مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الثاني والثلاثين، يناير 2012.

The thirty-second issue, January 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرم لاري وايوِدي بالموافقة على نشر قصة "عابرون صامتون" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Woiwode was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Silent Passengers" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Woiwode a great debt of gratitude for his kind permission.

"Silent Passengers" by Larry Woiwode. Copyright © 1992 by Larry Woiwode. Originally appeared in The New Yorker, May 11, 1992. Part of his story collection Silent Passengers: Stories. Copyright © 1993 by Larry Woiwode. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

عابرون صامتون

لاري وايوِدي

تقديم: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-1-2012

 

 

 

المجموعة القصصية عابرون صامتون

 

 

 

 

 

حدَّث ستاينِر نفسه، أغلِقه، فساد الصمت السيارة. كان قد تقدم في الممر نحو شجرة الدردار الصينية القائمة في المنزل دون أن يسجل وعيه أياً مما يجري في الواقع. التفت الآن إلى ابنه چيمز ذي التاسعة من العمر وهو جالس في المقعد المجاور، أبصر وجه الصبي يتخذ تعبيراً غير متوازن يوحي وكأنما يدري سراً خافياً عن الآخرين، تعبيراً لاحظه ستاينِر لأول مرة في هذه الظهيرة.

ترجل ستاينِر على حين شب چيمز مقاوماً بيد مرفوعة حزام مقعده، لذا ركِب ستاينِر مجدداً في هدوء وهو يزيح عن جبهته شعره الأشعث، أمسك عجلة القيادة. كان معتاداً كل الاعتياد أن يَخرج چيمز من السيارة وينطلق عبر الفناء بعد ثانية من توقفهم حتى إن ذهولاً حلَّ عليه. تهامست ابنتاه -- توأم في السابعة بشعر أصفر فاتح -- الجالستان في المقعد الخلفي مع زوجته چين، استدار ستاينِر مصوباً إليهما نظرة ذات معنى، هدوء! خرَج مرة ثانية بثِقَل جعله يشعر بأن سِنه، الخامسة والأربعين، هو بداية الشيخوخة، وأن ما غمَره مؤخراً من ندم اشتدت حدته: ندِم على أنه هو وچين لم ينجبا المزيد من الأطفال.

بينما كان يقود السيارة في سبيلهم إلى البيت، جذبت واحدة من التوأم نفسها إلى الأمام من المقعد الخلفي لتهمس بأن چيمز مد يده وأطلق النفير وستاينِر في المتجر. كان قد قصده بحثاً عن مرآة مضادة للكسر بالحجم الطبيعي ومرتبة رياضية من نوعية نصح بها المعالِج الطبيعي. وبما أن چيمز لم ينطق بحرف منذ أسبوعين، دفعت الحادثة التوأم إلى الهمس بسيرة چيمز، بكلمات توحي بالتخمين والأمل (وچيمز جالس أمامهما بالضبط!) في أغلب الرحلة الطويلة أثناء عودتهم إلى البيت.

"آسف"، اعتذر ستاينِر حين تبين له أنه لا يزال الوحيد الخارج من السيارة وكأن عليه الاعتذار عن الوقوف على قدميه. عاد إلى السيارة بهدوء وهو يصفف شعره جانباً من جديد ثم أخذ يفك حزام الأمان المحيط بچيمز. تفرس الصبي في لوح الزجاج الأمامي بقوة لم يستطع ستاينِر تفسيرها، وبمجرد أن تحرر، حاول دفع نفسه نحو الباب بأن ثنى جذعه إلى الأمام والخلف.

نبَّهه ستاينِر، "بالراحة يا حبيبي،" ثم أضاف من أجل الصبي والأخريات عبارة كان يستخدمها منذ كان چيمز رضيعاً، "ها قد جئنا إلى البيت." صمتٌ. التفت ستاينِر إلى چين، كانت تميل قريبة منه بشفتين جميلتين ثابتتين. سألها، "هل معك حزامه الآخر؟" بدرت منها إيماءة.

ترجل ستاينِر ورمى بصره -- فوق السيارة عبْر أوراق شجرة دردار بأربعة جذوع -- ناحية منزلهم، منزل مزرعة عتيق العمر. لم تقع عليه عيناه منذ أسبوعين. كان قد أمضى تلك الفترة في المستشفى بصحبة چيمز، أولاً في العناية المركزة، وبعدها في غرفة خاصة تردد إليها المعالجون الطبيعيون. وعندما التقى طرفاه بألواح الجدران البيضاء التي حكَّها مع چيمز وچين وأعادوا دهنها في مستهل الصيف، اضطر إلى تقبل إحساس بالخسارة بدأ يلم به حين أدرك أنه يحزن على ابن قد لا يراه مرة أخرى قط.

ارتقى طرفه إلى نافذة في الطابق الثاني واستحضر أنه استيقظ من قيلولة والعرق يتصبب منه على أرضية حجرة التوأم بالطابق العلوي في اليوم الذي بدء فيه ما جرى. كان قد ذهب إليها لينفرد بنفسه غير أنه سمِع چيمز يسأله، "بابا، هل لا تزال تريد أن أساعدك أم تسمح لي بالذهاب إلى بيت ألان مع ماما والبنات لأَركب الحصان؟"

"سوف يذهبن الآن؟" سأله ستاينِر وقد خامره شعور بالاضطراب حين وجد نفسه على أرضية غرفة لم يَدخلها في العادة إلا عندما يحين نوم التوأم. كان قد صعِد إليها بعد أن ازدرد زجاجتين من الجعة في حر أغسطس، ولأنه كان نادراً ما يشرب الخمر مؤخراً، كاد يغيب عن الوعي. كان هو وأسرته قد رجَعوا إلى مزرعتهم بمنطقة السهول المرتفعة ليقضوا الصيف ويبتعدوا عن شركة رقائق السيلكون الكائنة في الساحل، شركة يمتلك ستاينِر جزءاً منها. كان هو وچيمز وواحد من الجيران يحاولون تشغيل جرار أراد ستاينِر استخدامه ليزرع الأشجار -- "ليلعب دور الفلاح،" كما قال الجار. أنفق ستاينِر والجار أغلب ذلك الصباح الحار من أغسطس يجذبان الجرار العامل بالديزل في أشكال بيضوية حول الممر باستخدام جرار آخر، ينجحون هنيهة في تشغيله ثم يستمعون إلى صوته المتضائل، وچيمز يصل سلسلة القطْر ويفكها. اضطر چيمز مرة إلى القفز جانباً بجسمه الرشيق حين أخفق الجار في الضغط على الدواسة وارتطم بإطارات ستاينِر الخلفية الضخمة ثم ارتد فحسب إلى الوراء والجرار يعود إلى التوقف.

جاهد ستاينِر الآن لسماع صوت چيمز مجدداً -- آخر مرة سمِع فيها حديثه -- حين شعر بچيمز يبتعد عنه في تلك الظهيرة، عله يَنزل بالفعل السلالم مدركاً أن ستاينِر غاضب بسبب الجرار وربما ضيِّق الخلق بعد احتساء الجعة. أحياناً ما كان چيمز يدنو من ستاينِر ويتناول يده قائلاً، "أنا سامحتك يا بابا" قبل أن يعي ستاينِر أنه عامله بقسوة أو جار عليه، ولكن چيمز لم يكن مُصلِحاً ساذجاً أو طفلاً واشياً: كان أقرب إلى الضمير.

كان ستاينِر قد أمَلَ أن يؤسس بيتاً لهم في هذه المزرعة ويدير شركته من هنا لكي يقضى المزيد من الوقت مع أطفاله، هو ما قالت چين إنه يجب عليه فعله. كان قد غادر المكتب كل شهر من هذه السنة الماضية، سافر في رحلات استشارية إلى أوروبا، وعندما خطرت في باله كل تلك الطائرات من طراز 747 إس التي يفيح منها وقود النفاثات، عاد ستاينِر إلى أرضية غرفة التوأم في تلك الظهيرة من شهر أغسطس، تتطاير من يديه وملابسه رائحة وقود الجرار، ومن أنفاسه رائحة الجعة. شعر بأنه أخذه على غرة بعد أن خارت قواه من الجعة، ثم تناهى إليه وكأن چيمز يقف فوق مرقده، "سأبقى يا بابا  لو تريد وسأساعدك على إصلاح الجرار."

اخترقته ذكرى رد فعله اختراقاً وحشياً حتى إنه شعر بالمزيد من الاضطراب. ماذا قال ستاينِر؟ "لا يهمني."

تنبه إلى أن چين نبست بشيء، أبصر چيمز يحتك بالنافذة المجاورة له، شديد التوق إلى الخروج. أسرع ستاينِر الخطى ليفتح الباب على حين قبَض چيمز على لوحة القيادة والمقعد محاولاً دفع نفسه من السيارة. جثم ستاينِر عند مستوى الصبي وأخذ يديه قائلاً، "اصبر دقيقة يا حبيبي. تتذكر حزامك؟"

لاح شعر الصبي أشعثاً كشعره، خصلات أطرافه المعقوصة رملية اللون في حاجة إلى تشذيب. أبصر ستاينِر شعر چيمز يكاد يغطي عينيه. تسلطتا بعدها عليه في حب لم يبرأ من التبلد. ندت من ستاينِر كحة، وأحس بيد على منكبه. كانت چين تقف بجواره وثغرها يفتر عن ابتسامة وخصلٌ شعرها ترتفع عن جبهتها مع نسيم لم يلحظه ستاينِر حتى آنذاك. جعله منظرها بطريقة ما قادراً على إدراك أن بمقدوره رعاية چيمز في حالته البائسة داخل بيئة المنزل المألوفة. كان الصبي يحب المزرعة كل الحب حتى إن صحته الجيدة في المعتاد بدت دوماً في تحسن بمجرد وصولهم هنا؛ بدا وكأنما ينمو بوصة في الأسبوع الأول، في كل مرة. توخى ستاينِر الحرص على ضلوع الصبي وهو يَرفعه من المقعد ويديره ليتكل ظهره على معدة ستاينِر. أعاق ثقل چيمز الحار لِصْق جسمه الدماء عن دماغه. تجرد عقله من كل شيء.

راح چيمز يحرك قدميه كمن يدوس دواسة دراجة، كمن يجري في المكان، ضحكت چين ورأسها يهتز. سددت بعدئذ لمحة إلى أرجاء الفناء ثم رمَت عينيها بعيداً إلى تل منعزل ملوَّن بدرجات زرقاء كمن ترغب في جعل المشهد مشهدها مرة أخرى. تراءى عليها الابتهاج مع نفَس سحَبته، مسَحت ركن عينها قائلة لچيمز وهي تخفض بصراً مبتسماً، "يا أعز الأحبة."

 

قضى ستاينِر الأسبوع الأخير تقريباً وهو يحاول تقرير إن كانت روح الدعابة تعاود چيمز. كانت إحدى المعالجات تساعد الصبي على نزول المنحدَر إلى حمام السباحة بالمستشفى في أول محاولة لتنفيذ شكل من أشكال العلاج وصفه طبيب الأطفال حين تولت چيمز -- السباح بالفطرة -- كل الإثارة مع إحساسه بالمياه فحاول أن يجري ووقَع مرسلاً رشاش من الماء. عندما سحَبته المعالِجة وچين -- بتنورة تتشبع بالمياه -- من الحمَّام، تظاهر چيمز بطبع نظرة تشي بالذنب ثم، ولأول مرة منذ الحادث، تمكن من رسم ابتسامة، ملتوية مائلة، بعَثت ستاينِر على الضحك. بدر من چيمز نفس الابتسام وهو على أداة العلاج التالية -- دراجة ثلاثية من فولاذ لا يصدأ -- كلما أرخت المعالِجة تحكمها في المقودين فصدم چيمز الدراجة في الحائط. ذكَّرت الحادثة ستاينِر بأحد الزملاء القادمين من الشرق -- مصمِّم رقائقه في مثل تعقيد شوارع مانهاتن المتقاطعة، وكل إفريز ونافذة في مكانها من كل مبنى -- حين رتَّب المجيء يوماً إلى المزرعة وأراد ستاينِر إبهاره برفاهية المنزل. كان ستاينِر يتكلم عبر الهاتف محاولاً التعامل مع واحد من سباكي المنطقة كان قد وعده بفحص نظام الصرف المعِيب إلا أنه حاول التظاهر وقتذاك بأنه لم يعده على حين أنه وعده بالفعل. حاول ستاينِر أن يلفظ، "ولكن لا بد أن يكون عندنا حمَّام،" ولم يستطع أن ينطق إلا بـ "ولكن... لكن..." وعندما أغلق السماعة، أقبل چيمز هارعاً بجواره -- من شبه المستحيل الآن استرجاع هذه الرقصة شِبه الراكضة التي أداها الصبي بمثل تلك الرشاقة -- ثم نبس من ركن فمه، "هل أكَلتْ القطة لسانك يا بابا؟" وبمجرد أن بدأ ستاينِر يحزن على چيمز الذي عرَفه فيما مضى، تفاقم حزنه حين وعى أن چيمز فاق كل الآخرين في السنة الأخيرة تقريباً في بث البهجة في قلبه.

دسَّت چين الآن يداً بين معدة ستاينِر وچيمز لتمرر حول خصر الصبي حزاماً مبطَّناً من قماش القُنب. شدته بإحكام ثم أغلقت الإبزيم. كانت إصابة چيمز -- إصابة مغلَقة في الرأس كما سماها الأطباء -- في الربع الخلفي الأيسر من الدماغ، وعليه لم يستجب طرفاه اليمنيان كما يجب. وقد بيَّن المعالِج الطبيعي لستاينِر وچين كيفية الإمساك بالحزام من الخلف لمساعدة چيمز على المشي. ما فتئ سيره يتحسن مع زياراته لحمام السباحة.

"هل تريدين..." بدأ ستاينِر الكلام إلا أن چين تولت بالفعل الحزام وراح چيمز يمشي متمايلاً وهي في إثره. عبَر مقدمة السيارة في خط مباشر كنحلة تسير إلى خليتها ثم سار نحو آخر لحظة قد يتذكرها -- الجرار. مرت ابنتا ستاينِر وشعرهما يطير إلى الخلف ضاحكتين من سرعة چيمز ومحاولات چين مجاراته. كان چيمز مفتوناً بمعدات المزرعة، وقد خطر ببال ستاينِر أثناء إقامته في المستشفى أن ما قد يربط چيمز بالطفل الذي كانه من قَبل هو الجرار. كان جارهما قد أصلحه أخيراً -- اكتشف انسداد مصفاة الوقود -- وقاد سيارته إلى المستشفى لينهي إليهما الخبر عندما كان چيمز لا يزال في حالة أطلق عليها الأطباء غيبوبة. كان ستاينِر متيقناً من أنه أبصر استجابة من چيمز.

وهكذا ظل ستاينِر طيلة إقامتهم في المستشفى يخبر چيمز أنهم سوف يُشغلون الجرار بمجرد عودتهم إلى البيت. ومع ذلك أضمر الآن كل الامتنان لچين لأنها أبعدته عنه. حاول ستاينِر مرة أخرى أن يسمع صوت چيمز في تلك الظهيرة وهو يطلب الذهاب إلى منزل ألان، استحضر بعدها أنه استيقظ من جديد بعد انصراف الأسرة من المنزل على صوت أحدهم يصيح باسمه -- الجار الذي كان يساعد على إصلاح الجرار -- "بيلي ألان على الهاتف،" فصكَّت خاطرة ذهن ستاينِر، هناك شيء جرَى لچيمز. عندما مر ستاينِر بالجار، وجده في المطبخ يحَدق إلى الجرار ولاحظ صندوق جعة من ست زجاجات مفتوحة بالقوة على المائدة.

"نعم؟" قال عبر سماعة الهاتف.

رد بيلي ألان، "ستاينِر، عندي أخبار سيئة. كان الأولاد راجعين من ركوب الخيل، ينزعون السروج عن الأحصنة -- زوجتك كانت هناك، لم أكن معهم --  لمَّا ارتعب فرسي المخصي أباتشي على ما أظن واعتلى چيمز. إنه مصاب. لا أدري  يا ستاينِر مدى خطورة الإصابة، ولكنه لم يسترد الوعي بعد." فارق الخوف صوت ألان عند هذه الجملة، "لقد اتصلتُ بالإسعاف. سنلقاك في المستشفى."

عاود ستاينِر الاتصال على الفور، ولكن لم يَصدر من الهاتف إلا الرنين. كان بيلي ألان يعيش على بعد ثلاثين ميلاً في مزرعة تقع في أحد مجاري الأنهار. وكان يطلب من التوأم طيلة الصيف المجيء لركوب الخيل وستاينِر يرد قائلاً، "وما عيب خيولنا؟" إلى أن قالت چين، "تَعلم ولا شك أن العجوز الأعزب الوحيد المسكين مشغوف بالبنتين." لِم ذهب چيمز إذن؟ كاد ستاينِر يصرخ بالهاتف، هاتف لم يحْجم عن الرنين.

قاد إلى المستشفى بسرعة قد لا تتعافى منها الشاحنة محاولاً ألا يتخيل ما ألَمَّ بچيمز من إصابات. كان قد أحضر صندوق الجعة في أحد مشاويره إلى البلدة -- محَدثاً نفسه أنها لجاره كي يستمتع بها في الحر -- ولكنه فتَح لنفسه علبة عند عودته إلى البيت والسخط ينال منه بسبب جرار لعين كلَّفه بالفعل ما يكفي من مال، غض بعدئذ الطرف ليلقى چيمز شاخصاً إليه بنظرة حزن، على استعداد للصفح عنه. ثم تذكر أنه قال لچيمز أثناء الرحلة إلى المزرعة إنه لن يحتسي الخمر هذا الصيف، ولا حتى الجعة -- فقد جعلت الخمر تصرفاته غير متوقعة مؤخراً. ما زايلت صورة چيمز المتفرس فيه -- وجمال چين يتخلل ملامحه -- ذهن ستاينِر طيلة كذا وعشرين ميلاً إلى المستشفى بينما لم يمسك عن قول، "أرجوك، أرجوك،" أي، ليت وجهه لا يتشوه.

سبَق سيارة الإسعاف. كانت ممرضة مكتب الطوارئ ترتدي ساعة توقيت برتقالية اللون تتدلى من حبل حول عنقها. لاحت الممرضة بؤرة ضخمة تُميز عالَماً لا يزال مستقراً. قالت إن سيارة الإسعاف اتصلت بها، ومن مكان ما أسفل الطاولة ارتفعت بينهما طقطقة راديو، ولفظ صوت مُكبَّر بكلمات لم يستطع ستاينِر التقاطها. وقبل أن يتمكن من سؤال الممرضة عن أي شيء، أخذت ميكروفوناً من تحت الطاولة لتسأل، "كيف حاله؟" نفَذت موجة من التشوش عبر ستاينِر شأنها شأن شكل آخر من أشكال الذعر، ومرة ثانية عجَز عن فهم كلمة واحدة.

تفحصته الممرضة بشفتين ثابتتين مقَيِّمة حاله ثم أنهت إليه، "قالوا إن جسمه خال من الكدمات" -- وكأنها وقَفت على ما احتاج إلى سماعه -- "ولكنه مغمى عليه."

 

مد ستاينِر بصره الآن إلى چيمز وهو ينعطف إلى مخزن القمح القريب من الممر وچين تجاريه، أمسكت إحدى الابنتين بيد چيمز وقبَضت الأخرى على تنورة أمها. استقر الجرار أمامه على عشب لم يجزه أحد بعد. انصرف طرفا ستاينِر إلى وهج أشبه بوهج كاميرات الصحافة القديمة -- عكَست المرآة في مؤخرة السيارة الشمس على عينيه. اتكأ على السيارة غير قادر على منع مشاهد متعاقبة لم تبرح تعاوده: النقالة تميل من سيارة الإسعاف، وجه چيمز الضارب إلى الزرقة لِصْق الملاءات، چين تصرخ في السيارة ثم تجري في بنطال قطني من بناطيل ركوب الخيل، محاولات الفتاتين اللحاق بها ركضاً، وبعدها باب المستشفى الزجاجي يرتد منفتحاً ليرسل هسهسة. ترامت إليه هذه الأصوات ومعها قعقعة كل الخطوات دون أن يَسمع صوت أحد. تدحرجت عجلات النقالة مقتربة منه، فاستطاع أن يَسمع صوت چيمز، "آآآه، آآه،" وهو يتنهد تنهيدات سطحية. عانقت چين ستاينِر مرتطمة به ارتطاماً أخل بتوازنه وصاحت، "إنها غلطتي!"

رد ستاينِر "لا" قابضاً عليها بقوة ما بعدها قوة حتى إن أزرار سترتها المعدنية اقتحمت صدره. توقفت النقالة وكأن ممرضي الإسعاف في حاجة إلى أمر. التفت ستاينِر وإحدى يديه لا تزال حول چين، حاول أن يحدد موضع يد چيمز تحت البطانية فاكتشف أنه مربوط بشيء أشبه بحامل من البلاستيك الصلب. أمسكت بطانتان مقوستان منتفختان جانبيّ فكه بإحكام، وتثبتت على جبهته وبالقرب من رقبته حُزُم بأبازيم.

نبس ستاينِر، "أنا بابا، أنا هنا،" فظن أنه سمِع أنفاس چيمز تنقطع. حدَّث نفسه، يا ربي. أرخى جفنيه ووعى أن كل "آه" نابعة من چيمز محاولَة للصراخ ألماً. أحس أن لو باستطاعته دخول چيمز وتحمل هذه اللحظة بدلاً منه، سوف ينهض الصبي من النقالة ويسير على قدمين. جاء بينهم الطبيب -- فرنسي-فيتنامي يتولى مزرعة محلية تربي أفراساً سريعة. بدا كالخيَّال في تيشيرت أحمر مقطوع وهو يوجه سؤاله إلى أحد ممرضي الإسعاف، "تظنها إصابة في العمود الفقري؟"

سارع بفك إبزيم بجانب رقبة چيمز ليعاونه على التنفس بحرية أكبر. أجابه الممرض، "من باب الاحتياط."

"هناك" أعلن الطبيب ممسكاً بمقدمة النقالة وجذبها بنفسه إلى غرفة جانبية -- كالراغب في التخلص من الممرضين -- ثم إلى طاولة فحص. نبس، "بابا وماما هنا." وعندما حاول ممرض بلحية غزيرة أن يسد طريق الباب، صاح به، "لا! أريدهما هنا ليساعدا، ليجاوبا على الأسئلة! ما اسمه؟"

"چيمز."

"چيمز! هل تسمعني؟"

رقَد چيمز هامداً، بلا تعبير، عاجي اللون، وأسفل مصابيح تعلو رؤوسهم أبصر ستاينِر الصبي يشد شفتيه بما يعكس ألماً باطنياً. عاونت الممرضة الطبيب، زلَّقا چيمز واللوح على طاولة الفحص. جس الطبيب رقبته وجمجمته ثم أخذ من الممرضة مشعلاً وفحص عينيّ چيمز ساحباً جفنيه عالياً بإبهامه. وبأداة حك أخمصيّ قدميه ودق ركبتيّ چيمز ومرفقيه ثم سحب الأداة إلى عظم الصدر قائلاً، "احضري أشعة سينية علوية بسرعة."

ومخاطباً ستاينِر قال وهو يفتح بالفعل كيساً ممزِقاً إياه، "سوف أزوده ببعض الأكسجين من خلال أنبوب في أنفه،" وقَعت من الكيس لفة من البلاستيك الضارب إلى الزرقة على رجليّ الصبي، رجلين عاريتين ممتقعتين تتلطخان بالوحل. كاد ستاينِر يصيح، لِم ارتدى بنطالاً قصيراً لامتطاء حصان؟ شعر بيد على ظهره. وقَف بيلي ألان بقبعة على صدره وذقن يرتعد قائلاً، "كان لا بد أن أكون هناك لأساعده. اِتصل بشركة تأميني. ارفع عليّ قضية." تراءى الكهل على وشك البكاء، قاده أحد ممرضي الإسعاف إلى الردهة.

أعلن الطبيب، "ذلك كل ما أستطيع فعله." أتصور أن هناك إصابة في الرأس، ولكني لا أجد إشارة إليها. إنه لا يتخذ أية وضعية ولا يُظهر علامات على تلف شامل، ولكنه في غيبوبة، كما تريان. سوف أجري أشعة سينية عاجلة." اشتغل فوقهم جهاز مرسلاً طقطقة ثم راح يطن، ألقى الطبيب إليه لمحة وهز كتفيه. "سوف أرسله إلى مستشفى المدينة. ستحتاج إلى كل اهتمام يمْكنه..."

انقض ستاينِر على چيمز القابض على جانب الطاولة ليجذب نفْسه، أوشك أن يَسقط حين وصل إليه ستاينِر، وفي نوبة تشنج جذب ركبتيه قرب صدره وتقيأ سائلاً كالماء ثم تأوه وتقيأ ملء ملعقة من سائل أسود التقطته الممرضة في سلطانية من فولاذ غير قابل للصدأ.

سأل الطبيب، "الوجبة الأخيرة؟"

همست چين بصوت أجش، "الغداء." رآها ستاينِر على الجانب الآخر تخفض رأسها ويدها في يد چيمز لتتفادى جهاز أشعة سينية كان أحد الفنيين يجريه في مسار علوي.

قال الطبيب، "يا نهاري. انظرا إليه وهو يفْرغ معدته -- استجابة جيدة. يجب أن نحافظ على رئته نظيفة. سأضع في معدته أنبوباً. وقسطرة أيضاً،" وجَّه كلامه إلى الممرضة. كان قد انتهى بالفعل من أحد رجليّ الشورت بمقص لامع ويقص الآن التيشيرت الوسخ.

"اختبريه،" أمر الممرضة وهو يومئ إلى السلطانية. "قد تخالطه دماء. علها إصابات داخلية،" همس إلى ستاينِر. "سأصارحك بالحقيقة. إنه كما ترى لا يستجيب بأية طريقة طبيعية. ياه -- ارتطم به حافر." استقر حرف مقوَّس من الجلد الممزَّق تحت التيشيرت الوسخ بينما انبعج القوس العلوي لضلوع چيمز إلى الداخل. "الضلوع،" وجَّه الطبيب كلمته إلى الفني. "الصبي المسكين." ثم لستاينِر، "سنجهزه لسيارة الإسعاف."

اقترح ستاينِر، "فلنتصل بهليكوبتر،" ارتقت أعين الجميع وكأن الصرخة التي كبحها قد انبثقت. كان قد سمِع أنهم يستخدمون المروحيات في هذا الريف قليل السكان لنقل المصابين إلى مستشفيات المدينة. لطمته هذه الفكرة من حيث لا يدري: ضحية حادث في حالة حرجة.

رد الطبيب، "سيارة الإسعاف في مثل سرعتها، مؤكَد. والرحلة في مثل سلاستها تقريباً. لا أريده أن يرتج كثيراً إلى أن نُجري أشعة مقطعية. عموده الفقري بخير، على ما أظن. سوف أهيئه وأضمن لكما أن يصل إلى المستشفى بخير."

حل صمت. وبينما كان ستاينِر ينتظر المزيد من الطمأنة، تطلع إلى چين على الجانب الآخر ليجد رأسها محنياً على يد چيمز وقد أمسكتها لِصْق شفتيها. بكت، "چيمز! أعرف أنك تسمعني!" تلوى الصبي؛ اخترق أنبوبان منخريه وآخر فمه -- تثبتت سريعاً بشريط لاصق في وجه ألمَّ به السبات -- وقد بدا هذا التلوي مقاومةً لقسطرة كانت الممرضة تحاول إدخالها؛ لوَّح بيده أمامها.

"حسناً!" نبس الطبيب ثم أخذ الأنبوب من الممرضة ليحاول بنفسه والعَرق يسيل أسفل نظارته إلى أن همس بصوت أشبه بالبكاء، "القسطرة صعبة جداً مع الصِبية الصغار." ثم أردف، "كل ما هنالك أننا يجب أن نصل إلى وظائفه الفسيولوجية. ياه، يا ولد يا صغير. دقات قلبه منتظمة، جيد." أرسلت صورة سلبية سوداء ورمادية صوتاً شبيهاً بصوت حافر الحصان عندما ثبَّتها الطبيب في إطار مضاء بلون أبيض. أعلمهما الطبيب، "ياه، أربعة ضلوع على الأقل في هذه الأشعة السينية الأولى إلا أني لا أرى ثقباً في الرئة. أستطيع أن أؤكد أنهم سوف ينقلونه إلى هناك بدون تغيير."

جاهرت چين، "سوف أَركب سيارة الإسعاف!"

تبادل الجميع النظرات ثم أجاب الطبيب، "آسف، لديهم قواعد. السائق هنا؟"

"أنا." شابٌ عند الباب بقبعة بيسبول.

"اتبعه،" قال الطبيب لستاينِر وهو يدس البطانية حول جسم چيمز. ولممرضة في سن الكهولة كانت تتطلع إلى الغرفة من الردهة قال، "اركبي معه واحرصي على تدفئته. وأنت،" قال لسائق الإسعاف، "اِلْزَم البطء، بالراحة على المطبات، لا تُسْرع -- خذ حذرك."

أحس ستاينِر بأنها أطول رحلة تحملها على الإطلاق وهو يتتبع مؤخرة الإسعاف مفترقاً عن چيمز. ولكنه سمِع في أثنائها القصة من چين. حكَت چين أن بيلي ألان كان مشغولاً بنقل أنابيب الري، لذا وضع السروج على الأحصنة وعاد إلى عمله. وحين فرَغوا وراحوا يرفعون السروج، هاج الحصان أباتشي، ركوبة چيمز. حصَل كل هذا بسرعة متناهية حتى إنها وجدت بالكاد الفرصة لإبعاد الفتاتين عن الطريق أثناء هجوم أباتشي. كانت متأكدة أن چيمز في أمان لأنه كان يقف إلى الوراء. ما لبث أن دار الحصان وسرجه يتدلى جانباً ثم أتاها صوت وكأن شيئاً يرتطم بعمود، انعطفت حول ركن كانت تحتمي به لتجد چيمز -- البعيد عن أباتشي -- واقعاً على الأرض.

"علِمتُ على الفور أنه أصيب إصابة خطيرة. ركض الحصان إلى السور رافساً السرج، والأسوأ، أعني الآن، أن چيمز كان على ظهره يحاول دفع نفسه ليَنهض. إنه قوي إلى هذه الدرجة. رفَع رأسه وحاول أن يفتح عينيه ثم انهار مرة أخرى فأمسكتُ برأسه. لَم أظنه سيتنفس، انتظرتُ طويلاً، لا أعلم المدة، دلكتُه وطلبتُ منه أن يتنفس -- شعرتُ أنني ينبغي أن أسند رأسه -- وأخيراً لهث."

 

رأى ستاينِر چيمز يسير مجتازاً الجرار برفقة أمه قاصداً المرعى عند طرف الفناء. تقدمت التوأم على عشب طويل أشعث لم يجزه أحد منذ أسابيع فبلَغ أوراكهما، اتجهتا إلى مرأب قام منعزلاً في أحد أركان المزرعة المكَّونة من أكْرين، تراءت قمة سطحه محاكاة لتلال منحدرة أشبه بخيام الهنود الحمر تعلو فوقه. عم الضباب في حرارة نهاية الصيف حتى إن التلال لاحت وكأنما تجيش في الأفق جيشان السراب. ثم فطن ستاينِر إلى مقصد چيمز. عند نهاية المرأب، وعلى الجانب الآخر من سور المرعى الخفي عن موقع ستاينِر البعيد، أقبلت ثلاثة من أفراسهم السريعة -- فرس كستنائي مهيب المنظر في حجم أحصنة سلاح الفرسان وفرس بلون جلد الغزال تراءت في بحث دائم لا يَسلم من العصبية عن مُهْر يلكزها من الخلف. جاءت متمهلة، كلها غاية في الانتباه، برؤوس وآذان مرتفعة. أطلق الفرس الكستنائي أنيناً يدل على أنه ميَّز الأسرة التي كان يَعرفها.

توَجه چيمز نحوه.

طرأ في خاطر ستاينِر، إنه يتذكر. تراجع شعره مع الريح وهو يتخذ مجلسه على مقعد اعتاد چيمز الجلوس عليه. تخيل ستاينِر بندقية عيار 30-30 يأخذها ويمضي بها إلى منزل ألان ليردي الأباتشي المتوحش. جال في باله أنه لا يزال قد يفعلها بمجرد أن... في الليلة الثانية بالمستشفى وهو ساهر داخل العناية المركزة وچين نائمة، نمَت إليه دقات جهاز الرصد المتصل بقلب چيمز وهي تبطئ، وعندما تفحص أرقاماً رقمية تنطبع كل نصف دقيقة، وجدها تعلن ستاً وأربعين. انطلق عند الأربعين صفير إنذار فارتقت عينا ممرضة مناوبة تَجلس إلى مكتب خلف الزجاج. كان عنبراً فسيحاً بيد أنه لم يضم إلا فراش چيمز. ألقت الممرضة نظرة إلى جهاز رصد يستقر على مكتبها ثم هزت رأسها كمن تصفيه من أي تشوش. كانت في عمر ستاينِر، مسؤولة عن الإشراف على الممرضات المتدربات إلى جانب مهام وحدة العناية المركزة، وقد أدرك ستاينِر من خلال رد فعلها أن إجهاداً يَنزل بها من فرط العمل.

مرَقت من الباب إلى العنبر المضاء إضاءة خافتة بأنوار مثبَّتة في إزار الحائط. قامت على الجانب الآخر من سرير چيمز لتهمس قائلة، "هل صبينا متعَب؟" وبحاسة سادسة كان ستاينِر يطورها اكتشف أن اهتمامها بچيمز تخطى الحدود الطبية؛ لقد انهمكت في حالته انهماكاً شخصياً. كانت ترتدي بنطالاً وكنزة برقبة -- أصابت ستاينِر بلبلة بسبب ثياب غير رسمية ارتداها العاملون في قسم طب الأطفال؛ لم يرتدِ أحد ملابس بيضاء -- وسعه أن يراها واقفة هكذا برفقة زوجها وأنوار الإزار تُسلط ظلالها على سقف فوق سرير ابن. سألها همساً وهو يتخيل چيمز سامعاً كل كلمة، "هل دقات قلبه بطيئة للغاية؟"

"آه، إنه طفل،" أجابته وقد استعادت انتباهها من حالة انسلت إليها. "مِن المدهش كيف تنخفض كل هذا الانخفاض في الأطفال. هل اعتاد الجري كثيراً؟"

"أجل."

"لو كان أنا أو أنت، لقلقتُ."

ولكنها عندما عادت إلى المكتب، وجدها تستدير لتجري مكالمة تليفونية. أعلن البيان الرقمي التالي خمساً وثلاثيناً. وعند الثلاثين رآها ستاينِر تتجه إلى ثلاجة وتعد محقنة، ثم اضطر أن يطرف عينيه بسبب أضواء أنارتها فجأة فوق رأسه. دلفت إلى الغرفة وخفَضت بصرها إلى چيمز ويداها على وركيها، محايدة شبه غاضبة، ممرضة مرة أخرى، ثم حثت خطى واسعة راجعة إلى موقعها.

وضع ستاينِر يداً على الجانب البعيد من چيمز ومال عليه نابساً، "چيمز،" ثم عجَز عن قول المزيد. بدون أية علامة على إصابة تراءى چيمز أجمل من أي وقت مضى، ولم يسع ستاينِر إلا أن يطرق إليه بعينين محَدقتين لكي يستوعب كل ملمح وبوصة من بشرته خشية ألا يراه أبداً حياً مرة أخرى. أحس أن بمقدوره النفاذ إلى چيمز، إلى مكان انسحب إليه وارتاحت نفسه الحقيقية، متوارية، أحس أنه يجب أن ينادي عليه هناك. ثم بدت له الفكرة جريئة جرأة لا تخلو من وقاحة أو مبالَغة حمقاء، وكأن في استطاعته استدعاء چيمز! شعر بشفتيه مسدودتين. ولكن لو أنه -- أبا الصبي-- لن يبذل هذا الجهد، مَن سيبذله؟ "چيمز،" لفظ بنبرة تنم عن حزم، حزم أشد مما نوى، وبوثبة تسارع من جديد معدل قلب الصبي في جهاز الرصد.

لم يكن سلوك طبيب الأمراض العصبية يدل على موقف واضح على حين بدا أحد جراحي المخ والأعصاب مفعماً بالأمل والعديد من المعالجين الطبيعيين مفعمين بالأمل، ولكن طبيب الأطفال المشْرف على حالة چيمز اتصف بالتشاؤم ومال إلى تقطيب جبينه، وعندما لم يستعد چيمز كامل وعيه من الغيبوبة بعد ثماني وأربعين ساعة، ثم اثنتين وسبعين ساعة، وبعدها أربعة أيام، عمُق تقطيبه. كان يلوي شارباً أشبه بفرشاة الأسنان وهو يزم شفتيه ويضغطهما عندما طلب من ستاينِر وچين أن "يتقدما" معه بعيداً عن سرير چيمز حيث كانا يتشاركان مناوَبة. أجلسهما في ردهة وقال إنهم يجب عليهم جميعاً مواجهة الأسوأ بما أنهم لم يروا أي علامة مما يبحثون عنه على چيمز: قد لا يستعيد چيمز الوعي، ولو استعاده، سيضطر إلى مكابدة علاج شامل كلية لاسترجاع وظائفه الأساسية فقط، وظائف لم تتضمن -- التوى شاربه -- التخاطب الصوتي.

حاولا إقناعه بأنهما شهِدا تغييراً، وأن عينيّ چيمز تنفتحان مرات أكثر، وأنه يبدو مستجيباً لاسمه، وأن رئيسة الممرضات قالت إنها متأكدة من متابعته إياها وهي تقرأ كتاباً للأطفال أمسكته أمامه. طرَحت چين نظرية كانت قد ذكَرتها لستاينِر -- ينزع چيمز إلى الكمال كل الكمال حتى إنه لا يود التحدث حتى يقوى على التحدث كما اعتاد. لا، أصر الطبيب، لا ينبغي أن يتعلقا بالأمل، لذا هم مجتمعون في هذه "الجلسة الاستشارية."

وهكذا نهض ستاينِر آخذاً يد چين ليسير معها نحو غرفة كانت رئيسة الممرضات تسمح لهما باستخدامها وقت القيلولة، وفي ألفة حميمة صرفة أراد أن ينالها في الحال، ولكنه علِم أنهما يجب أن يصنعا شيئاً كأبوين. فاهت چين، "أريد أن أحضنه."

مضيا إلى الردهة بيدين متشابكتين وأسرعا إلى سرير الصبي مثلهما مثل طفلين يَهربان من طبيب الأطفال. عاون ستاينِر چين على سحب چيمز من الفراش محركاً الأنابيب وحامل محقنة الوريد إلى كرسي هزاز معها. سقَط رأس چيمز إلى الوراء وتباعدت شفتاه وانفتحت عيناه، حملق إليها بنظرة نائية كان ستاينِر قد أبصرها على وجهه حين استقر طفلاً رضيعاً على ثنية ذراعها. قاوم چيمز بعدها إلى أن رفَع جسمه وطوق عنق أمه بذراعيه.

وفي الصباح التالي عندما كان طبيب الأطفال يَقوم باختباراته اليومية ويدعوه قائلاً، "اضغط إصبعي يا چيمز!" سدد إلى ستاينِر وچين عينين واسعتين قائلاً، "قبضة قوية!" وفي ساعة متأخرة من ذلك اليوم فتَح چيمز فمه ليتكلم فلاحت عليه أمارات الارتباك، حاول من جديد محركاً شفتيه، وفي النهاية نال منه الاستسلام. ولكن تقدمه كان سريعاً منذ تلك اللحظة. إذ انتقل في اليوم التالي من العناية المركزة وخضع لبرنامج العلاج. أعلنت چين بعد ذاك أن الوقت قد حان للرجوع إلى البيت. بل إن طبيب الأطفال -- الأقل تشاؤماً بحلول ذلك الوقت -- صرح بأن ما قامت به چين من أجل چيمز يفوق ما قام به معظم -- تذبذب شاربه -- "محترفي الرعاية."

والآن، بعيداً عن تلك المنشأة، وأسفل هذه السماء المترامية، فطن ستاينِر إلى أن جزءاً منه لم يخالجه الشك قط في تعافي چيمز مع أنه ربما ظن الأسوأ أحياناً، ولم يدرِ دائماً كيف يتعامل مع ما يَحدث مما ساعد عقله على البقاء سليماً بما يكفي ليظل بجوار الصبي. تراءى تعافي چيمز وكأنه عملية باطنية، تكاد تنفصل عنه وعن چين، وقد انجرفا معها عابرين صامتين حتى جاءت بهما إلى البيت.

وهكذا جذب ستاينِر نفسه من المقعد ومشى حول السيارة ليشاهد چيمز وچين وابنتيه عند السور. قوست الأحصنة رقابها إليهم فيما مال چيمز إلى الأمام من الحزام ويسراه عالية تلاطف أنف الفرس الكستنائي ثم الفرس الجفولة الملوَّنة بلون الغزلان التي نفَرت من لمسته ثم تأكدت من سلامة مُهْرها وتقدمت لتحني رأسها ناحيته. تحركت يده على رأسها وخطمها، دون ثبات في البداية، ثم اتخذ وقفة متوددة كان يفضلها. ألقى ستاينِر لمحة على الابن الذي أجاد دوماً الصفح، وخطَر على باله كلمة كفاية. طالما تساءل كيف يقوى آباء المصابين أو ناقصي النمو من الأطفال على الاحتمال. تولته الشفقة على صبرهم وهدوئهم غير أنه أدرك الآن؛ يكفيهم أن يبقى الطفل معهم، حياً.

أحس چيمز بعينيّ ستاينِر مسلطتين عليه فاستدار حاملاً چين على الدوران وهي تتمسك بحزامه. سرعان ما تحولت عنهم الأفراس هابطة التل في اتجاه المرعى. صاح ستاينِر في قرارة نفسه، ارجعي. أمكنه أن يشعر من موقعه بضربات الحوافر وتصور هجوم الأباتشي الثقيل صوب چيمز. أطارت هَبة ريح شعره وأبصر شعور چيمز وچين والتوأم ترتفع أيضاً في الهواء، علا شعرا البنتين فوق رأسيهما. وفي خلال ما تلا من أيام وشهور، حين طفق چيمز يتكلم ويمضي جرياً إلى هنا وهناك، لم ينفك الإحساس بتلك اللحظة يعاود ستاينِر. جميعهم معلَّقون لحظةً مقابل الأفق، صامتون وسط الرياح.

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.