مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم ألكساندر هيمون بالموافقة على نشر قصتيّ "جوزيف برونيك الأعمى" و"غرفة سمورا" في مجلة البوتقة.

Mr. Hemon was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Blind Jozef Pronek" and "Szmura’s Room" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Hemon a great debt of gratitude for his kind permission.

Copyright © Aleksandar Hemon. Reprinted by kind permission of The Marsh Agency. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Annina Meyerhans from The Marsh Agency.

 

 

 

 

غرفة سمورا

جوزيف برونيك الأعمى

ألكساندر هيمون

تقديم: هالة صلاح الدين

http://www.aleksandarhemon.com/

 

 

المجموعة القصصية الحب والعقبات

 

 

يقف أمام باب سمورا، يده اليسرى معلقة عالياً في الهواء، راغباً عن قرع الباب. تحيط بجانبيه حقيبتا سفر، تتماسك واحدة منهما بحبل مكشوط. يلهث منهك القوى ناقص التغذية. يرتدي معطفاً داكناً ذا ياقة مخططة بالنسال وقشر الشعر. قَصُر الكُمان قصراً تراجيدياً كوميدياً كاشفين عن طرفيّ قميص لم تسلم حافتاه من القذارة. حين يفتح مايك سمورا الباب غير مرتد سوى بنطال بيجاما وواجهة من شعر صدر يرعب الناظرين، يلفظ بوجدان بجمل إنجليزية متلعثمة. "من المركب مباشرة،" يقول سمورا بصوت خرج من أنف ماكر ويتنحى جانباً ليدع فتانا يدلف إلى الشقة والحقيبة ذات الحبل ترتطم بكاحليه فيما تصطدم الأخرى بركبة سمورا.

 

على الأقل هكذا صَور لنا سمورا الحدث في وقت لاحق وهو يرينا كدمة شاحبة مزعومة على ركبة تشبه المقبض. كنا قد قاطعنا لعبة البوكر (لديّ ولدين في انتظار غواية سمورا وبامبيك لتسليم دخلهما الأسبوعي) حتى يتمكن سمورا من استخدام مواهبه الهزيلة في السرد لوصف مجيء بوجدان بلسان منمق. كان اللاعبون الآخرون – بامبيك وصاحبان سمساران أتى بهما ليلعبا دور مغفلي القعدة – أمريكيين لا لبس في جنسيتهم وقد انتظروا نافدي الصبر حتى يفرغ سمورا من كلامه لاستئناف اللعب. إلا أن سمورا أردف في محاولة محتملة لإلهائي عن اللعبة، "إنه من بلدك القذرة باسنيا أو أياً كان اسمها." رد ولداي على الإهانة دون إبطاء، وعندما اكتسحتْ يداي الاثنتان الغنيمة، كنتُ قد نسيت كل ما يتعلق بالأجنبي البائس القائم عند باب سمورا.

 

وقفتُ على المزيد خلال ما تلا من مباريات البوكر. فقد حاول سمورا أن يسلينا بذخيرة من تصرفات الأجانب الحمقى ونُكت عن لهجة حافلة بالأخطاء تُميز لغة بوجدان، وقد استنتجتُ من هذه التمثيليات أن بوجدان لا يختلف عني كثيراً، فهو شخص غريب الأطوار: أوكراني من البوسنة وإن لم يكن – بخلافي – قادماً من سراييفو. لم يعبأ سمورا بالاختلافات الثقافية داخل حدود البوسنة، إذ افترض مقدماً أن هناك قرابة عميقة جوهرية تجمعنا، بمعنى أن سخريته من بوجدان كانت تهدف إلى السخرية مني أنا. فضّلتُ الحصول على أمواله بدلاً من الحصول على استثناء. بلغ مرحلة خط فيها كمبيالات احتفظتُ بها احتفاظي بالرسائل الغرامية حتى بعد دفع المستحَق.

 

كان بوجدان قد أُرسل إلى شيكاغو على يد قناة لاجئين ضيقة ضيقاً يدعو إلى الأسف – قسيس ’أوكي*‘ يعرف قسيساً ’أوكياً‘ يعرف غرفة رخيصة بشقة سمورا. غرفة في حجم الخزانة داخل شقة استأجرها سمورا من جدة صاحبته السابقة، جدة قررتْ سعيدة تجاهل حقيقة هجران سمورا لقرة عينها نهائياً وبلا رجعة بعد وهلة من نيكها.

 

وعلى صغر الحجرة، دوت فيها أصداء الفراغ. سطّح بوجدان حقيبتيه في ركن خال من النوافذ ثم أخرج ملاءة وبطانية من الحقيبة المجردة من الحبل ليفرشهما تحت نافذة شابها الاتساخ – دون حشية أو لحاف، هنا سيخلد إلى النوم. كانت الحجرة أشبه بتمثال حداثي في معرض فني لا مغزى له: فانعكاس لمبة السقف على الأرضية الخشبية يدل على المظهر الزائف للوجود فيما تجسد الحقيبتان الساقطتان الطبيعة الزائلة للحياة أو بالأحرى حياة الشخص المعني، فرد مفتقر إلى القيمة يقبع في الركن مقابل حائط عار يلطخه الدهان. لا ريب أن الغرفة لم تعجز عن استثارة الضحكات. ففي خلال مباراة أخرى من مباريات البوكر بشقة سمورا (واحدة لم أحضرها)، دلف الجميع في طابور إلى حجرة بوجدان ليضجوا بالضحك على التمثال الحداثي: أطلقوا القهقهات حتى أوشكوا على التقيؤ وسقطوا على الأرضية الوجودية بينما جلس بوجدان في ركنه وقد انتابته الحيرة من كل الدعابات الساخرة حول تفانينه.

 

الحق أنه نال في النهاية جولة رسمية في الشقة – مقدمة لعالم سمورا بما يضمه من ألغاز لا سبيل إلى فهمها. فرَد سمورا في غرفة الجلوس يداً كاسحة تعرض أثاثه على ناظريّ بوجدان: أريكة قرمزية تتخذ شكل حرف U عريض وتتصل بها ذراعان مسطحتان كالحتان – ولسبب ما أشار سمورا إليها بـ "البورتوريكية." واجه الأريكة مقعد بذراعين تغطيه قطيفة حمراء اللون داكنته. وفي المنتصف نهضتْ مائدة قهوة تبدو في الظاهر شرقية بانحناءاتها الصينية وزواياها اليابانية. لبوجدان أن يستهلك البورتوريكية في غياب سمورا حسبما قيل له؛ وفيما عدا ذلك فالمقعد موجود. كان على بوجدان بعد ذلك أن يعاين مجموعة الأشياء الموضوعة على رف المدفأة، مجموعة تألفتْ من غطاء رصاصة عمودي جلبه أبو سمورا المبجل من فيتنام؛ ومنفضة سجائر زجاجية طافحة بعملات أجنبية (معظمها من الكوبك والزلوتي)؛ وزجاجة من بيرة جروليش ("توخ منتهى الحذر،" نبّهه سمورا، "فهذه الزجاجة من فلوريدا")؛ وتمثال صغير لخنزيرة بحَلم متورمة تركه بدون تعليق. أطل بوجدان إطلالة سريعة من نافذة تشرف على نفس زقاق غرفته. لا شيء بالطبع يمكن للعين أن تراه عدا باب مرأب ينزل بطيئاً شأنه شأن ستارة مسرح وبضع أوراق متساقطة تنسل إلى المرأب قبل انغلاقه.

 

وفي الحمام أرى سمورا بوجدان شماعات ألِف أن يعلق عليها منشفة جسمه العلوي (زرقاء داكنة) ومنشفة جسمه السفلي (لازوردي) وبرنساً قرمزياً من الحرير تنطبع على ظهره صورة تنين ينفث النيران – تم تخصيص الشماعة الرابعة لبوجدان. قيل له أيضاً إنه لا بد أن يتعود على رفع مقعد الحمام لو أنزله للعَملة الثقيلة وإنه لا يجب أن يحلق أو يبول مطلقاً في الدش. وفي النهاية دفع سمورا وجهه في برطمان صغير يتغطى قعره بدقائق مصفرة – هنا يُجمع سمورا من مسام أنفه مواداً شبيهة بالدود.

 

وفي المطبخ حذّر سمورا بوجدان من لمس كوب كبير انكتب عليه كلمة "ميكولا" وتحلى حرفه المُكسَر برسوم أوكرانية تقليدية. اشتملتْ الثلاجة على سلطانية من طماطم معترشة قانية ("تبث القوة في الدم") بالإضافة إلى حذاء سمورا الأسود الخاص بالمناسبات مستقراً على صينية؛ وطبق جمبري في سبيله إلى التعفن؛ وبرطمان فازلين لم يخفق بوجدان في استنتاج أنه يُستعمل لشكل ما من أشكال الاستمناء. لم يسهبا طويلاً في الكلام عن محتويات خزانة الطعام. يكفي ذكر عدد ضخم من علب ’شيك آن بيك‘ مكدسة فوق الرف السفلي وتشكيلة مبهرة من علب حساء ’كامبل‘ مصطفة حسب الترتيب الأبجدي على الرفين العلويين: الرف رقم 1، من ’الهليون‘ إلى ’مينستروني؛‘ الرف رقم 2، من ’مشروم‘ إلى ’نباتات.‘ لم يكن الحساء لبوجدان كما أعلن سمورا. ولو حدث أن فتح علبة من العلب في أي وقت، لا بد أن يستكمل المجموعة في نفس اليوم. ختم سمورا الجولة بفتح باب غرفة نومه على مصراعيه ليعري لبرهة قصيرة عتمة قطعها النور بنصف شبه مُعَين مضيء. لا يحق لقدم بوجدان أن تطأ هذه الغرفة بأي حال من الأحوال، ولا حتى عند دعوته. "فَكِّر فيها،" نبس سمورا، "باعتبارها حقل ألغام."

 

ومع ذلك غالباً ما يمرق سمورا بكل حرية إلى غرفة بوجدان بعد أن يفتح الباب بذراع عنيفة. يخوض متحمساً في حديث طويل لا يعرف التغيير احتكره للترحيب ببوجدان في هذا البلد العظيم الذي بناه المهاجرون، بما فيهم جد سمورا وجدته الأوكرانيان، عصاميان انتهى بهما الحال الآن إلى امتلاك شقة في أورلاندو – وهي نتيجة رائعة لأنها تعني أن ثمة فرصة للجميع في هذا البلد حتى لمُرَحَّل لا يساوي بصلة وسخة مثل بوجدان. فطن بوجدان إلى استمتاع سمورا بهذه الخطب؛ ففي أثناء حديثه كان يمرر يداً رفيقة على شعر نبَت كما الأيكة فوق ساعديه وكأنه يدلل نفسه.

 

ارتبط أسلوب سمورا في فتح الباب ارتباطاً وثيقاً بأوهام رسمها كي يغدو عميلاً خاصاً في الإف بي آي: كان يتدرب في مكتب محاماة ويتفرج بانتظام على مسلسل "الشرطة"، كل هذا تحضيراً لامتحان الالتحاق بالإف بي آي الذي سوف يَدخله ما إن يتخرج من كلية ليولا للحقوق. سمح لبوجدان بالاطلاع على أوهام الإف بي آي بعد أن وافق بوجدان عن حماقة على المشاركة في وصف لتكنيك من تكنيكات الإخضاع ليجد نفسه سريعاً على الأرضية وركبة سمورا تضغط على وداجه فيما أوشك مرفقه وكتفه أن يفرقعا. "أستطيع أن أقتلك لو أردتُ،" هدد سمورا بلهجة جافة قبل أن يدعه.

 

من عادة سمورا أيضاً أن يترك الرسائل. كل طلعة صبح يلفي بوجدان على مائدة المطبخ رسالة مكتوبة بخطوط متوترة رفيعة توافقتْ بطريقة ما مع جوهر سمورا: فالحرف "T" يشبه جسمه – مستقيم، نحيل، بارز العظام. وبين الفينة والأخرى كانت الرسائل ترحب به من جديد ("البيت بيتك") لكن غلبتْ عليها التعليمات ("اغسل الأطباق بنت الكلب") أو الإعلانات ("الإيجار يوم الثلاثاء"). ثمة رسائل راوحت بين الهراء والشعر ("المدفأة ليست حقيقية"). وحين جعل سمورا يكتبها فجأة وبدون تفسير في صيغ شعرية، طفق بوجدان يُجمعها. سوف يستخرج أحدهم ذات يوم من صحراء تغطي أطلال شيكاغو صندوقاً صدئاً يزخر برقع باهتة، وسوف يكتشف عالم آثار ماهر روح حضارة هالكة من خلال هذه الأبيات العويصة:

 

 

الباب إما

مفتوح وإما مقفول

يعجبني

مقفولاً

 

أو:

 

 

جواربك مرمية في كل مكان

عندك كم قدم بنت وسخة؟

لستَ وحدك هنا يا صاحبي

لستَ وحدك

 

وكما هو متوقع كان بوجدان يتقهقر في أغلب الأوقات إلى غرفته الجوفاء. يرقد في الظلام ويده تجس الجدار كالمفتش عن نفق للفرار. أحياناً ما يجيء سمورا بامرأة إلى البيت – لديه ميل لا تخطئه العين إلى نوعية المومسات. ينصت بوجدان أثناء جماعهما إلى حوار يبدو دائماً وكأنهما تمرنا عليه من قبل، وكأنهما يجريان تجربة أداء لتمثيل فلم إباحي. تتوسل إلى سمورا كي يضع زبه الكبير داخلها ليرد هو عليها، آه، هذا ما تريدينه يا وسخة، فتجيبه، آه، أدِّني زبك الكبير، فيعيد، آه، هذا ما تريدينه يا وسخة. وهكذا يتواصل الحوار حتى يقتربا من النشوة حين ترسل صرخة طويلة حادة في تواتر مميِّز لصوت إصبع مبلول يحتك بالزجاج بينما يبدأ سمورا في تكرار وابل من "النيك":

 

نكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنكنك. كان يحث رفيقاته اللزجات على التوقف عند حجرة بوجدان بين الحين والحين ليتطوعن بتقديم بعض العطف الشهواني المستعمل. واحدة منهن فقط توقفتْ عنده بالفعل: عارية إلا من زلاجة، نادلة عامرة الصدر تشتغل نصف ساعات العمل بحي ويكر بارك. خرخرتْ كالقطة الصغيرة وخدشتْ بابه. هو الجاهل بما يجري، المفزوع من صرير الزلاجة على الأرضية، لم تدب فيه الإثارة. ترك سمورا في الصباح التالي رسالة تقول، "عَملة سريعة زيادة عن اللزوم / يا بو / هكذا كانت بلا زيادة ولا نقصان."

 

لا علم لي برأي بوجدان في سمورا أو مدى إدراكه لجنونه. عله انخدع (كما حدث معي) بما ند عن سمورا من دوافع إنسانية متفرقة: أوصى للكنيسة الأوكية بمجموعة ’شيك آن بيك‘ لتوزيعها على المهاجرين الوافدين حديثاً؛ عُرف عنه تركه للبقشيش حتى لمّا تكون النادلة غير قابلة للنيك؛ وقد خلَف في مرة من المرات رسالة تجاهر قائلة، "لو دخلتْ عصفورة الشقة، أخرجها." أما أكثر مواقفه تضليلاً فهو، على ما أحسب، ما انتهجه من أسلوب مؤدب جدير بالولد المطيع عند حديثه مع باني ميسكا صاحبة العمارة.

 

مر يوم على انتقال بوجدان إلى الشقة ثم اصطحبه سمورا عبر الصالة ليدق باب باني ميسكا حاملاً باقة صغيرة من السوسن الفواح. نمت إليهما جرجرة رجليها البطيئة فأمره سمورا، "كن مهذباً هنا. إياك والكلام الزبالة." عبس ثم عبس رافعاً شفته العليا ونافخاً منخريه – قسمات ملوية سيتعلم بوجدان يوم ما التعرف على ما تنذر به من خطر. كانت باني ميسكا هزيلة البنية، يتغطى وجهها بالمساحيق ويتوسطه ثغر صغير يتلون بأحمر شفاه، ذات شعر خفيف يكشف عن خطوط بيضاء بجمجمتها. ارتدت صدرية مدببة قد تكون مغرية منذ نصف قرن مضى لكنها قامت الآن مقام سقالة لصدرها الغائر. حياها سمورا بالأوكرانية وطبع قبلة على خدها بينما قبضتْ هي على يده المجردة من السواسن دون أن تدعه يستردها وراحت تشده إلى الداخل. شابهتْ أصابعها المخالب، ذابلة وملتوية. فاحت من شقتها رائحتا البول وقطائف البيروجي، رائحتا النظافة والملاءات المكوية. ما لبثتْ الرائحة أن تطايرتْ إلى وصلات بوجدان العصبية حتى بلغتْ حجرة فارقتْ فيها جدته الحياة: أشغال يدوية أوكرانية ذات نفس الرسوم الهندسية انتشرت على مفرش المائدة والوسائد؛ روزنامات كنسية عتيقة تناثرت هنا وهناك؛ كليشيه تأملي حزين للشاعر تاراس شيفشينكو وهو يحدق متجهماً فيما فوق شاربه الكث؛ أيقونات لعذارى محنيات الأعناق حملن أمام صدورهن أطفالاً قصاراً مكتنزين.

 

سأل سمورا عن صحة باني ميسكا فأعلمتْه أنها على ما يرام وانشراح من القلب يسود وجهيهما. ولولا هشاشتها لربت سمورا ظهرها. وكيف حال فيكتور، حفيدها؟ آه، بخير، ينبش مواقع قبور سلافية قديمة بالقرب من مدينة خاركيف. سوف يرجع إلى البيت بحلول عيد الميلاد المجيد. وماذا عن أوكسانا؟ آه، ما صاحبتْ شاباً بعد. "ميكولا، ليتك تصبح زوج حفيدتي." "أنا صغير على الزواج يا باني ماچكا،" أجابها سمورا. بدرتْ منها تنهيدة حالمة وكأن مايك سمورا هو الحب الضائع لشبابها، حلمها الزائل.

 

قعد بوجدان وجعل يستمع إليهما بابتسامة عريضة عادية أوحت باهتمام دون تطفل. قامت بصعوبة صرت لها المائدة ثم مدت يدها إلى سلطانية فوق طاولة نظيفة لم تطلها ذرة غبار. وعندما حطت السلطانية على المائدة، ألفاها مليئة بكعك على شكل الأهلة. "ومَن أنت؟" سألتْ دافعة السلطانية نحو بوجدان. هز رأسه برقة ليُعبر عن استعداده لتذوق كعكة ثم أعلمها بهويته بصوت متجرد منهَك شأن مَن يعيد سرد حبكة فلم شرق أوروبي يخيم عليه الملل.

 

نقل سمورا إليه أن باني ميسكا كانت تعمل أخصائية أشعة. سددتْ الأشعة السينية إلى رئات المدخنين المحروقة والأوراك المهشَمة لطلبة مغامرين في سنواتهم الدراسية الأخيرة. كانت مشعة إشعاعاً ابن وسخة – على حد قول سمورا – حتى إنها توهجت في الظلام والعظام تتلوى في جسمها وكل ما بداخلها يتعفن بإشراق ما بعده إشراق. عل ما بعثتْ به من إشعاعات هو السبب في استشعار بوجدان الدائم لها قبل أن تطرق بابهما. كان أحياناً يلمس الباب قبل حتى أن تفتح بابها. صوّب عينيه إليها من ثقب الباب وهي تسير متمايلة وفي يدها طبق حافل بقطائف البيروجي. كانت تعلم أن سمورا في الشغل خلال النهار لكنها لم تتوان مرة في السؤال عن ميكولا. ما وافقتْ قط على دخول الشقة بيد أنها قامت عند الباب لتجعل بوجدان يحكي لها، من جديد، ما باح به إليها في المرة الأولى: أنه أوكراني من البوسنة، من بلدة صغيرة اسمها برنجافور؛ كان يمتلك محل تصوير؛ أرغمه الصرب على القتال معهم في الحرب ثم هرب بلا شيء خلا هدومه؛ يعمل الآن في تعبئة الأكياس بمتجر جول حتى يعثر على حاجة أحسن. وبعد أن يلقي بوجدان بجملته الأخيرة، تناوله طبقاً يكسوه منديل مائدة مهلهل وتزخرفه نفس الرسوم الأوكرانية المهيمنة على بقية مسكنها. ثم تلقي بجملها الخاصة بالترتيب التالي:

 

(أ) إن ما يقع في البوسنة لفظيع؛ فقد ذكّرها بالمجاعة العظيمة عندما عاجل الأجل ملايين الأوكرانيين؛ دعت أن ينتهي سريعاً؛

 

(ب) هل فكر بوجدان أبداً في كل أماكن تواجد الأوكرانيين: لقد انتشرنا في جميع البقاع، من البوسنة إلى أدغال أوروجواي؛ و

 

(ت) الأوكرانيون ناس مغرمون بالمرئيات، ناس يحبون الصور؛ خذ ديزني كمثال، فهو واحد منا، ديزنايا – لقد استوحى أفكاره العديدة ووُحيه الفنية من الثقافة القومية الأوكرانية ومن حبنا للطبيعة.

 

يمد بوجدان ثغره مثلما تدرب من قبل ليكشف عن ابتسامة دالة على الجدية ويشد عضلات معدته ليكبح أية ضحكة على فكرة أن بطوط جزء من تراثه وأن بندق أوكراني الجنسية. بدأ يحب باني ميسكا وفطائرها وتعود على التمتع بوهج إشعاعاتها.

 

تطوعتْ منذ تقاعدها للعمل في متحف التاريخ والثقافة الأوكرانيين، مبنى طافح بالكآبة من ثلاثة طوابق يقع أمام مرأب جول مقر عمل بوجدان. التقطتْه عيناي ذات مرة وهو يجول هناك في مريلة خضراء وكاب ربما اعتبرتْه أوروبا الشرقية أنيقاً منذ عقود خلت. (كنتُ متأكداً تمام التأكد من أني لم أخطئه؛ لم أكن قد قابلته بعد إلا أن مشيته المجهَدة فضحته أمام ناظريّ قبل أي شيء آخر.) فتحتْ باني ميسكا الباب ولوحتْ بدولاريّ رسم الدخول بإيماءة متفهمة. خطا بوجدان إلى حجرة يغمرها ظلام ضارب إلى الاخضرار وتعيق الستائر السميكة تسرب ضوئها.

 

بل إنها تراءت أصغر حجماً وأشد إشعاعاً في تلك الظلمة الخليقة بالقبور. تتبعها بوجدان متظاهراً بالاهتمام. مر ببيض خشبي مدهون ودانتيل مصفر منسوج على بكرات في حين أخذ صدره يدوي بالأسى. حمله كل هذا على التفكير في دولاب بال قائم بغرفة نوم جديه. كان قد نقب فيه وهو طفل بحثاً عن صور مجعدة ترجع إلى أيام طفولتهما. صعدتْ باني ميسكا السلالم متوجهة إلى حجرة روت، حسبما أنهت إليه، قصة شعبنا. تعرت الحجرة من الستائر وطافت ذرات الغبار في كل أرجائها مع احتدام ضياء الشمس في الخارج. أشارت إلى صندوق زجاجي واقع تحت النافذة: مِذود خبز لم ينج من الشقوق، ميدالية على هيئة نسر يعلوها صدأ مثله مثل قشور الصدفية؛ خطاب ذابت حروفه المتشابكة لتستحيل إلى أمواج ينزع لونها إلى الزرقة. تساءل بوجدان إذا ما كان الخطاب قد جُلب من أرض الوطن أو لم يرجع البتة من هذا البلد. ثم سارا والجدران، ينعمان النظر في صور قرويين ممتقعي الوجوه كالموتى بعد أن أضنتهم المجاعة، يصطفون أمام آلة التصوير كمنتظري تنفيذ حكم الإعدام. شاهدا صوراً لرجال غلاظ في ملابس بيضاء وسوداء، وفدوا منذ زمن بعيد، أعينهم جاحظة وأربطة أعناقهم المعقودة بأياد محكمة تعيق أنفاسهم. توقفتْ باني ميسكا في مواجهة صورة لرجل سيماؤه البلاهة، ذو شارب كثيف ونظارة مستديرة رفيعة الإطار – زوجها، أطلعتْه بصوت تداخله رعشة. ثم نزلا السلالم نحو المطبخ الصغير حيث قبَل بوجدان كأساً من توت العليق تخفف بعد تركيز؛ وملء كيس من وجبات مجمدة صلاحيتها على وشك الانتهاء وجدتْها بالصدفة موضوعة هناك؛ وحكاية عن ضبطها لأوكسانا وسمورا يوماً ما يتبادلان القبلات وهما لم يتجاوزا الثانية عشرة من العمر!

 

ينبغي أن أعترف أني انتظرت في مرأب جول بنية اعتراض سبيل بوجدان. دار ببالي أنه قد حان لنا أن نتقابل. ذكّرني كثيراً بنفسي، كما كنتُ منذ عهد قريب: أنا أيضاً اضطررت إلى التعامل مع معضلات رقم الضمان الاجتماعي وقواعد البيسبول العصية على الفهم والقوانين المتعذرة على التغيير للإقامة مع سمورا. أنا الآخر قاومت إغراء دلق حساء سمورا في فمي وقبَلت من باني ميسكا أكياساً من الوجبات المجمدة وكعك توينكي جافاً. بل إنها أقرضتني مرة أموالاً لم أردها على الإطلاق – وهو السبب في تجنبي إياها الآن، أقطع الشارع كلما أبصرها تعرج تجاهي برجلين نال منهما التهاب المفاصل.

 

عندما خرج بوجدان من المتحف حاملاً حقيبة ورقية ثقيلة، لاح أطول قامة، محني الظهر انحناءة الأخرق، فظهر قريب الشبه من بندق. دنوت منه وبادأتُه بالكلام بجوار صف العربات فساورتني الدهشة لعدم دهشته. أخبرني أنه تعرف عليّ – أُشبه ابن عمي رومان الذي قصد معه المدرسة في برنجافور.

 

كنتُ قد تدربت على جُملي. اعتزمتُ أن أسأل عن والديه وأن أعرض عليه معونتي الجمة. أردتُ أن أنصحه بأن يطلق ساقيه للرياح من شقة سمورا ما إن يستطيع. لكني بدلاً من ذلك وجدتني أومئ بلا معنى كأمريكي محرَج بالفطرة لأنقل إليه مؤازرتي وتفهمي حتى لو لم أع ما يتحدث عنه. "لن تدري قط ما فررتَ منه،" أسر إليّ. "لن تدري قط ما حالفك من حظ." سرد كيف دفن والديه في فناء منزلهم الخلفي. نودي عليه للتجنيد الإجباري في الجيش الصربي وحارب في ديرفينتا. شاهد بعينيه ما لا يقوى على النطق به: أناساً يُجبرون على السير فوق حقول ألغام، حوامل تنشق بطونهن، عيوناً تقتلعها ملاعق لم تبرأ من الصدأ، زملائه الجنود يبولون في قبر جماعي. كل ما وسعه التفكير فيه هو الفرار لدرجة أن ارتياحاً عراه لموت والديه – وإن لا أعلم إذا ما كان قد لفظ بهذه المعلومة أم أني استنتجتها من عندي. كان زبائن جول – أمهات شابات شقراوات وعُجز تتضوع منهم كرات العثة وسكارى بحقائب ورقية تحوي نبيذ وايلد أيريش روز – يعيدون مسؤولين عرباتهم إلى الصف. "مؤلم أن أفتكر ما لا قِبل لي بنسيانه،" قال، عله يستشهد بأغنية أوكرانية لا أعرفها. وهكذا اختلقتُ مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل وعبّرتُ عن توقي إلى الاجتماع به قريباً عارضاً مساعدة غير محددة الملامح ثم انطلقتُ عبر المرأب. وبعدها تحاشيته لسنوات.

 

"إن ذلك المتحف يقشعر له بدني يا رجل،" فاه سمورا ورجفة تنزل به. "لماذا يغور بو فيه؟"

 

"لا أعرف،" أجبته. "ربما يُفكره ببلده. ربما يرتاح مع العجوز ميسكا."

 

"قد تتمكن من تأليف قصة حلوة عن ذلك في يوم من الأيام،" اقترح بامبيك. "حالاً، متفقان."

 

"أنا لا أفهم هؤلاء الناس. تلك الهرمة بنت الوسخة عاشت في هذا البلد ابن الوسخة خمسين سنة بنت وسخة، وكل ما تتكلم عنه هو شعبنا والمجاعة وديزني وأوكرانيا بنت الوسخة،" قال سمورا.

 

"متفقان،" رد بامبيك.

 

"حاجة تقطع القلب،" علّقتُ. "كل ذلك الأسى."

 

"إنها حاجة تقطع الزب،" صحح سمورا. "أنتَ عارف ماذا يقول النشيد الأوكي؟ ’أوكرانيا لم تمت بعد.‘ لم ترح في داهية بعد! طيب، خلها تموت يا رجل. هذه أمريكا وليست مستشفى عقلي."

 

"متفقان،" رد بامبيك.

 

وزّعتُ الورق على سمورا وبامبيك وسمسارين ساكتين رانت عليهما برودة لاعبي القمار وانشغل عقلهما بالحسابات. ما فتئ أحدهما يخلط أقراصه ويتفرس في عينيّ مباشرة. من الواضح أنه (من حماقته) يظنني مغفل الجلسة. نهض الآخر وأحضر لنفسه بيرة. اكتشفتُ أنهما أخوان.

 

"أنا مشغول ببو،" باح سمورا. "أريده أن يبدأ الحياة في أمريكا ويُبطل الحياة في الماضي. مصاصو الدماء هؤلاء لن ينفعوه في شيء. بل إنه ليس من أوكرانيا، إنه من باسنيا بنت الوسخة. سأطويه في جناحي. لازم أن ندمجه في هذا المجتمع."

 

"ندمجه،" كرر الأخ حامل البيرة من حيث لا ندري. "أين تعلمتَ مثل هذه الكلمة الراقية؟"

 

وهكذا طوى سمورا بوجدان في جناح النسر. ألقى عليه دروساً مرتجلة في التاريخ الأمريكي: جعله يرنو بإعجاب إلى خُصى كبيرة زينتْ أرابي الآباء المؤسسين؛ قص عليه الملحمة العظيمة لإنقاذ العالم من خطر كارهي الحرية، قصها في عدة حلقات (فيتنام، جرينادا، الخليج)؛ شجعه على الفُرجة على التلفزيون كي يُقدر ثراء الثقافة الأمريكية حق قدره؛ رسَم للرأسمالية لوحة زيتية رحبة بعدة ضربات بسيطة من فرشاته – السوق الحرة، المشاريع الحرة، فلوس في البنك.

 

وفي يوم من الأيام دعا سمورا بوجدان إلى حضور اجتماع عمل كان سيعقده مع أحد المعارف. لعل حماسة خالجتْ بوجدان بحق لتعلم شيء في ’معهد سمورا للإدماج‘ لكن الأرجح أن الموقف تعقد تعقيداً حال دون الرفض. بالإضافة إلى أن سمورا عرض عليه النوم على الأريكة البورتوريكية خلال ليالي العطلة الأسبوعية.

 

"كل ما هو مطلوب منك،" قال سمورا، "هو الجلوس هناك مطبق الفم. لو لاحقتُ الرجل أو أخذتُ بتلابيبه، امنعني. أريدك أن تمنعني." أجلس بوجدان على البورتوريكية ووضع زجاجة من ويسكي ’جاك دانيالز‘ في منتصف مائدة القهوة، وإلى جانبها سلطانية طماطم في حجم الكرز. باح إلى بوجدان بأن الشخص القادم في حاجة إلى خدمة وأنه من الصعب عليه أن يرد له طلباً، "فأبو الرجل عمدة سبرينجبروك." لا شك في أن تلك المعلومة لم تخلف في نفس بوجدان انطباعاً لكنه قبل أن يتمكن من الاستفسار عن أي شيء، كان سمورا قد دخل المطبخ ليجلب كؤوساً. تسرب الضوء عبر زجاجة الويسكي فخفق على المائدة شبه ظل أصفر مائل إلى البرتقالي.

 

"الكل عارف أن سبرينجبروك بلدة مافيا،" صاح سمورا من المطبخ. "أبو هذا الشخص عنده معارف ممكن أن تفيد لمّا اشتغل مع الإف بي آي."

 

وبطبيعة الحال ساور بوجدان اضطراب لفكرة تزنيقه بين المافيا والإف بي آي غير أن الإثارة دغدغته أيضاً كما قد يحل بأي شخص آخر. عندما رن جرس الباب، سنَد ظهره إلى البورتوريكية وربّع رجليه شابكاً أصابعه على معدته. حاول أن يرخي عضلات وجهه ليبدو للأعين متحفظاً بارداً. دلف سمورا بصحبة واحد طويل القامة نحيل الجسم يرتدي قبعة بيسبول. أجلسه على المقعد ذي الذراعين ثم قعد بجانب بوجدان الذي قدّمه باعتباره "صديقاً وشريكاً." تم صب الجاك (من قِبل بوجدان) وتبادل الأفكار حول الكتاكيت الشهيرات وصدورهن المزيفة. تفصد جبين الشخص النحيل عرقاً بينما فرد سمورا ذراعيه على ظهر البورتوريكية فلامس ساعده قفا رأس بوجدان. وجّه هو والنحيل لمحة إلى بوجدان في نفس اللحظة كما لو كان قناة لتوصيل رسالة مشفرة.

 

"قل لي يا مايكل،" نطق سمورا في النهاية. "كيف أخدمك؟"

 

"إليك مشكلتي،" صرح مايكل، "ولا أريدك أن تسيء فهم موقفي هنا."

 

استشعر بوجدان الوجود الثقيل لسمورا ومايكل في الحجرة؛ شم ما صدَر عنهما من إثارة شبه إجرامية فتباطأ كل شيء، كل شيء. القصة قصة امرأة اسمها ميشيل. كتكوتة رائعة وهمية وقع مايكل تقريباً في غرامها. (ارتسمتْ في مخيلة بوجدان: طويلة القامة، رشيقة القد، حالمة الوجه.) إلا أنها تعاني مشكلة بسيطة مع المخدرات. بدأتْ معها في الكلية؛ القليل من الماريجوانا، بعض حبوب النشوة، بعض المواد القوية من حين لآخر لكن فقط في العطلات الأسبوعية والأعياد حين كان الكل يتعاطاها. (علَق طرفه ببدروم تعمه الظلمة وتنطلق منه ضربات من موسيقى مكتومة لا تعدم الانحلال، هناك شباب يتساقطون بكل ثقلهم في الأركان وقد اكتسى بياض أعينهم بشبكة من الدماء.) أقلع مايكل نفسه عن كل هذا بسبب لعبة البيسبول وبذل قصارى جهده – لا خمرة ولا مخدرات، فقط فروج نظيفة لا غير. اتحاد الناشئين مهتم به، اهتماماً جاداً جداً أيضاً، تشكيلة فريق كابز الدائمة ولا أقل منه. ثمة أموال طائلة في الطريق، طائلة. غير أن ميشيل لم تمتنع عن الأنس والسمر. أقسمتْ أنها لا تنتشي سوى خلال العطلات الأسبوعية بيد أن مايكل اكتشف عن طريق أحد أصحابه أنها تتعاطى في الواقع كميات بنت كلب من المخدرات. كما أنها تنيك تاجر المخدرات مثلما أبلغه صاحبه، وعليه واجهها مايكل بما لديه. (تخيل بوجدان مباراة من الصراخ الصامت والدموع تنهمر على وجنتيها الممتلئتين.) تولاها الأسف وكل هذا الخراء لكنها اعترفت أنها غارقة في إدمان الكوكايين وأنها مدينة بمبلغ معتبر لتاجر المخدرات، شخص بغيض له صلة بالدراسات الثقافية. أجبرها على نيكه. (لقطة سينمائية تقترب من يد امرأة على ظهر غزير الشعر.) مضى مايكل إلى البغيض وتحدث إليه آمراً إياه بأن يغور في ستين داهية. إلا أن ابن المنيوكة المشتغل في الثآفات المتعددة طالب بأمواله. كانت من حقه، فقد ربحها، وهو على صلة بأصدقاء كبار ممكن أن يبهدلوا أحسن طيز. خامر مايكل الخوف من أن يُكره ميشيل على نيك رجال آخرين تسديداً للدين. (مشاهد لأجساد زلقة تلهث وأطراف متشابكة شأنها شأن حيات تتزاوج.)

 

"مفهوم،" نبس سمورا. "تريد إذن أن ترد له الدين؟"

 

"نعم،" أجاب مايكل. كان في حاجة إلى ينظف تلك الفوضى؛ في حاجة إلى أن يضع أمواله حيث يلج زبه وإلا ستحطم الأزمة مستقبله في البيسبول، والبيسبول حياته. لم يستوعب بوجدان كلية جميع التفاصيل إلا أن عظَمة ما وقع فيه مايكل من حيص بيص لم تفته.

 

"الفروج تملأ الشوارع،" اقترح سمورا.

 

"يحلو لي للأسف أن ألعب في شارعي الخاص."

 

"ولماذا لا تُكلم أباك؟"

 

"عائلي ليست معروفة بحساسيتها المرهفة،" أفضى إليه. "لا رغبة لي سوى في دفع الفلوس لابن المنيوكة ورفع امرأتي عن زبه. بودي أن أبعثر أوصاله في أرجاء ريف إلينوي إنما لا بد أن أكون واقعياً."

 

رنا سمورا إلى بوجدان وكأنه يستشيره بالتخاطب عن بعد. "خمسة وعشرون في المائة،" أعلمه. "النسبة المعتادة بين الأصدقاء. كم تريد؟"

 

"عشر آلاف دولار."

 

"سأُحضر لك الفلوس غداً، وأيضاً كمبيالة لتوقعها."

 

"سأوقع على أي شيء تريده."

 

"رائع،" استحسن سمورا بصوت كالشخير. قبض على حفنة من الطماطم وطفق يدس الواحدة بعد الأخرى في فمه.

 

"لا تأخذ المسألة على محمل شخصي يا مايكل،" أخبره، "لكن واجبي المهني يحتم عليّ أن أَذكر أني سوف أضطر إلى اتخاذ بعض الإجراءات، أنتَ عارف، لو أخفقتَ في الدفع في الميعاد. فقد أضطر مثلاً إلى التحدث إلى أبيك."

 

"مفهوم،" لفظ مايكل بنبرات خفيضة.

 

"وحفاظاً على صورتي المهنية" – وجّه لمحة إلى بوجدان المشرق بارتعاش لا إرادي لاطلاعه على عورات حياة الآخر – "قد أضطر إلى معاقبتك. حاجة خفيفة لن تصل طبعاً إلى تعريض مسيرتك في البيسبول للخطر لكني سأضطر إلى إرسال بو للتعامل مع المشكلة."

 

"مفهوم،" أعاد مايكل رامقاً بوجدان الذي، من فرط انزعاجه، أطبق يديه لتستحيل إلى قبضتين – لا مراء أن الحركة تبدت لمايكل وكأنه يتهيأ لتحطيم وجهه.

 

"بوجدان من باسنيا،" أنبأه سمورا، "اندلعت حرب هناك، حاجات فظيعة. رأي بعينيه أشياء لا نستطيع أنا أو أنت تخيلها. إنهم يُشرحون الناس هناك شرائح شرائح كالسجق البولندي. لذا فهو مضطرب قليلاً، أنتَ فاهم قصدي. حالته مستعصية قليلاً على العلاج لكني متأكد أنه سيتمكن من ضبط نفسه بعد أن عرفك الآن."

 

اضطلع بوجدان عندئذ بدوره دون نقصان: إذ لوى عنقه وكشّر لمايكل عن ابتسامة عريضة تلألأتْ معها قاطعته اليسرى بالوعيد كما ينبغي لمجرم حرب. ثم غمغم بكلمة "نعم،" بصوت عميق يليق به كسلافي وقبض على حبتيّ طماطم. اتكأ سمورا على البورتوريكية وباعد ما بين رجليه كالمنتصر كما لو كان يعرض حجم خصيتيه المعبأتين بالتستوستيرون.

 

انقضت عدة أيام ثم هبط الربيع على شيكاغو هبوط المظلة: إذ تحول الهواء فجأة إلى الدفء والشذا واخضر العشب بغتة وكأن يداً دهنته بين عشية وضحاها. أطلق بوجدان شاربه وجعل يحلم بامتلاك آلة تصوير. رسّخ طقساً لِما بعد العمل يتضمن التكاسل على البورتوريكية وقراءة نشرة الأرصاد الجوية ("معتدل مع عواصف رعدية عنيفة في الصباح. سماوات صافية في الظهيرة") فيما يرشف اليسير من ويسكي ’جاك‘ بمكعبات الثلج. طفقتْ حياته تشمل متعاً ضئيلة قابلة للتكرار.

 

بل إن سمورا اصطحبه ذات مرة لاحتساء الخمر في نادي ’رينبو كْلاب‘ الليلي بجلالة قدره حيث كان من الممكن أن يلتقطا أختين حمراوي الشعر لولا تحفظ بوجدان. راقبتُهما من الركن البعيد حيث توارى جانب مني خلف ماكينة بينبول سريعة الحركة. أخذ سمورا يقوم بدور الرجل الفتان على حين شخَص بوجدان ببصره إلى كأسه شبه الفارغة – تجنب الإتيان على المشروب لأنه لم يقدر على شراء دورة من المشروبات للجميع. ما فاه ببنت شفة وما كان منه إلا أن ارتقى بناظريه إلى واحدة من الأختين (اسمها جوليا) راسماً على شفتيه ابتسامة لا يعوزها الارتباك. لم ينفك سمورا يجلب المشروبات، وأخيراً طرح جملته الفتاكة، تلك التي يستخدمها لالتقاط النساء: "لمّا تسكران طينة، سنوصلكما إلى البيت." نفعتْه مثل تلك الجرأة من قبل لكن في هذه المرة ما ند عن الأختين إلا أن نهضتا وانصرفتا بعد أن أسبغتْ جوليا على بوجدان لمحة وداع فسّر سمورا أنها دعوة لمهرجان من النيك.

 

قضى بوجدان الليلة في السير مسافات طويلة خيالية بصحبة جوليا ممسكاً بيدها الخيالية لكنه ما جرؤ في النهاية على تخيل ممارسة الغرام معها على بورتوريكية قد تلوي عموده الفقري. أقبل الفجر ترافقه جعجعة من سقسقة العصافير فغاب بوجدان عن الوعي تحت ثقل ما قد يسمى مع الكثير من التصرف بـ ’السعادة.‘

 

استيقظ في ساعة متأخرة وراح يتثاءب ويحك بطنه وردفيه هنيهة. سار على مهله إلى المطبخ ليصب لنفسه فنجاناً من قهوة خفيفة تعَطف سمورا بتحضيرها. ثم قرأ رسالة تركها سمورا على المائدة. وقف ليضيف بعض القشدة إلى قهوته ثم أعاد قراءتها، وهذه المرة فطن إلى معناها:

 

للأسف يا بو

لا بد أن تغادر

أنا محتاج إلى غرفتك

مايكل سيجيء بميشيل

برنامج لحماية الفروج

ادفع ما تقدر عليه

وامش

 

يتداول البوسنيون مصطلحاً محدداً نموذجياً للقسوة لوصف سلوك الشخص المرعوب وحركاته – إذ يقولون إن مثل هذا الفرد يتصرف كالذبابة مقطوعة الرأس. ها هو بوجدان المجرد من الرأس، طار إلى غرفته ليخلع بيجامته ثم انهار على البورتوريكية ليتفرس طويلاً في المدفأة المزيفة. وأخيراً تمكن من العودة إلى حجرته ليرتدي زي جول ثم توجه إلى خزانة الطعام كالباحث عن مخبأ. وهناك ألفى نفسه في مواجهة تشكيلة الأحساء واليأس يحتك بأحشائه احتكاكاً. قرأ كل علامة بدقة وتفحص كل علبة – بيد أن الهليون لازم صمته عن عِند فيما نظر إليه البصل والبسلة المفلوقة نظرات الكراهية، فلم يجد خياراً إلا أن يضع ثقته في قوة الطماطم. صب في أحد القدور ما تراءى كالدماء المتخثرة وانتظر أن يشق السطح غليان أشبه بالبثرة. شرب الجرعة بصوت عال نهم وهو يقرأ الرسالة من جديد بينما انتثرت القطرات الحمراء على قميصه الأزرق.

 

غلّفه إشعاع باني ميسكا قبل حتى أن يَخبط على بابها. وحين أطلتْ في خف بُكرتين صوفيتين في نهاية طرفيه المثنيين شأن أميرة بغدادية في سبيلها إلى الكِبَر، أنبأها برسالة سمورا. وضعتْ يدها لاهثة لصق صدرها بعد أن تعرفتْ على الجرح والإهانة الوشيكين. لكنها قالت إنها تعتقد أن ميكولا صنع ما صنعه مرغماً؛ فنيته سليمة، وقد كانت غرفة غاية في الصغر على أية حال. أراد بوجدان شفتيها الجافتين على خده؛ أرادها أن تمسك بيده العرقانة وتواسيه كما قد تفعل جدته لكنها ما زايلت موقفها البعيد. عرضتْ عليه المكوث في المتحف – ثمة غرفة شاغرة في المؤخرة – ريثما يرتب أوضاعه. هفت من شقتها سحابة صغيرة من رائحة العجين المغلي فشعر بوجدان بقلب متوجع أنه يرسل إليها كلمة الوداع. لهثتْ ثانية لهاث المتفهم ثم تراجعتْ نحو ظلمة بيتها.

 

كان باب غرفة سمورا في ثقل الحديد المسبوك كالمفضي إلى زنزانة من زنزانات القلاع. دلف بوجدان إليها واعياً كل الوعي بأن بمجرد دخولها لا رجعة عنها. التقت عيناه بفراش لا يعرف الترتيب ولحاف مكوَم في المنتصف وفوهة بركان تخترق الوسادة بدلاً من الرأس. قام بجانب السرير دورق كبير يمتلئ بالماء وتلتصق الفقاقيع بجداره الزجاجي. امتدت ربطة عنق عبر الكرسي مثلها مثل الوتر الممزق. التمعتْ الساعة الرقمية في هستيريا لتجاهر 12:00. فرَد كتاب ("حساء دجاج لروح محب البيسبول") جناحيه على الأرضية. ثمة ثقلان حديديان جامدان يزنان عشرين رطلاً نتآ من تحت السرير بما يكفي لأن يصدم بوجدان إصبع قدمه الكبير. اصطفت البذل في الدولاب في طيف من الألوان من اللازوردي إلى الكحلي؛ وتحت البذل استقرت أحذية سمورا في صف مائل لا تشوبه شائبة كسيارات واقفة في مرأب. احتلّت الملابس التحتانية رفوفاً مختلفة: الشورتات على الرف العلوي والألبسة على الرف السفلي والفانلات على الأوسط، تصطف كلها بدقة في أكوام.

 

تعلقتْ على الجدار فوق مكتب سمورا خريطة لفلوريدا مُدْرج بها خريطة أصغر لأرخبيل كيز. لاحت على المكتب أوراق مكدسة لا سبيل إلى فهمها؛ نَّجارة قلم رصاص (استدعت رائحة المَدرسة في برنجافور: أقلام رصاص وممحاة من الإسفنج المبلل وشعور غسلتْها الفتيات لتوهن)؛ شاشة كمبيوتر أبصر فيها بوجدان انعكاساً منحنياً لنفسه؛ صندوق كعك من القصدير به كروت بيسبول، واق ذكري مضيء، كيس ماريجوانا. قبعتْ في الدرج كرة جورب سوداء؛ برتقالة ذات لون برتقالي بشع؛ لفة أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً. فكها بوجدان وراح يعد النقود: ألفين وثلاثمائة دولار – أخذ ثمانين ثم لفها مجدداً. وفي درج آخر ألفى مسدساً عياره 38 موضوعاً في جرابه، معبأ وثقيل. حرك صمام الأمان وصوب المسدس إلى النافذة. طاخ. طيخ. أقحم الماسورة في فمه: فأحس بطعم معدني حلو مر.

 

تدلت ورقة تدلي اللسان من ماكينة الفاكس: "إخطار الأسهم!" وفاكس تأكيد من ساوث بيتش هيفين، "خدمة مرافقة أهل للثقة." وجد داخل صندوق الزبالة رسماً لكلب يرفع وجهاً مبتسماً يقول، "طظ!" وفوق عتبة النافذة جثم صبار متعفن على ركام من صور تُبرز كلها تقريباً سمورا وهو يحمل شراباً من خمور متعددة الألوان وتطوقه جوقة مبتهجة من الشبان والشابات. ألفى في قاع الركام صورة مصفرة لصبي يجلس بجنبه على مزلج، يضع قانطاً رأسه المغطى بقلنسوة صوفية على ركبتيه فيما يحيق به بياض مستو. تَعَرَّف بوجدان على ما ألّم بالصبي من حزن ناعس، تَعَرَّف على إحساس المرء بأنه عالق بالخارج في البرد على حين يروم دخول البيت الدافئ.

 

كان يطوي الصورة ليودعها في جيبه عندما اندفع سمورا عبر الحجرة ووثب فوق السرير لينسف عين بوجدان اليسرى من محجرها بلكمته الأولى.

 

 

  

*  أوكي: اختصار أوكراني

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.