مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الخامس والثلاثين، إبريل 2012.

The thirty-fifth issue, July 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرم ديڤيد آمِند بالموافقة على نشر قصة "بابا سلوج" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Almond was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Slog's Dad" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Almond a great debt of gratitude for his kind permission.

SLOG's DAD by David Almond. Text © 2006 David Almond UK (Ltd)

Reproduced by kind permission of Walker Books Ltd, London SE11 5HJ www.walker.co.uk

Published in Prospect magazine, 26th May 2007 — Issue 134.

Special thanks go to Ms. Susannah Steel from Walker Books.

 

 

بابا سلوج

ديڤيد آمِند

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يوليو-2012

 

 

رواية بابا سلوج

 

 

 

 

 

هلّ الربيع. كنتُ أركض هنا وهناك طيلة النهار برفقة سلوج، نتضور جوعاً. كنا نَقطع الميدان إلى متجر مايرز للحم الخنزير حين وقَف سلوج فجأة مدهوشاً بلا أدنى حركة.

سألتُه، "ماذا دهاك؟"

أومأ برأسه نحو الجانب الآخر من الميدان نابساً، "انظر."

"أنظر أين؟"

همس، "إنه أبي."

"أبوك؟"

"آه."

ما ند عني إلا التطلع إليه.

نبَّهني، "ذلك الرَجل هناك."

"أي رَجل؟ أين؟"

"الجالس على المقعد. مرتدي القبعة. ماسك العصا."

حجَبتُ الشمس عن عينيّ بيدي وحاولتُ أن أبصر. كان الرَجل يريح يديه على قمة العصا. اتكأ بذقنه على يديه. ذو شعر طويل متشابك وملابس بالية متهرئة وكأنه فقير أو مرتحل منذ زمن. قبع وجهه في عتمة طرَحها حرف قبعته، أمكنك مع ذلك أن تدرك أنه يبتسم.

قلت، "سلوجِر يا رَجل، أبوك ميت."

"عارف يا ديڤي. ولكنه هو. لقد عاد مرة أخرى، مثلما قال. في الربيع."

رفَع ذراعه ليُلوح بها هاتفاً، "بابا! بابا!"

لوَّح الرَجل بدوره.

قال سلوج، "أرأيتَ؟ هيا." شد ذراعي.

قلت همساً، "لا، لا!"

نترتُ نفسي متحرراً منه ثم مضيت إلى متجر مايرز على حين جرى سلوج عبر الميدان إلى أبيه.

كان أبو سلوج زبالاً، رَجلاً نحيل القامة بوجه تشوبه التجاعيد وقبعة مسطحة ملطخة بالزيوت. كان دائماً يدخن سجائر ماركة وودباين. يتعلق بمؤخرة عربة الزبالة وهي تتمايل عبر المساكن، يقفز عليها ومنها، يدلي الصناديق على كتفه قالباً القذارة في المؤخرة. كان لا ينفك يغني الترانيم -- "إيمان آبائنا"، "السلام عليك يا باتريك أيها القديس المجيد،" وما شابهها. كانت ماما تقول، "ها هو آت من جديد،" عندما يضرب الصندوق بالآخر ويصيح مغنياً في الثامنة من صباح الخميس، "أواه، أيها القلب المقدَّس". ولكنها كانت مبتسمة، فقد أحب الكل بابا سلوج، چوي ميكلي، روحاً مرحاً أحمق لا يخلو من نباهة.

كانت أولى العلامات الدالة على مرضه مجرد عرج بسيط، بعدها أقبل سلوج يوماً إلى المدرسة معلناً، "بابا عنده بقعة سوداء على إصبع قدمه الكبيرة."

قلتُ، "كجزيرة الكنز تماماً، هه؟"

سألني، "ماذا تعني؟"

هممت بأن أقول الموت والهلاك، ولكني نبست، "ممكن أن يجرب استشارة الطبيب."

"لقد استشار الطبيب."

غض سلوج بصره. وسعني أن أشم أباه يفيح منه، رائحة نفاية نتنة لم تفارقه أبداً. كانوا يقِيمون في نهاية شارعنا، وقد تطايرت من المنزل بأكمله تلك الرائحة مهما غسَلت السيدة ميكلي ودعكت. كان بابا سلوج يَعلم. قال إنها رائحة الأرض. قال إن لا شيء مثلها في الفردوس.

قال سلوج، "قال الطبيب إنها لا شيء. "ولكنه سيَلزم اليوم الفراش، وسيمضي غداً إلى المستشفى. ما معنى هذا يا ديڤي؟"

أجبته وأنا أهز كتفيّ، "وكيف لي أن أدري؟ إنها مجرد بقعة يا سلوج، يا رَجل!"

تسارعت بعد ذاك الأحداث. استأصلوا الإصبع الكبيرة ثم القدم، وبعدها الرِجل حتى منتصف الفخذ. باح إليّ سلوج بأن أمه تظن أباه التقط بعض الجراثيم من صناديق الزبالة على حين قالت أمي إن السبب كله يَرجع إلى سجائر الوودباين التي كان يدخنها.

أياً كان السبب، البادي أنهم وضعوا حداً له. ألبسوه رِجلاً قصديرية انطبقت عليه ثم أرجعوه إلى البيت. كانت نهاية الصناديق، ولا شك. اعتاد أن يجلس فوق جدار الحديقة الصغيرة خارج المنزل. وكثيراً ما كانت السيدة ميكلي تجالسه، يستنشقان ورودهما، يدردشان مبتسمين، يتجرعان الشاي ويدخنان سجائر الوودباين.

كان يري رِجله الجديدة متباهياً للسابلة.

كان يقول، "سوف أستعيد القديمة في الفردوس." وإن سأله أحدهم إن كان يبحث عن عمل، يرسل ضحكة قائلاً، "عمل؟ إني أتزفت أمشي بشق الأنفس." ثم يبدأ يغني "إيمان آبائنا،" فيَلوح الابتسام على ثغور الجميع.

أصيبت بعدها إصبع قدمه الكبيرة الأخرى ببقعة سوداء، فأخذوه مجدداً وراحوا يُقطعون رِجله الثانية. قال سلوج إنه شعر وكأنه يعيش في فيلم رعب. عندما رجع بابا سلوج بعد ذاك إلى البيت، أنفق أيامه مركوناً على كرسي متحرك في الحديقة. ما كلَّف نفسه عناء ارتداء الأرجل القصديرية: فقط بنطال بيجاما مثني على جدعتيه. نزَل به المزيد من الهدوء. جلَس اليوم تلو اليوم تحت شمس الصيف بين وروده محملقاً إلى جدران أسمنتية مخلوطة بالحصى وأسطح حمراء وسماء خالية. تدلت سجائر الوودباين من بين إصبعيه وتدفقت "القلب المقدَّس" رقيقة من بين شفتيه. جلبت له السيدة ميكلي فناجين الشاي، كؤوس الجعة، سجائر الوودباين. وذات مرة كنتُ واقفاً مع ماما نطل من النافذة حين شاهدنا السيدة ميكلي تمسد رأس زوجها وتطبع على خده قبلة حنوناً.

"تقول له إنه سيتحسن،" أنهت ماما إليّ. شاهدنا ابتسامة چوي ميكلي تتسع على وجهه.

فاهت ماما، "ذلك هو الحب، الحب الحقيقي."

ظل بابا سلوج يطلق النكات ويهتف بأي شخص يمر به قائلاً، "أمشي؟ يا رَجل، إني حتى لا أستطيع أن أتزفت أنط."

كان يقول، "بمقدورهم تقطيع جسدك إرباً إرباً، ولكنهم لا يستطيعون تقطيع روحك."

رأيناه ينكمش. أسر سلوج إليّ بأنه سمِع أمه تهمس بأنهم سيقطعون أصابع أبيه. أخبرني أن السيدة ميكلي كانت تَرفع أباه عن المقعد كل ليلة لتضعه هامسة، تصبح على خير، وكأنه طفل صغير. باح سلوج أنه كان في بعض الليالي يلوذ بفراشهما حين يستولي عليه الخوف.

ثم أردف، "ولكن إحساسي يسوء." بكى. "أنا أكبر من بابا يا ديڤي. أنا متزفت أكبر من بابا!"

طوقني بذراعيه وأراح رأسه على كتفي باكياً.

"سلوج، يا رَجل،" قلتُ وأنا أسحب نفْسي بعيداً. "روَّق يا رَجل، سلوجِر!"

وفي يوم من أيام نهاية أغسطس ضبَطني بابا سلوج أتطلع إليه. لوَّح إليّ بأن أذهب إليه. مضيت إليه بقدمين بطيئتين. غمز بعينه ثم همس، "لا بأس. أعرف أنك لا تريد الاقتراب أكثر مما ينبغي." أطرق بصره إلى قدمين من المفترض أن تكونا هناك. "يقولون لنا إني سأستعيدهما مرة أخرى لو دخلتُ الفردوس. ما رأيك يا ديڤي؟"

هززت كتفيّ قائلاً، "لا أعرف يا سيد ميكلي."

"هل تظن أني سأتمكن من السير عائداً إلى هنا لو استرجعتُهما مرة أخرى؟"

"لا أعرف يا سيد ميكلي."

شرعتُ في التراجع.

فاه، "سأَخرج فوراً من هذه البوابات اللؤلؤية." ارتفعتْ منه ضحكة. "سأتتبع الروائح. فالفردوس عديم الروائح. سأتتبع الروائح اللعينة عائداً مباشرة إلى الأرض الجميلة."

رنا إليّ سائلاً، "ما رأيك؟"

انقضى بعدها أسبوع لا غير ثم خلَت الحديقة. أبصرنا الدكتور مولي يَدخل ثم القسيس أوماهوني، وبينما كان الغسق يهبط، أقبل السيد بلينكنسوب، الحانوتي.

وبعد أسبوع من الجنازة كنت خارجاً من المساكن متجهاً إلى المدرسة برفقة سلوج حين أنهى إليّ، "بابا قال إنه راجع."

"سلوجِر يا رَجل."

"كلماته الأخيرة إليّ، ترقبني في الربيع."

"سلوجِر يا رَجل، الأمر وما فيه أنه كان..."

"ماذا؟"

صررت على أسناني.

"يحتضر يا رَجل!" لم أقصد أن أصيح به إلا أن السيارات المارة كانت تدوي كما الرعد بحذائنا في الطريق الدائري. قبضتُ على ذراعه وتوقفنا لألفظ بنبرة أرق، "يحتضر، اللعنة."

قال سلوج، "ماما تقول الشيء نفسه أيضاً. تقول إننا سنضطر إلى الانتظار. ولكني لا أَقدر يا ديڤي أن أنتظر حتى أصعد إلى الفردوس. أريد أن أراه هنا مرة ثانية." ثم حدَّق إلى السماء هامساً، "بابا، بابا!"

دلفتُ إلى متجر مايرز. استقرت في النافذة أكواماً مرتبة من شرائح اللحم والسجق البقري ولحم الخنزير وسجق لحم الخنزير واللحم المشوي والفطائر. تفرس في الميدان رأس خنزير وردي بشعر مسفوع وابتسامة واسعة تنطبع على وجهه. استقر على الأرضية دلو من العظم للكلاب ودلو من الدماء. انبعث وميض من وجه بيلي مايرز والطاولات الرخامية.

قال، "هلا، هلا يا ديڤي."

غمغمتُ، "هلا."

"سجق خنزير على ما أظن؟ وعليه كل شيء؟"

"آه." سددتُ نظرة إلى رأس الخنزير. كان سلوج بصحبة الرَجل، يخفض إليه ناظريه، يتحدث إليه. رأيته ينحني ليلمس الرَجل.

"وغُمُوس؟" سألني بيلي.

"نعم."

أقحم الشطيرة في وعاء من المرق قائلاً، "لذيذة موت. رغم أنه رأيي أنا الطباخ. شلن يا سيدي."

دفَعت له غير أني لم أتمكن من عبور الباب. الشطيرة ساخنة. نزَل المرق قطرات على قدميّ.

ندت ضحكة من بيلي قائلاً، "جنيهاً وتقول لي فيما تفكر."

شاهدتُ سلوج يتقدم إلى المقعد مقترباً من الرَجل. سألتُ، "هل تؤمن بأن هناك حياة بعد الموت؟"

تعالت ضحكة من بيلي ثم رد، "هذا سؤال توجهه لجزار!"

دلفت عجوز نحيفة ومرت بي. "أية خدمة يا عزيزتي؟" سألها بيلي. "إلى اللقاء يا ديڤي." ثم ضحَك قائلاً، "الأولاد!"

كان وجه سلوج يعكس آيات السعادة وأنا أسير ناحيته. كان يميل على الرَجل والرَجل يتكئ على المقعد مصوباً إلى السماء ابتسامة عريضة. كوَّر سلوج قبضة وطبَع على محياه الابتهاج حين وقَعت عليّ عيناه.

فاه، "إنه بابا يا ديڤي! أترى؟ لقد قلتُ لك."

وقَفتُ حيالهما.

قال سلوج، "تتذكر ديڤي يا بابا."

رنا الرَجل إليّ. ما لاح به أي شبه من چوي ميكلي الذي كنتُ أعرفه. طالت القذارة وجهه إلا أنه بدا ناعماً والتمعت عيناه في إشراق.

"بالطبع أتذكره. سعيد برؤيتك يا بني."

تعالت ضحكة من سلوج.

قال، "ديڤي خائف قليلاً."

"لستُ متعجباً،" قال الرَجل. "تبدو شهية جداً."

مددت الشطيرة إليه. أخذها، فتَحها، شمَّها ناظراً إلى اللحم وصلصة البسلة والحشو والخردل والمرق. أرخى عينيه راسماً ابتسامة ثم رفَعها إلى فمه.

تفوه، "سجق خنزير وعليه كل شيء." لعق المرق عن شفتيه، مسح ذقنه بيده. "لذيذة جداً. معك شيء أشربه؟"

رددت، "لا."

"ها. عنده لسان!"

أنهى سلوج إليّ، "يبدو مختلفاً قليلاً. ولكن ذلك لأنه..."

قال الرَجل، "تحول."

قال سلوج، "نعم، تحول. تسمح لي أن أريه رِجليك يا بابا؟"

بدرت من الرَجل ضحكة رقيقة. قضم شطيرته، شطيرة لحم الخنزير. تلألأت عيناه وهو يراقبني.

قال، "آه، هيا. أريه رِجليّ يا بني."

جثا سلوج على قدميه وكور عالياً بنطال الرَجل البالي، بنطال بيجاما، ليُظهر جوربيّ الرَجل القذرين وقصبتيه القذرتين.

همس، "أترى؟"

لمست أصابعه ساقيّ الرَجل.

نبس، "أليستا جميلتين؟ المسهما يا ديڤي."

لم أتحرك.

حث الرَجل، "هيا. المسهما يا ديڤي."

حلَّت نبرة أبرد على صوته، "المس يا ديڤي لخاطر سلوجِر."

جثمتُ، لمستُ، شعرتُ بالشعر والجلد والعظم والعضلات أسفلهما. نكصتُ، وقَفتُ مرة ثانية.

قال سلوج، "إنه صحيح، أترى؟ لقد استرجعهما في الفردوس."

سأل الرَجل، "ما رأيك إذن في ذلك الكلام يا ديڤي؟"

تراءت ابتسامة على شفتيّ سلوج.

"رأيه أنهما جميلان جداً يا بابا." عاد سلوج إلى تمسيد ساقيّ الرَجل ثم فرد البنطال مرة أخرى.

سأله سلوج، "كيف هو الفردوس يا بابا؟"

"من الصعب وصفه يا بني."

"أرجوك يا بابا."

"إنه مشرق وهادئ وفيه ربنا والملائكة وكل تلك الأشياء..." نظر الرَجل إلى شطيرته. "مثله مثل الحصول على كل ما تريده من غموس لحم الخنزير في أي وقت. وعليه كل شيء، في كل مرة."

"لا بد أنه عظيم."

"أوه، أجل يا بني، إنه تحفة."

سأله، "هل ستأتي يا بابا لترى ماما ؟"

زم الرَجل شفتيه ومص الهواء ثم تفرس في السماء. "لا أعرف. لا أعرف  يا بني إن كان لديّ وقت."

حاق التجهم بوجه سلوج.

مد الرَجل يده ليمررها على خد سلوج.

"هذه حالة استثنائية جداً، نادرة جداً، سمحوا بها لأنك صبي نادر واستثنائي جداً."

ارتقى ببصره إلى السماء متحدثاً إليها، "كم لديّ من وقت؟" أومأ برأسه، "آه، حسناً. حسناً." هز منكبيه ثم استرد سلوج عينيه. نطق، "لا. الوقت مضغوط. لا أستطيع يا بني."

ترقرقت الدموع في ناظريّ سلوج. "إنها تفتقدك كثيراً يا بابا."

"آه، أعرف." عاد الرَجل إلى التطلع إلى السماء سائلاً، "كم لديّ؟" ضم سلوج بين ذراعيه هامساً، "تعال هنا."

شاهدتُهما يعانق كل منهما الآخر.

قال له الرَجل، "تستطيع أن تحكي لها عني. تستطيع أن تقول لها أيضاً إني أحبها وأفتقدها." تطلع إليّ من فوق كتف سلوج. "ديڤي أيضاً يستطيع أن يقول لها، أقرب أصدقائك. أليس كذلك يا ديڤي؟ أليس كذلك؟"

"آه،" غمغمتُ.

قام الرَجل بعد ذاك وسلوج لا يزال متشبثاً به.

سأل، "ممكن أن أجيء معك يا بابا؟"

ابتسم الرَجل. "تَعلم أنه غير ممكن يا بني."

سألتُ، "ماذا كنتَ تفعل؟"

رد الرَجل، "هه؟"

"ما كانت مهنتك؟"

رمقني الرَجل بنظرة، فيها من البرود ما فيها. فاه، "كنتُ زبالاً يا ديڤي. كانت تفيح مني رائحة نتنة إلا أني لم أكترث. تتبعت الرائحة لتصل بي إلى هنا." كوَّر يديه لتضم وجه سلوج. "أليس كذلك يا بني؟"

رد سلوج، "آه."

قلت، "ما اسم أم سلوج إذن؟"

"هه؟"

"زوجتك. ما اسمها؟"

رشقني الرَجل بعينيه ثم تحول إلى سلوج. دس في فمه آخر قطعة من الشطيرة ومضغها. وثب بالقرب من أقدامنا عصفور محاولاً بلوغ الفتات. لعق الرَجل شفتيه، مسح ذقنه، حدج السماء بنظرة.

لفَظ سلوج بصوت هامس، "أرجوك يا بابا."

هز الرَجل منكبيه. صر على أسنانه متنهداً ثم صوب إليّ نظرة باردة كل البرودة ثم إلى سلوج نظرة رقيقة كل الرقة.

قال، "أم سلوج. زوجتي..." هز منكبيه من جديد. "اسمها ماري."

"آه، بابا!" هتف سلوج بوجه انقلب منيراً من فرط السعادة. "آه، بابا!" تصاعدتْ من الرَجل ضحكة.

"ها! ها ونِصْف!"

أمسك كتفيّ سلوج قائلاً، "الآن يا بني، لا بد أن تقف هنا وتشاهدني ذاهباً دون أن تتبعني."

همس سلوج، "لن أتبعك يا بابا."

"ولا بد أن تتذكرني دائماً."

"سأتذكرك يا بابا."

"أنا وأنت وماما الجميلة سنجتمع يوماً من جديد في الفردوس."

"عارف يا بابا. إني أحبك يا بابا."

"وأنا أحبك."

قبَّل الرَجل سلوج ولوى إليّ قسمات وجهه ثم ولانا ظهره. طفق يغني "إيمان آبائنا." قطَع الميدان عابراً متجر مايرز للحم الخنزير ثم انعطف إلى شارع هاي ستريت. ركضنا لحظتها وراءه لنجيل نظراتنا في شارع هاي ستريت إلى ما وراء الناس والسيارات، ولكننا لم نعثر له على أثر، ولن نعثر له أبداً على أثر مجدداً.

وقَفنا هناك والصمت يلفنا. أَقبل بيلي مايرز إلى مدخل المتجر وفي يده دلو ملئ بالعظم، شاهدنا.

نقَل إليه سلوج، "ذلك كان أبي."

قال بيلي، "نعم؟"

"نعم. لقد رجَع، كما قال، في الربيع."

رد بيلي، "خيراً. تعال يا بني وتناول غموساً. وعليه كل شيء."

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.