته وقد تكون ابنته – تُقبل هي الأخرى خدك على حين يتفرج رجال آخرون عرَفتِهم وزوجاتهم.

 

كانت ليليان في عام 1927 – حين بلغت الخامسة والثلاثين – مترفة أي ترف. ريانة القوام. أحمر شفاه غامق وعطور بروائح الزهور وأطلس أزرق مفتوح الصدر ساقطه وأحذية جميلة. كانت تبيع الأدوات المكتبية وأقلام الحبر ودفاتر الحسابات ويوميات جلدية داكنة في متجر صغير بشارع مين، متجر ماكسويل. حين ظهر آب كووِن، لم تفترض أية افتراضات: فقد عاش لسنوات على هامش تفكيرها. ممل. وسيم. مستقيم استقامة لا تلين. صديق لأخيها الأكبر، محترم احتراماً لا يعرفه أخوها موشى. رب أسرة، بمعنى أنه كدح ليجلب زوجته من روسيا ثم أبقاها حاملاً مدة عقد من الزمان لتحجب حياته أكثر فأكثر تلك الذرية الغربية من البنات وابن محب للمتعة. تسربت شائعات في يوم من الأيام – علاقة رومانسية بفتاة بولندية قبل وصول زوجته – إلا أن الزمن عفاها الآن لتغدو بلا أهمية. هو نفسه بلا أهمية عدا محل الجواهر الخاص به العارض لعلب تزخر بأوبال وياقوت وأقراط ماسية ولآلئ بإمكانها جذبها على لسانها.

 

"أهلاً." ارتسمت على وجه آب كووِن ابتسامة وخلع قبعته ثم تظاهر بتدقيق النظر في دفاتر حسابات مجلَّدة وورق بعلامات مائية. تفحص مخزون الخطابات العاجية وبعدها سأل، "هل تودين شاياً؟" وكأنهما في منتصف حوار.

 

"عفواً."

 

أشار إلى الشارع. "آنسة شوماخِر، هل تودين فنجاناً من الشاي؟"

 

تحرك إبهامه على الورق العاجي في دوائر صغيرة لا يعوزها التعمد. لآلئ صناعية، دار بعقلها، شاي؟ رطَّب شفتيه بلسانه وصوب إليها تحديقة كستنائية مباشرة. نست أن عينيه كستنائية إن كانت تعلم في أي وقت مضى. أجزاء بيضاء طفيفة في شعره الآن، معطف بلون الفحم مثله مثل حزام غير مزرر، وتحته بذلة من ثلاث قطع. أنيق مقارنة بسنه، أنيق مقارنة بأي سن عدا الصبا، والإبهام يدور ويدور، ومتى فك أزرار المعطف؟ قبعة في يده اليسرى، بلون فحمي أغمق. "هل من الممكن أن أدعوكِ إلى الشاي؟" داخَل صوته صرير ناعم – هذا ولا شك ما باع الجواهر للنساء، ذلك الصوت الجهوري الفسيح والبذلة ذات القطع الثلاثة بكل الأزرار الموحية بعكسها، فك متواصل للأزرار، ودوائر الإبهام تلك فوق ورق الرسائل معبرة عما قصده بالشاي.

 

ألَّم المرض بزوجته، حسبما تناهى إليها، تضعف. "هذا كرم منك،" ردت. جسًّدت تلك اللحظة لحظة الانحدار، أو على الأقل لحظة توجيه لقائهما إلى مكان عام، مواساة مباحة: كيف حال زوجتك اليوم؟ هل هي محمومة؟ تسير؟ تأكل؟ هل يمكنها تناول الحساء؟ شاي وفطيرة. ينعم بيدين جميلتين. رامت أن تلمس ثغره، نقطة على شفته مد لسانه إليها. "بكل سرور."

 

أغلقت المتجر مبكراً واعية به يرصد يديها وهي تَقفل باباً من البلوط لا يخلو من نافذة وترتدي قفازيها الجلديين وتلف وشاحها الأزرق حول جيدها. وقف على الطوار على بعد مسافة مقبولة، الأرجح أنه مرافق أرسله أخوها. متى اتخذت القرار؟ حمَلت علبة من ورق الرسائل وأخرى من الظروف داخل كيس من أكياس التسوق. نضح الهواء برائحة الثلج وضعُف ضوء النهار خلف سحب رمادية أشبه بالوسائد. اندفعت الرياح شرقاً من البحيرة. خالجها إحساس بالتردد. ورق في ورق في الثلج، جال ببالها. قصاصات مبتلة. كان يضغط بلسانه على شفته العليا. "هل عندك مانع أن أعرِّج على البيت؟" مشيرة إلى عربة التسوق.

 

لم تتوقف في بهو مبناها حتى عندما تخَلف عنها وتباطأ مستعداً للانتظار كما هو مفترض. لحق بها على السلالم إلى الطابق الثاني، إلى شقتها. كانت تفكر وقتها في البرودة بالخارج وحرارة شقتها، المعطف الفحمي والأزرار ناسية بالفعل حياته الأكبر، تكاد ناسية المقهى الكائن في الشارع. تفضل بالدخول، نبست، خَلَع جزمة علوية تحمي حذاءه وتبِعها إلى الردهة الصغيرة. بث أنفاساً لا ينقصها التحفظ. مست ليليان خده الأيمن براحتها فطبع قبلة على يدها ثم ثغرها. ما خامرهما تردد، فقط ارتباك وجيز مع نزع الملابس: وأصابعها تشد أزرار القميص لتفتحه آه، خطوة مكبوحة منه إلى الوراء وكأنه يخلع دوماً ملابسه بنفسه. اتخذ وجهه تعبير اليائس المُشْرف على السكْر شأن رجال قاوموا الرغبة ثم انغمسوا فيها – رجال قد يعترفون بعدها وهم واعون لقد انتهكتُ وصية – على ما في ذلك من إزعاج. الأفضل أن تراه بهذا التعبير، دون اكتراث. دخَلها في فراشها وتحرك ببطء ثم بعجلة ليبلغ الذروة سريعاً. لمسها ساعة ثم قام واغتسل وقبَّل جبهتها ورحل.

 

انقضى أسبوعان ثم عاد إلى الظهور، أمطرها بكعك من مخبز بولندي وجين طيب مهرب من كندا، أجرى أصابعه على وجهها وقبَّل ثغرها، بكل امتنان وشبق، قبل أن يُجري يديه على نهديها وبطنها وما بين رجليها ليدلكها بلطف ثم يدخلها: كان الإحساس مذهلاً ممتعاً أيما إمتاع، مريراً إن تخليا عنه.

 

تراءت لها مغازلة آب أثناء الأشهر الأولى أشبه بالحقيقة لتتناقض مجاملاته وما وجدته من متع مع كل الغياب الآخر. دعاها شانا، الجميلة، وخلال ساعاتهما معاً صدَّقته. يا لسهولة نسيانها لكل المغازلات السابقة، الطبيعة المتقلبة للرجال والرومانسية، عدم دوام العاطفة، لحظة تبدأ فيها العذوبة الخالصة تتغير. حلَت الطقوس لآب، وقد التزم في الأشهر الأولى بطقوس الكعك والجين والرقة، وجنس عنيف وافقت خلاله على ما يبدو رغبته رغبتها. إلا أن آب أقبل إليها في الربيع ضجراً تعيساً مجرداً من الهدايا. قدَّمت له نبيذ هوليداي رفضه. ما أراده كان صعباً لا يرحم: أخذها من الخلف، دون قبلة، دون نظرة عين. كان شيئاً فعله الرجال. آه، فكرت. هذا. استسلمت له بلا حد فبدا جسدها شيئاً منفصلاً عنها وزالت تحته. أراد منها أن تقول أجل، يعجبني. "أجل يعجبني،" نطقت لتصبح كاذبة وبمعنى ما قاصدة في نفس الوقت. استولى عليها شعور غريب بالخلاص حين ثبتها أسفله كمن بلغت نهاية الخوف. ما امتلأت رئتاها مجدداً إلا عندما غادر شقتها. آب في الأسبوع المقبل بفاكهة وشوكولاتة، قبَّلها وداعبها ولم يؤت على ذكر زيارته السابقة.

 

البادي أن أحداً لم ينتبه إلى العلاقة أو زيارات آب لشقة ليليان كل أسبوعين مع أنه كان معروفاً في حيها. أو عل أحداً لم يصدق هذا عن آب الذي كان برغم كل شيء صديقاً عزيزاً لأخيها، رجلاً يعاني ما صاحب مرض زوجته من عبء وأسى. لم تلتق ليليان به علانية أو تطلب المزيد من الوقت. ما رغبت في حياة ريبيكا كووِن: رغبت في آب مثلما ألْفته بشقتها في ذلك اليوم الأول، رجل ارتج لينفصل عن العالَم، مستغرق في متع جسده وجسدها ومتطلباتهما الهائجة. وخلال السنة الأولى اكتفت بالمواعيد في شقتها. وخلال السنة الأولى لم تكف عن رؤية رجال آخرين.

 

ثم هلَّ يناير آخر. انهارت ريبيكا كووِن في الترام ولزمت الفراش. جاء هذا الخبر من زوجة أخي ليليان بيرثا، جاء من الأسواق وصالونات التجميل. رسالة مقتضبة من آب: زوجتي مريضة. ثم لا شيء. تتكتك الأيام بطيئة، تتراكم الرغبة، تمسي كثافة كما العسل أغلظ من أي وقت خلا، يكسو أسطح كل الأيام سؤال مكرر أين آب أين آب أين آب، سؤال لم يتوقف حين احتست الخمر أو نامت. لم يكن النوم نوماً بل انجرافاً، الفراش طوف جليدي، رياح البحيرة تدفعها بعيداً بعيداً إلى عوالم مثلَّجة. جربت ما تعهده من علاجات: جين غير قانوني، سجائر ماريجوانا، جنس آلي مع رجال آخرين – ليسوا آب – تواصل خلاله صوت النقر الرتيب، من غير عودة أو خلاص. تبدى وكأن لا نهاية لوعيها له في العالَم. ففي وسط المدينة التقت عيناها يومياً تقريباً بمذكرات سائرة: بناته، جيش صغير، في كل مكان. عمِلت الآن أبغضهن، جو، في مكتب موشى للمحاماة؛ جالت أغربهن، سيليا، في المدينة متوقفة بانتظام عند متجر ماكسويل لتلمس صفحات الأوراق وأحياناً تسرقها. لم تمسك الكبرى قط عن قصد الصيدلي لتشتري لأمها المحاليل المحلاة والحبوب؛ ظهرت المتزوجة الأنيقة في محلات الملابس التي كانت ليليان تفضلها. أخذت ابنتان منهن عينيه، والأخريان فمه وحاجبه لكنهما لاحتا أشبه بريبيكا التي ما وردت ببال ليليان الآن إلا بكلمة هي. تطلب هذا جهداً. عند الجزار وسوق الفاكهة والمتاجر الكبرى والمقاهي وصالونات التجميل ومكتب البريد وعربات الترام وردهة المضمار، قرَقت النساء وغمغمن ريبيكا المسكينة وبنات ريبيكا يبدون شاحبات (ألم يكن دوماً هكذا؟) وآب زوج ريبيكا غاية في الامتقاع، آب المسكين.

 

وبحلول منتصف فبراير كانت ليليان شبه محطمة بالرغبة والأسى الصامت. ألْفت إنقاذاً مؤقتاً أتى في ساعة متأخرة من الليل حين عمُق الانجراف المثلَّج وتراءى الليل سديماً نصف شفاف لتَبرز ثانية فترات قصيرة من أشتية أخرى كالجديدة: مقعد للقراءة بلون أحمر قاتم، هواء تلون بأصوات الرجال – أبيها وأصدقائه – الصاخبة العذبة عذوبة جشاء، سجائر التبغ، الشاي الساخن. حلوى النعناع. نبرة أبيها في قصفه، غناؤه المتجاهل للحن، يده الجاسئة المستندَة إلى قمة رأسها. بهَت منظر المقعد والأصوات والدخان ليستحيل إلى إحساس منفرد منتزع من ذلك العَقد الآخر، إحساس في مثل قُرب عمود إنارة أبصرته من نافذة حجرة نومها أو لحافها الأبيض أو نمش جبهتها. مع ذلك استعصى لمسه، إحساس ارتبط بالفضاء الشاغر.

 

تسرب الاندماج الضبابي لـ آنذاك في الآن تسرباً هادئاً من ليلة إلى صباح، ثم إلى نهار، ونهار آخر، بينما ترسخ غياب آب. تسمع ليليان في شارع مين ضحكة جشاء – ليس صوت آب الجهوري – ثم تفْقدها على الفور، علها نفس الضحكة التي تذكرتها أو ضحكة غريب أم أنها أساءت فقط تفسير صوت حاد ارتفع من فرامل الترام. سوف يطفو المقعد الأحمر القاتم نحوها وهي تستكمل صفحات من الورق البصلي وكأنه قبع هناك طيلة الوقت، في انتظارها، بل وكأنه قد يحيي الشاي وسجائر التبغ وحلوى النعناع، الصوت الأجش، اليد على رأسها، كل ما يسعها تحديده وكل ما تعجز عن تحديده. هَبْ أن المعقد الأحمر الغامق كان في انتظارها، هَبْ أنه كان ذلك المقعد. هل ستنتظر أيضاً الغرفة وبمعنى أوسع المنزل الذي احتل مكاناً فيه ليليان؟ ثمة عنوان واحد في برانزويك بوليفارد، منزل اختاره أبوها ودفع ثمنه، منزل ورثته أمها، ومنه هربت ليليان. لكن تبدى لعقلها أن هناك منزلين منفصلين، واحد ودت أن تعوده وآخر لم تود أن تطأه بقدميها. هل كان أحدهما متوارياً داخل الآخر؟ هطلت الثلوج في رقاقات سميكة اليوم بعد الآخر في كل أرجاء المدينة، وهبَّت الرياح من البحيرة ليعشي الهواء نفسه الرؤية، وفي هذه الأيام، الأيام الأشد إعشاء، بدا محتملاً ألا يزال منزل برانزويك ملكاً لأبيها. مضت ليليان في إحدى أمسيات الجمعة والثلج يحيق بها إلى منزل بطابقين ذي هيكل خشبي يتفرع من هامبولت باركواي. يمكن في الظاهر تصديق أن السلالم المطلية والردهة التي كدست فيها الرياح الثلوج ومزوزة* المدخل الثخينة المصنوعة من النحاس الأصفر تنتمي إلى منزل الذكريات.

 

طلَعت إيزابيل أم ليليان في المدخل بفستان أزرق داكن وعِقد من الخرز الزجاجي. أشرق وجهها بأحمر الشفاه بيد أن الفم الأحمر راوح بين التغضن الصريح والعبوس. قبَّلت خد ليليان، قبلة لم تكن بالمريبة. حاولت ليليان أن تقرر أي جانب من أمها تصدق: القبلة أم الحاجب المتجعد والعبوس المتقطع. وأي جانب من المنزل تصدق. فاح المطبخ برائحتيّ الخبز والدجاج المشوي؛ انبسط مفرش المائدة الكتان في غرفة الطعام، وتجهزت المائدة بأطباق فضية تعود إلى حفل زفاف أمها وأوان من الخزف الصيني وشمعدانات من النحاس الأصفر. غير أن حجرة المعيشة لاحت غريبة المنظر مستعصية على الاجتياز: هناك ثلاث موائد صغيرة للكوتشينة تتغطى بأحاجٍ مصورة – نصف برج إيفِل ومنظرين طبيعيين تجمعا على عَجَل – وتشغل المساحة الواقعة بين الأرائك. اكتظ رف الكتب القديم ورف المدفأة بتماثيل خزفية صغيرة لحيوانات الغابة. وأين المقعد؟ هل كان هناك أبداً مقعد أحمر غامق؟

 

أشعلت إيزابيل الشموع وغمغمت صلوات يوم السبت ففارقها العبوس والغضون. لا بد أنها تحلت بالجمال، طرأ بعقل ليليان لتبدو الفكرة جديدة، وإن وصف الآخرون أمها بالجمال من قبل ولم يزل الوصف أحياناً. تكاد ترى إيزابيل حين تصلي في صورة شخص مختلف، شخص دمث. والمنزل في صورة ذلك المنزل الحاوي لحلوى النعناع. ثم انتهت الصلاة وارتد فم إيزابيل إلى فم الشبوط وأخذت السكين الضخم إلى الدجاجة. "لطيف أن قررتِ زيارتي يا ليليان،" فاهت. "ويوم السبت. مَن كان ليتخيل؟"

 

"أردتُ أن أراكِ،" نطقت ليليان إلا أن الجملة خرجت كسؤال. بدت كلمة "أراكِ" وكأن ارتعاشاً يرين عليها.

 

"بجد؟ سبت سعيد،" قالت إيزابيل. "لو محتاجة إلى فلوس، اذهبي إلى أخيك موشى."

 

استشعرت ليليان وخزاً حاداً في صدغيها. بالفعل، بدايات صداع، نسيانها الجميل ينحل. لشَدَّ سرعة التحول – هل كان دوماً بمثل هذه السرعة؟ هل حدث أبداً أن امتلك أحد غير إيزابيل منزل برانزويك؟ وفي برودة ثابتة غلَّفت غرفة الطعام، لطَعت إيزابيل بفم كالسمكة أطباق الزفاف بالبطاطس، وأسفل روائح العشاء توارت أرائج المنزل الطفيفة: النشادر وبودرة التلك ودهن الدجاج. كما يحدث دوماً. غياب الأصوات الأعمق كما يحدث دوماً، دوماً مريرة تتوقف معها دقات القلب. كيف لليليان أن تفكر على نحو مختلف؟ شعرت بشَدة لا تعدم الحدة في بطنها، برغبة قوية في الضرب. "لستُ محتاجة إلى فلوس،" أنهت إليها ثم مدت يدها إلى النبيذ الحلو.

 

"ستُحضرين لي المزيد من ذلك؟" سألت إيزابيل. "حصلتُ عليه من الحاخام جرينبيرج."

 

"سوف يُحضره موشى. جلبتُ لكِ ورقاً من المتجر."

 

"بمقدوري شراء الورق،" ردت إيزابيل. "إنما شكراً."

 

"إن كنتِ لا تريدينه يا ماما، سآخذه معي."

 

"ألم أقل شكراً؟ يعجبني الورق. ما تجلبينه جيد."

 

ربما أوحت كلمة جيد بفتحة أخرى، ضيقة، زائلة، لكنها لا تزال شَقاً في باب قد تبصر منه ليليان أباها من خلال أمها. انتظرت، أكلت في صمت. كان الدجاج بطعم إكليل الجبل والبصل والملح، هناك جزر مشوي، وقد أظهرت إيزابيل العسل من أجل خبز السبت. كعكة خشخاش. شاي مُركز خففته ليليان بالليمون.

 

"قابلتِ أحداً؟" سألت إيزابيل.

 

"لا."

 

"ستقولين لي أم لا؟"

 

"لا شيء ليقال."

 

رشفت إيزابيل الشاي بحذر مبالغ فيه. "لا بد أنه بلا نفع."

 

"ماما، ماذا قلتُ للتو؟"

 

"أخوكِ موشى، رجل طيب. متآمر لكن رجل طيب. بيرثا أيضاً، يجب أن تتعلمي منها درساً. ابتعدي عمن لا نفع فيهم."

 

هل زارهم أصدقاء أبيها حقاً؟ ليس بالإمكان أن تختلقهم ليليان كلهم. ليس بالإمكان أن تختلقه.

 

"ليليان؟ أنتِ سامعة ما أقوله لكِ؟"

 

"ماذا تريدين أيضاً يا ماما؟"

 

"أنتِ عندك بالفعل لآلئ."

 

"نعم؟"

 

"تظنين أني لا أعرفك. أنا أعرفك. لو تريدين المزيد من اللآلئ، اطلبي من أخيكِ موشى."

 

لم تختلق آب كووِن، يداه وهما تتحركان عليها، لم تختلق جِماعه إياها: لم تنفك تلك الأحداث جلية. أمَّا ما لاح غامضاً مبهماً فكان حياة أخذ بأسبابها من غيرها. لا يسع ليليان إلا أن تتخيلها كقوقعة تحف بهواء شاغر، لا تعطل أسباب غيابه من الزيف. وهكذا دارت ليليان متعمدة حول حياة آب في الأسابيع الأخيرة من الشتاء، اختارت محطة الترام الأقرب إلى متجره، ترددت إلى المخبز المفضل لديه، اشترت من الصيدلية المجاورة لمنزله. استعارت سيارة أخيها الباكارد مرتين لتقودها ذهاباً وإياباً بطول شارع آب. أنوار في الطابق الأول وغالباً في الثاني، تحركات مرتعشة من آن لآخر عند النوافذ. دعَمت أكوام الثلج جانب البيت. نظَّف أحدهم الممشى الأمامي بأن جرف الثلوج. التمع الجليد على حواجز الشرفة وألواحها الخشبية. ظل ما بداخل البيت متعذر الاختراق، شيئاً أشبه بالظل اختفت هي وآب داخله.

 

انتظرت حتى مارس قبل أن تزور محل الجواهر. تولى الابن إيرفِنج مسؤولية الطاولة. صبي وسيم، صورة طبق الأصل من أبيه لكنه لا يزال طرياً متردداً، خلا ذلك الوميض، نفس الشبق للمتعة الذي رأته خلال لحظات آب السرية. تراءى شبق إيرفِنج أكثر علانية إنما أكثر تشوشاً. "أي خدمة يا آنسة شوماخِر؟" خرخرة طفيفة في الصوت.

 

لم يتعال صوت من الحجرة الخلفية حيث يثبت آب الفصوص في الحلي رغم أن الباب كان مفتوحاً قليلاً. طلبت أن تتفرج على الأساور ففتح إيرفِنج الصندوق ليجذب حاملاً مخملياً يضم أربعاً ثم يدعها تَحملها في النور وتجربها. من أجل زوجة أخيها بيرثا، أنبأته. يجب أن تتشاور مع أخيها، وسترسله إليه لإلقاء نظرة. ممكن أن يبعث إيرفِنج تحياتها لأسرته، وكل التمنيات بصحة سابغة؟

 

فاتت ليلتان ثم عاد آب إلى شقة ليليان، والإحباط والغم يستبدان به، ويداه عابقتان بالمرض. أذعن حين طلبت منه أن يستحم، أولاً.

 

كانت ليليان تدرك شيئاً واحداً: افتح الباب للخطر وسوف تتسع الغرفة وتتمدد. فمهمة الحذر – الآلية في البداية – تصبح بمرور الوقت مرهقة ومملة، عملاً روتينياً آخر في قائمة طويلة زيادة عن اللزوم من الأعمال الروتينية. لا تقدر على الاضطلاع بها كلها، وعليه تؤجل أياً كان ما يبدو بلا أهمية. هكذا فسرت ما عرى آب من تغير كامل مفاجئ: فقد عادها كل ليلة تقريباً. الحق أنه ظهر غافلاً عن الخطر، مرتبكاً من الإنهاك واليأس. بكى حين لمسته، وبكى حين أحجمت. كانت تعلم أن البكاء خافٍ عن أسرته. وقع التأثر في نفسها لرؤيتها لآب على هذه الحال – مهتز حتى الانهيار شأن الصبي، غارق حتى أذنيه في الحيرة والحزن. لكنها فضَّلته أيضاً طائشاً. كان يظهر بشقتها في ساعة متأخرة لينهار على فراشها، وبعد هنيهة يمارسان الحب بدون كلام. قد ينام ساعة. وفي بعض الليالي قابلته في ديليوير على بعد عدة صفوف من المباني من منزله رغم أنها كانت أوعى من ذلك. وفي مرة من المرات، في الثانية صباحاً، أوقفت ليليان الباكارد في الجهة المقابلة لمنزله ثم تسلل هو من الباب الخلفي ليَعبر فناء الجيران ويقطع الأعشاب المغطاة بقشور الثلج نحو الحاجز الحجري عند حافة الطريق ثم إلى سيارتها المستعارة.

 

واصلا هذا الوضع حتى فارقت ريبيكا الحياة. وفي العزاء انضمت ليليان إلى أخيها وزوجته وهما يُقدمان تعازيهما إلى الأسرة. رصَّعت البراعم الحمراء الأشجار المتاخمة، أزهر الزعفران في فناء آل كووِن الأمامي، اختلطت درجات الأخضر الزاهية للعشب النابت حديثاً بدرجات الشتاء البنية. وللمرة الأولى دلفت ليليان إلى المنزل القائم في لانكستِر. تلألأ الخشب القاتم في البهو، ثمة رسمة لباقة من الزهور على ورق الحائط تناثرت في المدخل والردهة. انبعثت رائحة خفيفة لخشب الأرْز والسكر المخبوز والشاي. جلس الأقارب الزائرون هادئين مع البنات في الردهة – المجنونة سارقة الورق، سيليا، في سكون ما بعده سكون وأشحب من المعتاد، إيرفِنج مترهل الظهر بحذائها؛ الابنة المتزوجة أنيقة في رداء أسود، تهمس إلى آب على حين يقف زوجها حارساً بجوارهما، يعدل نظارته ويعاين الحجرة. لاحت الابنتان الأخريان مهلهلتيّ الثياب حمراويّ الأعين. قابلت جو مواساة ليليان بتحديقة مشحونة بالعدوانية. هبطت رسمة الزهور خلف البيانو العمودي؛ رقدت نوتة موسيقية مفتوحة، سوناتة. تراجعت ليليان إلى دهليز أفضى في أحد الاتجاهين إلى المطبخ الأرِج، وفي الاتجاه الآخر إلى سلالم أمامية بدرابزين سميك من خشب القيقب وسجادة طويلة فارسية، دعوات صامتة للتوغل في المنزل. اجتازت غرفة الطعام الرسمية (المزيد من الزهور) قبل أن تفد امرأتان من المعبد بأياد محملة بأطباق كبيرة وأوان زجاجية غويطة، خليط فوضوي من التقوى والهمسات، شرائط المعكرونة والسمك. انسلت ليليان إلى الخارج نحو الشرفة الأمامية الشاغرة، بعيداً عن النوافذ، وانتظرت موشى وبيرثا حتى يفرغا من تقديم العزاء.

 

لم تكن ليليان لتختار ورق الحائط ذلك: فالزهور الوردية المُشذَّبة خليقة بالفتيات، مغرقة في الرومانسية، واقعة في التقليد الأعمى النيق. ومع ذلك أرسلت الغرف المغطاة بورق الحائط انطباعاً بالسكريات، وبعد أن انصرفت يومها، عاودتها صورة باقة الزهور. أريكة من الخشب الداكن، تنجيد بلونيّ البسكويت والكتان، مقعد القراءة الخاص بآب بلونه الأخضر الفاتح الجميل. بيانو عمودي، نغمات سوداء تتبعثر على الصفحات البيضاء للقطعة الموسيقية المفتوحة. ارتسمت الردهة في مخيلتها وقد افتقرت إلى الزوار والأريكة خالية من سيليا وإيرفِنج، مكشوفة، مغرية، مكان لترك النهار كي يهدأ، لرفع العيون المحدقة إلى الزهور، بينما تطرح الأشجار ذات البراعم أشكالاً من الضوء ويُلين بيانو متراخ من وقع الأصيل. تصورت ليليان ليلتئذ أن فراشها هو الأريكة، وهدهدت نفسها بما اختلقته من بتلات سميكة وهواء عليل وثقل آب يعلوها.

 

كان ذلك بداية حلم يقظة أكثر تأنياً، ذيل طويل من الزهور يؤدي إلى أعلى وإلى الخلف صوب حجرات ألقت عليها نظرات خاطفة وأخرى لم تمد إليها البصر: المطبخ الأبيض الفسيح والمائدة المصقولة بحجرة الطعام والخزائن الزجاجية الطويلة، بصحبة أوان من الخزف الصيني وأطباق عيد الفصح، كؤوس رفيعة السيقان، شمعدانات ثقيلة من النحاس الأًصفر، كأس صلاة فضي. وفي الطابق العلوي؟ تقود السلالم ذات السجادة إلى مساحة معزولة غير مضاءة. وعبور مثل تلك المساحة؟ أشبه بعبور الليل، ربما. كانت ليليان ملمة بالنوافذ، مستطيلات متينة تواجه الشارع، قمر مستدير من الزجاج فوقها، نوافذ أصغر على الجوانب. حاولت تخمين تصميم الأرضية: سلالم أمامية وخلفية فيما أوحت النوافذ بغرف منفصلة. سوف تستقر في بعض الغرف أَسرة، موائد للتسريح، مقاعد. حيطان بلون القشدة؟ لا بد أن بعضها بلون القشدة، أساس سوف يحتفظ بالضوء لكن سيسمح لك بإضافة الألوان. لا بد أن غرفة النوم الرئيسية تشتمل على أغطية وكراس بنفسجية وزرقاء زرقة ضاربة إلى الأرجواني مما سيلائم ذوق آب. تخيلت نفسها وآب يجامعها على ملاءات زرقاء فاتحة وقد طوقها ظهره العريض وذراعيه الغليظتين، نمش غامق متقطع على الجلد الأبيض، رموش سوداء على الزرقاء، الإيقاع المنتظم والوجع الوشيك لتحرك آب داخلها. بني مصفر أو أبيض لغرفة الضيوف الأمامية، ربما بعض الزنابق.

 

فكرت في ألوان الغرف الأخرى فمالت إلى الدرجات الزرقاء والخضراء لتلفق منزلاً كاملاً بنفس شكل منزل آب في لانكستِر ونفس حجمه. ففي الطابق السفلي، ظل ورق الحائط ذو الزهور، ظل البيانو، ظل أثاث الردهة، وفي بعض اللحظات بدا وكأن لا سبيل إلى التمييز بين المنزل الملفَق والآخر الحقيقي. لم يظهر أولاد آب في المنزل الخيالي؛ المفترض أنهم انتقلوا إلى منزل آخر ملفَق أو إلى مدينة أخرى، وهو الأفضل. أمر ممكن الحدوث، داخل العقل. تراءى الترتيب خارج إرادة ليليان وكأن منزل آب اختار احتلالها دون أن تقوى على رفضه. دندن المنزل الملفَق في انتظار التجلي في العالم المادي.

 

تبدئين، بالطبع، من مكانك. تبدئين بالحياة التي تعرفينها، تبدئين بالجنس. حاولي أن تطلبي طلباً بسيطاً، واطلبيه في وقت متأخر من الليل بعد أن يصل إلى الذروة. يوم خميس. كان ظَهر ليليان لصق صدر آب في فراشها، ويد آب لا تزال على ثديها، حين سألته ليليان، "ممكن أن نمضي إلى مطعم في الأسبوع المقبل؟"

 

بسيط لكن ليس بسيطاً، وجبة في مطعم. أو شاي؟ ألم يكن ذلك ما اقترحه ذات يوم؟ مائدة، نادل، قائمة طعام. حديث مهذب. لا شيء، مقارنة بما فعلاه. شاي لكن شاي علانية والآن: إشارة على غزل جاد أو فضيحة. أغلق عينيه وأطلق تنهيدة. رأت تلك الاستجابة من قَبل رداً على إلحاح سيليا هل ممكن نعمل هل سنعمل ممكن أعمل قبل أن يجيب بلا. لكنه قال لليليان، "لا أعلم." لليليان قال، "ربما في الوقت المناسب."

 

فات أسبوع ثم طهت عشاء في شقتها. أقبل آب والضيق والشرود ينزلان به. صبت له جيناً وأعدت المائدة بمفرش ذي حواش زرقاء وأخرجت الأطباق. لحم بقر مشوي وبطاطا حلوة، جزر لامع، خبز مملح. شاي وكعكة مربى. ومع التحلية عاد إلى آب الذي أرادته: تحديقة يقظة، جسد يميل في اتجاهها، خداه يتخضبان بلون وردي خفيف. "هل تحس بأنك في بيتك؟" سألت، فأجاب بنعم. مررت يدها على ظهر يده. "أنت لا تدعوني إلى بيتك."

 

"آه لكن يا ليليان. أنتِ تعرفين السبب."

 

"أسباب وجيهة،" نبست. "في السابق."

 

"هذا مكاننا."

 

اكتنفها التردد. تبدى مفرش المائدة ذو الحواشي الزرقاء جزءاً من حياة سابقة، فتأملت تلك المائدة المصقولة الأخرى، والأغطية الكتانية والسلطانيات الزجاجية المتخيَلة، سلة من الكمثرى. بدا المنزل الملفَق حقيقياً للغاية، ولم تَدر هي معنى هذا. "ليس إلى الأبد،" قالت. أرخت أصابعها عن أصابعه ونهضت. رفعت أطباق العشاء وطبق التقديم الفارغ والكأسين المستعملين ثم قدَّمت له شوكولاتة من علبة أحضرها، قطعاً مربعة تزينها موجات خضراء.

 

"قل لي،" فاتحت ليليان أخاها، "كيف يمكن للمرء أن يبتاع منزلاً."

 

كان موشى دوماً رجلاً ضخماً لكنه تراءى هنا في مكتب المحاماة الخاص به أضخم من المعتاد. بذلة هائلة مستديرة البطن تطالعها بتنهيدة. "لِيلي، هل تودين سيجارة؟"

 

أخذت واحدة منه وتركته يشعلها لتلاحظ الشبه بين أصابعه وسيجار أشعله لنفسه. "منزلاَ صغيراً؟" سأل. "لكِ وحدك؟"

 

"ممكن."

 

"أو علك تفكرين في منزل أكبر؟"

 

"أنا أفكر في كل شيء. فلنفترض أي منزل."

 

"هل تسألينني إن كان من الممكن أن أبتاع لكِ منزلاً؟"

 

"لا. أريد أن أعرف كيف يشتري الشخص منزلاً."

 

"أولاً،" نطق موشى، "يجب أن يَملك الشخص أموالاً. لِيلي يا حبيبتي، أنتِ لا تملكين أموالاً."

 

"لكن لو كان عندي؟"

 

رمقها موشى بعينين نصف مغمضتين كمن يجمع أرقاماً في عقله. غضَّن شفتيه تغضيناً لا يختلف عن السمكة. "’لو‘ كبيرة جداً. أنتِ فاهمة ذلك؟ خذي حذرك يا ليليان."

 

لا ينبغي أن تستعجلي القدر، حدًّثت ليليان نفسها، مهما كنتِ واثقة من طريقك. كانت إلى الآن بين يديّ الله؛ تخيلت لمسة خفيفة على قمة رأسها وانتهت عن حديث المنازل. المدهش أن المسألة نجحت على ما يبدو. ففي ربيع عام 1929 انكشف النقاب عن شاهد قبر ريبيكا كووِن*، وبعد انصرام أسبوعين طلب آب من ليليان احتساء الشاي مجدداً. ظهيرة الأربعاء. اتخذا مجلسيهما إلى إحدى موائد مقهى جوسلين، وقد أحاطت بهما نسوة في خريف العمر. اشترى آب شاياً وكعكاً حلواً، استعلم عن صحة أمها. سأل عن تجارة الأدوات المكتبية، مِن أين يُشحن الورق، إذا ما كان مالك المتجر يسافر إلى نيويورك مثلما سافر إليها آب كثيراً. ذكَر أن شركة المحاماة الخاصة بأخيها تنمو نمواً يدعو إلى الإعجاب. راقبت ليليان شفتيه وهو يتحدث. دار بعقل ليليان أن هذه لعبة غريبة لكنها لذيذة. رشفت شايها وطوت يديها في حجرها ثم تكلمت عن ولعها بالحدائق من بين كل الأشياء؛ تخيلت نفسها تُقَبله في المقهى. وبعد ساعة سألها إن كانت تريد أن يوقف لها سيارة أجرة.

 

 

سرت همهمة بين أقاويل اليوم التالي، لن تنقطع الهمهمة مطلقاً عن سيرة ليليان رغم شرعية تناول الشاي مع أرمل. بيد أن إيمان ليليان بالله لاح مبرَراً. اعترتها موجة من الأمل: لِم لا تصبح سعيدة؟ لِم لا يصبح آب سعيداً؟ جلب إلى شقتها زهوراً في زيارته التالية، وانتاب مزاجه مرح جديد. رغب الآن في ترتيب خطط محدودة لكن لا لبس فيها: تذاكر إلى المسرح، قضاء ظهيرة عند شلالات نياجرا. وفي مايو اقترح العشاء في أحد المطاعم مع موشى وبيرثا تتبعه الحلوى والقهوة في منزله.

 

وفي الليلة التي قصدوا فيها ’ليتيل باريس،‘ ارتدت ليليان حريراً أسود ولآلئ وقصت شعرها يومئذ في موجات بطول كتفيها. أحضر آب باقتين صغيرتين من الزهور لليليان وبيرثا. احتسوا شمبانيا محظورة في منزل موشى ثم انتقلوا بالسيارة إلى المطعم وبيرثا تحمل جين موشى في حقيبة يدها. وصل أحد الندل بكعك الندغ ثم بالحساء. أربعة ألوان من الطعام. احتسوا جيناً انصب فوق مكعبات الثلج. وطوال العشاء مازح آب موشى وعصَر يد ليليان لتبدو عليه آيات السعادة الخالصة؛ وبحلول منتصف الأمسية غمر ليليان إحساس عظيم بالأمل. تراءى هواء الليل العليل تأكيداً لإحساسها، وفي الطريق إلى منزل آب، أمالت رأسها خارج النافذة الجانبية – اكتملت أشجار الدردار والقيقب بالأوراق، دفع النسيم شعرها عن وجهها، أمسك آب بيدها وقبَّل خدها وجذبها إلى داخل السيارة. وحين انتهوا إلى منزل آب ألفوا الصمت يخيم عليه، والليلك يتمايل بفعل الريح الخفيفة ليعطَّر ردهة لم تختلف عن تصورات ليليان: زهور متهدلة، أريكة فارغة، مقاعد خضراء اللون فاتحته. كان هناك كعك من المخبز وشوكولاتة، فغلت بيرثا الشاي. وجدت ليليان أطباق الحلوى في خزانة الخزف الصيني: انطلت حروفها بالذهب، وارتسمت بها دائرة من كرمة العنب، الفاكهة مضبوطة ملتزة زرقاء زرقة بنفسجية.

 

هل كانت الأمسية لتختلف لو أن ليليان أنزلت الخزف الصيني العادي تاركة كرمة العنب في موضعها كما هو الواجب، كتقدمة عسيرة للموتى؟ أشعل آب وموشى السيجار وربت كل منهما ظهر الآخر على حين انكبت بيرثا – الممتلئة العطوفة السكرانة – على كعك قدَّمته في شرائح سميكة. حست ليليان الشاي باللبن واستمتعت بمذاق الشوكولاتة. جلس آب إلى جوارها على الأريكة، فتبدى أن حياة أخرى تبدأ، أن الأسى يتلاشى والوقت يتوقف تاركاً إياهم إلى الأبد في هذه الأمسية المتألقة الناعمة، هذه الردهة، هذا المنزل. دارت أصابع آب ثم دارت على راحة ليليان، ضغْط لطيف مدروس قد ينتقل لاحقاً إلى بقية جسدها.

 

لو استشعر الآخرون وجود بنات آب في المنزل، ما أولوه الكثير من الاهتمام. ولِم الاهتمام؟ اعتاد موشى وبيرثا استضافة الضيوف ليَرحل أطفالهم ومديرة المنزل في تحفظ إلى الطوابق العليا. شهد المنزل هنا في لانكستِر القليل من الضيوف لمدة سنوات بيد أن آب – المتورد بحق من الكحول – ظهر على راحته تماماً، محباً لا يمسسه القلق. فقد كان آب رغم كل شيء في منزله، ردهته، أمسيته مع ليليان وموشى وبيرثا. وقد لاحت الردهة عين الردهة التي تخيلتها ليليان.

 

كانوا لا يزالون يأكلون الكعك عندما ترامت إلى ليليان خطوات على السلالم الخلفية، ضربات مكتومة لا انتظام فيها، دنت الخطوات من المطبخ عبر الدهليز الطويل حتى الردهة. تمتمة. وبعدها وقفت جو وسيليا في مدخل الردهة – جو في واحد من فساتينها الملونة بلون الوحل، سيليا بعينين منتفختين وشعر كثيف منتفش. سددا عيوناً متفرسة إلى ليليان، إلى ليليان وآب، ثم إلى ليليان من جديد. أرجحت سيليا ذراعها اليسرى إلى الأمام وإلى الخلف.

 

ندت شخرة عن جو. "شكْلك مبسوط،" وجَّهت الكلام إلى ليليان.

 

تنحنح موشى من الجانب المقابل للحجرة فلاحظت جو وجوده لتضع يدها على ذراع سيليا المتأرجحة. ابتسم موشى ابتسامته الودودة المحذِرة وأومأ إلى الكعك، "هل تودان بعض الحلوى يا بنات؟"

 

"السيد شوماخِر،" قالت جو. "شكراً، لا. أهلاً يا مدام شوماخِر. سوف نصعد إلى الطابق العلوي. سيليا؟"

 

"أهلاً." أرخت سيليا ذراعها ثم سلطت تحديقتها على أطباق الحلوى، وفي تلك اللحظة انقلبت الأمسية. "تلك ليست ملكك."

 

"لا،" نبست ليليان.

 

"سيليا،" قال آب.

 

تتبعت بيرثا السكرانة رسمة العنب بسبابتها. "جميلة،" فاهت.

 

خطت سيليا إلى الردهة وذراعها تتأرجح مرة أخرى. "ليست ملكك." نترت طبق بيرثا من يدها ثم طبق ليليان من المائدة وقطع الكعك الصغيرة لا تزال عليهما.

 

قام آب مصفر الوجه ليندفع مترنحاً ناحية سيليا. "سيليا، اتركي الأطباق."

 

إلا أن سيليا انتزعت الأطباق الأخرى الملطخة بالكعك وأقحمتها لصق فستانها ثم تراجعت إلى الدهليز.

 

"كفى." خرج صوت آب أعلى الآن وأجشاً بينما لم تطرف عينا سيليا.

 

"ليست ملكك،" كررت مخاطِبة أبيها هذه المرة.

 

لعق موشى لسانه، حركة دقيقة دقة متعمدة. تفقد ساعته فيما صوبت بيرثا لمحة إلى الليلك المخروطي المتمايل بالخارج.

 

"لا تأمريني،" قال آب. "لا تأمريني."

 

والآن تحولت سيليا إلى ليليان. "ابتعدي عنها."

 

"اعتذري يا سيليا،" أمر آب.

 

تقهقرت سيليا صوب السلالم والأطباق مسحوقة في جسمها وكسرات الشوكولاتة تسقط على أرضية من الألواح الخشبية. "اعتذر أنت،" قالت.

 

"جو، خذي أختك إلى أعلى،" أمر آب.

 

طوت جو ذراعيها أمام صدرها وخفضت صوتها، "لو تريد أن تطلع."

 

هل كانت المعرفة لتهم؟ لم تكن ليليان تعلم بعد أن سيليا لم تنَم إلا في حجرة مرض أمها الراحلة (حجرة في الطابق العلوي تواجه الشارع وشجر الدردار الطويل، ومنها يمكن التقاط باكارد مألوفة)؛ أن جو كابدت أرقاً منذ انهيار صحة أمها؛ أن ريبيكا كووِن لم تكن إيزابيل. كانت تلك أشياء حاولتِ ألا تحيطي علماً بها، حقائق قد تظهر ظهوراً صارخاً وتُعجزك عن الحركة على أية حال.

 

لم تبدر من آب أو جو أو سيليا حركة. صدر صوت انفجار قصير مكتوم عن سيارة في لانكستِر، نهض موشى مبتسماً وهو يتمطى وكأن لا شيء طال المزاج العام. "ما رأيك في الذهاب إلى ملهى ليلي؟" اقترح نافضاً سيجاره. "أظننا لازم أن نذهب. ليليان؟ حبيبتي بيرثا؟" حط يداً على كتف آب. "آب؟"

 

"ماذا؟" رد آب.

 

"هيا." قاد موشى المرأتين شوماخِر إلى الباب الأمامي وهو يومئ برأسه لجو وسيليا، "تصبحا على خير يا سيدات." خرجت ليليان بعدها إلى العشب يائسة بلا عون. تمتمت زوجة أخيها سيليا تلك بغيضة واجتازتها بخطى متمهلة صوب الباكارد. رانت على الأجزاء العليا من المنزل العتمة والبعد. ترطبت راحتا ليليان بالعرق، وبدا الهواء العطِر برائحة الليلك أشبه بالحيلة الغريبة. كيف يمكن للمرء أن يُحبط ما جرى بالفعل؟ أحصت ليليان النوافذ. علَّمت جمرة سيجار موشى تقدمه وهو يهبط السلالم الأمامية ويسير في الممشى، ومن خلال الباب الأمامي المفتوح أمسى الآن آب وسيليا وجو أجزاء من صور ظلية. ليليان؟ يد موشى ثقل دافئ على كتفها. لِيلي، تعالي معي. ما زال الكعك حلواً في فمها، شم النسيم الرقيق شجرة جميز وبقبقت الباكارد بانتباه. ثم تحركت أحجية الصور الظلية، والعشب الناضر يتناثر على لانكستِر أفينو. لم تكن أصابعها هي أصابعها، أوشك جسمها على الذوبان في الهواء الأرِج، وامتنعت سماء الليل عن الحديث.

 

 

 

 

 * من عادة اليهود إقامة شعائر يُقِيمون خلالها الشاهد على قبر المتوفى بعد انقضاء فترة الحداد, وهي ما لا يزيد على سنة من وفاته. وفي أثناء الشعائر يزيح أقرباء المتوفى المقربون غطاء عن شاهد القبر.

* المزوزة (علبة الدرج): مدرج أو رق صغير ينكتب به إصحاحان من سفر التثنية 6: 4-9 و 11: 13-21 وهما جوهر ديانة التوحيد اليهودية، ثم يُلف داخل علبة صغيرة تُثبت في الجانب الأيمن من عضادة باب المنزل إذ يدخل المرء.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.