الإعلامية الليبية فاطمة غندور الكاتبة الأمريكية سينثيا أوزيك

     

مشروع الكتاب المسموع: هذا ليس أدباً للفتيات فقط: قصص بأقلام نساء عاديات في اضطراب وما بعده

بدعم من الصندوق الدولي لتعزيز الثقافة - اليونسكو & المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة

Project 'This is Not Chick Lit: Stories by Ordinary Women in and Beyond Turmoil'

Supported by The International Fund for the Promotion of Culture & The British Council in Cairo

This project is dedicated to the name of the late Doris Lessing    هذا المشروع مُهْدى إلى روح الكاتبة البريطانية دوريس ليسينج

Albawtaka Review and its editor, Hala Salah Eldin, are responsible for the choice and the presentation of the facts and opinions in this website, which are not necessarily those of the International Fund for the Promotion of Culture and do not commit the Organization.

مجلة البوتقة ومحررتها، هالة صلاح الدين، مسؤولتان عن اختيار الحقائق والآراء الواردة في هذا الموقع وتقديمها، وهي ليست بالضرورة آراء اليونسكو ولا تلزم المنظمة.

مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني اليونسكو

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

كتاب تماس مع القدر

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الرابع والأربعون، أكتوبر 2014       Forty-fourth issue, October 2014

 

 

 

 

تكرمت سينثيا أوزيك بالموافقة على نشر قصة "الشال" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Ozick was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Shawl" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Ozick a great debt of gratitude for her kind permission.

"The Shawl" Copyright © 1980 by Cynthia Ozick. First published in The New Yorker. From The Shawl (Vintage, 1990). Reprinted with kind permission by Melanie Jackson Agency, LLC.

Special thanks go to Ms. Katherine J. Chen from Melanie Jackson Agency.

 

 

 

 

الشال

سينثيا أوزيك

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: Oct.-01-2014

 

 

 

 

الشال

 

 

 

 

ستيلا باردة، باردة، برودة الجحيم. كيف سارتا معاً في الطرق، روزا مع ماجدة المقوَّسة بين ثديين متقرحين، ماجدة متدثرة بالشال. أحياناً ما حملت ستيلا ماجدة. ولكن الغيرة ألمت بها من ماجدة. هي الفتاة الرفيعة ذات الرابعة عشر عاماً، متناهية الصغر، بثدييها النحيلين، أرادت ستيلا أن تتدثر بشال، تختبئ، تنام، تهدهدها المسيرة، طفلة، رضيعة مُدَوَّرة بين ذراعين. تناولت ماجدة حلمة روزا، ولم تكف روزا عن السير قط، مهد سائر. ما وجدت لبناً كافياً؛ رضعت ماجدة أحياناً الهواء ثم أرسلت الصراخ. استبد الجوع بستيلا. تبدت ركبتاها كورمين على عصوين ومرفقاها كعظمتيّ دجاجة.

لم تشعر روزا بالجوع؛ شعرت بالخفة، لا شأن شخص يمشي، وإنما شأن شخص في حالة إغماء، في غَشْية، تكبحه نوبة، شخص هو بالفعل ملاك طافٍ، منتبه الحواس يبصر كل شيء، ولكنه في الهواء، لا وجود له هناك، لا يمس الطريق. كمن تترنح على أطراف أظافرها. رنت إلى محيا ماجدة من خلال فُرْجَة في الشال: سنجاب في عشه، آمنة، لا أحد بوسعه الوصول إليها داخل منزل صغير من لفائف الشال. الوجه، مستدير غاية الاستدارة، وجه شبيه بمرآة جيب: ولكنها لم تكن بشرة روزا القاتمة، مظلمة إظلام الكوليرا، كانت نوعاً آخر تماماً من الوجوه، عينان في زرقة الهواء، شَعْر في نعومة الريش يكاد يَظهر في صفرة النجمة المخيطة بمعطف روزا. قد تحسبها واحدة من رُضَّعها.

حلمت روزا وهي تطفو بأنها تمنح ماجدة لإحداهن في قرية من القرى. بوسعها أن تترك الطابور لحظات كي تدفع ماجدة بين يديّ أية امرأة على جانب الطريق. ولكنها إن حادت عن الطابور، قد يطْلقون عليها النار. وحتى لو فرَّت من الطابور لمدة نصف ثانية ودفعت صرة الشال نحو إحدى الغريبات، هل ستأخذها المرأة؟ قد يدب فيها الاندهاش أو الفزع؛ قد تُسقط الشال فتقع ماجدة منه، قد تَخْبِط رأسها وتموت. الرأس المستدير الصغير. يا لها من طفلة طيبة، أحجمت عن الصراخ ورضعت الآن غير طالبة إلا طعم الحلمة الجافة نفسها. قبضة محكَمة من لثتين صغيرتين. طَرَفٌ كما السُوسَة من سن تَبرز من اللثة السفلى، يا لمعتها، شاهد قبر قَزْم من الرخام الأبيض يومض هناك. وبدون أن تنبس بالشكوى تخلت ماجدة عن حلمتيّ روزا، أولاً اليسرى ثم اليمنى؛ تشققت كلتاهما وعدِمتا رائحة اللبن. إن مجرى الصَدْع هامد، بركان خامل، عين عمياء، حفرة يقشعر لها البدن، وهكذا تناولت ماجدة بدلاً منهما طرف الشال وحلَبته. رضعت ورضعت غامرة الخيوط بالبلل. نكهة الشال الحلوة، لبن الكتان.

كان شالاً سحرياً، بإمكانه تغذية رضيعة لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال. لم تمت ماجدة، ظلت على قيد الحياة وإن شملها سكون أي سكون. ومن ثغرها ارتفعت رائحة مُمَيَّزة، رائحتا القرفة واللوز. أبقت عينيها مفتوحتين في كل لحظة ناسية كيف تطرف أو تُقيَّل، فتأملت روزا - وأحياناً ستيلا - زرقتهما. رفعتا في الطريق حِمْل الساق بعد الأخرى وتفحصتا وجه ماجدة. فاهت ستيلا بصوت بات في نحافة الخيط، "آرية"؛ فدار في بال روزا كيف حملقت ستيلا إلى ماجدة مثلها مثل آكلة شابة من آكلات لحوم البشر. وحين قالت ستيلا، "آرية"، بدا لأذنيّ روزا وكأن ستيلا قالت بحق، "فلنلتهمها."

ولكن ماجدة عاشت إلى أن سارت. عاشت كل تلك المدة غير أنها لم تسر كما ينبغي، يرجع جانبٌ من الأمر إلى أنها في شهرها الخامس عشر ليس إلا، وجانب إلى أن خشبتيّ رجليها لم تستطيعا دعم بطنها البدينة. كانت بدينة بالهواء، منتفخة ومدورة. أعطت روزا كل طعامها تقريبا لماجدة، ولم تعط ستيلا لها نُتفة؛ اشتد الجوع بستيلا، فهي نفْسُها طفلة تنمو، ولكن نموها لم يكن بالكثير. ما حاضت ستيلا. ما حاضت روزا. اشتد الجوع بروزا، ولكنه لم يشتد أيضاً بها؛ تعلمت من ماجدة كيف تشرب طعم إصبع في فمها. كُن في بقعة مجردة من الشفقة، انمحت كل الشفقة من نفس روزا، رنت إلى عظام ستيلا بلا شفقة. كانت متأكدة من أن ستيلا تنتظر موت ماجدة كي تتمكن من دس أسنانها في الفخذين الصغيرتين.

كانت روزا تعلم أن ماجدة على وشك الموت؛ كان من المفروض أن تكون ميتة بالفعل، ولكنها اندفنت بعيداً عميقاً داخل سحر الشال، أخطأ الناظر وظنها هناك كومة مرتجفة تشي بثدييّ روزا؛ تشبثت روزا بالشال وكأنما يستر جسمها ليس إلا. لم ينزعه أحد عنها. لاذت ماجدة بالصمت. لم يند عنها بكاء قط. وفي الثُكُنات أخفتها روزا أسفل الشال بيد أنها وعت أن شخصاً سوف يشي بها ذات يوم؛ أو أن شخصاً سيسرق ماجدة ذات يوم ليأكلها - بل إنه لن يكون ستيلا. عندما طفقت ماجدة تمشي، فطنت روزا إلى أن ماجدة لن تلبث أن تموت، سوف يقع شيء. استحوذ عليها الخوف من أن تنام؛ فنامت وثِقل فخذها على جسم ماجدة؛ ساورها الخوف من أن تخنق ماجدة أسفل فخذها. كان ثقل روزا يتضاءل ويتضاءل، كانت روزا وستيلا تتحولان ببطء إلى هواء.

نزل الصمت بماجدة إلا أن حيوية رهيبة داخلت عينيها مثلهما مثل نمرين زرقاوين. راقبت. وبين الفينة والأخرى بدرت منها ضحكة - بدت ضحكة، ولكن كيف تأتت لها؟ لم يقع طرف ماجدة أبداً على أي مخلوق يضحك. ومع ذلك ضحكت ماجدة في شالها حين أطارت الرياح أطرافه، رياح رديئة تتخللها قطع سوداء أسالت الدموع من عيون ستيلا وروزا. تحلت عينا ماجدة دوماً بالصفاء، ولم تَسفَحا الدمع. رصدت كما النمر. حمَت شالها. ليس بمقدور أحد أن يلمسه؛ فقط روزا تَقدر أن تلمسه. لم تسمح لستيلا. فقد كان الشال رضيع ماجدة الخاص، حيوانها الأليف، أختها الصغيرة. شبَكت نفْسها فيه ورضعت أحد أطرافه حين أرادت أن تَسكن عن الحركة تمام السكون.

وبعدئذ أخذت ستيلا الشال وتسببت في موت ماجدة.

قالت ستيلا بعد ذاك، "كنتُ أشعر بالبرودة."

وبعدها شعرت دائماً بالبرودة، دائماً. تسللت البرودة إلى قلبها: أدركت روزا أن قلب ستيلا بارد. تثاقلت ماجدة قُدُماً برجليها الصغيرتين الأشبه بقلميّ رصاص، خربشتا في كل اتجاه بحثاً عن الشال؛ ترنح القلمان عند مدخل الثُكُنات، وهناك بدأ الضوء. مدت إليها روزا عينيها وتبعتها. ولكن ماجدة كانت قد بلَغت بالفعل الميدان خارج الثُكُنات، أسفل الضوء البهيج: إنها ساحة ينادون فيها الأسماء. كانت روزا  تضطر كل صباح إلى إخفاء ماجدة تحت الشال قبالة أحد حوائط الثُكُنات ثم الخروج لتقف في الميدان مع ستيلا ومئات آخرين، لمدة ساعات أحياناً، ألمَّ الصمت بماجدة المنبوذة أسفل الشال وهي ترضع طرفه. حاق السكون بماجدة كل يوم، لذا لم تفارق الحياة. وعت روزا يومذاك أن ماجدة في سبيلها إلى الموت، وفي الوقت ذاته سرى في راحتيّ روزا ابتهاجٌ مخيف، اشتعلت أصابعها، استولى عليها الاندهاش، أصابتها حمى؟ كانت ماجدة المتمايلة في ضوء الشمس على رجليها القلمين تصرخ. منذ جفاف حلمتيّ روزا، منذ آخر صرخة علَت من ماجدة في الطريق، تجردت ماجدة من أي مقطع؛ اكتنف ماجدة الخرس. ظنت روزا أن شيئاً دهى أحبالها الصوتية، قصبتها الهوائية، كهف حنجرتها؛ طال ماجدة خللٌ، افتقرت إلى الصوت؛ ربما حل بها صمم؛ لعل العلة في ذكائها؛ كانت ماجدة غبية. بل إنها حين ضحكت والرياح المُنَقَّطة بالرماد تُظهر شال ماجدة بمظهر المهرج كانت تكْشف فحسب عن أسنانها بعد أن عصف بها الهواء. بل إن القمل - قمل الرأس وقمل البدن - عندما جَنَّنَها حتى إنها صارت في سعار فئران كبيرة نهبت الثُكُنات فجراً بحثاً عن الجِيَف، فركت وخدشت ورفست وعضت وتقلبت بدون أنين. ولكن ثغر ماجدة يُسْقِط الآن حبلاً لزجاً طويلاً من الضوضاء.

"ماااا..."

كان أول صوت على الإطلاق تُصدره ماجدة من حلقها منذ جفاف حلمتيّ روزا.

"ماااا.... ااا!"

ومرة ثانية! ترنحت ماجدة أسفل ضياء الشمس المحفوف بالمخاطر في الساحة. خربشت على تلك القصبتين، قصبتين صغيرتين معْوَجتين تثيران الشفقة. ارتطم بها بصرُ روزا. شهدت الأسى يعتري ماجدة لفقدان شالها، فطنت إلى أن ماجدة على شفا الموت. طرَق تيار من الأوامر حلمتيّ روزا: اجلبي، اِحضري، هاتي! ولكنها لم تَعلم أيهما تسعى إليه أولاً، ماجدة أم الشال. لو هبَّت إلى الساحة كي تنتزع ماجدة، لن تمتنع ماجدة عن الصراخ لأنها لن تزل تفتقد الشال؛ ولكنها لو جرَت عائدة إلى الثُكُنات كي تجد الشال، ولو وجدته، ولو تعقبت ماجدة وهي تمسك به وتهزه، سوف تستعيد عندئذ ماجدة، سوف تضع ماجدة الشال في ثغرها وتنقلب خرساء من جديد.

مرقت روزا إلى الظلام. سهُل عليها العثور على الشال. فقد كانت ستيلا مكوَّمة تحته، نائمة في عظامها الهزيلة. انتزعت روزا الشال انتزاعاً ثم طارت إلى الساحة - قويت على الطيران، فلم تكن إلا هواء. غمغمت حرارة الشمس بحياة أخرى، بفراشات في الصيف. كان الضوء رائقاً لا يخلو من رقة. وعلى الجانب الآخر من السياج الفولاذي، بعيداً، ترامت مروج خضراء ينتثر عليها هِندِباء بري وبنفسج غامق اللون؛ ووراءهما، بل وأبعد منهما، رفع الزنبق النَّمري البريء الطويل قَلَنْسُوته البرتقالية. تحدثوا في الثُكُنات عن "زهور"، عن "مطر": براز، ضفائر سميكة من الغائط، شلال أحمر داكن بطيء نتن انسل من الأسِرَّة العُلْوية، اختلطت الرائحة الخبيثة بدخان دهنيّ طافح بالمرارة طفا مُزيِّتاً بشرة روزا. وقفت ثانية عند حافة الساحة. أحياناً ما تبدو الكهرباء داخل السياج وكأنها تهمهم؛ بل إن ستيلا قالت إنه خيالها لا غير، ولكن تناهى إلى أذنيّ روزا أصوات حقيقية في السلك: أصوات جشاء يغلفها الحزن. وكلما ابتعدت عن السياج، اتضحت الأصوات المتدافعة نحوها. عزفت الأصوات النائحة على أوتارها في إقناع لا حد له، في انفعال لا حد له حتى إنه من المتعذر أن يخالها المرء أوهاماً. أمرتها الأصوات بأن تَرفع الشال، عالياً؛ أمرتها الأصوات بأن تهزه، تضربه كما السوط، تنشره مثل العلم. رفعت روز، هزت، ضربت، نشرت. وبعيداً، في بقعة قصية، مالت ماجدة على بطنها المقتاتة على الهواء ومدَّت عوديّ ذراعيها. علَت، مرفوعة، ركبت كتف أحدهم. ولكن الكتف التي حملت ماجدة لم تتجه إلى روزا والشال، لقد كانت تنجرف بعيداً، كانت ماجدة النقطة تُوغل في المضي نحو أفق كثيف الدخان. وفوق الكتف تلألأت خوذة. نقَر أحد المصابيح الخوذةَ فالتمعت واستحالت قدَحاً. وأسفل الخوذة اندفع جسم أسود سواد حجر الدومينو وجزمة سوداء في اتجاه السياج المُكَهْرَب. راحت الأصوات الكهربائية تَهْذِر جامحة. طنَّت كلها معاً، "مااماا، مااامااا." لشد ابتعاد ماجدة عن روزا الآن، عبْر الساحة بأكملها، مروراً بدستة من الثُكُنات، وصولاً إلى الجانب الآخر! لم يزد حجمها عن عُثَّة.

وفجأة سبحت ماجدة في الهواء. ارتحلت ماجدة كلها عبر السمو. تراءت كفراشة تمس كَرْمة فضية. وفي اللحظة التي تناثر فيها رأس ماجدة المُدَوَّر المكسو بالريش ورجلاها القلمان وبطنها الأشبه بالبالون وذراعاها المتعرجتان على السياج، جُنَّ جنون الأصوات الفولاذية وهدرت حاثة روزا على الركض والركض إلى بقعة سقَطت منها ماجدة بعد طيرانها على السياج المكهرب؛ ولكن لا ريب أن روزا لم تطعها. ما ند عنها إلا الوقوف، فلو جرَت، سوف يضربونها بالنار، ولو حاولت التقاط عَصِي جسد ماجدة، سوف يضربونها بالنار، ولو تركت صرخة الذئبة المتصاعدة الآن عبر سُلَّم هيكلها العظمي تنطلق، سوف يضربونها بالنار؛ وهكذا أخذت شال ماجدة وملأت ثغرها به، دسَّته ودسَّته إلى أن ابتلعت صرخة الذئبة وتذوقت كثافة لعاب ماجدة بطعم القرفة واللوز؛ وشربت روزا شال ماجدة إلى أن نال منه الجفاف.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2014 Albawtaka Review. All Rights Reserved.