مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

albawtaka@albawtaka.com                تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الرابع والعشرون، يناير 2010

 

 

 

 

 

تكرمت فاليري ليكِن بالموافقة على نشر قصة "المتفرجون" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Laken was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Spectators" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Laken a great debt of gratitude for her kind permission.

“Spectators" by Valerie Laken. Copyright © 2006 by Valerie Laken. Originally published in Ploughshares, Spring 2006, Issue #99, Vol. 32/1. Published by kind permission of Valerie Laken. All rights reserved.

 

 

 

 

 

 

المتفرجون

فاليري ليكِن

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: 01-Jan-2009

 

 

 

 

 

Cover art: Laylah Ali

مجلة بلاوشيرز

ربيع 2006

 

 

 

 

 

قادا الثمانية والثمانين ميلاً من مدينة إلجين وصولاً إلى بحيرة ديلافِن باستخدام جهاز تثبيت السرعة دون أن يَنطقا بما يزيد على عدة كلمات مقتضبة لا تخلو من تهذب. كانت ماريون تجرب مؤخراً اتخاذ عادة التحفظ في الكلام. ورغم أنها أخبرت آرني ألا يأخذ المسألة على نحو شخصي, استعصى عليه ألا يضيف هذه العادة إلى قائمة همومه الأخرى. عندما رَكنا عند ملعب الجولف, أراد أن يعاونها على الخروج من السيارة ويقف بجوارها وهي تلقي نظراتها الأولى على المكان, على الحدث, غير أنها طوحت بيدها أمام وجهه وانطبع على ملامحها تعبير يشي بأنه بدأ يتصرف كالعجزة مرة أخرى. دفَعت الباب على وسعه ولَفَّت نفسها لترتمي على جانبها ثم أَعْلَت ساقها اليسرى بِيد واحدة لتحطها على الرصيف. ومن داخل السيارة شاهدها وهي تَرفع نفسها قائمة على ساقها السليمة ثم تعدل بنطالها الذي نزَع إلى أن يَعْلَق بتجويف رِجلها الاصطناعية مع أنه لم يَعْلَق هذه المرة. لم تجلب عكازها من المقعد الخلفي. خَمَّن أن إعجابها بلعبة الجولف يكمن في استطاعتها استخدام المضرب كسند بديل. كانت مشيتها تتحسن – بمقدورها أن تقطع ثماني خطوات أو عشراً فوق سطح مستو بدون عكاز أو مضرب جولف أو أي شيء. دار بذهن آرني أنها تبلى بلاء حسناً بوجه عام. فقد كانت فارسة. ذلك ما قاله للجميع مؤكداً بابتسامة على وجهه: لا خوف من شيء, سوف تصبح على ما يرام.

لكنه عندما غادر السيارة لمَح على سحنتها شبح تكشيرة. "ولا حاجة," أجابت لمَّا سألها عما حل بها. كان يوماً شمسه مشرقة سماؤه زرقاء حرارته متصاعدة مبكراً, قبل الثامنة صباحاً. ترامى ملعب الجولف مغلفاً حولهما بالهدوء وكأنه في الانتظار. ومع ذلك لم تكن ماريون ترنو إلى المنحنيات الناعمة وأودية المَعْبَر التاسع؛ إذ كانت تتفرس بعينين نصف مغمضتين لا تعدمان النفور في راية بلاستيكية برتقالية كبيرة تعلو رأسها, راية بعثت صوت صفقة مزعجة للآذان في كل مرة تَحرك فيها النسيم. أعلنت بحروف سوداء, دورة الجولف السنوية السادسة لمبتوري منطقة الغرب الأوسط.

"يا للرقة," غمغمت وهي تُحرك ثِقْلها.

تملكها إحساس بالكراهية لكمة "مبتور," تجنبت كل مفردات هذه المحنة الجديدة, أخفت كتيبات أخصائي الأطراف الاصطناعية ومتخصصي العلاج الطبيعي, خبأت المراهم, أبقت الرِجل ذاتها متوارية إلى الأبد تحت البناطيل والجوارب والأحذية.

"السنوية السادسة," حاول آرني. "لا بد أنها دورات ناجحة." كان هو صاحب فكرة المجيء إلى الدورة, لا ماريون, وقد كان يَعلم أنها لن تُسهل عليه الأمر. "فلنُحْضر شخصاً من الداخل ليَحمل مضاربك."

"آه. ألا يُمْكنك حملها يا آرن؟" قالت شاردة الذهن.

خالج آرني التردد. "طبعاً. طبعاً." انحنى على صندوق السيارة المفتوح واستجمع قواه لمواجهة إبر سوف تتذبذب لتَنخس ظهره وساقيه بدءاً من فَتْقين في قُرْصين ظَهْريين بين عظمتيّ كتفيه ونزولاً إلى ما بعد ركبتيه.

ارتفع لهاث ماريون بغتة. أبرز آرني رأسه من صندوق السيارة ليرتطم بصره هو الآخر بالمنظر: أزواج من لاعبين لفحتهم الشمس, يبتسمون, يتكلمون بلا كلفة, يسيرون بأطراف غير متساوية ومشية متشنجة غير منتظمة من مبنى النادي إلى صفوف مُرَتَّبة من عربات الجولف المنتظرة تحت الظل. "يا ربي." أشاحت ماريون وجهها عنهم محيطة صدرها بذراعيها. "ها قد أتوا."

لم يكن آرني نفسه يجيد لعب الجولف على الإطلاق وإن أضمر دوماً شديد الإعجاب بالعزلة الخضراء المُنَسَّقة لملاعب الجولف, والانخفاض الطبيعي لنبرات أصوات الناس وكأنهم داخل كنيسة, وكأن بينهم شيئاً معبوداً. راقه الكوكتيلات وعاملو صيانة الملعب والأحذية عتيقة الطراز وقدرة الراشدين الجادين على نبذ الهموم الخشنة بحيواتهم بغرض التركيز ساعات قليلة هادئة على طيران كرة صغيرة مليئة بالنقر. ثمة جمال لا ينقصه العبث في تلك الصورة, خفة أيما خفة.

في بداية حياتهما الزوجية, فيما خلا إبان الستينيات, كثيراً ما ضبَط آرني الرجال يتفرجون على ماريون وهي تضرب ضربة البداية. ففي اللحظات الوجيزة التالية على ضربتها, وهي تقف بفم مفتوح وعينين تتتبعان الحركة السريعة المتقوسة للكرة فوق المَعْبَر, حلا لآرني أن يصوب نظرات خاطفة إلى المتفرجين الذكور بالقرب من مبنى النادي أو عند الحُفر المتاخمة وهم يهزون رؤوسهم ويرفعون حواجبهم: وقد أدركهم حسد طفيف من ماريون, حسد طفيف منه.

وقَف آرني الآن في مجاز العربات خلف نقطة البداية الأولى مراقباً ماريون وهي تنحني منخفضة نحو الأرض لكي تضع كرتها على الخشبة ثم تُقِيم نفسها ثانية وهي تترنح. أنفقت أسابيع حتى أتت هذه الحركة صحيحةً في جلسات العلاج الطبيعي, وفي كل مرة شاهدها آرني وهي تفعلها, أطبق يديه وأسنانه لاشعورياً وسلَّط تركيزه داعياً ألا تَسقط. لو استرد بصرها الآن, سوف يسارع برفع إبهامه تشجيعاً ويطبع ابتسامة على شفتيه. بيد أنه لم يسترد شيئاً. غاية أمرها أن تمرنت على ضربتين سريعتين ثم جابهت الكرة وأطلقت زفيراً وضربتها. الحق أنها كانت في هذه الأيام لا تَضرب بالطبع إلا نصف ضربة, كلها من الكتفين, مكبوحة وكأنما تخشى الانقلاب على وجهها لو أطلقت لنفسها فعلاً العنان. ومع ذلك أحب آرني أن يتفرج عليها. فقد تراءت كل مهارة استعادتها, حتى المهارات البسيطة, أشبه بكتل حجرية تُشَيِّدها لتعود إلى ما كانت عليه في يوم من الأيام. حين وثبت كرتها فوق العائق المائي لتهبط على بعد عدة أقدام فحسب من المَعْبَر – على الحافة, لا الأرض الوعرة – ما تمالك أن صفق مرتين هاتفاً, "ممتاز يا فتاة."

بدرت أيضاً تعليقات تنم عن التشجيع من لاعبي الجولف الآخرين في مباراة ماريون الرباعية, ولكن ما ند عنها إلا أن هزت رأسها بما يوحي بعدم الرضا وعادت إلى آرني مُطرقة العينين.

"بداية موفقة," أثنى. "بجد."

"ستنتظر هنا إذن في مبنى النادي؟" استفسرت ماريون. كان معظم الأزواج والأصدقاء الآخرين قد غادروا بالفعل الملعب بعد تناول القهوة والكعك المجانيين بحثاً عن أنشطة أخرى ليقوموا بها في المنتجع.

"بالتأكيد. سوف أقعد هناك في الفناء." أشار آرني.

"في حال نال مني التعب أو شيء من هذا القبيل," أعلمته. كان هذا أحد شروطها قبل الموافقة على المجيء: لو رامت أن تكف مبكراً, أن تنسحب من أي شيء, سوف يكون هناك بجوارها حتى يعيدها إلى البيت, لا لطرح أية أسئلة. لا للرحلات المُثْقلَة بالذنب.

"أَتَذَكر," أنهى آرني إليها. "أوعدك."

"حسناً إذن," فاهت ماريون مبتعدة فيما كان يمد يده إليها. "هيا اذهب."

رجَع أدراجه إلى فناء مبنى النادي ليَلحق بالمتفرجين القليلين الباقيين, تاركاً إياها عندئذ وحدها, وقد تراجعت بخطى مشوبة بالحذر عن لاعبي مباراتها الرباعية. ضمها المنظمون إلى رَجلين من إنديانا كانا فيما يبدو صديقين وامرأة من بلاك إرث انتهت رِجلها اليسرى أسفل الورك بالضبط. لم تكن تَلبس رِجلاً اصطناعية, وقد رقَبها آرني وهي تُسقط عكازيها بجانب حافة مرتفَع البداية لتَحجل إلى موضع الاستعداد. تمرنت على ضرب ضربة واحدة فقط ثم ثبتت نفسها مجدداً وخبَطت الكرة منخفضةً مستقيمةً فوق مائة ياردة.

"ياه," لفظ آرني بلا تفكير عاجزاً عن كبت دهشته.

"آه, تحفة, هه؟" تناهى إليه صوت من خلفه.

استدار فألفى امرأة حمراء الشعر في مثل عمره تقريباً, تدخن وهي جالسة إلى إحدى موائد الفناء. خلَع الرجل الجالس جوارها ركبته الاصطناعية ماركة سي-ليج وكان يلكز مفصل الركبة بأداة صغيرة.

"قد يظن الواحد أنها محتاجة إلى رِجل اصطناعية على الأقل لحفظ التوازن ليس إلا," علَّق آرني.

"البتر عالٍ زيادة عن اللزوم," جاهرت المرأة لامسة قمة فخذها بجانب يدها. "لا بد أن يتبقى شيء لتَرْكَب عليه."

تخضبت وجنتا آرني بالاحمرار. "صحيح, طبعاً."

"يا للقرف, يُخيل إليّ أحياناً أني أَفضل حالاً بدون هذا الشيء," تشكى الرجل المجاور لها وهو ينقر المائدة برِجله ويرتقي بوجهه مبتسماً لآرني.

عدَّه آرني لطيفاً لمحاولته إذهاب الإحراج عن الآخرين. قدَّما أنفسهما – بيل تايدِر وشيرِل تايدِر من مدينة آرلينتِن هايتس – ثم أشارا إلى آرني لينضم إلى جلستهما. اتخذ مجلسه إلى المائدة دون أن يَصرف نظره لحظة عن ماريون ومجموعتها تستقل عربات تتحرك مُرْتَجة لتسرع فوق الجسر الصغير وتَنزل ناحية المَعْبَر. فكَّرته بطريقة أو أخرى بصباح يعود إلى عقود منصرمة, عندما أَقَلَّ ابنته إليزابيث للمرة الأولى إلى مَدرستها الجديدة في مدينة إلجين عقب نقل مقر عمله. "أَرِيهم الويل," قال وهو يربت كتفها ليرسلها إلى الأطفال الآخرين في الملعب, ولكنها أرته هو الويل حين أبت أن تقول سلاماً أو تلتفت وراءها لتُلوح له رغم أنه وقف هناك نصف ساعة, بعد فترة طويلة من دخولها المبنى.

"تتحرك إذن بهذين العكازين هكذا؟" سأل آرني الزوجين.

بدرت من شيرِل إيماءة قوية. "يَظهر أنها فقَدت رِجلها وهي فتاة صغيرة, حادثة في مزرعة. أخبرتني ذات مرة لكني لا أتذكر التفاصيل. على أي حال, مع تلك العائلة القروية الكبيرة, اعتادت ببساطة على الحركة كيفما استطاعت. وقد ربَّت أيضاً ثلاثة أطفال."

هز آرني رأسه وقد شمله الانبهار.

"طالما اعتبرتُها مصدر إلهام," قالت شيرِل.

لاحت علامات السخرية على وجه بيل. "وأين يختفي هذا الإلهام وأنا أبحث عن جهاز التحكم عن بعد؟"

"ياه, يا حبيب قلبي," قالت وهي تغمزه بعينيها.

طالعهما آرني بطرف منتبه. "تسمح لي أن أضبط لك الرِجل؟" عرَض عليه. كان آرني حتى العام الماضي يشتغل مهندس ميكانيكا طيلة حياته, يصمم قطع غيار المولدات الكهربائية ويعيد تركيبها. ومع أنه ارتأى بعد الحادثة أن الأفضل أن يُبَكِّر سنتين بالتقاعد, استولى عليه أحياناً شعور بافتقاد الوظيفة, الحسابات والتصليحات وحل المشكلات والمتطلبات العامة التي تنازعت وقته.

"وَصْلَة مَفْصِل الركبة لا تدور كما يجب," قال بيل وهو يَلمح قلِق العينين المجموعات القليلة الباقية من لاعبي الجولف وهم يهمون بالانصراف بدونه.

"لأن وزنك زاد مرة ثانية," نبَّهت شيرِل. "إنها تتلف دائماً لمَّا يثقل وزنك."

"آه!" صاح بيل وهو يعيد يده بحركة خاطفة. "ها هي. أصلحتُها." رفَع الرِجل وأرى آرني الوَصْلَة الدائرة في الركبة.

"أحسنتَ," تفوه آرني ليراوده مجدداً شعور بعدم الجدوى.

شمَّر بيل بنطاله القصير حتى وركه وأعاد وصل الرِجل بالجَدَعَة ثم جذب الشريط اللاصق عبر فتحة قاعدة التجويف ليثبته في مكانه على طول قمة الفخذ. نهض بعدها وأقدم على عدة خطوات ران عليها التردد ثم استدار ليختبرها.

"حسناً, أظنها ستفي بالغرض." طبَع قبلة على جبين شيرِل وصافح آرني ثم راح ليَلحق بلاعبي الجولف الآخرين. كان أغلبهم رجالاً ارتدوا – شأن بيل – أذرعهم وأرجلهم الاصطناعية من غير غطاء بلون الجِلد الغرض منه جعل الأطراف منسجمة مع الجسم. فبدلاً من الغطاء, وقفوا ببناطيل قصيرة وقمصان قصيرة الأكمام وقد تلألأت أعضاؤهم البلاستيكية والمعدنية بلا قيود تحت أشعة الشمس.

"هل مضت أغلب السيدات في جولات مبكرة؟" سأل آرني. بالإضافة إلى شريكة ماريون في اللعب, ما التقى ناظرا آرني إلا بسيدتين أو ثلاث بين دست من اللاعبين.

هزت شيرِل رأسها. "الأمر وما فيه أن السيدات لا تشاركن بكثرة في هذه الدورات لسبب ما. وما شارك الكثير منهن فيها قط."

"آه," نبس آرني. عَقَد الأمل على أن تُكون ماريون صداقات, صداقات نسائية, نساء كابدن هذه المحنة واجتزنها سالمات. فالبادي لآرني أنها لا تزال في المنتصف, بمفردها, تنجرف طيلة الوقت بعيداً عنه.

وعلى حين كان الفناء يُقْفِر من الناس, دردشت شيرِل مع بضع زوجات أخريات من معارفها, وجلست اثنتان منهن إلى المائدة وانضمتا إليهما. استرخى آرني لحديثهن البسيط تاركاً عينيه تستقران على ما ترامى حولهم من امتدادات المَعْبَر المشذَّبة. غابت مجموعة ماريون عن الأنظار خلف الأشجار, ولكنهم – لو لم يخطئ في استيعاب الخريطة – سوف يعودون على مرأى منهم بعد بضع حفر, بعيداً في الأفق حيث مَيَّز نقطة البداية السادسة. اتصف ملعب الجولف بالقِدَم, صممه المصمِّم تصميماً يعكس قدراً من الأناقة, وتخللته أشجار بلوط تملأ العين وعوائق مائية وأشراك رملية محفورة بسواعد ماهرة. فاضت الحدائق المُعَمِّرة القريبة من نقاط البداية والمناطق الخضراء بالزهرات, وتلونت سبل العربات التي أعيد تعبيدها مؤخراً بلون القار الأسود المصمت. شكه القلق على ماريون ورَكَّز ناحيتها أطيب الأماني. ولكنه اعترف مضطراً بأن سروراً داخَله لهذه الجلسة, لجلوسه هناك تحت شمس الصباح متبادلاً أطراف الحديث مع مثل هؤلاء النساء المفعمات بالمرح والود. ظل يعيش لائذاً بالصمت في حذر لا يعادله حذر منذ شهور عديدة.

وكما هو حال الآخرين من النساء وأزواجهن, كان بيل وشيرِل يفدان إلى هذه الدورات منذ سنوات ويقفان على كل قصص اللاعبين الآخرين. بل إن بيل قصَد الدورات القومية مرتين في أريزونا.

"إنه لا يستميت مع ذلك في المنافسة," أقرت شيرِل وهي توجه نظرة ذات مغزى إلى آرني والنسوة الأخريات.

"آه." فطن آرني إلى قصدها. "لَم أَغْلِب ماريون مرة واحدة في مباراة جولف طيلة حياتي. حتى الآن." عم الجلسة جو من الابتهاج, وقد فرت منه ابتسامة حين نطق بهذا التعليق, ولكن بمجرد أن فارق فمه, ألفى التعليق بغيضاً. "مسألة مربكة," أردف بعد لحظات.

"آه, ومَن يهتم بإحراز النقاط," قالت امرأة أخرى. "إنها لعبة غبية, دفْع كل هذه الأموال للتنفيس عن الغضب بكرة صغيرة."

أرسل الجميع ضحكات خافتة بثت الاسترخاء في نفس آرني من جديد.

"حسناً, لا أدري بما يدور ببالكم," قالت شيرِل, "ولكن خطر لي أن أحتسي كوكتيلاً."

كانت الشمس قد تعالت في السماء, فقد تجاوزت الساعة الحادية عشرة, وكانوا جميعاً يميلون بالقرب من المائدة كي يلتقطوا ظل الشمسية.

"هي في الواقع أشبه بعطلة." قالت إحدى النساء.

"أنا معك." تبسم آرني. أحضروا علبة كوتشينة من نادل الحانة وأمضوا الوقت في لعب لعبة 'جين رامي' واحتساء فودكا ممزوجة بعصير الطماطم. شخَص آرني ببصره طويلاً إلى نقطة البداية السادسة منقباً عن ماريون في زي وقبعة واقية من الشمس لونها أصفر باهت. راقه أن يتخيل أنها أيضاً تصادق آخرين أو على الأقل تجيد تصويب الكرة. وقد أدرك أنها ضَمِنَت تقريباً – مع قلة عدد النساء في الدورة – الفوز بإحدى الكؤوس المعروضة في مبنى النادي.

"هل فقدتْ زوجتك رِجلها مؤخراً؟" سألت واحدة من صديقتيّ شيرِل.

أومأ آرني برأسه. "منذ ما لا يزيد على سنة."

هزت شيرِل رأسها حزناً. "وكيف حصَل ما حصَل؟"

"حادثة سيارة," أجاب آرني. ثَبَّتَت النساء أعينهن عليه, في انتظار المزيد, القصة الكاملة. فقد أفضين إلى آرني بحلول هذا الوقت بكل قصص أزواجهن الحزينة الفظيعة وكذا قصص العديد من لاعبي الجولف الآخرين – أناس لم يلتق حتى بهم. سحَب نفَساً وقابل تحديقهن بالتحديق وقد ألَّم به الإغراء. كان قد سمِع ماريون وهي تتجاهل هذا السؤال العديد والعديد من المرات حتى إنه حذا دائماً حذوها على نحو آلي: حظ عاثر, مجرد حادثة سيارة. ممكن أن تَحدث لأي شخص. كانت تلك هي الحقيقة في المجمل, على أية حال, أو القدر المهم من الحقيقة. ما كان هناك سائق مخمور طائش ولا طبقة رقيقة من الثلج ولا مراهق أحمق أساء قياس مساحته في الحارة العابرة. مجرد حادثة ليس إلا.

إلا أن آرني شعر -- تحت هذه الشمس الساطعة, وبعد هذه الكوكتيلات, وناظراه يحملقان إلى هؤلاء النسوة ذوات القلوب الطيبة -- أنه قد يستطيع مكاشفتهن بالمزيد عما شهده يومها في السيارة بصحبة ماريون. المزيد, ربما, عن إحساسه وهو محشور بجوار زوجته في تلك المساحة الضيقة المسحوقة شاعراً في ظهره بوخز الألم الجديد الغريب وهما ينتظران مدة بدت كالساعات حتى ترامت إليهما صفارات الإنذار. انساقت ماريون إلى الوعي حيناً وولت عنه حيناً. وعندما أفاقت, صدرت من ثغرها آهات رهيبة ولم تبرأ أنفاسها من الصفير على حين اتقدت عيناها وهي ترمقه بصدمة حيوانية فجة. وفي غضون لحظات غابت فيها ولفتها السكينة مرة أخرى, ما تمالك آرني أعصابه: هز ذراعها صارخاً أن تَرجع, أن تَرجع في الحال. حبَكت الذاكرة إحدى حيلها المقززة لتستدعي رائحة هذه اللحظات المروعة – الدماء, الإطارات, البول. إلا أن طرفه وقع لحظتها عليها, على ماريون, لا صغيرة نائية عند نقطة البداية السادسة بل متطلعة إليه وهي تقود عربة الجولف في اتجاه مبنى النادي. أوقعت رؤيتها خلف عجلة القيادة اضطراباً في نفسه, فهي لم تعد تقود أي شيء إلا فيما ندر. كانت بمفردها, بدون شريكتها, بدون مجموعتها, بوجه ينطق امتعاضاً. أطبق فمه ثم نهض من مجلسه وتقدم إليها.

"حسناً, انْبَسَطتُ," قالت ماريون وعيناها كرتان من الفولاذ القاتم. عرَى وجهها الامتقاع وطالته نداوة. لاحت كمن خاضت محنة أي محنة.

"ماذا جرى يا حبيبتي؟"

"لا شيء," ردت. "ممكن أن نمشي من فضلك؟"

"طبعاً." جثم آرني ليرفع حقيبة الجولف من العربة ويطرحها على كتفه. لوَّح للأخريات وتبِع ماريون بخطى وئيدة عائدين إلى موقف السيارات.

"لستَ مضطراً إلى أن تمشي خلفي هكذا," قالت. "وكأنك تترقب دائماً أن تمسكني وأنا أنهار انهياراً بشعاً. إنك توتر أعصابي."

أطبق آرني فكه وأخذ شهيقاً ثم جعَل يعد حتى خمسة. تركها تفتح باب السيارة. أدخل المضارب بمنتهى الصعوبة في صندوق السيارة وركِب من ناحية مقعد السائق. كانت المسافة من مبنى النادي إلى الفندق الكائن بمحاذاة حافة البحيرة أقل من ربع ميل على الطريق الشاغر للمنتجع بيد أنه سلك الطريق بطيئاً وذهنه ينصرف إلى الكوكتيلات. "هل تضايقك الرِجل يا ماريون؟" علِم من الآخرين اليوم أن نوعية التجويف التي تستخدمها تُسبب المتاعب للكثير من الناس, وبخاصة في الأيام الحارة – بثور وطفح جلدي وتقرحات. إلا أن ماريون لم تأت قط على ذكر أي من هذه المشاكل.

"آرني. لقد طلبتَ مني أن أجرب هذه الدورة, وقد جربتُها. ممكن من فضلك أن نَرجع إلى البيت الآن؟"

"بالطبع," رد متظاهراً بأنها قالت 'الفندق' بدلاً من 'البيت.' "سوف نسجل اسمينا فقط, وبإمكانك أن تُقيلي لو شئتِ قبل المأدبة."

نزَلت بماريون رعشة وولت وجهها عنه لكنها لم تبدأ شجاراً. وَسِع آرني أن يشعر بها وهي تنزع نفسها من جسمها, من السيارة, لتنجرف خارج النافذة بعيداً عنه كيلا يلمسها أي من هذا.

"ماريون," قال بصوت هادئ ليُرجعها.

لم تتحرك.

وفي الطابق العلوي من غرفة الفندق أفرغ آرني حقائبهما وملأ لماريون حوض الاستحمام. فرَد مشاية تستعملها متى نزَعت رِجلها ثم وضعها إلى جانب كرسي بذراعين كانت تجلس عليه. كانت ماريون مؤخراً ترتدي ملابسها وتَخلعها بمعزل عن عينيه في البيت, لكن لا يوجد هنا إلا غرفة واحدة كبيرة وحمَّام. تساءل آرني إن كان ينبغي عليه أن يستأذن ويَنزل هنيهة إلى الطابق السفلي حتى يعطيها مساحة للحركة غير أنه كان متعباً, متعباً وضجِراً من إعطائها تلك المساحة. متى بالضبط صارت الأحوال إلى ما صارت إليه؟ غمَض عليه التوقيت؛ ففي الأسابيع الأولى التالية على خروجهما من المستشفي إلى البيت, سمحت لآرني بمعاونتها في كل شيء – الاستحمام والحمَّام واللبس – سمحت له بأن يراها في كل حالة يمكن تخيلها. ولم يُبد هو مانعاً. كان يجيد الاعتناء بها. إنها زوجته, على قيد الحياة وبخير؛ لقد انكتبت لهما النجاة. ولكن بمرور الوقت, ما إن شرَعت في السير بعكازين ثم بالرِجل الجديدة, أحس آرني بأنها تتقهقر بعيداً عنه, تخفي كل شيء, تستغل كل جانب جديد من جوانب الاستقلال ضده.

سددت ماريون من كرسيها نظرة إلى رِجلها ثم إليه, وبعدها أرسلت تنهيدة ودلفت إلى الحمَّام بكامل ثيابها آخذة المشاية معها.

"محتاجة مني مساعدة؟" عرَض فما كان منها إلا أن أغلقت الباب.

استلقى آرني على الفراش وحاول ألا يُكثر من التفكير. ابتلع حبوبه المسكنة وأدى تمارين الإطالة لظهره ثم عثر على هاتفه وطلب نمرة ابنته المقيمة في شرق البلاد.

"أردتُ فقط أن أعطيك النمرة هنا," أخبرها. كانت حجة ساذجة – لم تكن في حاجة إلى نمرة فندق ومعه هاتفه المحمول – غير أن إليزابيث عَدَّتْها.

"أمك ترتاح بعد الجولة الأولى." تعلقت عينا آرني الشاخصتان بدوائر جص مُتْرِبة على السقف خشن السطح. حاول أن يتخيل شقة إليزابيث الجديدة خارج مدينة بوسطن, شقة لم يرها بعد. "لعِبتْ بمنتهى المهارة. أظنها قد تفوز بكأس."

"صحيح."

"أعني, لا يوجد عدد كبير من السيدات," اعترف.

"بابا," قالت مفتشة عن كلمات. "فقط لا... قصدي, هل يجب عليك أن—؟"

"إنها تحب الجولف يا حبيبتي." حاول آرني أن يبث البهجة في نبرات صوته. "لا بد أن تتفرجي عليها. لا تزال أمهر من نصف النساء في نادينا." استحالة أن يبوح إلى إليزابيث بأن ماريون, إن لم يستحثها من حين لآخر, قد تتقوس فحسب في الفراش دون أن تنهض مجدداً على الإطلاق.

"طبعاً. لكنك عارف, الدورة شيء مختلف تماماً عن مباراة هادئة في البيت."

"ليتك ترين الناس هنا يا ليزي. كيف يتعاملون مع حالتهم بصدر رحب."

"كيف تعني؟" سألت.

"لا أعرف. هم ببساطة رحبو الصدر. ناس في منتهى اللطف."

انتظرته إليزابيث كي يستفيض في الكلام.

منتصرون هي الكلمة التي وردت بباله وإن تبدى من العبث أن يصرح بمثل تلك الكلمة بصوت عالٍ.

"طيب, تلك أخبار جيدة يا بابا," فاهت إليزابيث بلهجة مهذبة. "أنا سعيدة أنك لقيتها نافعة. ممكن أن أكلم ماما؟"

هكذا انتهت أغلب أحاديثهما الهاتفية. دق آرني باب الحمَّام برفق ثم فتحه فتحة ضيقة وتحَدث دون أن ينظر منه.

"حبيبتي, ليزي على التِلِفون. هل تريدين أن تكلميها؟"

"انتظِر," قالت ماريون. "حاضِر."

عندما فتح الباب, كانت ستارة الدش ذات اللون البني الفاتح مسحوبة أمام حوض الاستحمام كيلا يَبرز منها سوى ذراع ماريون, ذراع بلا جسد, ممتدة نحو الهاتف. وضعه في راحتها ثم غادر ثانية.

وفي الغرفة الأخرى جلس آرني على الكرسي القائم أمام جدار الحمَّام وأرهف السمع. انكتمت الكلمات وخفتت حروفها غير أن ارتفاع صوتها وانخفاضه اتسم بحيوية لا شك فيها, مثلما كان في الماضي, مع آرني ومع كل الناس. ما خامره أي تحفظ. بل إن آثاراً للضحك نَمَت إليه بعد برهة قصيرة. قام في خاطره أن ماريون ربما تتظاهر أمام إليزابيث. إلا أن الضحك علا ثم جاءه صوت ماريون هاتفاً, "بالضبط!" قبل أن تستحيل الكلمات تدريجياً إلى أصوات لا معنى لها. لو كانت تتظاهر, فهو تظاهر بارع كل البراعة.

وفي الخارج اكتست السماء فوق البحيرة بألوان المساء. جلس آرني وعيناه تتفرسان في المياه بالخارج محاولاً استحضار الأوقات الحلوة. عاش الكثير منها, عقوداً وعقوداً من الأوقات الحلوة. فقد نعِمتْ أُسرتهم بحظ وافر, ولكنه عندما حاول الآن استجماع مشهد من إحدى رحلات التخييم مثلاً أو العطلات السابقة, تقوض وانساق بعيداً قبل أن يُكمل حتى اللحظات الأولى منه. حَصَر فكره في إجازتهما بألاسكا منذ عامين لمَّا فاجأته ماريون برحلة تواصلت طيلة النهار على مركب رغم أنها كانت تصاب دوماً بدُوار البحر, فقد عرَفت مدى رغبته في مشاهدة الحيتان. ارتسمت في مخيلته هناك, تتأرجح في خلفية المركب محاوِلة رسم ابتسامة رغم أن لون بشرتها كان ضارباً كلية إلى الاخضرار. لم تنفك تشير إلى الحيتان وتطلب منه التقاط الصور كي يُحول نظره عنها عندما تريد أن تتقيأ. استطاع في الغالب أن يتوغل في الذكرى إلى هذا الحد: ذيول وظهور ضخمة داكنة تبزغ إلى السطح من العدم بزوغاً أشبه بالمعجزة. ندوب بيضاء تتقاطع على جلدها الكحلي مثلها مثل علامات طباشير بلغة أجنبية. أمسك بيدها. ركَّز الآن بكل ما يملك من طاقة فتمكن كذلك من تذكر كليهما وهما متقوسان فوق سرير الفندق ليلتها, يأكلان بطاطس مهروسة طلباها من خدمة الغرف لتهدئة معدتها. ولكن ما لبث المشهد أن تلاشى عند تلك اللحظة وفلت من ذاكرته. كان عقله يدري ما فعلاه بعدها وبعدها إلا أنه لم يعد قادراً على رؤيته أو الإحساس به أو شمه. لقد راح.

فاتت برهة قصيرة ثم حل الهدوء على الحمَّام. قرر آرني أن يرتدي ملابسه من أجل المأدبة حتى يصير مستعداً عند خروج ماريون. غير أن وقتاً طويلاً انقضى دون أن تخرج. لم تَرِد إليه أصوات تنبئ عن حركة أو مياه لِما يربو على ساعة.

طرَق باب الحمَّام. "ماريون, حبيبتي؟"

لم يحظ بجواب.

اعتقد بحقها في الخصوصية. اعتقد به حقاً. فما هو بشيء يُمكن سلْبه من امرأة. ولكن تخايلت له أيضاً رؤية ثاقبة مفاجئة, غلَبها النوم ففقدت الوعي في الحوض, تحت المياه. لقد بلَغ عمق قيلولتها وإلحاحها في هذه الأيام حداً جعلها تنام وهي جالسة مستقيمة الظهر في ضوء النهار الجلي؛ ما وسعه إلا أن يتصور تأثير مياه الدش الدافئة عقب يوم شاق. نادى اسمها مرة أخرى ثم فتح الباب.

كانت ستارة الدش مسحوبة حتى منتصف الحوض فيما كانت ماريون نائمة فعلاً نوم الموتى رغم أن وجهها التوى على كتفها مبتعداً عن المياه بضع بوصات. "ماريون," نادى وهو يَفتح النور ويغلقه. "اصحي."

فتحت عينيها وتفرست طويلاً في المياه وهي تفغر فمها وتغلقه. ولمَّا أدارت وجهها نحوه في النهاية, ارتفع لهاثها. تململت في المياه محاوِلة أن تستر نفسها ثم تذكرت ستارة الدش فشدتها لتغلقها من جديد.

قعَد آرني على غطاء المرحاض بحذاء حوض الاستحمام. "ماريون, لقد رأيتك عريانة لِما يزيد على أربعين سنة."

"مِن فضلك يا آرني."

جلس هادئاً, مرفقاه على ركبتيه, ذقنه على يديه, في انتظار أن تَرِد إلى ذهنه كلمات ما.

"وقد كان شرفاً لي." قال.

"آه, بحق السماء," اعترضت ماريون ولكن بصوت إيقاعه مبتهج ضاحك رفَع معنوياته.

"أتَذَكَرُ تلك المرة في فندق 'ويسكانسِن ديلز' لمَّا خلَعتِ ملابسك قطعةً قطعةً وأنت ترقصين تلك الرقصة القصيرة في غرفة الفندق." دمدمت ماريون من وراء الستارة إلا أن آرني واصل التفكير فيها. بلَغت إليزابيث آنذاك ستة شهور تقريباً, وبمجرد أن بدأت ماريون تشعر بأنها على طبيعتها ثانية ووافقت أم آرني على الاعتناء بالرضيع, سافرا في عطلة نهاية الأسبوع للاحتفال بالذكرى السنوية لزواجهما.

"أتَذَكَرُ أني استغربت الرقصة. لا تسيئي فهمي, كان جميلاً أنك ما زلت تظنين أن أياً من هذه الأمور مهمة, الأمور الحسية, المرئيات."

ما زايلهما الصمت لحظات ثم أعلنت ماريون, "لن أذهب إلى تلك المأدبة الليلة."

"ومَن ذَكَر سيرة المأدبة؟"

"إنك تحاول أن تتملقني يا آرني, وأنا أُبلغك فقط أنك لن تفلح هذه المرة."

أتاه صوت حركة المياه من خلف الستارة وأدارت ماريون الحنفية لتضيف المزيد من المياه الساخنة. "ماريون, لو أعطيتِ هؤلاء الناس فرصة."

"لقد أعطيتُهم فرصة يا آرني. وهم بصراحة..." أحجمت عن الحديث بحثاً عن الكلمات الملائمة. "يصيبونني بالاشمئزاز."

"ماريون..."

"لقد قضيتُ الصباح اللعين بأكمله أشاهدهم وهم يتباهون بأعضائهم المزيَّفة. لا بد أني سمعت كلمتيّ الرجل الإلكتروبيولوجي خمس مرات, وكأنهم فخورون بها."

"لعلهم فخورون بالفعل بها."

"كلام فارغ." أمسكت ثوان. "وبعدها" – ركِبها المزيد من الانفعال لدرجة أنها شدت الستارة عدة بوصات لترشق آرني بعينيها – "أخذوا يحْكون هذه القصص البشعة حتى إنك لم تستطع أن تقول صباح الخير بدون أن يرغموك على سماع كل شيء عن مآسيهم المثيرة للشفقة."

"حصَل ذلك معي أنا الآخر." ابتسم آرني. كانا يتحاوران. "آه. مسألة مثيرة للانتباه."

"لا يسعني على الإطلاق أن أفهمهم," أنهت إليه. "أسوأ لحظات حياتهم, ويريدون إذاعتها أمام غرباء لم يروهم أبداً من قبل."

"عله يا ماريون مجرد جزء من عملية التعود على هذه الحياة الجديدة. وفي خلال سنة أو سنتين قد تعتبرينها مسألة عادية تماماً."

"لِم بالله عليك" – انقلبت فجأة عدوانية وأحدت إليه النظر – "أرغب أبداً في فعل ذلك؟"

جلس آرني يطغي عليه السكوت متمنياً لو ألَمَّ بتلك الحيلة السحرية التي تعلمتْها خلال الحادثة, القدرة على التسلل, على التلاشي بمنأى عن لحظات لا سبيل إلى احتمالها. انطوى صدره على حسدها.

"لِم لا تذهب أنت, إلى المأدبة, بدوني. لو أنك معجب بهؤلاء الناس إلى هذه الدرجة."

"سأذهب," قال خادعاً في البدء ثم قاصداً النية. "سأذهب. بمجرد أن تَخرجي من ذلك الحوض."

"آرني–"

"سوف تفقدين الوعي هناك يا ماريون, أنا عارف." علا صوته غير قادر على التحكم فيه. "وسأرجع فيما بعد لأجدك ميتة تحت المياه."

تردد صدى الكلمات فوق القرميد شأنها شأن الأمنية.

"اخرج," أمرت.

قام آرني منتفخاً من الغيظ وكله رغبة في أن يكون في مكان آخر, لا صلة له بشيء, ولكنه كان هنا, جورب أبله يلتصق بالقرميد المبتل, شَيْب أبله ينتأ من رأسه في كل ركن من المرآة. لكم مغتاظاً الستارة في طريقه إلى الخارج, ستارة لم تنحسر إلا لحظات قبل أن ترتد إلى موضعها.

خلَت حجرة المأدبة في الطابق السفلي من الناس. بكَّر آرني بالحضور ساعة وراح يتمشى بالقرب من المدخل, وحيداً برفقة غضب لا جدوى منه. رتَّب أحدهم على المائدة المجاورة له عشرات من بطاقات الهوية في صفوف صغيرة لا يعوزها الكمال, بالعديد منها أزواج من الألقاب المتماثلة. لم يطق آرني النظر إليها. جرَف صفاً بيده إلا أن الدبابيس والمشابك علقت بمفرش المائدة فلم تطر إلا خمس بطاقات أو ست. وفجأة تسابق عبر الرواق مجموعة من الصِبية الصغار الصائحين في ثياب السباحة تاركين آثار أقدامهم المبلولة وأصداء أصواتهم في كل مكان. خرَج آرني ليوبخهم ويأمرهم بالإبطاء إلا أن منعطفاً غيَّبهم وأدمغتهم الصغيرة تحذفه بالفعل من يومهم.

عاد إلى الحجرة ثم ركع على ركبتيه ليلتقط بطاقات الأسماء. أعاد تنظيمها وثبَّت اسمه في ملابسه تاركاً بطاقة ماريون هناك مع البطاقات الأخرى.

سار في ممر ملتوٍ ماراً بحجرة للألعاب الإلكترونية ومقهى إلى أن صادف في النهاية حجرة معتمة تكتسي حوائطها بالألواح الخشبية وتضم حانة طويلة في أحد أطرافها. امتدت مشربية عريضة وراء الطاولة حتى يتسنى لك الإشراف على البحيرة أثناء احتساء الأشربة. ما حوت الحانة إلا شاباً يجلس بمفرده وفي يده جعة. جلس آرني على كرسي يفصله عن الشاب حيز واحد ثم طلَب جعة هو الآخر.

"هل أنت هنا من أجل دورة الجولف؟" سأل آرني بعد دقائق.

التفت الشاب وأومأ برأسه فوجده آرني يتعدى بالكاد سن المراهقة, عله لم يصل بعد إلى سن يسمح له باحتساء الخمور.

"هل يلعب أبواك؟ أو, مم, زوجتك؟"

"لا. أنا اللاعب." ابتسم الصبي ورفَع يده الأخرى عالياً من مخبأها تحت الطاولة. وعندما لوَّح بها, تبين لآرني أنها في الحقيقة نصف يد لا غير: لديه إبهام وسبابة غير أن بقية راحته وكل الأصابع الأخرى غائبة.

"آه, عفواً," نبس آرني محاولاً أن يتصرف بصورة عرَضية. "حسناً, كيف كان تصويبك اليوم؟"

هز الصبي منكبيه. "ممتاز. أحرزتُ 78."

"يا نهاري," لفظ آرني. "سوف تكسب الدورة كلها؟"

"سنرى," قال الصبي. "وماذا عنك؟ هل أنت هنا مع زوجتك أو أحد؟"

"آه, زوجتي تلعب. عندها بتر فوق الركبة. وإن كنتُ لا أظنها أجادت اللعب اليوم."

"إنه ملعب صعب," أعلمه الصبي. جلسا طويلاً في سكون وهما يشاهدان المتزحلقين على مياه البحيرة في الخارج. قامت مجموعة من الزحاليق بالخليج, وكان بعض الأولاد يحاولون القفز فوقها وتأدية بعض الحركات ولكن تتابع سقوط أغلبهم على المُنْبَسَط ليثيروا رشاشاً شاهقاً من مياه غليظة مائلة إلى الاخضرار.

"كنتُ مندهشاً لعدم وجود المزيد من اللاعبات," قال آرني بعد هنيهة.

"آه, أنت عارف السبب, أليس كذلك؟" تبسم الصبي.

تجلت في عينيّ آرني نظرة متسائلة عاطلة من أي انفعال.

"لا تُقْدم النساء أبداً على مصائب خطرة غبية مثلما يفعل الرجال." حمَلت الجملة الصبي على الضحك ثم عاودته رزانته ليؤكد, "بجد."

جاشت معدة آرني. فَلم يأت الكل هنا بسبب حادثة. كانت الدواعي طبية في بعض الأحيان – سرطان أو جلطات دموية أو سُكَّر, وأحياناً ما يولد الناس ببساطة على هذه الصورة. "حسناً, وكيف جرى ما جرى لك؟" سأله آرني.

"آه, أغبى حاجة على الإطلاق. لا شك أني سحقتها كلها."

"ماذا حدث؟"

"ألعاب نارية, مفرقعات حمراء, إم-80, سَمِها كما تسميها. وجدتُها في شاحنة بابا وأشعلتُ الفتيل ثم أصابني الذعر فلم أتركها. غباء ما بعده غباء." أعاد يده تحت الطاولة بين رِجليه.

"كنتَ ولا بد ولداً صغيراً," قال آرني.

أومأ الصبي برأسه. "وقع ذلك منذ زمن. أتمنى أن أكون أذكى الآن."

قدِمت نادلة جديدة لتستهل نوبتها, وحين أقبلت لتجلب طلبهما التالي, لم تصدق أن الصبي بلَغ السن القانوني لاحتساء الخمر.

"أستطيع أن أشهد أنه بالغ," قال آرني عندما لم يتمكن الصبي من تقديم رخصة قيادة. "مولود في عام 1976, العاشر من أكتوبر. جاء زوجتي مخاض استمر إحدى وأربعين ساعة."

"صحيح, وما هو برجه إذن؟" سألت النادلة.

"الميزان," أجاب آرني. وجَّهت النادلة إليه ابتسامة وقررت أن تُسَلِّم بالهزيمة. فقد كان برغم كل شيء منتجعاً؛ ومن المفترض أن يُسعدوا الناس.

"شكراً," شكَره الصبي بمجرد أن غادرت. "على فكرة, سني ليس أقل بكثير."

أومأ آرني برأسه. "سمعتُ اليوم عن شخص فقَد قدمه وهو يحاول أن ينط بدراجته البخارية فوق شاحنة نصف نقل."

"قابلتُ ذلك الشخص," قال الصبي. "لعبتُ معه جولة العام الفائت. عنده واحدة من هذه العِصِي الطويلة الغريبة لإسقاط الكرة."

"لا بد أن تعترف أن المفرقات لا تبدو بالمقارنة سيئة إلى هذه الدرجة." قال آرني.

"على مستوى الغباوة؟"

"آه."

"أظن," قال الصبي. "لا تزال مع ذلك غباء أزلياً." ساد صمت آخر طويل. استطاع آرني أن يسمع أسنان الصبي وهي تطحن فولاً سودانياً قدَّمته الحانة, وفي الخلفية ارتفعت أغاني الكمبيوتر من ألعاب الفيديو. امتنع الصبي في آخر الأمر عن المضغ ليسأل, "ماذا حصل إذن مع زوجتك؟"

"حادثة سيارة," رد آرني.

"حاجة صعبة. أنت السائق أم هي؟"

"هي."

"آه. وماذا جرى؟"

آن أوان اتباع السلوك المعتاد. هز آرني كتفيه. "كما تَعرف, ليلة مظلمة, طريق مبلول, ولا ندري إلا ونحن ننقلب في مَصرف. ممكن أن تَحدث لأي شخص."

حدق الصبي إليه فترة بدت لآرني طويلة حتى أقر أخيراً. "لم تكن منتبهة."

كانت حقيقة بسيطة باعثة على الرثاء الأفضل عدم النطق بها. ثوان معدودة, ربما دقيقة من التشتت, يُمْكن أن تكلفك كل هذا في الحياة. البادي أن تلك هي القواعد, وقد خرقتها ماريون.

"لا بد أنها في منتهى الضيق."

"على مستوى الغباوة؟" سأل آرني بلسان غاضب فتولى الصبي الإحراج.

أحياناً ما يصحو آرني في منتصف الليل ليجد ماريون تضرب بقبضتيها الوسائد بل وجبهتها. يتعذر على الكلمات وصف المنظر. على كلٍ, كان آرني في النهاية هو الذي نسى نظارته بالمطعم مما حال دون أن يقود بنفسه إلى البيت. وآرني هو الذي نعَس في المقعد المجاور وأخفق في إبقاء ماريون متحكمة في السيارة. لاح العالَم متاهة من كلمة ليت؛ قد تفْقد عقلك عند تدبرها.

"هناك شيء أردتُ دوماً معرفته," فاتحه آرني. "عندك مانع من أن أسأل عنه؟"

لاحت عينا الصبي إليه عازفاً عن قطع أية وعود. تَذَكَّر آرني أن الأولاد قادرون على القسوة. عل هذا الصبي سمِع ما يكفي ويزيد من الأسئلة الموجعة. ومع ذلك تابع آرني سؤاله.

"هل تؤلمك أبداً, يدك؟"

"قصدك, ما هو الاسم؟ الألم الكاذب؟ لا."

"حقيقي؟"

"لا. على الإطلاق. أعني, ربما يصيب بعض الناس." هز منكبيه. "ولكني لا أحس بشيء."

"هل تنتابك أبداً الأحلام عنها, الحادثة؟"

"لا أظن, لا." أعمل ذهنه في السؤال دقيقة. "لأنها في أحلامي لا تزال موجودة, موجودة كلها." تفوه بهذه الجملة وهو يبسط يده المبتورة بجوار اليد السليمة ويرنو إليها. "قالت أمي إني نِمت بلا انقطاع تقريباً خلال السنة التالية على الحادثة." ابتسم الصبي وكأنه فِعل آخر من أفعاله الحمقاء. "وكأنما كنتُ أحاول في الحُلْم أن أعيد الزمن إلى الوراء أو شيء من هذا القبيل." فرت منه ضحكة.

أخيراً قفز فوق الحاجز أحد المتزحلقين على المياه – فتاة في سترة نجاة صفراء ذات شعر أسود طويل يخفق في الهواء – وهبطت دون أن تقع. سددت قبضتها عالياً مُطْلقة صرخة فصفَّق الأولاد في القارب المقابل.

"الأرجح أن موعد العشاء قد حان الآن," قال آرني. "هل تريد أن تمضي إليه؟"

أسرع الصبي بشرب ثمالة الجعة وشَدَّ فكه. "لم يعجبني أبداً في الحقيقة ذلك الجزء الخاص بالمأدبة. قصدي, الجولف جولف. أمَّا المأدبة... فلا تؤاخذني, مجرد عدد كبير من كبار السن."

انحسر فم آرني عن ابتسامة وأومأ برأسه. "مفهوم."

"تَعْرف فيما كنتُ أفكر؟" بدأ الصبي يجذب من محفظته نقوداً ليضعها على الفاتورة إلا أن آرني منعه ووضع نقوده.

"فيم؟"

أطل الصبي من النافذة بعينين نصف مغمضتين نحو الشمس الغاربة وأشار إلى الفتاة المتزحلقة على المياه. "كنتُ أفكر في الذهاب للتعرف بها."

"صحيح؟" قال آرني.

"لا." حط الصبي يده السليمة بحركة تشي بصرف النظر عن الفكرة. اتكأت الفتاة على الحبل لترش في الهواء قوساً من المياه بالقرب من الرصيف الممتد في البحر ثم أسقطت الحبل وغاصت ببطء في البحيرة. "إنما شكراً على الجعة."

حين عاد إلى المأدبة, كانت الحجرة عامرة بالناس والموائد المستديرة غاصة بأزواج كثيرين يدردشون في سعادة حتى إن آرني تصور أنه هبط وسط حفل زفاف. وقَف في المدخل وراح يدلك ظهره بإحدى يديه متمنياً لو كان تناول مُسكناً آخر. لوَّح بيل وشيرِل إليه وهما يبتسمان ابتسامة عريضة غير أن مائدتهما كانت بالفعل كاملة. ومع أنه أبصر المرأتين الأخريين اللتين قابلهما هذا الصباح, لم تقع عليه أعينهما. فرَغ الجميع من السَّلطة, وكان طقم النُدُل يأتي بفواتح الشهية. طفق كأسا البيرة يؤثران على حواسه ليبثا فيه شعوراً بالتخدر وسرعة التأثر. ما جال بباله إلا رغبته الشديدة في أن يكون وسط هؤلاء الناس, أن يندمج معهم بحق, وماريون إلى جانبه, تختلط عليها أسماء الناس وتنفجر من حين آخر في ضحكتها العالية التي يتخللها صوت شخير. كانا ينتميان إلى هذا المكان, هما الاثنان, معاً.

"انتهى," لفظ عاقد العزم. لقد سأم من تتبعها هنا وهناك والتزام الصمت والسماح لها بتدمير كل شيء. ألمْ تُلحق ضرراً كافياً؟ متى ستكف, وماذا سيتبقى منهما عندئذ؟

حرَّك شفتيه بكلمات لا صوت لها مستدعياً شجاعته. سوف يَصعد إلى الطابق العلوي ويصارحها بتلك الجُمل في وجهها. سوف يقولها ويقولها حتى لا تقوى على سماع أي شيء آخر.

وفي الطابق العلوي استقرت خارج غرفتهما على الأرضية صينية فارغة تعتليها أطباق مستعملة من خدمة الغرف. رفَع آرني الغطاء المعدني ليرى ما أكلته ماريون. استبد به الجوع لدرجة أنه ترنح قليلاً في الممر, وعندما وجد تحت الغطاء بقايا شطيرة ماريون – شطيرة من لحم البقر بالجبن – تردد بصره في الممر, ولمَّا ألفاه خالياً, قرر أكلها.

وفي الداخل كان الهدوء والظلمة يخيمان بالفعل على الغرفة. ما عبَأ آرني. أشعل الأنوار.

تقوس جسم ماريون في الفراش المجاور للنافذة, بدون أدنى حركة. طوت بطانيات السرير الآخر وكأنما توحي بأن ينام آرني هناك. حسناً, لن ينام هناك. دار في الغرفة ليضيء كل الأنوار, حتى التليفزيون والراديو, ثم وقف بجانبها طويلاً محاولاً الاحتفاظ بغضبه حتى تستيقظ. غير أن صدرها لم يبرح يعلو وينخفض في طمأنينة. خلَع في النهاية قميصه وبنطاله وحذاءه. وحينما تجرد من ملابسه عدا اللباس, وضع يده على الملاءة القريبة من رقبتها وأخذ يزيحها.

كانت ترتدي قميص نوم طويلاً ذا لون أرجواني فاتح, قميص أهدته إليها ليزي. امتاز بنعومة الملمس. جذب الملاءة والبطاطين إلى ما بعد قدميها كي يُشعرها بالبرد, وهكذا رقدت ماريون هناك مجرَّدةً على الملاءة البيضاء العارية, وحدها تماماً. ومع ذلك لم تَصدر منها حركة. تناول آرني طرف قميص النوم بيده وسحبه شيئاً فشيئاً, وحين وصل إلى فخذيها, بدأ يبصر. كانت الجَدَعَة مسلوخة ومتقرحة. علَت الأورام والبثور الحمراء كل جزء منها, وتسلخ خط بشع عَرْضه بوصة تحت عَجُزها بالضبط حيث استندت قمة التجويف المصنوع من الفايبرجلاس أسفل عظمة وركها طيلة النهار الحار. أخذ نفَساً عميقاً. أغلق التليفزيون.

دلف آرني إلى الحمَّام وغسَل يديه. حملق إلى وجهه طويلاً في المرآة. ثم ما لبث أن راح يفتش حقيبتها الحاوية لأدوات الحمَّام, مُنَقِّباً. وعندما عثر على أنبوبة المرهم, قرأ تعليمات الصيدلي لكي يتيقن منه ثم أحضره إلى الغرفة الأخرى. أحس بملمسه بارداً لزجاً صناعياً على أصابعه. لامس به فخذها بكل ما أمكنه من رقة خائفاً أن ينكشط الجلد تحت أخف ضغط. دلك ودلك برفق ما استطاع وهو يردد عينيه بين فخذها ووجهها كل بضع ثوان ليتأكد أنها لا تزال نائمة, لا تزال متجولة في عالم أحلامها بلا حاجة إليه أو عكاكيز أو دعائم أو أي شيء. لا ثانٍ لها. ولكنه حين ألقى عليها لمحة تالية, شاهد عينيها تخفقان فتراجع ممزَقاً بين أمنيتين. رفَع يده معلِقاً إياها في الهواء وهو يَعلم أنها سرعان ما ستضبطه وستتعالى الأسئلة, بيد أنها واجهته أولاً بعينيها, تنفتحان خضراء, تبحثان في غموض إلى أن تجداه هناك في العتمة وتتسلطا عليه, تشاهدان دون استيعاب بعد, تجرفانه عالياً ثم تحتويانه.

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.