البوتقة
 

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

تكرمت آمي بلوم بالموافقة على نشر قصة "مياه فضية" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Bloom was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Silver Waterin Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Bloom a great debt of gratitude for her kind permission.

© Reprinted by kind permission of Gersh Agency. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Susan Cohen from Gersh Agency.

مياه فضية

albawtaka@albawtaka.com

كان صوت أختي أشبه بمياه الجبال في إبريق فضي؛ فجماله الأزرق الصافي ينعشك ويرفعك إلى ما فوق حرارتك، إلى ما فوق جسمك. ذهبنا لمشاهدة أوبرا ’لا ترافياتا‘ – حين كانت في الرابعة عشرة وأنا في الثانية عشرة – ثم دفعتني بمرفقها في موقف السيارات لتقول، "اسمعي." فغرتْ ثغرها واسعاً سعة غير طبيعية ليخرج صوتها غاية في النقاء والتألق حتى إن كل مرتادي الأوبرا المنصرفين وقفوا مجمدَّين بجوار سياراتهم، عاجزين عن إخراج مفاتيحهم أو فتح أبوابهم إلى أن فرغتْ، ثم ضجوا بالتهليل.

ذلك ما يحلو لي تذكره، وتلك هي القصة التي أفضيت بها إلى كل معالجيها النفسيين. أردتُ أن يعرفوها، أن يعرفوا أن ما أبصروه ليس ملخصاً لحياتها، أن قبل رنينها المتواصل للإعلانات والأغاني المعلنة عن الطعام السريع، كان هناك بوتشيني وموتسارت وترانيم من فرط عذوبتها وروعتها تتوقع أن ينزل يسوع من صليبه ليصفق؛ أن قبل جبل الدُهن الناتج عن دواء ثورازين وقبل الترنح في الممرات ببلوزات للحوامل من النيلون وبناطيل رياضية، كانت هناك أجمل فتيات مدرسة أرندال الابتدائية، حسناء مدرسة لاندمارك جونيور الثانوية. ربما كانت هناك فتيات جميلات أخريات بيد أن عينيّ لم تقعا عليهن. لقد وجدتُ روز – الشقراء الجميلة المدافعة عني ودليلي إلى سدادات تامباكس الصحية وأمزجة أمي – كاملة الأوصاف.

ابتليتْ بأول انهيار من انهيارات الذهان في سن الخامسة عشرة. كانت تأتي إلى البيت معتلة المزاج دامعة الجفنين، وبعدها يتطلق وجهها بهدوء، ثم كفت عن المجيء إلى البيت. راحت تخرج إلى الغابة الصغيرة الكائنة خلف منزلنا ولا تعود ريثما تذهب أمي في إثرها عند الغسق، تدوس برفق الورد البري والشجيرات وتجذبها لتخرج بوجه عاطل من أي انفعال وسترة زرقاء باهتة مغطاة بأوراق الشجر المتفتتة وبنطال جينز أبيض يلطخه الوحل. مرت ثلاثة أسابيع على هذه الحال ثم أسَرَّت أمي – موسيقية يعتبرها الكثيرون غريبة الأطوار – إلى أبي – طبيب نفسي ورجل طيب يغلفه الحزن – أنها "تفقد عقلها."

"ما هذا، رأيكِ المهني؟" التقط الجريدة ثم حطها ثانية مرسلاً تنهيدة. "آسف، لم أقصد أن أحتد عليك. أنا عارف أن هناك ما يضايقها. هل تكلمت معها؟"

"وماذا يمكنني قوله؟ إنها تتجنن يا ديفيد. إنها ليست محتاجة إلى حوار من القلب مع مامتها، هي محتاجة إلى مستشفى."

انهمكا في الأخذ والعطاء ثم جالس أبي روز عدة ساعات. قعدتْ هناك تلعق شعر ساعدها، أولاً في اتجاه واحد ثم في الاتجاه الآخر. قامت أمي في المدخل جافة العينين ممتقعة الوجه، ترصد الاثنين. حزمتْ بالفعل الأمتعة، وحين أقبل ثلاثة من أصدقاء أبي لتقديم استشارات وتوصيات مجانية، كانت أمي وحقيبة روز في السيارة بالفعل. حوتني أمي بذراعيها ثم أعلمتني أنهم سيرجعون في تلك الليلة لكن بدون روز. كذلك نقلتْ إليّ بعد أن خمنتْ أسوأ مخاوفي، "لن يحصل لكِ يا حبيبتي. بعض الناس يتجننون وبعضهم لا يتجننون أبداً. لن تتجنني أبداً." رسمتْ ابتسامة على فمها وربتت شعري. "ولا حتى عندما تريدين الجنون."

قبعتْ روز في المستشفيات، الضخمة منها والصغيرة، خلال ما تلا من عشرة أعوام. مر بها الكثير من المعالجين البشعين والقليل من المهرة. تعرى أحد الأماكن من لوحات الحائط والنوافذ، وارتدى كل مرضاه أخفافاً تحمل شارة المستشفى. ما عبَأتْ أمي حتى بالتوجه إلى مكتب الدخول. إذ أدارت روز وتقدمتْ الاثنتان إلى الخارج يلحق بهما أبي وهو يعتذر إلى زملائه. تجاهلتْ أمي الأطباء النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين والممرضات لتعزف للمرضى موسيقى هاندل وأغاني بيسي سميث على أية آلة متاحة. وجدتْ في بعض الأماكن بيانو ماركة ستاينواي تبرعتْ به أسرة ممنونة أو متفائلة؛ وفي أماكن أخرى عزف عالياً أغنية ’أعطني بيجفوت وزجاجة بيرة‘ على صندوق قديم مشروخ لم تنضبط نغماته منذ وُجد أطباء يتحدثون الإنجليزية على أرض المستشفى. خاطب أبي المديرين ورؤساء الوحدات بلهجة جادة متفهمة وحاول التودد إلى كل مَن يتولى حالة روز. أضمرنا كلنا مقتاًَ لمعالجي الأسرة.

أسوأ معالج أسرة تعاملنا معه على الإطلاق اتخذ مجلسه معنا داخل حجرة خضراء اللون باهتته. تمعن بوضوح في جمال أمي متناهي الرقة وما ارتدته من قميص قطني أزرق حائل وبنطال جينز مقاسه مقاس الفتيات؛ وبذلة أبي المتكرمشة وربطة عنقه المبقعة؛ وموضة تستعصي على الفهم أبْديتها أنا ذات السابعة عشرة. لم تعرف روز شيئاً عن الموضة في تلك السنة، فقد لبستْ بلوزة من بلوزاتها الطويلة الفضفاضة انطبعت عليها دمية دب راقص وبنطالاً رياضياً واسعاً للغاية من بناطيل فريق سيلتيكس. قرأ السيد ووكر ملف روز أمامنا ثم راقبها وآيات الذعر تركبه حين طفقتْ تدندن بصوت جميل وتدلك ثدييها بيدين بطيئتين. ضحكتُ أنا وأمي بل إن أبي بدأ يبتسم. ها هي روز تطلق نيرانها تحية، التحية الافتتاحية المعتادة للمعالجين الجدد.

قال السيد ووكر، "تُرى لِم يتسلى الجميع كل هذه التسلية بسلوك روز غير اللائق."

تجشأتْ روز، وما من أحد إلا وضحك. كان هذا سابع معالج أسرة رأيناه. لم يستمر واحد منهم طويلاً. بدا السيد ووكر للأسف مصراً على إنصافنا.

"ما هو رأيكِ في سلوك روز يا فيوليت؟" أقدموا على هذه الحركة أحياناً. لا بد أن كتيبهم يقول، ’لو تظن بالوالدين الغرابة، حاوِل التحدث إلى الأخت.‘

"لا أعرف، ربما تحاول دفعك إلى الكف عن الكلام عنها بصيغة الغائب."

"لا فض فوكِ،" أثنت الأم.

"بالقطع،" أكد الأب.

"ابن كلب ابن وسـ..." شتمتْ روز.

"حسناً، ها هو شيء تُجمع عليه الأسرة بأكملها،" علَّق السيد ووكر محاولاً التظاهر بفهمنا بل والإعجاب بنا.

"لم تفلح في التدخل العلاجي يا وجه ابن مقرض." نزعتْ روز إلى التعامل مع الآخرين بصورة أفضل وهي غاضبة. لاح بالفعل كابن مقرض أشقر، فعدنا جميعاً إلى الضحك. حتى أبي – الذي حاول أن يمنح هؤلاء الناس فرصة من قبيل إحساسه بالزمالة – استسلم.

انقضت أربع عشرة دقيقة ثم قرر السيد ووكر أن وقتنا انتهى وخرج ليتركنا نوجه ابتسامات عريضة لبعضنا البعض. لم تزل روز مختلة لكننا على الأقل استمتعنا جميعاً بوقتنا قليلاً.

بدأ اليوم الذي قابلنا فيه أفضل معالجي الأسرة بمثل ذلك السوء تقريباً. أنزلنا الفزع بطبيبة مقيمة ثم أنزلنا الفزع بمُشرفها الذي أرسل إلينا الدكتور ثورن. ثلاثمائة رطل من لحم تكساس المطهو بالفلفل الأحمر وخبز الذرة وبيرة ’لون ستار‘ اكتملتْ بجزمة سوداء ضخمة من جزم رعاة البقر وربطة عنق صغيرة قصيرة تلتف حول منطقة عنقه.

"يا نهار حالولي، إنه الفسيس الكبير." حلَّقتْ روز في عنان السماء وأمسكتْ عن تدليك ثدييها في الحال.

"أهلاً يا فسيسة يا صغيرة." لا بد أن تعي كم يبلغ حجم رجل يصف أختي "بالصغيرة." لقد كسبنا جميعاً، على الفور. "وها هو الدكتور الفسيس الطيب ومدام فسيسة فسفسة لأنهما أصعب فسيفساء ملعونة يمكن كسرها، وهنا اللابسة بنطالاً مرحرحاً بحمالة من غير حاجة ثانية ’فسيسة لا أحد‘" – اسم لخَّص كلاً من جنوني ووحدتي. واسترخينا جميعاً.

أفادنا الدكتور ثورن خير إفادة. إذ انتقلتْ روز إلى منزل من منازل إعادة التأهيل، منزل أحبت مديرته الفسيس الكبير حباً لدرجة أنها أبقت روز حتى عندما كابدتْ فترة مارستْ فيها الجنس مع كل مار ببابها. اعتراها الاهتياج برهة في محاولة منها لإخماد الأصوات بنيك نفسها حتى الموت.

جاهر الفسيس الكبير، "لا أقدر يا حبيبتي. لا أقدر أن أمارس الحب مع كل امرأة جميلة أقابلها، وعلاوة على ذلك، لا أستطيع أن أقوم بهذا وأعالجك في نفس الوقت. إنه أمر مؤسف لكني أعتقد أنك قد تستطيعين العثور على رجل لطيف بحق، شخص يعاملك بنفس اللطف والطيبة الذين سوف أعاملك أنا بهما لو كنتُ محظوظاً بما يكفي لأن أكون حبيبك. لا أريدك أن ترضي بما هو أقل." وهكذا امتنعتْ عن عرض نفسها على مدمني الكوكايين والسكارى ورجال الملجأ. لقد أحببنا الدكتور ثورن.

عاد أبي إلى فحص الأغنياء من المصابين بالعصاب، وساعد يوماً كل أسبوع في عيادة الدكتور ثورن المفتوحة. أتمت أمي تسجيلاً لكونشيرتو موتسارت وعزفتْ في حفلات جمع التبرعات لمنزل روز التأهيلي. رجعتُ أنا إلى الكلية وعثرتُ على ظهير كرة قدم رائع من تكساس لأنام معه. جعلتُه في الظلام يدعونني بـ "حبيبتي." تناولتْ روز أدويتها وفقدتْ خمسين رطلاً من وزنها وجعلتْ تنشد الترانيم في ’كنيسة صهيون إيه. إم. إي.‘ الواقعة في نهاية الشارع من منزل التأهيل.

لم يدروا في البداية ماذا يفعلون بهذه السيدة الشقراء الضخمة، إذ كانت ترتدي ملابس غريبة وتحوم مكتئبة في المدخل أثناء بروفاتهم، بيد أنها أسمعتهم عدة فواصل موسيقية من ’الرب الغالي‘ فاستشعر قائد الجوقة يد الله وتصور أن بمساعدة طفلة الله العزيزة روز سوف تصل جوقة ’بروسبيكت ستريت‘ حتى ’أولمبياد الإنجيل.‘

ووسط بحر من وجوه تتلون بالبيج والبني والبني المحْمر والبني الغامق، وقفتْ روز، أكبر وأكثر شقرة وحمرة من أي امرأتين بيضاوين. فرَدتْ روز وصاحبة الصوت الرنان بالجوقة، آدي روبيتشوكس، صوتيهما الذهبي والفضي ونسجتاهما معاً في غدائر في رقة الحرير وقوة الصُلب. سالت دموعنا وروز وآدي تتمايلان معاً بيدين متشابكتين في رداءين منتفخين بلون العقيق حتى طفت آخر النغمات المثالية عالياً نحو الله، ثم خفضتا بصريهما إلينا وجرى الابتسام على ثغريهما.

لم تزل روز تتدهور من آن لآخر وتأمرها الأصوات بارتكاب فعلات سيئة غير أن الدكتور ثورن أو آدي أو أمي تمكنوا في الغالب من تقويمها. وبعد خمسة أعوام كاملة، فاضت أنفاس الفسيس الكبير. حشا وجهه بسجق باللحم والفلفل الأحمر وهو جالس في مكتبه المجرد من تكييف الهواء في منتصف يوليو. تمددت أوعيته الدموية تمدداً كبيراً مقاس ولاية تكساس ليلفظ أنفاسه الأخيرة.

تماسكتْ روز سبعة أيام؛ تناولتْ أدويتها ومضت إلى تمارين الجوقة وأعادت ترتيب غرفتها حوالي مائة مرة. قصد المرضى عقلياً جنازته كما يقصد الحجاج بلدة لوردز. لو كنتَ مصاباً بالذهان أو بعصاب ملتبس التشخيص مكروب الحالة، أو مجرد شخص يشق بحق التعامل معه، فقد شهدتَ جنازته. اهتزت أجسام الناس اهتزازاً بفعل سنوات من الأدوية المكثَّفة حتى إنهم سقطوا من المقاعد. أمسك الناس أيادي بعضهم البعض وعلا بكاؤهم وندبهم وتحدثوا إلى أنفسهم. تجمع مَن هم بالمجانين ومَن هم ليسوا بالمجانين كلية مثلما يتجمع الجراء في الحظيرة.

أحجمتْ روز عن أخذ الأدوية وأبى منزل التأهيل إيواءها بعد أن رمت مريضة أخرى على السلالم. اتصل أبي بشركة التأمين ليكتشف أن التغطية الجديدة المحسنة لحالة روز النفسية لن تبدأ قبل خمسة وأربعين يوماً. وضعتُ كل أمتعتها في كيس من أكياس النفاية ثم خرجنا من منزل التأهيل وروز تغمز بعينها صبياً مسكيناً يسيل لعابه على الأريكة.

"سيلفي جميع أفراد الأسرة الحياة عسيرة – لن تصبح مستحيلة إنما عسيرة. وقد فكرتُ أننا ينبغي أن نناقش توقعات الجميع. أعلم أن قلقاً ينتابني تجاه بعض الأمور." دعانا أبي إلى اجتماع عائلي بمجرد أن انتهت روز من وضع كل دببها الثلاثين في الأماكن المخصصة لها.

"أدوية لا،" نبستْ روز وهي تغض طرفها وأصابعها القصيرة الغليظة – تلك الأصابع التي ضفَّرتْ شعري ورسمتْ أزهار التوليب على وجنتيّ – تشد بقوة حاشية بلوزة طويلة فضفاضة طالها الاتساخ.

تطلع أبي إلى أمي تطلع اليائس.

"روزي، هل تريدين سياقة السيارة الجديدة؟" سألتْها أمي.

أشرق وجه روز. "في نفسي أن أسوق تلك السيارة. سأسوقها لغاية كاليفورنيا، سأذهب لأشوف الدببة في حديقة حيوانات سان دييجو. كنتُ لآخذك يا فيوليت لكنك تكرهين دائماً حديقة الحيوانات. تتذكرين كيف بكت في حديقة حيوانات برونكس لمَّا اكتشفتْ أنهم لا يسمحون للحيوانات بالترويح إلى بيوتها بعد إغلاق الحديقة؟" وضعتْ روز يدها الرطبة على يدي وضغطتْ عليها كالمتعاطفة. "مسكينة يا في."

"لو أخذتِ الأدوية، ستقدرين بعد فترة على سياقة السيارة. ذلك هو الاتفاق، أدوية، سيارة." تبدى صوت أمي لطيفاً وإن تجرد من الحماس، صوت توخى الحذر ألا يذكي إحساس روز بالاضطهاد.

"موافقة يا حبيبتي."

كنتُ عندئذ أقِيم على بعد زهاء ساعة بالسيارة، أُدرس الإنجليزية نهاراً وأنظم الشعر ليلاً. رجعتُ إلى البيت كل بضعة أيام لتناول العشاء معهم واتصلتُ بهم كل ليلة.

أنبأني أبي بنبرة هادئة، "لشد صعوبة المسألة. نحن بخير، على ما أظن. روز تتمشى صباحاً مع أمك وتتفرج على برامج تلفزيونية كثيرة. ترفض الذهاب إلى المستشفى النهاري وترفض الرجوع إلى الجوقة. زارتنا صديقتها السيدة روبيتشوكس مرتين. يا لها من امرأة لطيفة. أبت روز مجرد الكلام معها. وما كان منها إلا أن قعدت هناك، تحملق إلى الحائط وتدندن. الواقع إننا لسنا في خير حال لكن أخالنا على قيد الحياة. آسف يا حبيبتي، لا أقصد أن أُلحق بك الكآبة."

أكدتْ أمي، "نحن على ما يرام. لدينا عادات نثابر عليها، نحن بخير. لستِ مضطرة إلى الإكثار من المجيء. انتظري حتى الأحد، فقط تعالي لقضاء اليوم. عِشي حياتك يا في. إنها تعيش حياتها."

ابتعدتُ عنهم طيلة الأسبوع، يساورني الخوف من التقاط السماعة، شاكرة لأمي لهدوئها القاسي وتحفظها، صفتين أوقعتْا في نفسي سخطاً طوال طفولتي.

توجهتُ إليهم في ساعة مبكرة من ظهيرة الأحد كي أعاون أبي في أعمال الحديقة، نشاط استمتعنا دائماً بفعله معاً. أزلنا الأعشاب الضارة وسندنا حبات الطماطم إلى أعوادها وقتلنا قمل النباتات فيما جلستْ أمي وروز بجوار البحيرة. بل إني لم أمرق من باب المنزل حتى الرابعة عندما احتجت إلى كوب ماء.

كسر أحدهم مقعد البيانو إلى خمسة أجزاء مكومة بالترتيب ووضعها حيث يستقر المقعد في المعتاد.

"كنا نستمتع بوقتنا، وما طاوعني قلبي على ذكر تلك الحادثة،" أبلغني أبي الواقف في المدخل حريصاً ألا يدلف بجزمة الفِلاحة إلى المطبخ.

"وماذا قالت ماما؟"

"قالت، ’المقعد أهون من البيانو.‘ تمددتْ أختك على الأرضية دون أن يبدر منها غير النحيب، وبعدها اصطحبتْها أمك إلى البحيرة. لا يمكننا أن نواصل هكذا يا في. أمامنا سبعة وعشرون يوماً، أمك لا تذوق النوم لأن روز لا تنام، ولو باستطاعتي فقط دفع سبع وعشرين ألفاً من الدولارات لأبقيها في المستشفى إلى أن يتولى التأمين حالتها، سأدفع."

"حسناً، ادفع. ادفع النقود وأرجعها إلى هارتلي ريز. لقد كان أجمل الأماكن، وقد راقها العلاج بالفن هناك."

"كنتُ لأدفع لو بمقدوري. ينص عقد التأمين على وجوب خلوها من الأعراض لمدة لا تقل عن خمسة وأربعين يوماً قبل أن يبدأ التأمين في تغطية علاجها، والخلو من الأعراض يعني عدم دخول المستشفى."

"يا يسوع، كيف حصلتَ يا بابا على مثل هذا العقد؟ إنها لم تخل من الأعراض منذ خمس وأربعين دقيقة."

"لم أتمكن من العثور على آخر يغطي العلاج النفسي طويل الأمد." وضع يده على فمه ليحجب أياً كان ما هَم بقوله ثم عاد إلى الحديقة. غاب عني إذا ما كان يبكي أم لا.

لبث هو في الخارج ومكثتُ أنا في الداخل حتى أتت أمي وروز من البحيرة. تكور بنطال روز الرياضي المشبع بالمياه حتى ركبتيها. حملتْ دلواً مليئاً بالقواقع والأعشاب البحرية أقنعتْها أمي بتركه في الشرفة الخلفية. قبَّلتني أمي قبلة خفيفة وأمرت روز بالصعود إلى حجرتها لتغيير بنطالها المبتل.

اتسعت عينا روز اتساعاً. "أبداً. أبداً لن..." ثم ركعتْ وأخذتْ تخبط أرضية المطبخ برأسها خبطات عنيفة متواترة رامية كل ثقلها إلى الوراء قبل كل هجوم. أحاطت أمي خصر روز بذراعيها في محاولة لكبحها. نترتها روز بدون حتى أن تنظر حولها لترى ما يعيقها. استلقت أمي أمام الثلاجة.

"فيوليت، أرجوكِ..."

رميت نفسي على أرضية المطبخ لأصير البقعة التي تضربها روز برأسها. توقفتْ قبل معدتي بجزء من البوصة.

"آه يا في، يا ماما، أنا آسفة. أنا آسفة. لا تكرهاني." ترنحتْ قائمة على قدميها ثم عَدَت إلى حجرتها وعويلها يتصاعد.

نهضتْ أمي وغسلتْ وجهها بخشونة ثم جففتْه بحكه بقماشة الصحون. طرَق العويل مسامع أبي فأقبل راكضاً وخلع بسرعة جزمته المطاطية من قدمين طويلتين عاريتين.

"جيلين، جيلين، دعيني أرى." أمسك رأسها وفتش بدقة عن كدمات في وجهها الصغير الممتقع. "ماذا حصل؟" سددتْ أمي إليّ نظرة. "ماذا حصل يا فيوليت؟ أين روز؟"

"روز تضايقتْ، ولمَّا جرت إلى الدور العلوي، دفعتْ ماما بعيداً عن سكتها." لم أنطق كذباً في حياتي سوى ثلاث مرات، وتلك هي الثانية.

"لا بد أنها في منتهى الانزعاج، تدفعكِ أنت من دون كل الناس. لا آخر لتدفعه إلا أنتِ لكني عارف أنها لم تقصد." صب لأمي فنجاناً من الشاي، فانسكب من البراد كل ما كنه لها من حب – رغم حنقها الصامت وحملقتها المبهمة – ليدفئ فنجانها ويملأ يديها الصغيرتين ذواتي الأصابع الطويلة. أراحت رأسها على وركه فصرَفتُ بصري عنهما.

"هيا نجهز العشاء ثم سأناديها. أو تناديها أنتَ يا ديفيد، ربما تُفضل رؤية وجهك أولاً."

غص العشاء بكل ما بدأنا به وتوقفنا عنده ومحاولات روز المستميتة للتحكم في نفسها. استطاعت بالكاد تناول الطعام ودندنتْ أغنية إعلان ماكدونالدز مراراً وتكراراً، ولم تكف سوى عندما أراقت العصير على صدر بلوزتها لتشرع في البكاء. رنا أبي إلى أمي وأعطى روز منديلاً من مناديل المائدة. ربتت صدرها بيد فاترة إلا أن دموعها توقفتْ.

"أريد أن أروح إلى السرير. أريد أن أروح إلى السرير وأكون في دماغي. أريد أن أروح إلى السرير وأكون في سريري وفي دماغي وأن ألبس أحمر فقط. لأن الأحمر هو اللون الذي لبسه رضيعي، ومرة ثانية، صحيح، نعم، أجل، صحيح. أرجوكِ لا تلبسي أحمر الليلة، آه، آه، أرجوكِ لا تلبسي أحمر الليلة لأن الأحمر هو اللون – "

"طيب، طيب يا روز. اهدئي. سأطلع معكِ إلى الدور الفوقاني لتستعدي للنوم ثم ستطلع ماما لتقول لكِ هي الأخرى أن ’تصبحي على خير.‘ اهدئي يا روز." مد أبي يده فتشبثتْ روز بها ثم غادرا معاً حجرة الطعام وذراعه الطويلة حول وسطها.

جلستْ أمي إلى المائدة هنيهة وقد ضمت وجهها إلى يديها ثم بدأتْ ترفع الأطباق عن المائدة. رفعنا الأطباق بدون كلام على حين راحت أمي تدندن أغنية ’شلوميرليد‘ لشوبرت، أغنية للأطفال عن غابة ونهر يدعوان الطفل إلى النوم. اعتادت أن تغنيها لنا كل ليلة ونحن صغيرتين.

دلف أبي إلى المطبخ وأشار إلى أمي. اعتليا السلالم ثم نزلا معاً بعد عدة دقائق.

"إنها نائمة،" أعلماني. مضينا للجلوس في الشرفة واستمعنا إلى صوت الجداجد. تاهت من ذاكرتي بقية الأمسية لكني أتذكر أنها اصطبغت بحزن يشوبه الهدوء، كما أتذكر مشهداً نادراً لأبويّ يمسك كل منهما يد الآخر وهما جالسان إلى مائدة الحديقة، يراقبان غروب الشمس.

استيقظت في الثالثة صباحاً شاعرة بهواء الليل البارد يتسلل عبر الملاءة. خرجتُ إلى الممر لإحضار بطانية وألقيت نظرة على غرفة روز، بدون سبب معين. خلت الغرفة منها. لبستُ بنطال جينز وسترة ثم هبطتُ إلى الطابق السفلي. استطعت أن أستشعر غيابها. خرجتُ من المنزل لألتقط آثار أقدامها العريضة المتثاقلة وهي تغمق العشب المبتل في اتجاه الغابة.

"روزي،" ناديت بصوت منخفض للغاية، لم أرد أن أوقظ أبويّ أو أروع روز. "روزي، هذه أنا. أنتِ هنا؟ أنتِ بخير؟"

كدت أقع عليها. لاحت ضخمة الحجم بيضاء البشرة تحت نور القمر. حال لون بلوزتها المزينة برسوم الزهور في النور والظل، وابتل الآن بنطالها الرياضي تماماً. ارتمى رأسها إلى الخلف ليتعرى عنقها ناصع البياض شأنه شأن عمود يوناني مفقود.

"روزي، روزي – " تباطأتْ أنفاسها إلى أقصى حد، ولم تَظهر شفتاها بنفس حمرتهما المعتادة. ارتعش جفناها.

"وقت الإغلاق،" لفظت بصوت كالهمس. أظن أن تلك كانت جملتها.

جلستُ معها كاشفة عن زجاجة من الحبوب البيضاء تقبع بجوار يدها، ورصدتُ النجوم وهي تخبو.

حينما اختفت النجوم وأخذتْ الشمس تدفئ الجو، رجعتُ أدراجي إلى المنزل. ألفيت أمي قائمة بالشرفة، تلتف ببطانية وعيناها تراقباني. غمرتني كل خطوة خطوتُها؛ استطعت تخيل أمي وهي تصفعني، تطلق عليّ الرصاص لتركي ابنتها المفضلة تموت.

"ملكات محاربات،" فاهت وهي تطوقني بذراعين نحيلتين لم تعدما القوة. "لقد ربيتُ ملكات محاربات." طبَعتْ على خدي قبلة عنيفة ثم قصدتْ الغابة بنفسها.

وبعدها في الصباح أيقظتْ أبي الذي لم يقو على الذهاب إلى الغابة. واتصلتْ في وقت لاحق بالشرطة ومسؤولي الدفن. وضعتْ السماعة ثم اضطجعتْ في السرير ولم تبرحه حتى أتى يوم الجنازة. أطعمنا أبي نحن الاثنتين واتصل بمن ينبغي الاتصال بهم واختار كفن روز بنفسه.

عزفتْ أمي على البيانو بينما غردتْ آدي بنغماتها الذهبية الصافية. أرخيت جفنيّ لأبصر أختي وهي في الرابعة عشرة، ذيل الحصان مرمي إلى الوراء وعيناها مغلقتان بإحكام في مواجهة وهج مصابيح موقف السيارات. تسمرنا لسماع ذلك الصوت العذب، تدفق حولنا ودار كالدوامة داخل قلوبنا، وارتفع ولم يزل يرتفع.