مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون          albawtaka@albawtaka.com              تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 
 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الخامس والعشرون، إبريل 2010

Twenty-Fifth Issue, April 2010

 

 

 
 

تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد الخامس والعشرين من مجلة البوتقة

 

 

 

 

تكرم تي كوبر بالموافقة على نشر قصة "السباحة" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Cooper was so kind to permit the publication of the Arabic text of "Swimming" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Cooper a great debt of gratitude for his kind permission.

"Swimming" by T Cooper. Copyright © 2007 by T Cooper. Originally published in The New Yorker, August 20, 2007. Published by kind permission of T Cooper. All rights reserved.

 

 

 

السباحة

تي كوبر

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: Apr.-01-2010

موقع تي كوبر الرسمي:

http://www.t-cooper.com/

 

Photo: Diane Baldwin

 

 

 

 

 

Photo: Joost Swarte

مجلة ذا نيو يوركر,

20 أغسطس 2007

 

 

 

يسألني الناس, "ألم تسمع أي شيء؟" أو "لماذا لم تتوقف حين شعرت بشيء يرتطم بحاجز الاصطدام؟" لكني لا أجد إجابة على أي من السؤالين. كان لتوه هناك معنا, حياً, في دقيقة من الدقائق, ونحن نُصيب من اللحوم المشوية ونتفرج على المباراة النهائية لبطولة الاتحاد في التليفزيون بمنزل شقيق زوجتي, وفي الدقيقة التالية سقط ميتاً – ميتاً تماماً – تحت عجل سيارتنا. بعت السيارة بعد الحادثة. فقد اقترحت زوجتي حازمة أن أبيعها, اقتراح جاء حين كنتُ لا أزال أحاول فعل أي شيء تقريباً تقترحته حازمة. أخاله ما مكنني في النهاية من القدوم إلى كمبوديا. فقد قبضتُ مبلغاً يقارب اثنتيّ عشرة ألفاً مقابل تلك السيارة.

أقيم في بلدة كيب منذ سنة ونصف, أستأجر منزلاً ضيق الأركان حقير المنظر يطل على الشاطئ ويتألف من طابق واحد وغرفتين اثنتين. إيجاره خمسون دولاراً في الشهر, وهو يطل حرفياً على الشاطئ, فالأمواج القصيرة لخليج تايلاند الرمادي الهائج تتلاطم على بعد عشرين قدماً لا غير من موضع رأسي ليلاً. أظنني أنسجم الانسجام كله هنا, أقصى انسجام يمكن أن يحققه رجل أبيض. هاولي* أو أبيض شحاذ, لا لأوحي بأن هذين النعتين يتم استخدامهما هنا. فالبادي أن الكمبوديين لا يستعملون نعتاً لازدراء "الرجل الأبيض." يقول التايلنديون فارانج غير أنها لا تهدف حقاً إلى التحقير – فهم يقولونها في وجهك. ولا أعتقد أن هناك مرادفاً لها في اللغة الخميرية*. على أي حال لو يوجد مرادف لها, فلا علم لي به.

ما من أحد من سكان البلدة يَعلم أني قتلت ابني فيما خلا اثنين. هناك المغترب كولين, مدير المقهى والنُزُل في بلدة كامبوت, وهناك ڤيتا, لكني لا أَعرف قط مقدار ما تفهمه فعلاً من حديثي. ذكَرتُ المعلومة بُعيد أن علِمتُ أن لديها ابناً, حقيقة أخفتها عني لأن – تَعرف؟ أنا لا أَعرف سبب إخفائها عني. أظنها نصيحة أمها. بيد أني لستُ ضابطاً يافعاً متيماً بالهوى – لن أصحب ڤيتا إلى بلدي وأبعث أموالاً إلى أسرتها كل شهر. وعليه لم أكترث بحق لأمومتها لابن, لا أحفل في كلتا الحالتين. ولهذا السبب أيضاً بإمكاني أن أعترف بأن آنچِل يتحلى في الحقيقة بقدر من اللطافة. مُسَمَّى باسم القديسة الراعية لڤيتا, أنجيلينا جولي. تقول ڤيتا, "إنه في مثل وسامة مادوكس*," وتقص شعره قصة قصيرة عالية. إنه ذو الخامسة الوحيد الراكض في أنحاء بلدة كامبوت بشعر قصير واقف وبنطال على الموضة يجمع بين الأخضر والبني كبناطيل الجنود.

يوم ألممتُ بهوية آنچِل كنتُ أنا وڤيتا فرغنا لتونا من ممارسة الجنس. اقتحم والداها غرفة الجلوس بمنزلي ومعهما آنچِل يتدثر ببطانية. كانت الدماء تنزف من أنفه, وفتور الهمة يرين عليه. سبَق أن شاهدتُه مرات قليلة حين كانت ڤيتا ترعاه, ولكنها أنبأتني أنه ابن أختها تجالسه في غيابها ليس إلا.

لبستْ ڤيتا بُرنسي على عجل بينما أسرعتُ بارتداء لباسي وبنطال من بناطيل الجراحين ثم خرَجتُ عاري الصدر إلى الغرفة الأخرى كي أتبين المشكلة. سلَّط أبو ڤيتا عينيه على وشم دققتُه على صدري. تصورتُ أنه أراد أن يقتلني. لو كنتُ مكانه, لأردتُ أيضاً أن أقتلني. بيد أنه لم يفعلها. عندما لا تمتلك أي شيء تقريباً, لا أخاله من الخبل الكلي أن تُعلق آمالك على أوهام ابنة سخيفة وقصة شعر على الموضة

وضَع أبو ڤيتا آنچِل على الأرضية فركعتُ فوقه. تحدثتْ ڤيتا ووالداها الخميرية بصوت في منتهى الخفوت والاستعجال كي يَحولا دون أن أفهم. ليس بمقدوري أن أتكلم من الخميرية إلا الأوليات غير أني أستطيع أن أستوعب المزيد بعد العيش هنا طويلاً, وهكذا عرَفتُ أن ڤيتا تأمر والديها ألا يبوحا بأن آنچِل ابنها. كانت أمها تجيب بأن آنچِل من المرض في غاية وأنهما في حاجة إلى مساعدتي.

شهِدتُ في غضون أسبوعي الأول في البلدة حادثة لا حد لوحشيتها, اصطدمتْ دراجة بخارية بشاحنة على الطريق الواصل بين كامبوت وكيب. وافت المنية فرد واحد – سائق الدراجة البخارية – وانقصفت رِجل الراكب نصفين. جبَرتُ مؤقتاً كسراً أصاب العظم المفتوح لفخذ هذا الشخص. جعلتُ حالته مستقرة كي يقوى على استقلال الحافلة المتجهة إلى المستشفى في مدينة بنوم بنه, على بعد مسافة تُقدَّر بثلاث ساعات. شاع الخبر بين الناس, وبعدئذ تردد المرضى من القرويين إلى بابي  من حين لآخر. ما كان مني في الأغلب إلا إرشادهم إلى مستوصف البلدة, مستوصف يضم محاقن للأوردة ومضادات حيوية وأدوات للإسعافات الأولية تعوزني. ولكن لو وجدتُهم ذوي فقر مدقع وبوسعي التعامل مع المشكلة, أتولى العلاج بنفسي. لم آخذ أموالهم على حين تقاضى المستوصف الكثير.

وهكذا استلقى آنچِل على الأرضية والدماء تسيل من أنفه الصغير. شرَعتْ أم ڤيتا في البكاء بأصوات قصيرة مكتومة أشبه بالفؤاق ثم راحت ڤيتا تبكي عالياً, وكل ما أردتُه منها هو أن تَرجع إلى غرفة النوم وترتدي بعض الملابس كيلا تقف هناك إزاء أبيها وثدياها يتدليان من بُرنسي. جسستُ نبض الطفل وعددتُ أنفاسه. لمستُه فألفيت حرارته مرتفعة للغاية.

"لماذا أتيتَ به كل هذه المسافة بدلاً من الذهاب إلى المستوصف؟" سألتُ.

لم أحظ بجواب من أحد.

"المستوصف؟ بلدة كامبوت؟" كررتُ.

هز أبو ڤيتا رأسه مرتين بسرعة كمن يرفض سعراً أثناء عملية تفاوض.

"ليس لديّ ما يحتاج إليه," أعلمتُه.

ما ساورني أي إحساس عند التطلع إلى ذلك الفتى. لا شيء يتجاوز ما يضمره الطبيب للمريض من مشاعر متجردة. وضَح آنذاك أنه ابن ڤيتا. استطعت أن أرى القَرابة وأنا أرنو إلى وجهه الجميل.

ما تكلم والدا ڤيتا كلمة واحدة بالإنجليزية, لذا ألقيتُ عليها السؤال, "ماذا يريدان؟"

"يسيران إلى هنا," كان ردها دون نقصان.

حاولتُ أن أَحمل آنچِل على احتساء بعض المياه من كوب إلا أنه أبى وقطَرت الدماء من شفته العلوية في الكوب لتنتشر متحولة إلى سحابة من سديم أحمر داكن. رفَعتُه وأعدت لفه في البطانية ثم ناولتُ ڤيتا إياه. وفي غرفة النوم لبستُ قميصاً قطنياً ثم عدت لآخذ آنچِل من جديد. أومأتُ إلى ڤيتا برأسي ناحية غرفة النوم حتى تَدخل وترتدي ملابسها.

ما بدر من والديّ ڤيتا إلا أن وقفا هناك وأعينهم تحدجني أثناء غيابها. سوف تهب عاصفة من الخليج؛ بوسعك أن تستشعر تبدلاً في الرياح المعبأة بالرطوبة. تزايَد ارتطام الأمواج بالرمال خلف منزلي وتدحرجت الحجارة صاخبةً فوق بعضها بعضاً.

ارتسمت على وجه أبي ڤيتا تجاعيد تشابه تجاعيد جسم الفيل تماماً. خبَر الكثير والكثير. الأرجح أن بقاءه على قيد الحياة معجزة. لكني لم أرغب في أن أستمع إلى قصة اختبائه داخل أحد الكهوف لمدة سنوات فيما قتَل زعيم الخمير الحمر بول بوت بقية أفراد عائلته أو أي خراء عجيب من ذلك النوع. لا رغبة لي في أن أضطر إلى المبالاة به أو أضطر إلى الزواج بابنته وإنجاب عَيِّل صغير نصف أمريكي نصف خميري يلعب كرة القدم بمهارة لا مزيد عليها ويقص شعره قصة غريبة على الموضة وينال شهرة ما بعدها شهرة في مَدرسة إعدادية سنلحقه بها في ولاية كينيتيكيت أو ولاية فيرمونت.

جاءت الرحمة من السماء فعادت ڤيتا كاملة الملابس وقصدنا مقدمة البيت نحو دراجتي البخارية. أمرتُها بأن تتشبث بآنچِل وتَركب خلفي. تبعانا والداها إلى الخارج وراقبانا في ذهابنا دون أن ينطقا بحرف. أرسلتُ الطرف فوق كتفي متظاهراً بتفقد السيارات – التي لا تَعبر هذا الطريق مطلقاً – ولمحتُهما واقفين, الأب على بعد قدمين من الأم, قبالة منزلي الصغير المتفرع من الطريق الرئيس المترب.

طلبتُ من الممرضة في المستوصف أن تبدأ بتعليق محقن في وريد آنچِل لا يحوي إلا محلول لكتات رينجِر القاعدي, وبعدئذ تحقنه ببعض المضادات الحيوية ما إن نكتشف إصابته بالتهاب. كان موَلَّعاً: 105 درجة. يُمْكن أن يموت الأطفال بمثل هذه الحمى. كانت تلك الحميات تَنزل بي في صباي فتُجلسني أمي في مياه المغطس المُثَلَّجة وتتظاهر بصنع أثواب مختلفة من الفوط (بذلة سهرة, قميص قطني بحمالتين, بذلة غطس), تَهدل الأقمشة المبتلة قارصة البرودة على صدري وذراعيّ ورأسي على أمل أن تَخفض حرارتي وتتجنب رحلة إلى قسم الطوارئ.

اضطر آنچِل إلى إمضاء الليلة في العيادة. تركتُ ڤيتا هناك لأقود الدراجة خمسة عشر ميلاً عائداً إلى منزلي. أقللتُ أمها أولاً ثم أباها رجوعاً إلى العيادة ليمكثوا برفقتها. ما وجَّهتُ كلمة إلي أي منهما طيلة الوقت. عدا مرة, عندما أومأتُ إلى أم ڤيتا كي تحترس من كاتم الصوت بالدراجة. إذ علته سخونة لافحة على بعد مليمترات فحسب من فخذها. حينما اجتمع كل الثلاثة في المستوصف, استدرتُ حتى أذهب إلى بيتي بيد أن ڤيتا خرَجتْ إلى الفناء وقبضتْ على مرفقي بأصابع نحيفة حقيقة بأصابع الطيور.

"لا بد أن أَعوم," نقَلتُ إليها. "تَعوم؟"

يجب أن أَسبح. سباحة يومية دفَعتُ من أجل ضمانها مبلغاً ضخماً بسعر صرف رابح.

سددتْ إليّ هاتين العينين النجلاوين, عينين تبزغان من كتيبات سياحية لرحلات بحرية إلى جنوب شرق آسيا تتوقف عند سبع دول في سبعة أيام. أردتُ أن أبصر بغضاً في هاتين العينين ولكني لم أبصر إلا انعكاس صورتي.

"كان عندي ابن," أعلنتُ في تلك اللحظة.

"عندك ابن؟" سألتْ.

"أجل" أجبتُ وناظراي يجتازان الشارع ويعتليان نهر كامبوت ثم يرتقيان إلى جبل بوكور. تعلَّق الضباب من بقاع نتأت أدغالها من جبل تلون بخضرة قاتمة. "لكنني قتلتُه. قتلتُه."

لا أدري لِم ألفظ دوماً الكلمات مرتين في حضورها. السبب الظاهري هو أنها لم تفهم الإنجليزية جيداً, ولكني موقن بوجود سبب آخر, نوع من الاستعلاء. لا أعدم ذلك الشعور. لا يَعدم الأطباء ذلك الشعور, بل والأطباء تحت التمرين ممن هم على شاكلتي.

"صدمتُه بسيارتي – حادثة," صارحتُها. "جرى أمام السيارة. صدمتُه. حادثة."

خرَجتْ حينئذ أم ڤيتا إلى الفناء فانصفق خلفها باب سلكي لم يَسلم من التمزق. تحدثتْ إلى ابنتها بنبرة خافتة فانتحيت جانباً وأشعلتُ سيجارة لأتيح لهما مساحة للكلام على انفراد. وبعد أن تبادلتْ بعض العبارات مع أمها, عطَفتْ ڤيتا رأسها إليّ قائلة, "صرصور يَدخل أنف آنچِل."

تناهت إليّ مثل هذه الحادثة في كلية الطب. أتذكر أن الكتاب الخاص بمقرر طب الأطفال صرح بشيء من هذا القبيل "لو لحق التهاب بطفل مقيم في حي سكانه من ذوي الدخول المنخفضة مثل مساكن الإيواء أو محيط آخر يتكل على إعانات الولاية أو المدينة, فلتضع الحشرات موضع الشك باعتبارها عاملاً محتملاً لإثارة الالتهاب."

تنزع الحشرات إلى الزحف نحو أماكن ضيقة مظلمة رطبة. تزحف الفقمات فوق الأرض. ترتمي الحيتان على الشاطئ. لكني لا أروم أن تفوتني سباحتي اليومية. لقد كانت حقاً لي. في مقابل قتل ابني نلتُ الحق في السباحة مرة يومياً في خليج تايلاند, خليج جميل تفيح منه أحياناً رائحة كريهة, الحق في أن أَركب أصغر الفتيات وأسخنهن, فتاة تَنعم بأضيق فرْج في البلدة, وأجعلها تقع في غرامي دون أن أتحمل أية مسؤولية تجاهها أو تجاه أسرتها عدا نقلهما إلى المستوصف حين يَمرض حفيدهما. حقوق وهبها لي الله.

فاتتني السباحة يومها. خدَّرتْ ممرضة تمارس بعض مهام الطبيب آنچِل واستخرجتْ الصرصور من أنفه ثم رفَعتْ جرعة المضادات الحيوية. سرعان ما سيفارقه المرض ليؤوب إلى عدْوه في أنحاء شوارع كامبوت ذات الوحل الأحمر بشعره الأسود المقصوص حديثاً على هيئة مسامير ضخمة مثل شعر مادوكس جولي.

كنتُ في الطريق إلى منزلي عندما بدأتْ السماء تمطر وتعطلتْ الفرملة الخلفية. توقفتُ إلى جانب الطريق, وهناك وقعتْ عيناي على بعض الصبية يلعبون في ثلاث بوصات من المياه ملأت حقل أرُز صغير الحجم مربع الأركان يستقر قبالة منزلهم. تألف المنزل من طابقين وثور واحد. احتشدت مجموعة من الدجاج المكفهر أسفل إحدى الأشجار هرباً من المطر. أعلى الصبية نظراتهم نحوي وأغرقوا في الضحك وهم يشيرون إليّ. قطَرتْ المياه الوحِلة من شعري فوق حاجبيّ ورموشي وعينيّ وأنا أركع لأفك رافعة شَغَّلت الفرملة الخلفية. كان عويلها يتصاعد تصاعداً أثناء القيادة, المعدن يحتك بالمعدن, إلا أني لم أجد الوقت لإصلاحها حينذاك, ولا الأدوات. لذا قدت نحو خمسة أميال في الساعة فيما تبقى من الطريق العائد إلى كيب مستعيناً بالفرملة الأمامية فقط لا غير – ومقتصداً في استخدامها. علِقتُ بالتعشيقة الثانية ومعي فرملة أمامية يتعالى منها صوت سنجاب, فضاع في النهاية كل أمل في السباحة. أسدل الليل ستاره, ولم يستحق الأمر أن أخاطر بأن يَقطع سبيلي قنديل من قناديل البحر.

وفي اليوم التالي مضيت إلى عَوْمتي لحظة استيقاظي. عَوْمتي. وددتُ أن أعوض ما لم أدركه اليوم السابق. تساءلتُ لحظةً عما ألم بالتهاب آنچِل, ولكن مثلما انسلت الفكرة إلى وعيي بصورة خاطفة, غابت عنه مجدداً بنفس الصورة. ارتديت لباس السباحة والتهمتُ موزتين صغيرتين غنيتين بالنشا ثم خطوتُ فوق شاطئ يغمره الإشراق. مرت العاصفة خلال الليل, رقَد على الشاطئ بعض الحطام وعدد متناثر من ثمار جوز الهند وأغصان النخيل. تبدت المياه في مثل شفافية الزجاج على غير العادة. خضت فيها حتى خصري ثم ارتديت نظارتي وغطست في المياه. لبثتُ غائصاً سابحاً ما أمكنني قبل أن يَنضب نفَسي الأول. كانت المياه دافئة أكثر مما ينبغي غير أني ارتفعت وانخفضت شأن المضخة, أسبح سباحة حرة بكل ما وسعني من قوة لمدة ربما بلَغت خمس عشرة دقيقة قبل أن يعجزني انقطاع الأنفاس. شعرتُ وكأن باستطاعتي أن أسبح هكذا بأقصى سرعة لمدة ساعات. تَعْرف ما يخامرك من شعور عندما لا تستطيع أن تلتقط ما يكفي من أنفاس, وفي كل مرة تَظهر على السطح طالباً الهواء لا تَعلم إن كان مريئك سيبتلع ملء فمك من الماء المالح أم لا؟ تَعْرف شعورك وأنت تقتحم المياه بعزم متناه حتى إنك تستوعب كيف يمكن لجسم أن يختبر الموت بقدر سهولة اختباره للحياة, تستوعب أن الحياة ما هي إلا غياب الموت, وعليه يَجمعها رابط دائم بالموت؟ ما برَأتُ أيضاً من هذا الإحساس وأنا أَركب ڤيتا صباحها, وكأني أقول, إليّ بالمزيد, لا أعبأ – وبعدها صك أذنيّ القرع المهتاج على الباب ومرق والداها إلى غرفة الجلوس. حسبتُ أني سأستمد بعض الرضا  على الأقل من التحديق إلى ذلك الرجل, أبيها, إلى وجهه وهو يَعلم كل العلم أني كنت أسحق ابنته منذ ثوان. ولكن تَعْرف؟ ما خالجني شيء. انتابني أكثر ما انتابني إحساس بالرثاء وهو يقف هناك نحيلاً هزيلاً بجسم لا يتعدى طوله طول أمي, يمسك بين ذراعيه حفيده صغير الجسم منهك القوى ببنطاله الشبيه ببناطيل الجنود.

كنتُ أعوم حول الجانب الآخر من لسان الشاطئ حين اعترض بصري قنديل بحر طويلاً أرجواني اللون, على بعد عدة أقدام في الأسفل. تحولتُ صوب الشاطئ خشية أن يكون بصحبة أصدقائه. كنتُ في مياه لا آلفها, ومع ذلك ما أبطأتُ من ضرباتي. واصلتُ السباحة حول المنعطف التالي لأتخطى منزلاً مهجوراً مشيداً من قوالب أسمنتية, منزلاً لا يعلوه سقف وإن عاش فيه قطيع من الكلاب مع جرائها. لم أنفك أشق تلك المياه السميكة ومنكباي تَسفعهما شمس ضخَّمت المياه صورتها المنعكسة. وإذا بإحساس مبرح يراودني بغتة, إحساس بأن شيئاً تاه من خاطري, شيئاً لا يستهان به فعلاً – تلك الرعدة العصبية التي اعتادت أن تسري من وقت لآخر على طول جهازي العضلي حتى قبل موت چيك. بل إن طعم المياه نال منه شيء من التغير وكأن شيئاً معدنياً جعل كل الجسيمات تطن.

أحجمتُ عن الضرب ثم ارتفعتُ لأطفو رأسياً مستقيم الظهر. أزحتُ نظارتي فوق جبهتي, وفيما كانت الرؤية تتضح, مددتُ ناظريّ إلى ثلاثة أشخاص أو أربعة يقفون على الشاطئ حول حيوان ميت هائل الحجم منتفخ الجثة. عُمت في المياه الضحلة بضربات قصيرة لأقترب مكتشفاً أنه قرش استوائي, مهشم الرأس والفم, يُسرب من الشاطئ أثراً من دماء ثخينة نحو المياه. لامستْ الأمواج الصغيرة رفيقةً فم المخلوق الواسع.

سبَحتُ كل المسافة الواصلة إلى الشاطئ, وحين دُست الرمال بقدميّ, تطلعتُ إلى ذراعيّ ورجليّ, طبقة حمراء رقيقة تلتصق بالشعر والجلد. نهضتُ عند طرف المشهد, ولكن لم ينتبه إليّ في البداية سوى واحد من الرجال. ما كان منه إلا أن صرَف بصره ناظراً إليّ بوجه لا يَحمل أية تعابير يمكن تمييزها. تمتَّع بجمال امرأة. أشاح بوجهه مخاطباً الرجلين الآخرين الذين كانا على الجانب الآخر من السمكة, يمزقان النسيج الضام المحيط بالكبد بضربات متوالية تطفح عنفاً. لاح عملاقاً, كبد يتلطخ بدماء أرجوانية, وقد تغطى الشخصان الآخران بالأحشاء الدموية. اعتلى الرجل الذي لاحظ وجودي ذيل السمكة ثم وقَف فوق المخلوق ليسند مرفقه في غطرسة إلى زعنفة ظهره كالواقف لِصْق طاولة حانة. لا بد أن طول القرش ثلاثين قدماً أو أربعين.

ما اعتراني الغضب عند موت چيك. ولكن أولئك الأشخاص أصحاب الأعناق الصغيرة الخليقة بأعناق الفتيات... طرَقتْ مخيلتي يداي وهما تقبضان بإحكام على كل عنق منها ثم تقصفه, تقصفه, تقصفه. اقتربتُ ولا زلت ألتقط أنفاسي بفعل التمرين أو نوبة الهلع أو كليهما. ما ابتسم أحد الرجال ولا أبدوا في الواقع أي رد فعل على وجودي وإن تعرفتُ على نحو مبهم بالواقف على السمكة من سوق كامبوت. ما برِح الآخران يَنشران المخلوق. عاز جلده المنقط البريق وتراءى كالمطاط تحت أشعة الشمس. انتقل إليه ذباب الواحدة منه في حجم عملة بعشرة سنتات, سِرب منهم في الحرارة, وعند محيط المنطقة جلَس أسفل الظل بضعة كلاب ضالة تعيش في الجوار, في انتظار تنظيف المسرح. ما فتئ الرجال يتجاهلونني, حتى حين استدرت خلفهم كي أصوب نظرة أقرب إلى كبد القرش الاستوائي وتجويف صدره.

عندما طلبتْ مني زوجتي أن آخذ إجازة مؤقتة من المستشفى لأقطع معها وقتاً, أخذتُ إجازة من المستشفى وقطعتُ معها كل وقتي.

عندما طلبتْ مني أن ننتقل إلى ولاية فيرمونت كي نقيم بالقرب من عائلتها, انتقلنا إلى ولاية فيرمونت كي نقيم بالقرب من عائلتها.

عندما طلبتْ مني أن ننتقل ثانية إلى المدينة كي نبتعد عن عائلتها, عثرتُ لنا على شقة في مدينة تشيلسي.

عندما كفت عن تناول حبوب منع الحمل وطلبتْ مني أن أمارس معها الغرام, تركتُ كل شيء ومارستُ معها الغرام.

عندما طلبتْ مني ألا ألمسها مجدداً, لم ألمسها. نمت على الأريكة وتفرجتُ على خمسة مواسم متتالية من مسلسل 'ماش,' أعادتها قناة هولمارك من الحادية عشرة إلى الواحدة كل ليلة من ليالي الأسبوع عدا العطلة. وفي العطلة لعبتُ بوكر على الإنترنت مع رجل من ولاية ويسكانسِن يدعى هال.

عندما طلبتْ مني أن أَقوم بشيء – أي شيء – كي أبرهن لها أني أكابد من الانهيار ما تكابده, جررتها إلى أحد استوديوهات الهيبيز لدق الوشوم بمدينة ويليامزبيرج وعصَرتُ يدها بينما أنشأ شخص حقير – بشعر أسود كشعر المغني جوني كاش ووشم على شكل زهر النرد فوق كل مفصل من مفاصل أصابعه – ينقش اسم چيك على صدري بحروف ضخمة الحجم سميكة الخطوط.

عندما طلبتْ مني أن أستعيد عملي, حاولتُ أن أقضي فترة الامتياز في نيويورك. وعندما أخفقتُ في قضاء فترة الامتياز في نيويورك, تمكنتُ من قضائها في ولاية نيو جيرزي وسافرتُ يومياً إلى مدينة ترينتِن ثم رجعتُ لأنام على الأريكة كل ليلة خالية من العمل بلا استثناء.

عندما أنهت إليّ أنها في حاجة إلى فترة من التلهي وتولي وظيفة خاصة بها, أخبرتُها أن تتولى وظيفة خاصة بها, وقد تولتها, متطوعة في محطة إذاعة حكومية محلية تقع في وسط البلد.

عندما قالت إن هناك وظيفة بأجر شاغرة في المحطة وترغب في التقدم إليها, قلتُ, عظيم, تقدمي إلى الوظيفة ذات الأجر, وهكذا تقدمتْ إليها وفازت بالوظيفة لتشتغل وفقاً لبرنامج عمل مشحون لا يهدف إلى الربح, استغرق في بعض الأحيان ستة أيام أسبوعياً.

عندما طلبتْ مني أن أتبرع بمبلغ من المال للمحطة وأَحضر حفلة مقامة بمناسبة العطلة, تبرعتُ للمحطة ولبستُ ربطة عنق مبهجة وجلبتُ كعكة بالفواكه إلى حفلة العطلة.

عندما قالت إنها في حاجة إلى قضاء بعض الوقت مع مخرج البرنامج الموسيقي الذي يذاع بعد الظهر لأنه يفهمها, لأن طفله مات من جراء السرطان, قلت, عظيم, اقضي وقتاً مع مخرج البرنامج الموسيقي الذي يذاع بعد الظهر لأن طفله مات من جراء السرطان.

وعندما طلبتْ مني أن أرحل, رحلتُ.

انتقل المخرج إلى المنزل, فأخذتُ لفة صغيرة من النقود وتركتُ الباقي لها ثم ابتعتُ تذكرة إلى مدينة بانكوك.

اعتذرتُ. ظننته داخل البيت. لم أحتس الخمر. حاق بي التعب ليس إلا. بل إنني لم أحب كرة القدم ولا الشواء ولا زوجة أخيها, تلك السافلة الباردة. وما كنتُ متأكداً من سماعي لشيء يرتطم بحاجز الاصطدام. لم أَدر أني صدمت شيئاً – صدمتُه – حتى أتممت ركن السيارة ورميت بناظريّ إلى حذائه الصغير بجوار إطار العجلة. لا ريب أني كنت سأتوقف لو نمى صوت إلى أذنيّ. فقد توقفتُ في الماضي لِما هو أقل شأناً. توقفتُ من أجل سنجاب.

قدت دراجتي إلى مقهى كولين في كامبوت وبحثتُ عن القروش الاستوائية على الإنترنت. كانت معرضة لخطر الانقراض ومحمية بموجب القانون غير أن طقم الزعانف وصل ثمنه خمسمائة دولار للكيلو الواحد إن انتهى إلى أيدي عليمة بينما كان الكبد يساوي ذهباً.

كنتُ أقرأ وفتاة استرالية حول رأسها منديل وردي تقهقه عالياً إلى الكمبيوتر الواقع خلفي. كانت توجه رسائل فورية إلى والديها في بلدها سائلة المزيد من الأموال على حين تُبلغ صديقها بتفاصيل المحادثة, بصوت مرتفع ارتفاعاً كافياً ليَرد إلى مسامع كل الجلوس بالمقهى. شطح بي الخيال فتصورتُ أني أرسلتُ أحداً إلى مدينة بنوم بنه ليسرقها وهي ماضية إلى ماكينة السحب الآلي. ما لغرض إلا تلقينها درساً.

ولجتُ بريدي الإلكتروني قبل أن أترك الكمبيوتر, لم أتفقده منذ أسبوعين. تضمن عدداً قليلاً من الرسائل الجديدة, إحداها من زوجتي بعثتْ بها منذ أسبوع. فتحتُها وقرأتُ السطر الأول. كانت قد أرسلتْ أوراق الطلاق لأوقعها منذ شهور بيد لم أعرج على مكتب التوزيع العام لاستلامها, ولم تَرجع إليها أيضاً, وهي لا تدري الآن ما هي صانعة.

"يا كولين, هل تسمح لي أن أستخدم هذا العنوان لتلقي مستندات أحتاج إليها؟" هتفتُ من فوق كتفي.

"بالتأكيد."

ضغطتُ على أيقونة 'الرد' وكتبتُ اسم كولين وعنوان حل عمله ثم خطر ببالي أن أمرر عينيّ على بقية رسالتها الموجزة. أسَرَّتْ إليّ بأنها حامل – فتاة – وتشاء الزواج باسمه إيه قبل الإنجاب في خلال شهور قليلة. ضغطتُ على أيقونة 'العودة' بضع مرات بعد عنوان كولين ثم كتبتُ, "أتمنى ألا تتعبي هذه المرة" قبل أن أعود لأحذف السطر. حين كانت تَحمل چيك, تقيأتْ ثلاثة أشهر متواصلة. طفقتُ أكتب مرة أخرى, "أتمنى ألا يحل بك نفس الغثيان," ولكني حذفت "نفس" وتفرستُ بضع دقائق في المؤشر وهو يختلج بعد كلمة "غثيان."

جلب كولين قهوتي وحطها بجانب لوحة المفاتيح. البادي أن الإسبريسو هو الشيء الوحيد الذي لا حياة لي بدونه حقاً. "هاك قهوتك يا رجل, بالهناء والشفاء," قال.

كتبتُ نقطة ثم ضغطتُ على أيقونة 'العودة' لأكتب, "استمتعي بالحمل هذه المرة." ما لبثتُ أن محوت "هذه المرة" ثم ضغطتُ مرة أخرى على مفتاح النقطة لأكتفي بذلك من الجملة. "استمتعي بالحمل." ضغطتُ على أيقونة 'إرسال' وخرَجتُ من حسابي البريدي ثم رشفتُ رشفة من القهوة حرَقتْ لساني. تروقني تلك الرشفة الأولى.

قدت دراجتي البخارية عائداً إلى كيب في وقت لاحق من تلك الأمسية. سلَكتُ طريقاً جانبياً يحاذي خط الساحل حتى وصلتُ إلى المنزل مُقام الكلاب. تولتني الدهشة لِما خيم عليه من هدوء وفراغ بالنسبة لذلك التوقيت من الليل. انحرفتُ عن قارعة الطريق لأخترق الأجمة في اتجاه الرمال. علِقتْ العجلة الخلفية عدة مرات ولكنني ترجلت لأُخرج الدراجة من الحفر متمكناً من بلوغ رمال أكثر نداوة.

لم يتبق من القرش الاستوائي سوى كمية ضخمة من الوحل المائع. تقاتل من أجلها قرابة خمسين كلباً فوق الرمال الدامية. استفرغتُ قليلاً بسبب رائحة تستعصي على الوصف. غطيت أنفي وفمي وأنا أفرشح لأركب الدراجة ومحركها يدور بطيئاً. ساد الظلام إلا أن القمر سطَع بما يكفي لأتبين في الرمال أثريّ إطارين غاية في العمق والاتساع يعتليان السبيل المؤدي إلى الطريق الرئيس.

انقطعتُ عن بلدة كامبوت يومين, أو عله كان أسبوعاً, لا يسعني صدقاً أن أجزم بما صنعتُه طوال تلك الفترة. بالكاد أكلتُ شيئاً. إلا أنني سبَحتُ حقاً كل يوم, أحياناً مرتين. احتسيت مخزوني من الجعة الدافئة, وحين نفد الطعام والماء وقل البنزين, توجهتُ إلى كامبوت لشراء المؤونة. أُقسم أن ڤيتا بمقدورها أن تستشعر مجيئي على بعد ميل – فهي في حاسة الاستشعار كالكلاب. فقد وجدتُها أمام السوق قبل أن أدير رجلي فوق مقعد الدراجة وأُغلق المحرك.

"أين كنتَ؟" سألت.

"في البيت"

"لِم تَروح الشرطة؟ لِم تَروح تقول إن سوبات أخطأ في شيء؟"

"لأنه أخطأ – أخطأ فعلاً في شيء."

"لا, لا, لم يخطئ في شيء," نفت. كانت أول مرة على الإطلاق لا توافقني فيها كليةً. "يقول إنك أخطأت."

"أنا؟ أنا. أخطأتُ," قلت. "ممتاز. حاجة زفت ممتازة."

"سوبات يقول إنك تتعبه وتتعبنا كلنا. والآن يجيئون ويريدون نقوداً زيادة منهم. يأخذون الزعانف."

"مَن؟ مَن أخذ الزعانف؟"

"أنت عارف مَن," ردت. "أنت – "

"حسناً, القروش الاستوائية محمية," أنهيت إليها. "إنها تنقرض كلها, وليس من المفروض أن يقتلها أحد. لا ابن خالتك, ولا أي أحد."

"سوبات, غضبان جداً."

"لا آبه بغضب سوبات."

"يقول إنها تعوم وحدها على الشاطئ. السمكة تعوم وحدها على الشاطئ, وكانت مريضة جداً."

"إنها لم تعم على الشاطئ يا ڤيتا."

"تعوم. سوبات يقول إنها تعوم."

"لا. لم تعم. لقد قتلوا تلك السمكة المسكينة. لقد خرجوا لقتلها. كان وجهها مسحوقاً!" صحت.

جفَلتْ ڤيتا قليلاً لمَّا رفَعتُ صوتي كما لم تجفل من قبل, وبرفسة سريعة لخزان الوقود أتت فعلياً من حيث لا أدري, أطاحت بدراجتي البخارية لترتطم بالأرض مُحْدثة ضجة, انسكب الجازولين على التراب متدفقاً على هيئة قوس قزح أرجواني صغير.

"ماذا تهببين؟" صرختُ بصوت أعلى من ذي قبل. رشقني بضعة أشخاص بنظرات يدب فيها الهلع من الطرف الخارجي للسوق – نفس السوق المقام في الهواء الطلق الذي لمَحتْ فيه ڤيتا خلال أسبوعي الثاني في البلدة. كانت هي وصديقاتها يقهقهن بلا سبيل إلى كبحهن خلف كشك عمها لبيع الخضروات حيث كن يساعدن في البيع. ظللن يضحكن عندما دنوتُ وطلبتُ بالإنجليزية أن أشتري رغيفاً كانت أم ڤيتا تبيعه.

للأسف, لم تختلف ابتسامة ڤيتا المغناجة عن ابتسامة كشَفتْ عنها متباهية بعد أن ركلتْ دراجتي. رفَعتُ الدراجة وأعدت عمود التثبيت إلى مكانه. انكسرتْ المرآة العاكسة للمشهد الخلفي. "أنت مخبولة," شتمتُ وأنا أتميز غيظاً. ما ذهَب الابتسام عن وجهها.

شاهدتُ بطرف عيني أم ڤيتا تقترب وآنچِل في أثرها. حين وقعتْ عينا آنچِل على أمه, جرى نحوها وعانق فخذيها مثلما يفعل الصِبية الصغار. رمقني بنظرة تشوبها الريبة ولكني فطنتُ إلى رغبته في الاستحواذ على انتباهي. قالت أم ڤيتا شيئاً بالخميرية ثم أشارت إليّ.

"أمي تقول إن أبي يقول إنه يريد أن يشكرك لاعتنائك بآنچل," خاطبتي ڤيتا.

"لم أفعل أي شيء من أجل آنچِل."

"حسناً," قالت وأمها وراءها تومئ برأسها مبتسمة, "عندنا الليلة عشاء خصوصي, وأبي, يريدك أن تجيء."

"لا, لا أستطيع," رفضتُ. كنتُ مدركاً تمام الإدراك أن الرفض سيُعد وقاحة.

تجلى العبوس في وجه أم ڤيتا. وبدت علامات الكراهية على ملامح ڤيتا. كراهية خالصة, ولا أملك إلا موافقتها على هذا الشعور.

"ماذا تريدين مني أن أفعل؟" سألتُها.

ما فاهت بجواب. قالت أمها شيئاً جديداً فجادلتْها ڤيتا. ظل آنچِل يَشخص إليّ ببصره من بين رجليّ أمه, وقد انفتل شعره القصير وتسطح عند مؤخرة رأسه.

"أمي تقول إنك لا بد أن تجيء. أبي, سيحزن جداً إن لم تجيء," أردفتْ ڤيتا.

"طيب, طيب," وافقتُ ثم قلت "شكراً, شكراً جزيلاً" لأم ڤيتا.

كان منزل أسرة ڤيتا أصغر من منزلي إلا أنه عبِق برائحة جوز هند نفاذة تخالطها رائحة سمك وتراءى أكبر من حجمه الحقيقي. ركض آنچِل هنا وهناك كالممسوس بمجرد أن وصلتُ, ربما لأن أمه تيبست بوضوح في حضوري. حياني أبو ڤيتا بانحناءة بسيطة وقادني إلى مائدة لأتخذ مجلسي. صب لي كأساً من الويسكي, ولم يَجلس إلا بعد أن جلستُ. احتسينا المشروب والصمت يلفنا, نومئ برؤوسنا ونطبع الابتسام على وجوهنا بين الفينة والأخرى حتى أَقبل ابن خالة ڤيتا – سوبات, قاتل القرش الاستوائي – وراح يُحَدق إليّ.

"ربما يجب أن أنصرف؟" همستُ إلى ڤيتا.

"ولِم تنصرف؟" سأل سوبات بلهجة تشي بالأدب.

"نأكل الآن," قالت ڤيتا.

أتت أمها حاملة سلطانيتين ضخمتين من ماء جوز الهند, يطفو فوقه ثوم وبصل وبطاطس وقطع سميكة من لحم أبيض. فاحت منهما رائحة ذكية. وضعتْ بعض الأرُز على مائدة صغيرة أمامي وأومأت إليّ بأن أبدأ الأكل, ولكني لم أشأ أن آكل قبل أن يَجلس الجميع. قعَد سوبات حيالي في آخر الأمر, وبعد أن أنامت ڤيتا آنچِل على حصيرة فوق الأرضية, انضمتْ إلينا ليتبعها في النهاية أبوها. ظلت أمها تعمل أمام الموقد.

"يعجبك؟" سأل سوبات.

إشارة بأنه قد حان لي أن آكل من الأرز المنقوع في حساء غليظ القوام. ذابت البطاطس فعلياً على لساني, وكان المرق متبلاً تتبيلاً مثالياً. لكني حين شرَعتُ في لوك السمك, وجدتُه مطاطياً زيتياً. استثار لديّ رغبة في التقيؤ فبحثتُ عن منديل كي أبصق. استطعتُ أن أشعر بالعرق يَقطر أسفل ذراعيّ. ولكن سرعان ما عادل ماء جوز الهند تأثير الزيت وابتلعتُ. تبسم أبو ڤيتا إليّ بما ينم عن ترقب, وعندما هبَط في حلقي المزيج نصف الممضوغ, تمكنتُ من رسم نسخة من الابتسامة عينها التي كنا نتبادلها من قبل أثناء احتساء الخمر.

طفق الكل يصيب من الطعام حالما أكلتُ, حتى أم ڤيتا الجالسة على كرسي خلف ابن أختها وزوجها. أكلنا صامتين أغلب الجلسة بينما تجاذب سوبات وڤيتا أطراف حديث متقطع. لم أتمكن من التقاط فحواه غير أنه بدا دردشة عادية. حملق سوبات إليّ دون ابتسام بين القضمة والأخرى.

تطلعتُ إلى أبي ڤيتا الجالس هناك, نحيل نحول العصا, ينحني على سلطانية شابت حافتها الكسور, يلوك كل قضمة مدة بدت وكأنها عشر دقائق. كان ينبغي أن يكون جد ڤيتا, لا أباها. داخَل وجهه شيء لم أره في وجه أبي – ولا في وجهي كي أتوخى الصراحة المطلقة. غلَّفتْه آيات الطمأنينة, بل وآيات السعادة. فخور بإطعامه ضيفاً التمس معونته منذ أسبوع فحسب.

كنتُ من الجرأة أن أشفقت عليه. لعله كان يشفق عليّ طيلة الوقت أو ينبغي أن يشفق عليّ. مضغ وابتسم, مضغ وابتسم, وعلى النقيض من كل مبادئي ألفيت نفسي راغباً في الوقوف على ماضيه, كاشفتُ ڤيتا بهذه الرغبة بعد أن استطعت أن أبتلع ملء فمي من الطعام الزيتي المالح.

رنت إليّ وقد أذهلها السؤال.

بدأتْ تحكي, "راحت أسرة أبي الأولى على يد الخمير الحمر. يقتلون ابنيه الاثنين أمام عينه لأنه يحاول أن يخبئهما في المنزل. زوجته, تموت وهي تعمل في المعسكر, و..." أمسكتْ ڤيتا منقبة في عينيّ عن علامة تنم عن بوحها بأكثر مما ينبغي.

ما زايل أباها الابتسام بين القضمة والأخرى بينما تابعتْ ڤيتا الحديث. أفضت إليّ أنه انتهى بعد طول عناء إلى كامبوت جنوباً عام 1980, إبان المجاعة. لا فكرة لديه عما تسرده, ولكن ها هو ذاك, يمضغ طعامه ملء خديه وكأنه تعشي على هذا النحو طيلة عمره, تعشي كملك كمبوديا. يستمتع أيما استمتاع بلحوم يأكلها الملوك.

 

 

 


* هاولي haole: كلمة من رطانة يستخدمها سكان هاواي (Hawaiian pidgin), وتعني 'رَجلاً أبيض.'

* اللغة الخميرية: لغة كمبوديا.

* مادوكس: ابن الممثلة الأمريكية أنجيلينا جولي بالتبني, وأصله من كمبوديا.

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.