مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

albawtaka@albawtaka.com                تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

 

البوتقة ... سفير القصة الأمريكية المعاصرة
هالة صلاح الدين

جريدة عمان العمانية, ملحق شرفات, شهادة, 8 يوليو 2009

 

لم يكن حث القراء على مطالعة القصة القصيرة الأمريكية باليسير في البداية، فهو جنس أدبي يراه الكثيرون في سبيله إلى التهميش، ودليل ذلك أن مبيعاته في أمريكا الشمالية لا تحقق ما تحققه الرواية, وعليه يتفنن القصاصون الأمريكيون في ابتداع أساليب فنية جديدة، والبحث عن تكنيكات ومناهج مختلفة في طرح النص. ثمة هوس قائم بالأسلوب وكيفية تقديم الحبكة مما يجعل نقل تلك القصص إلى العربية مهمة عسيرة بالفعل قد لا يستسيغها القاري العربي, ولا سيما إن اقترنت بعنصر الفانتازيا أو بأجواء لا يعهدها القارئ العربي كالأجواء اليهودية التي تشيع في مجلة البوتقة وفي القصة الأمريكية الجيدة بوجه عام. غير أني لم أنكص عن مواجهة التجربة، لأنني وجدت أن حركة الترجمة في الوطن العربي تتجاهل عن قصد أو عن غفلة التعامل مع الأدب الأمريكي الحديث. وإن لم أساهم في تقديم تلك النصوص والمواهب إلى القراء, لن يفعل أحد. وسيظلون تحت رحمة نوبل!

تجاوزت مجلة البوتقة مشاكل الرقيب. فلم أمتنع أبداً عن نشر قصة لمجرد أن يد الرقيب كانت لتتدخل فيها، أو ضدها. البوتقة مجلة ليبرالية, لا تستهدف عرقاً أو جنساً أو ديناً. تضم بعض النصوص عبارات بذيئة لن يرحمها مقص الرقيب قط مثل قصة دان شون "خمس غرائز أساسية" وقصة آرثر ميلر "الحضور" على حين تتناول بعض النصوص قضايا شائكة كالمثلية، وبعض النصوص يدور في أجواء يهودية.
يتراءى لي أيضاً أن البوتقة ضمت أنواعاً أدبية لا يلم بحدودها القارئ العربي تمام الإلمام كالرعب والفانتازيا وعلم النفس والخيال العلمي. كما تجاوزت المجلة حاجزي الشهرة والسن, إذ أحرص في البوتقة على نشر أعمال لم تظهر بعد باللغة العربية, بل والتعامل مع مؤلفين لا تعرفهم العربية قط. فأغلب مساهمي المجلة شبان لم يتعدوا الأربعين, ولم تتناه سِيرهم إلى آذان القارئ العربي من قبل. فبالإضافة إلى الراحل بول بولز والمعاصر كازو إيشيجورو, لم يصدر من قبل أي عمل – ورقياً أو إلكترونياً – لمبدعي مجلة البوتقة. وتظل الحقيقة هي أن كل القصص في البوتقة – عدا 3 قصص على حد علمي – لم تترجم إلى اللغات الأوروبية أو الآسيوية بعد, القارئ العربي له الصدارة إذن.

لقد طالعتُ مئات القصص الأمريكية المعاصرة كي أخرج بقصص البوتقة وقد ألفيت أن قصاصي اليوم ينساقون بعيداً عن النموذج الكلاسيكي للقصة الحديثة. فقد اعتاد القارئ العربي مطالعة القصة القصيرة المترجمة التي لا يتجاوز عدد كلماتها 2000 كلمة لكنه فوجئ ـ كما فوجئت أنا في الحقيقة ـ أن الأمريكيين يبدون أكثر ميلاً إلى القصة غير المتماسكة عضوياً عن قصة التكشف المفاجئ, لذا فقصصهم تتجه أحياناً إلى النموذج المبكر للحكاية. والقصص التي تحاك على هذا النموذج تنزع إلى أن تكون طويلة وتبتعد فيها نقطة البداية عن حل العقدة وكذلك تتضح مشكلتها الأساسية كل الوضوح.
أطالع القصص كقارئة عادية، أتنقل من قصة إلى أخرى، لكي أقع على المتعة أو الإثارة أو الحقيقة فيها, ورغم أني انتقيت الواحدة بعد الأخرى بلا أي تفكير في تأثيرها الكلي أو علاقة الواحدة بالأخريات, فقد تبلورتْ لتغدو مجموعة تعكس التركيبة المتطورة للمجتمع الأدبي الأمريكي. القصة القصيرة الأمريكية عالم مفتوح الجنبات. قدمت البوتقة للقارئ العربي ما يربو على أربعين اسماً من الأسماء اللامعة في المشهد الثقافي الأمريكي, لا تعبيراً عن تلك القارة وحدها, بل تعبيراً عن الياباني والهندي والصيني والبوسني وهؤلاء القادمين من هاييتي وهاواي وأيرلندا وإنجلترا لتسلط أعمالهم الضوء على أوطان خلفوها بحثاً عن حياة أفضل. بل إن إحدى المؤلِفات ألا وهي مارلين كريسل, هي الأمريكية الشقراء كتبت واحدة من أجمل القصص عن معاناة امرأة وأم في الحرب الأهلية بسريلانكا. كذلك حاكت إديث بيرلمان قصتها "الألوج" في إسرائيل. واختار جيس رو, هو الأمريكي, هونج كونج مكاناً للعديد من قصصه. بل إن المغرب كانت مسرحاً لقصة "حادث بعيد" بقلم بول بولز المفزع. وطبعاً لم أغفل إدماج كتابات إدوارد بي. جونز أو بيرسيفال إفيريت, الأمريكيين من أصل أفريقي أو أدب نسجه مبدعون انحدروا من الهنود الحمر, سكان أمريكا الأصليين, مثل شيرمان أليكسي ولويز إردريك. لم أتجنب كذلك البريطانيين كما قد يتوهم البعض, فقد تكرمت دوريس ليسينج بمنحى الحق في ترجمة قصتها "هجوم معتدل للجراد" ونشرها في عدد حديث من البوتقة. ما أقصده أن عالماً بأكمله يبزغ من جنبات تلك القصص, وليست أمريكا وحدها.

حتى هذه اللحظة أمول البوتقة من مالي الخاص بدون مليم من أحد, لذلك تنفرد المجلة بأنها مجلة مستقلة بحق! لا راع أو ممول يفرض عليها شروطه, ولا مؤسسة حكومية أو حتى أهلية تتدخل في انتقاء النصوص أو فرض أيدلوجية معينة. لا تجد معظم المواقع الثقافية العربية دعماً من المؤسسات الحكومية أو الأهلية وعليه تضطر إلى اللجوء إلى الإعلانات لتحقيق الأرباح. وهنا تتعثر في عقبتين: الأولى فرض الشركات المعلنة أو الرعاة لأجندة معينة على محتويات المواقع بل إن إحدى الشركات بلغت بها الجرأة أن منعت موقعاً ما من نشر مواد اعتبرتها مؤيدة لشركة أخرى منافسة. لحسن الحظ أني فطنت إلى مشاكل الإعلانات ورفضت كل العروض الإعلانية التي أتت إلى البوتقة, لستُ للبيع. على الجانب الآخر لا يزال القارئ عازفاً عن الاطلاع على المادة الثقافية عن طريق الإنترنت فتنشأ مشكلة قلة الزوار مما يتسبب في إفلاس تلك المواقع في الكثير من الأحيان. لذلك تنهار المواقع الثقافية بسرعة قياسية أو على أقل تقدير تتصدرها مواد مبتذلة لا تخدم المشهد الثقافي العربي في شيء. ومع ذلك أجاهد كيلا أطرح نصوصاً متماثلة بما أني العين الوحيدة التي تتسلط على النصوص, كي أقدم للقارئ العربي العالم من منظور مختلف غير منظوري الشخصي. أعترف أني قد أخفق أحياناً! فالعين هي نفس العين في النهاية.
 

تكرم أغلب المؤلفين الأمريكيين بمنحي حقوق نشر أعمالهم بدون مقابل, فهم يعلمون أن المجلة غير ربحية وغير مدعومة من أية جهة بل وتشرف عليها محررة واحدة وحيدة بل إن أشهرهم لم يناقش مسائل الماديات على الإطلاق مثل إدوارد بي. جونز والمخرج الكبير وودي ألان. وإن اضطررت إلى دفع مبالغ تعد بالنسبة لهم رمزية لأسباب مختلفة, مثلاً استاءت وكيلة لويز إردريك من نشر قصتيها بدون إذن. كما أن وكيلاً أدبياً بعينه, وهو ستيرلينج لورد, سمح لي بنشر قصتيّ آدم هاسليت بدون مقابل لكنه وجده من الملائم أن أدفع مقابل الحق في نشر قصة تيم جوترو! وفي سياق آخر لم أرغب في التخلي عن قصة "تحديث, تحديث" لبينجمين بيرسي لأنها شهادة مؤلمة عن حرب العراق. البادي أن المستقبل سوف يكون لأداء جميع الحقوق المادية لدور النشر.

عمل البوتقة يستغرق طوال ساعات يقظتي, لا أحصل على إجازات ولا أعترف بها. يتوزع يومي كالإنسان الآلي ما بين الترجمة الفعلية التي تنتهي عند السادسة أو السابعة عندما تنشل قدرتي على التفكير وحل المعضلات ومطالعة القصص الأمريكية أو الاطلاع على مقالات نقدية بالإنجليزية قد تفضي بي إلى أعمال جديدة أو تجميع سير المؤلفين أو متابعة حالة الموقع التكنولوجية أو مخاطبة دور النشر الأجنبية أو الرد على رسائل القراء أو تعلم المزيد من لغات تصميم المواقع كلغتيّ html وphp، عدا هذا، ومنذ خمسة أعوام، لا هم لي سوى القصة القصيرة المترجمة والبوتقة.

ثمة دراسة حديثة استعانت بها جريدة ذا نيويورك تايمز تنهي إلينا بأن الصحافة الورقية سوف تندثر في العالم بحلول عام 2122. أنا شخصياً لن أندم كثيراً على انهيارها, فبعد مرور قرون من اختراع المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر على يد الألماني جوتنبرج, آن الأوان للتغيير. إيماني عميق بالوسائل التكنولوجية البديلة, وأعتقد جادة أن طبع تلك الكميات المهولة من الورق يومياً من قِبل البشر يهدد ثروة الأشجار في العالم أجمع. أخال الاعتماد على أجهزة الكمبيوتر أفضل بيئياً وأربح اقتصادياً لطبيعتها المعمرة وإن تظل مشكلة التخلص من نفاياتها قائمة في الدول النامية. إنما البادي أن الكثيرين من الأجيال القديمة لا يتفقون معي في هذا الرأي.
ورغم ذلك سوف تصدر مختارات من قصص البوتقة قريباً في صورة ورقية! ثمة مشروع تكرم بطرحه الدكتور جابر عصفور مدير المركز القومي للترجمة في القاهرة والدكتورة فاطمة البودي رئيسة مجلس إدارة دار العين للنشر يقضي بطباعة كتب تحوي قصص البوتقة. وقد رحبت بالطبع باقتراح الجهتين, وأنا بصدد إكمال اللمسات الأخيرة من المشروع ليظهر الجزء الأول من البوتقة في خلال شهرين.
كنت عازفة لفترة طويلة عن اتخاذ مثل هذه الخطوة لكنني أعلم أني قد أضعت الكثير من الفرص لإيصال البوتقة إلى جمهور القراء, وكان من الواجب أن أفتح لها نافذة جديدة وبخاصة أمام من لا يتعاملون مع الإنترنت من أجل الاطلاع على فن جميل لا ينفك يتطور يدعى القصة القصيرة.

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.