البوتقة
 

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة الأدب الإنجليزي

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

شامينجوا

albawtaka@albawtaka.com

ذا نيو يوركر

2 ديسمبر، 2002

I

 

عاش عند حدود محميتنا رجل عجوز التوت ذراعه إلى جانبه كما الجناح، لذا سُمى باسم فراشة – شامينجوا. وفيما عدا ذراعه تمتع ببنية قوية إلى أبعد الحدود. بوسع أي شخص أن يفطن إلى ما تحلى به من وسامة. لا يزال يلوح رشيق القوام، ذو جسم نحيل وطول متوسط. كسا رأسه شيب طويل كثيف أجفل الناظرين بيد أنه وجد له فخراً. اعتادت ابنته، جيرالدين، أن تعتني بتهذيبه وتصفيفه كل عدة أسابيع. كانت تسافر من الأدغال من أجل هذه المهمة ولا مهمة غيرها.  

كان شامينجوا رجلاً مفعماً بالأناقة. يهيأ نفسه باهتمام ليلاقي الحياة كل يوم. إن كلمة أويزهي تعني في لغة الأوجيبوا، لغة محميتنا، ’تأنق الرجال‘ – أن ينتفوا الشعر المتفرق وينظفوا كل سِنة بالفرشاة ويفرقوا شعرهم فرقاً دقيقاً ويكوون، في هذه الأيام، تجعيدة حادة بمقدمة سراويلهم الجينز الزرقاء – كي يبرهنوا ألا سبيل إلى قهرهم رغم محاولات الحكومة لتدمير رجولتهم بكل وسيلة ممكنة. أويزهي. لا زلنا نتبدى في أحسن مظهر ونحن على دراية بذلك. لم يسبق لأحد أن أبصر العجوز مبهدلاً إلا أن ثمة المزيد ليقال عنه.

كان يعزف على الكمنجة. فكيف له أن يعزف على الكمنجة! مع أن ذراعه بلغ التواؤها وتشوهها أن عدّل قمصانه وثبتها بدقة لتناسب القوام الملتوي، اتسم ذلك الذراع بالرشاقة بل والقوة. ومنذ نعومة أظافره ألِف شامينجوا أن يربط مرفقه، بمعاونة وشاح أبيض من الحرير، في وضع يسمح لليد والأصابع الرشيقة عند نهاية الذراع التالف أن تتحرك بحرية كاملة على أوتار الكمنجة فيما اضطلعت اليد الأخرى بمهمة جذب القوس. وحينما أحاول أن أشرح ما أصدره من صوت، لا تسعفني الكلمات. فالباطن يمسي ظاهراً أثناء عزف شامينجوا للموسيقى. إلا أن انقلاب الباطن ظاهر لا يلخص نصف تأثيرها. إذ كانت الموسيقى أكثر من مجرد موسيقى – على الأقل أكثر مما ألفته آذاننا. لقد اتصل الصوت من فوره بشيء عميق لا يخلو من بهجة، تلك اللحظات القوية من المعرفة الحقيقة التي نواريها بالحياة اليومية. لم تخفق الموسيقى كذلك في الطرق على أهوالنا. أحداث كابدناها بلا أدنى رغبة في تكرارها. خيالات ممزقة، حالات توق لا نعترف بها، خوف، وأيضاً متع باعثة على الدهشة. لا قدرة لنا على الحياة عند ذلك المنحدَر. غير أن شيئاً يتحطم كما الثلج من حين لآخر لنهوي بعدها في نهر وجودنا. نحن واعون وقد نفذ هذا الإدراك على نحو ما إلى الموسيقى أو طريقة عزف شامينجوا لها.

وبالتالي لم يكن شامينجوا موضع ترحيب جميع المحتفلين. فما بثته موسيقى الجيج* والريل* من ابتهاج جامح قد يحمل الناس بنفس السهولة على الارتطام بأحجار أقسى ذكرياتهم لينتهي بهم الأمر مذهولين ومشوشين أو باكين بدموع تتساقط في زجاجات البيرة. هكذا هي. إن عواطف الناس غالباً ما تنقلب ضدهم. جيرالدين امرأة لا تعدم الإخلاص ولا العند. وضعتْ طفلة منذ ستة أعوام وهجرتْ أبا الطفلة ثم نالت شهادة في التدريس. أحياناً ما كانت تقل شامينجوا إلى مسابقات الكمنجة حيث وسعه العزف في أكثر من حفلة موسيقية. بل إنه حاز الجوائز، جوائز رخيصة حصل عليها في مسابقات موسيقية محلية – ألواحاً منقوشة وكؤوساً صغيرة من الصفيح تستقر على قواعد بلاستيكية. كان يضعها على رف مثلث من الخردة يرتفع بأحد أركان منزله. لم ينفض الغبار عن الجوائز قط، وعندما تسأله حفيدته أحياناً أن ينزلها لتلعب بها، لا تسلم من التفكك. ما اكترث شامينجوا بيد أن تعصباً تملكه فيما يتعلق الأمر بكمنجته.

عامل آلته بتبجيل نسبغه نحن على طبولنا اللاتي اعتبرناها كائنات حية تقتضي منا طعاماً وماء ومأوى وحُباً. كان يغدق عليها بالغ العناية، يمرر عليها برفق منديلاً قطنياً ناعماً لتنظيفها، وكل ليلة يضعها بيد حريصة في الدولاب داخل حقيبة جلدية أبقاها في مثل لمعان أحذيته. حوت الحقيبة بطانة مخملية بهت لونها الأحمر القاتم كالدم ليستحيل مع الزمن بنفسجياً شاحباً مخططاً. لا خبرة لي بآلات الكمنجة إلا أن الناس وجدوا آلته جميلة جمالاً لا مثيل له؛ وقد سرى اتفاق عام على أنها عتيقة وكذا نفيسة القيمة. لذا لمّا جاءت جيرالدين لتهذب شعر أبيها في أحد الأصباح وألفته على الأرض ويده السليمة مكبلة خلف ظهره وكاحلاه مقيدان، لم تساورها الدهشة لرؤية قفل الدولاب مهشم والكمنجة مفقودة.

                       

أنا قاض قبَلي. تبلغ أذنيّ أقاويل غير رسمية عن طريق النظام القضائي أو بوليس القبيلة: قيل وقال، إشاعات، كلام عاطل من الصحة، هراء، مجرد معلومات مغلوطة. دائماً ما أنتبه إلى هذا الكلام بل وأسجل الملاحظات عما يتناهى إليّ. أحياناً ما يجانبه الصواب أو يقع في المبالغة إلا أنه كثيراً ما يشتمل بنفس القدر على بذرة من بذر الحقيقة النافعة. وفي مثل هذه القضية مثلاً لاك الناس اسم كوروين بيس وإن لم يتوفر دليل مباشر على ارتكابه للجريمة.

كان كوروين واحداً ممن لا أنفك أراهم المرة بعد الأخرى. شيء سيئ في انتظار حدوث شيء أسوأ. غلطة لكن غلطة لم نفتأ نحاول إنقاذها لحداثة سنه. ظن البعض أن لا قيمة على الإطلاق ستتكشف عن تخليصه. شخص مضطرب يعادي الآخرين لعلة عقلية أصابته. متلاعب يتصف بالمهارة؛ يحقن نفسه بالمخدرات بعطلات نهاية الأسبوع ليبيت خطراً على ما مَن حوله. أضمر آخرون له إشفاقاً واعتبروا أن مسؤولية تصرفاته تقع على أمه السكيرة. آ ك ج*، م ج ك*، ا ن ا*، لقد ألحق تلك الحروف الأولية باسمه مثلما يذيل المتعلمون أسماءهم بدرجاتهم العلمية. مع ذلك أبصر آخرون فيه ما يمكن إنقاذه – علها أخطر الأفكار قاطبة. كان تاجر مخدرات يطفح بالتفاهة ويصاحب سلسلة من الفتيات. تميز للأسف بوسامة الطلعة، ذو ملامح تشبه مَن يلتقطهم إدوارد كيرتيس في صوره وإن طفق الكوكايين والفودكا ينفخان وجهه.

تتنقل المخدرات الآن بطرق قديمة سلَكتها يوماً تجارة الفراء، وحيثما اعتلى كوروين ذات مرة بالة من جلد الجاموس المدبوغ شادياً بأغاني الترحال بمصاحبة صرير عربة يجرها ثور، قاد الآن إمبالا طراز 1991، سيارة تجردت من أغطية العَجل المعدنية وانجرت مؤخرتها على الأرض. قادها بتهور وبأقصى سرعة لكن نادراً ما قبضتْ عليه الشرطة؛ إذ سافر في ساعات غير متوقعة. قاد السيارة بدون رخصة – فقد انسحبت منه منذ زمن بتهمة القيادة تحت تأثير الخمر. كان ينقب دوماً عن الأموال – يحتال، يراهن، يلعب بلياردو، بل ويتخذ من آن لآخر وظيفة تضعه – على ما في ذلك من دهشة – على الجانب الآخر من إحدى الطاولات لتحمير شرائح الدجاج الصينية. كان واحداً ممن تتبعتُ مسلكهم لتصوري أني سوف أشهد قوس مسار حياته الهابط بأكمله. أردت أن أتأكد من أني لو سجنته، سأنام ليلتها ملء جفنيّ. وحتى الآن ما أكد لي سوى هذا.

وبينما كرت الأيام، احتجب كوروين عن الأنظار واستأنف وظيفته عند مقلاة التحمير. أقدم على محاولة للم شعث حياته مما شجع كثيرين ممن يأملون في أن يصيروا منقذيه. قوّم تصرفاته وأحجم عن الخمر واستعان بحسن السير والسلوك، وعند استجوابه، خالجه أمل مقنع في إمكانية تحقيق النجاح كما أبدى سهولة في الحديث إخفاقاته. "أنا حمار،" قال معترفاً، "لكني لم أنحط قط لدرجة سرقة كمنجة العجوز."

إلا أنه السارق ولا شك. وبينما انتظرناه حتى يتخذ خطوته القادمة، كان هناك العجوز الذي سرعان ما أخذ الوهن ينال من جسمه. لم أكن أدرك كم أحب سماع عزفه – أحياناً بعد الغسق فوق مرج مكسو بالشجيرات خلف منزله، وأحياناً خلال تلك الحفلات الموسيقية الصغيرة، وفي أوقات أخرى أمام مجموعات من الأشخاص المجتمعين حوله. ثم مضت أسابيع انفتحتْ بعدها بقعة كليلة في نفسي ونزلتْ بي الشفقة لخسارة شامينجوا، شفقة انتابتني الدهشة لِما داخلها من حدة. لقد شاركتُه هذه الخسارة مشاركة صادقة، وهكذا كان عليّ أن أنقب عنه وأجالسه وكأن ثمة أي عون في ندبنا معاً غياب موسيقاه. وددت أن أعلم أيضاً إذا كان ممكناً – في حالة عدم ظهور الكمنجة – أن نلتقي لشراء آلة جديدة بل أخرى خير منها. لذا قعدتُ ذات ظهيرة بحجرة الجلوس الضيقة من منزل شامينجوا محاولاً العثور على فرصة سانحة للحديث.

"بالطبع،" قلت، "نعرف مَن أخذ الكمنجة وعيوننا عليه."

أزاح شامينجوا شعره إلى الوراء بيد رشيقة سريعة وأنهى كما أنهى عدة مرات من قبل، "لقد ضربني من الخلف."

ارتطم بالأرضية فانشقت عظمة خده وانقلب بياض عينيه حمرة دالة على الغضب. تحرك ببطء متيبس ينطق بالألم، بجسوء رجل ألم به الهرم. خفض جسمه شيئاً فشيئاً نحو كرسي هزاز بني علته بطانة ثم حملق إليّ أو إلى ما ورائي، بالفعل. ما لبثتُ أن استوعبت أنه لم يكن منتبهاً تمام الانتباه إلى الحوار رغم حديثه الهادئ وإجاباته على الأسئلة. الحقيقة هي أنه كان نصف حاضر، بمظهره قدر من الإهمال وعلى ملامحه شيء من الحدة، سمتان لم أبصرهما فيه من قبل على الإطلاق. زرر قميصه تزريراً خاطئاً وقد مال وشاحه الصوفي ذو النقوش المربعة كما لم يحلق ذقنه صباحها. فاحت من نفَسه رائحة كريهة ولم تبد عليه البتة علامات السعادة لمجيئي.

تجالسنا والصمت يختبر قدرتنا على الاحتمال ريثما جلبتْ جيرالدين كوبين من شاي مُركز ساخن محلى بالسكر ثم أحضرتْ آخر لنفسها. خامر الارتعاش يد شامينجوا وهو يرفع الكوب إلا أنه شرب منه. تولى عن وجهه الانزعاج قليلاً حين تجرع الشاي فقررتُ أني لن ألفي فرصة أفضل لاقتراح فكرتي.

"يا عماه،" قلت،" نود أن نبتاع لك كمنجة جديدة."

لم ينبس شامينجوا ببنت شفة وما ند عنه إلا أن حط الكوب ليطوي يديه في حجره. جاوزتني نظرته وعبس وجهه بما ينم عن التأمل.

"ألن يروقه أن يحصل على كمنجة جديدة؟" ناشدتُ جيرالدين. هزت رأسها كما لو كانت متضايقة مني وفي نفس الوقت ساخطة على أبيها. فجلسنا والسكون يحيق بنا. تاهت مني الكلمات. أسند شامينجوا ظهره إلى كرسيه وأرخى جفنيه. ظننته يحاول التخلص مني. غير أن عنداً ركبني ولم تكن لي رغبة في الانصراف. أردت أن أسمع موسيقى شامينجوا مجدداً.

"آه، احك له عنه يا بابا،" فاهت جيرالدين أخيراً.

مال شامينجوا إلى الأمام وحنى رأسه فوق يديه كمن يصلي.

رام عليّ الآن الارتياح؛ إذ فهمتُ أنى على وشك سماع شيء. إنها تلك اللحظة التي يستجمع فيها المتحدث قواه وتنقطع الأنفاس، لحظة عهدتُ وقوعها قبل أن تتصدع رباطة الجأش وينهار الشاهد مجاهراً بالحقيقة. لم تخف عني تلك اللحظات، وعلى الرغم أن هذا لم يكن اعترافاً بالضبط، اتضح أنه حديث تجهله المحمية بوجه عام.

 

II

 

فقدتْ أمي صبياً رضيعاً من جراء الدفتيريا عندما كنتُ في الرابعة فحسب، أفضى شامينجوا، وقد كانت تلك الخسارة هي الدافع إلى تحول أمي إلى الكنيسة. أتذكر قبلها أن أبي كان يعزف على كمنجته الأغاني وموسيقى الريل والجيج لكنه أنزل الكمنجة بعد موت الرضيع وتناول القربان المقدس. حمل الحزن أمي على التزمت مع أبي وأختي الكبرى ومعي. وبينما امتلكنا في السابق بيتاً يزخر بالحياة حلا للناس ارتياده، ساده الآن الصمت. لا نبيذ ولا موسيقى. خفضنا أصواتنا لأن ضجيجنا مؤلم على حد قول أمي، وكف أبي عن ضحكه وسخريته المازحة، أبي الذي كان في يوم ما رجلاً راقصاً مضحكاً أيما إضحاك.

لا أعتقد أن أمي قصدت أن يتغير الحال كل هذا التغير إلا أن ما كنه صدرها من أسى فاق احتمالها. وكأن قلبها اندفن هو الآخر أسفل ذلك الشاهد الأبيض الصغير بالمقبرة الكاثوليكية، برُدتْ مشاعرها وأشاحت بوجهها عن بقيتنا. أمَا وقد كبرتُ الآن وخبرتُ طرق الأسى، أفطن إلى أن مشاعر طاغية استبدت بها وحباً غامراً استولى عليها فيما شكها الخوف من أن تفقدنا كما فقدتْ أخي. غير أن صبياً صغيراً لن يعي تلك المعاني. ما تراءى لي سوى أني خسرت حبها خسارتي لذلك الرضيع. ذراعاها القويتان، قبلاتها، رائحة الصابون المنعشة المنبعثة من وجهها، صوتها المهدئ لنفسي – كل هذا راح. كانت أشبه بتمثال قائم في كنيسة. كنا نجدها بين الفينة والأخرى واقفة بالمطبخ وكأن على رأسها الطير تصوب نظرات محملقة إلى الجدار. لمسنا في البداية ملابسها وربتنا يديها. طبع أبي عليها القبلات، تحدث في أذنيها برقيق الكلمات، صفف شعرها حول ذراعيها كما الشال. وبعدئذ، بعد أن استسلمنا، ما كان منا إلا أن درنا حولها كما تدور حول أحد الأجذال. اضطلعتْ أختي بالطبخ وسلّمنا بالتدريج أن الأم المرحة المُحبة التي عهدناها ذهبتْ بلا رجعة. ما جربنا التأثير عليها بمعسول الحديث. أنفقتْ أغلب وقتها بالكنيسة. تهدلتْ سبحتها ذات الخرز العاجي والفضي فوق قبضتها اليمنى فيما راحت يدها اليسرى تبلي الخرز ليصير أنعم وأصغر حتى إني ظننته مختفياً لا محالة يوماً ما بين أصابعها.

كنا نقطن وقتذاك في هذا المكان وإن كانت الأشجار والأجمة لا تزال تحيط بنا أيامها. خلا الغرب منا من منازل وقد رعت أحصنتنا حيث ينهض الآن مطعم ديري كوين. وفي يوم من الأيام بينما كان أبي بالبلدة ولزمتُ أنا البيت من جراء نزلة برد، رحت أتململ في الفراش. دفعني الفضول إلى التفتيش فيما حولي وسرعان ما وقعتُ على الكمنجة التي أرغمتْ أمي أبي على الامتناع عن العزف عليها. ها هي. انفردتُ بها. ما كنتُ أتجاوز الخامسة أو السادسة غير أني استطعت أن أوازن الكمنجة واستحضرتُ كيف كان أبي يستخدم القوس. أصدرتْ صوتاً بالفعل وإن لم يقترب من الحلاوة. بث الصوت المزعج في عظامي رعدة. أرجعتُ الكمنجة بيد حريصة قبل وصول والديّ إلى البيت بفترة طويلة. وحين دلفا إلى الفناء، تسلقتُ الفراش وقبعتُ تحت البطانيات. تظاهرتُ بالنوم ليس رغبة في الإبقاء على مظهر المريض لكن لعدم احتمالي العودة إلى ما كان عليه الوضع. لقد تبدل شيء. مزق شيء طبيعة كل ما عرفتُه. إن هذا الشيء العميق يتصل بالكمنجة.

احتلت بعد ذاك ما وسعني الاحتيال لأمكث وحدي في المنزل. وحالما غادر الجميع تناولتُ الكمنجة من مخبأها لأضبط نغماتها على هواي. تعلمتُ كيفية العزف على كل وتر على حدة ثم طفقتُ أوافق بين هذه الأصوات. لقد بث تتابع النغمات اللهفة في عقلي. وعندما كانت أسرتي تُقْبل إلى البيت، لم أنج من العذاب لاضطراري إلى إرجاع الكمنجة إلى مكانها. وأحياناً إذا كانت الرياح مواتية، أنسل بالكمنجة من المنزل لألعب في الغابة. وقد حرصتُ دوماً أن تحمل الريح موسيقاي ناحية الغرب حيث لا تجد مستمعين. لكن ربما غيرتْ الريح اتجاهها ذات يوم أو لعل أذنيّ أمي كانتا أشد حساسية من آذان أختي وأبي. لأني حين عدت أدراجي إلى المنزل، وجدتُها تطل بعينين شاخصتين من النافذة، ناحية الغرب. ألّم بها الانفعال وتسارعتْ أنفاسها. هل سمعتَها؟ هتفتْ. هل سمعتَها؟ لحق بي الرعب من اكتشاف أمري، فنفيت سماعي لشيء. اجتاحها اهتياج ما بعده اهتياج وذاق أبي المُر في تهدئتها. وبعد أن أنامها أخيراً، اتخذ مجلسه إلى المائدة وقد حوى وجهه بيديه. تحركتُ على أطراف أصابعي مؤدياً أعمال المنزل اليومية. غشيني إحساس رهيب لإخفائي عنه أنها سمعت موسيقاي أنا. لكني حين أتطلع إلى الماضي الآن، أعتبر صمتي أول قرار أتخذه كموسيقي حقيقي. كفنان. كان عزفي أهم من ألم أبي. إلى تلك الدرجة اتضحتْ الحقيقة أمام عينيّ. لم أنبس بحرف لكني أصبحت بعدها أمكر وتوخيت ضِعف ما توخيته من قبل من كتمان.

كانت قبل كل شيء مسألة تقف عليها حياتي. لو لم أجد الموسيقى، لأودى بي الصمت. ثمة طرق ينبذ بها الآباء أطفالهم حتى لو كانوا بجوارهم.

كنا نربي بقرتين وكنتُ أحلبهما صباحاً ومساء. محظوظ، فلو نسي أبواي أن يطبخا، فعندي اللبن على الأقل. لن أزعم أني عانيت أبداً جوع المعدة الحقيقي لكن عضني نوع آخر من الجوع الإنساني. لقد رانت عليّ الوحدة. تلقيت خلال تلك الفترة تقريباً رفسة فظيعة من البقرة، حادثة، فمن عادتها الوداعة. عل لسعة دبور بعثتها على هذا الهجوم العنيف المفاجئ. أصابت ذراعي، ومع أني لم يتسن لي إدراك أنها كسرت العظمة، فقد كسرتْها. مؤلم؟ آه، بالقطع بيد أن والديّ لم يفكرا في اصطحابي إلى طبيب. أخالهما لم يلاحظا. أنبأتُ أبي بالفعل بالإصابة لكن لم يبدر منه سوى هزة رأس متظاهرة بالسمع ثم واصل أياً كان ما كان يفعله.

حال ألم ذراعي دون النوم، وحين عجزتُ عن إلهاء نفسي ليلاً، أرسلتُ الأنين في بطانياتي بالقرب من الموقد. لكني ألفيت الأسوأ في عدم جدوى الذراع في العزف على الكمنجة. حاولتُ أن أسندها لكنها سقطت مثلها مثل ذراع دمية بالية. وفي النهاية وقعتُ على الحل. طفقتُ أربط ذراعي المكسورة كما أفعل الآن. لم تكن لديّ أدني فكرة بالطبع أنها ستلتئم على هذا النحو مما سينتج عنه اعتباري أشل دائماً. ما وعيت سوى أني تمكنت من العزف بعد ربط الذراع وأن العزف أنقذ حياتي. وهكذا شوهني الفن شأن معظم الفنانين. لقد شكّلني.

 

أطلقتْ المَدرسة الاسم الذي أحمله الآن. شامينجوا، الفراشة ذات اللونين الأسود والبرتقالي. كانت نكتة على "ذراعي الشبيه بالجناح." وعلى الرغم أن إحدى الراهبات أبلغتني بأن صورة الفراشة في لوحات سيدتنا العذراء مقصود بها تمثيل الروح القدس، لم يرقني الاسم في البداية. ودفعني الخجل من شكل ذراعي إلى تحاشي الناس حتى عندما شبتت عن الطوق فلم أحظ بأي أصدقاء، أصدقاء من البشر. كانت الكمنجة هي صديقي الحقيقي على أية حال، الصديق الوحيد الذي احتجت إليه بحق. ثم خسرتُ ذلك الصديق.

مضى أبواي إلى الكنيسة لكن طرأتْ مشكلة في الموقد بذلك اليوم الشتوي. ملأ الدخان صحن الكنيسة في مستهل القداس فغادر الجميع إلى بيوتهم مباشرة. عندما جاء أبي وأمي، كنتُ منهمكاً في العزف. أنصتا وهما يقفان عند الباب، مسمرين من الدهشة لِما نمى إلى مسمعيهما. لا أدري كم وقفا هناك. لم أسمع صوت الباب ولم تبصر عيناي المغلقتان النور الذي سمح بدخوله. استشعرتُ في آخر الأمر نسيماً بارداً يدوم حولي فاستدرتُ لأحملق إلى تحديقتهما بثقل يطوي قدراً من الصدمة قطعه أبي في النهاية سائلاً، "منذ متي؟"

لم يظفر مني بجواب وإن رغبتُ فيه. سبع سنوات. سبع سنوات!

قاد أمي إلى الداخل وأغلقا الباب خلفهما. ثم قال بصوت داخلته نعومة لا يعوزها الاضطراب، "استمر."

حسبتُ بعد افتضاح أمري أن الأسوأ قد انقضى. لكني استيقظت في الصباح التالي على سكون حل محل ما اعتدته من ضوضاء أبي، صك أذنيّ خواء حتى قبل أن أتأكد منه تمام التأكد، ففطنتُ إلى أن الأسوأ لا يزال في سبيله إليّ. لقد أيقظ عزفي شيئاً فيه. لذا رحل. لكن لا علم لي لِم تحتم عليه أخذ الكمنجة. حين ألفيتها مفقودة، غادرتني كل أنفاسي، كل أفكاري، كل مشاعري. ولفترة نازعتني نفس أحاسيس أمي. ففي شعورنا بالخسارة انفصلنا عن روتين الحياة الحقيقي المشرق الطبيعي. كان من الممكن أن ألبث على تلك الحال مشاركاً أمي في ظلام لم تقو على العودة منه. كان من الممكن أن أوالي الحياة في تلك الهيئة المنقوصة لو لم يراودني حلم.

كان الحلم بسيطاً. صوْت. اذهب إلى البحيرة واجلس بجوار الصخرة الجنوبية. انتظر هناك. سوف آتي إليك.

قررتُ اتباع تلك التعليمات. أخذتُ فراشي المحمول ونتفة من اللحم المقدد ورغيفاً من دقيق الشوفان وأجلستُ نفسي على طحلب جرت به الشقوق فوق الصخرة الجنوبية. نتأتْ هذه الصخرة الإردوازية في مياه تساقطت من حوافها نحو أعماق سوداء ضاربة إلى الخضرة. استطعت أن أرى عند تلك الصخرة كل ما جرى بالماء. وضعتُ تبغاً من أجل الأرواح وجلستُ هناك منتظراً طيلة النهار. قرصني الذباب. دوت الريح في أذنيّ. لم يطرأ شيء. تكورتُ عند أفول الضوء ورحت في النوم. بقيت حتى الصباح التالي وكذا اليوم التالي. كانت أول مرة على الإطلاق أنام فيها على الشاطئ، فجعلتُ أفهم لِم قال الناس إن البحيرة لا نهاية لها رغم أن الصخور تحدها. ثمة أنهار تتدفق إليها وتتدفق منها وتيارات سرية وستة أنواع من الطقس تضطرب فوق سطحها وأرض متوارية تحتها. انجرفتْ كل موجة من مكان لا مرئي لتنجرف ثانية نحو مكان لا مرئي. مددت بصري إلى طيور غير مألوفة ذات ريش غريب مارة بي في طريقها إلى مكان آخر. أنصتُ إلى الماء وللمرة الأولى بثت أصوات غير صوت كمنجتي السلوى في نفسي. تركتُ روحي لتسترخي. ظننتني قد أمكث هناك إلى الأبد محدقاً في خط الأفق الأزرق. لم أعبأ بشيء. وحينما انفصل جزء صغير من خط الأفق واسود ليتقدم ببطء إلى الأمام، ما راقبتُه إلا باهتمام طفيف. تراءت البقعة وكأنها تتقدم وتتراجع في نفس الوقت. تذبذبتْ ذهاباً وإياباً. غابت عن بصري طويلاً ثم ما أدري إلا وقد بزغت قريبة، فوق موجة من الموج.

كان زورقاً. لكن إما أن الملاح غلبه النوم في القاع وإما أن الزورق انجرف وحده مع التيار. دنا مني فقررتُ عن يقين أنه لا بد منساق تحت رحمة الرياح. طفا بمنتهى الخفة فوق الموج، تحرك ببطء في هذا الاتجاه ثم في الاتجاه الآخر. لكن انتهى به الأمر دائماً، ومهما بلغ به التردد، إلى التقدم صوب الصخرة الجنوبية مباشرة، صوبي مباشرة. رصدتُه حتى أبصرتُ بوضوح أنه خال. ثم عادت كلمات حلمي. سوف آتي إليك. غطستُ في الماء كالملهوف وسبحتُ نحو الزورق – كنتُ قد تعلمت كما يتعلم الصبية أن أعوض عن عجز ذراعي، ومع أن ضربتي شابتها الغرابة، لم تنقصني القوة. ظننت أن أحدهم لم يحسن ربط الزورق فانسل من مرساه غير أنه لم يجُر حبلاً ورائه. عل الأمواج العالية استدرجته من أحد الشواطئ حيث سحبه صاحبه معتقداً أنه في مأمن. دفعتُ الزورق إلى الشاطئ ثم جذبتُه خلفي لأقحمه في شق بين صخرتين. لم أتطلع إلى ما حواه إلا لحظتها. ألفيت به صندوقاً أسود ذا شكل أنثوي مربوطاً بعارضة في مقدم الزورق. أحكم قفلان من النحاس الأصفر إغلاق الصندوق من الجانبين.

هكذا جاءتني كمنجتي، باح شامينجوا وهو يرفع رأسه كي يرنو إليّ بنظرات الثبات. ابتسم وهز رأسه الضئيل ثم فاه بصوت خافت. لذلك لن أعزف أية كمنجة أخرى.

 

III

 

أغلق كوروين باب غرفته. لم تكن غرفته بحق بيد أن أناساً سمحوا له بالبقاء في بدرومهم نظير عدة خدمات. وقف فوق لوح يرتكز على دعامة لنشر الخشب ودفع أصابعه الممدودة قبالة لوح السقف الوهمي. أزاح اللوح جانباً وتلمس ما ورائه بين الأسلاك وأسفل وسادة صفراء عازلة من الفايبرجلاس حتى عيّن موضع مقبض الصندوق. أنزله إلى قطعة من المطاط الإسفنجي سدت مسد الفراش، قطعة شعر كل ليلة من خلالها ببرد الأرضية الأسمنتية القارس وهو يتسرب إلى رجليه. كان قد أخذ كمنجة العجوز لحاجته إلى المال غير أنه لم يُعمل فكره كثيراً في مكان بيعها أو هوية شاريها. ثم خطرتْ بباله فكرة. كانت إحدى نساء المنزل تقصد سبيريت ليك كل عطلة أسبوعية لتمكث مع أسرة رفيقها. سوف يضع الكمنجة في صندوق السيارة ويركب معهما. سوف ينزلانه عند مركز ميريكل فيليدج التجاري وسيذهب بالكمنجة إلى هناك ليبيعها إلى أحد محبي الموسيقى.

ترجل كوروين من السيارة حاملاً الكمنجة إلى المركز التجاري. ثمة نوعان من الناس، تفكر، المانحون والآخذون. أنا آخِذ. أعط لكوروين ما يستحقه. أكثر ما يفضله من أفلام حديثة فلم يدور حول شرطي ينظر إلى العالم نظرة مشوهة حتى إنك لا تستطيع أن تقرر إذا ما كان شريراً أم طيباً – ما فطنتَ إلا أن بإمكانه الاستيلاء على عقلك باللغة. افتتن كوروين باللغة افتتاناً. استوعبها من الأفلام وموسيقى الراب والروك والتلفزيون. تحاكت داخله، الكلمة أمام الكلمة. أحياناً ما خال أفكاره تكتب شعراً إلا أن القصائد تأبى الخروج من فمه. علَقتْ الكلمات في ترتيب غريب وجسّدتْ أشكالاً تسابقت عبر حاجز عينيه المغلقتين لتهبط من طرفيهما إلى صدغيه وظلام رقبته. لذا عندما مرق من أبواب الغرفة الصغيرة إلى مكان دافئ أشبه بالكاتدرائية كان قاعة الطعام الرئيسية، لم يحجم عقله عن الغمغمة.

جلس على أحد المقاعد وراح يتفرس في وجوه متسوقين بدت عليهم آي التشتت. سرعان ما أدرك أنه من المستبعد أن يشتري أحدهم الكمنجة. دلف إلى متجر للموسيقى وحاول أن يري الآلة إلى المدير الذي ما زاد على قول، "لا، نحن لا نأخذ مستعملاً." خرج كوروين وحاول مع بضعة أشخاص تجنبوه في خوف أو رفضوا آلته رفضاً قاطعاً.

"لازم أعيد ترتيب الأوراق،" حدّث كوروين نفسه جالساً مرة أخرى على طول المقعد الذي قرر الآن أنه مالكه. وهناك برقتْ في عقله فكرة باتت بمثابة منجم ذهب له. انثال على ذاكرته مشهد من مسلسل تلفزيوني، مقطع لموسيقي يقف في أحد شوارع المدينة. كان يعزف على ساكسوفون أو ما شابهه فيما استقر عند قدميه صندوق الآلة مفتوحاً. توقفتْ امرأة بوجه باسم لترمي دولاراً في الصندوق. أخرج كوروين الكمنجة ووضع الصندوق المفتوح عند قدميه كمن يغري المارة. تناول الكمنجة بيد واحدة وجذب القوس عبر الأوتار بالأخرى. أطلقتْ صوتاً بشعاً يعكس غرابة. تردد صدى الصوت الحاد عالياً في قاعة الطعام فرفع عدة أشخاص شفاههم عن أغلفة الطعام المشمعة ليسددوا أعينهم نحو كوروين. قابل نظرتهم بمثيلتها وقد خيم عليه السكون والجمود. كانت لحظة درامية – لقد جذب انتباههم. جمهور. عليه أن يتصرف في الحال وإلا فقدهم. انحنى بغريزته انحناءة متأنقة خفيضة كمن يتقبل تصفيقاً حاداً. ارتفعتْ عدة همهمات تشي بالسرور بل إن أحدهم رفع يديه بالتصفيق. أثرت هذه الأصوات فوراً في نفس كوروين بيس، إذ ضمت من القوة ما فاق أي مخدر جربه من قبل. فاضت نفسه بموجة من حماسة غير معهودة فرفع الآلة مجدداً ورمى شعره إلى الوراء ثم بدأ يعزف مقطعاً سريعاً صامتاً من الموسيقي.

ما طالت الأخطاء تقليده. أين تعلمه؟ لا يدري. ما لمس القوس الأوتار ومع ذلك عزف موسيقى. ارتدّت الموسيقى بين أذنيه. استطاع بالكاد أن يجاري ما ترامى إلى سمعه. أترع جسمه بالدراما. وحين كفت الموسيقى في عقله، هبط إلى الأرضية وفسخ رجليه، كل منهما في اتجاه، حركة تعلمها من فيديوهات المغني برينس. أمسك بالكمنجة والقوس عالياً فانفجر التصفيق. سلسلة متشابكة من أصوات في غاية الإبهار.

 

قبضوا على كوروين بيس وهو يتظاهر بالعزف على الكمنجة بأحد مراكز مدينة فارجو التجارية وأحضروه إليّ. أتمتع بحرية كبيرة في إصدار الأحكام. وعلى الرغم مني، شملني الفضول لمعاملة كوروين غير المعتادة للآلة فقررتُ وضع سابقة قانونية. نلت أولاً موافقة شامينجوا على قراري ثم حكمتُ على كوروين بأن يتمرن على يديّ الأستاذ العجوز. ستة أيام في الأسبوع، ساعتان كل صباح، ثلاث ساعات من التدريب بعد العمل. إما أن يتعلم عزف الكمنجة وإما أن يقضي فترة عقوبة في السجن. الحق أني لم أعلم أيهما وقع عليه العقاب، الصبي أم العجوز. لكننا بدأنا الآن على الأقل نسمع الكمنجة تصدر مجدداً من منزل شامينجوا.

انتصف شهر سبتمبر بالمحمية فاعتدلتْ برودة الأصباح ودفئتْ الأظهار ولم تفتأ الأوراق خضراء كثيفة تعلن عن جمالها الأخير. كل القش محصود. الأرز البري مسحوق سحقاً. تواصلتْ أجهزة التدفئة بمكاتب القبيلة ليلاً لكننا اضطررنا مع حلول الظهيرة إلى فتح النوافذ التماساً لشيء من البرودة. تسلل عند ذاك دخان نيران الحطب اللافحة ونسيم الديزل المستهلَك وأحياناً موسيقى كوروين الصارخة من أسفل التل. لم تحمل الأسابيع الأولى أمارات الفلاح. ثم استدارت الأيام باردة برودة مطردة فأبقينا النوافذ مغلقة، وحتى هل الربيع لم نسمع أخباراً عن تقدم كوروين إلا من خلال الشرطي الذي كان يشرف عليه بعد تعليق عقوبته. لم أتوقع الكثير. لكن حدث خلال أول ظهيرة حارة من بداية مايو أن فتحتُ نافذتي ليرِد إلى مسمعيّ بالفعل عزف كوروين.

"ليس سيئاً أبداً،" قلتُ ليلتئذ لمّا زرت شامينجوا. "لقد أنصتُ إلى تلميذك."

"إنه أخرق موت لكنه لا يخلو من حماسة،" قال شامينجوا وهو يلامس صدره. تبينتُ أنه يبطن فخراً بكوروين وسمحتُ لنفسي بالاعتقاد بأن شيئاً في مثالية جمع رجل عجوز وجانح حَدَث يتعذر على الإطلاع ربما نجح أو على أية حال لم يسفر عن كارثة.

الحق أن الدروس والعلاقة استمرت بعد تنفيذ الحكم. أقبل الخريف فأغلقنا النوافذ من جديد. وفي الربيع فتحناها لنسمع كوروين يلعب مرة أو مرتين. ثم مات شامينجوا.

مات ميتة مطمئنة، ميتة ألِفنا أن ندعو القديس جوزيف أن يسبغها علينا جميعاً. كان نائماً، كمنجته بجوار فراشه والأغطية مسحوبة حتى ذقنه. وجدتْه جيرالدين في الصباح.

أقيمت جنازة مهيبة بها ما اعتدناه من إلقاء نظرة أخيرة على المتوفى. اصطف الناس وتقدموا إلى جثته ليقحموا الزهور والتبغ وتذكارات صغيرة في تابوت شامينجوا كي تصحبه إلى الثرى. حطت جيرالدين فراشة ملكية فوق كتفه. قالت إنها وجدتها صباحها فوق حاجز سيارتها الأمامي. وفي منتصف المراسم نهضتْ وأخذتْ الكمنجة من التابوت حيث كان مندساً بالقرب من أبيها.

"أخبرني أبي منذ بضعة شهور أن أعطي كوروين بيس هذه الكمنجة حين توافيه المنية،" صرحتْ أمام الجميع. "لذا أقدمها إليه الآن. وقد سألتُه بالفعل أن يعزف لنا اليوم واحدة من القطع الموسيقية التي كان أبي يؤثرها."

كان كوروين يجلس عندئذ في المؤخرة. سار نحو المقدمة وقد حنى منكبيه وأقحم يديه في جيبيه. اعترتني الدهشة لمرأى ما عم وجهه من أسى. شعرتُ بالقلق لرؤية مثل هذا العرض المباشر للعواطف من شخص كان متقلباً أيما تقلب. غير أنه لاح وقد ضبط مشاعره بمجرد أن تناول الكمنجة وبدأ العزف. عزف أغنية يعهدها الجميع، أغنية نموذجية لقومنا لأنها بدأتْ رقيقة بطيئة ثم انفجرتْ جامحة غريبة، وخزتْ نبضاتنا وأجهدتْ أنفاسنا. تولى عزف كوروين الانفعال بل والدقة، وقد داخَل موسيقى العجوز ما يكفي من طاقته حتى إن أعين الجميع كانت تترقرق بالدموع عندما أتم كوروين العزف.

ثم أتت الصدمة. وسط تربيت العيون ونفخ الأنوف المتحفظ، وقف كوروين شاخصاً إلى تابوت مُعلمه وقد تدلت الكمنجة من يده. قام بجوار التابوت حاجز مزخرف يتناول عنده المصلون العشاء الرباني. رفع كوروين الكمنجة عالياً وهشمها فوق الحاجز، مرة ومرتين وثلاث مرات، حتى يجيد المهمة. كنتُ أجلس في المقعد الأمامي فقفزتُ من مقعدي وكأني كنت مهيأ لمثل هذا الموقف. قبضتُ على ذراع كوروين وهو يعيد الكمنجة إلى جوار شامينجوا بحذر لكني تركتها لأني فطنت أنه قد فرغ من إيماءته. انصرف تركيزي من كوروين إلى الكمنجة نفسها، إذ رأيت لفة من الورق تنتأ من خشبها المحطم. جذبتُ الورقة. ابتليتْ بالقِدم وتغطت بتيار عتيق متيبس من الكتابة. تابع القسيس المراسم وقد أصيب بقدر من الارتعاش. أودعتُ لفة الورق في جيب سترتي ورجعتُ إلى مقعدي. لم أنس أن أقرأها. الأمر وما فيه هو أن الفرصة لم تتح لي للجلوس في هدوء والتركيز مع كل ما جرى بعد الجنازة من دفن عاصف وعشاء يضم ستة أنواع من الخبز المقلي بصالة فرسان كولومبس. حل المساء وكنتُ بالبيت، مرتاحاً في مقعدي وقد أضاء من خلفي مصباح منير أسقط نوره الدافئ فوق كتفي، قبل أن أقرأ أخيراً ما توارى داخل الكمنجة لسنوات طويلة.

 

IV

 

أنا بابتيست بارينثو، المعروف أيضاً باسم بيلي بيس، أترك لأخي إدوين هذه الرسالة كجزء من تاريخ الكمنجة التي في هذا اليوم من أيام ربنا 20 أغسطس، 1897 أرسلها في البحر لتعثر عليه.

نبدأ بالخلاصة: قرأ أبونا جاسبرين عن إرسالية لافاونتين إلى اتحاد قبائل إريكووي، وفيها تفادي ذلك القسيس اقتلاع كبده أمام عينيه بعزفه الماهر على الناي. فتفكر عن حكمة أن يتعلم اللعب على آلة موسيقية قبل أن يغامر بالتوجه إلى الأراضي اليباب وراء بحيرة ’ليك أوف ذا وودز.‘ وهكذا انطلق في رحلته وحاميه الموسيقى. درَس الكمنجة وجلبها، هي الآلة النبيلة، حتى يلعب عليها بيد لا تعرف الإتقان. الحق يقال، كان خيراً له ألا يفرض مواهبه الهزيلة على قبيلة الأوجيبوا. ومع ذلك، بعد أن مات صغيراً وترك الكمنجة لمساعده في المذبح – أبي – لن ألوم الكريم جاسبرين. عليّ بدلاً من اللوم أن يشملني الامتنان لما أضفته الكمنجة من بهجة على عائلتي. عليّ أن أسعد بساعات قضاها أبي في ضبط الأوتار والعزف على الآلة، بما أسبغتُه عليها أنا وأخي من تفان مفعم بالتوق. لكن مع ما أفضت إليه الآلة من نهاية موجعة لعلاقتي بأخي، أجد نفسي أتصور أننا لم نعرف الكمنجة مطلقاً، أنني لم أعزف موسيقاها أو أستوعب صوتها. عندما فارق أبي الحياة، ترك الكمنجة لي ولأخي إدوين على شرط: في حال عجزنا عن تحديد مَن يأخذها منا، يجدف كل منا زورقه ونتسابق إليها كما يليق بابنين مخلصين من أبناء البحر العظيم.

عندما سمعتُ أنا وأخي هذا الإعلان وهو يُقرأ، لم ننطق بحرف. لا يوجد ما يقال، فبقدر حقيقة حبنا المتبادل، أردنا نحن الاثنان تلك الكمنجة. أعطاها كل منا سنوات من التدريب، همس كل منا بأحزانه في تجويفها وظفر بأفراحها. هدّأتْ تلك الكمنجة ساعاتنا الجامحة وغازلتْ زوجاتنا. لكن حسبنا الآن من تبادلها المرة بعد الأخرى. ولو كان من المحتم أن ينالها واحد منا، نحن الأخوان، فقد شددتُ النية على امتلاكها.

توصلتُ قبل ليلتين من إبحار الزورقين إلى خطة مضمونة. عندما تسلل القمر وراء السحب وأظلم العالم، قصدتُ الشاطئ حاملاً قِدر من الزفت الساخن. كنتُ قد قررت التلاعب بتوازن إدوين. شُيد الزورقان بكل دقة حتى إن كل جانب كان يماثل الآخر، الجرام مقابل الجرام. وبتغليظ ما بين الألواح في أحد الجانبين بمقدار وافر من الزفت، كنتُ متأكداً أني سأربك ضربة مجداف إدوين بما يكفي لأظفر أنا بأفضلية فعالة.

بحيرتنا بحيرة كبيرة مليئة بالجُزر. تتردد عليها طيور ترسل صيحات تشي بالتهكم والحزن. فيها يغيب الآخرون عن عينيّ المرء بسهولة ويسافر الصوت منحرفاً ليرتد عن الأجراف الصخرية. ثمة هياكل عظمية طائرة وكلاب عائمة وكهوف تحوي أرواح الأطفال الصغار وحالات طقس لا تبرأ من الغضب. نكن لها حباً جماً ونحيط بأسرارها – بجزء منها على الأقل، وليس كلها. وليس السر الذي ابتدأتُه.

كنا سننطلق من أقصى الطرف الشمالي للبحيرة وننتهي إلى جنوبها حيث أشعل أعمامنا النيران وأحضروا الكمنجة ملفوفة في قماشة حمراء داخل صندوقها الفاخر. بدأنا معاً ونحن نتبادل المزاح. أتتذكر يا إدوين كيف جدفنا عبر أول مضيقين، نطلق ضحكاتنا فيما نضاعف جهودنا، وكيف قلتُ – لمّا أثقل عليّ ما فعلتُه بالزفت الناعم – "ربما من الواجب أن نتقاسم الشيء اللعين برغم كل شيء."

ندت عنك ضحكة وأبلغتَني بأن خيبة أمل ستحل بأعمامنا المنتظرين هناك وأن الحال لن يختلف عن السابق حين تفوز بالمسابقة عدا أن الجميع سيعلم أن إدوين هو الملاح الأسرع. وعدتُك بنفس الشيء. ثم انحرفتَ خلف صخرة رفيعة وسلكتَ طريقك المختصر السري. اضطررتُ إلى التوقف بين الحين والآخر أثناء التجديف لأنزح الماء عن الزورق. حسبتُ في البداية أن تسرباً بطيئاً تكوّن في الزورق لكني فطنت مع مضي الدقائق إلى ما جرى. في الوقت الذي كنتُ أطلي فيه المزيد من الزفت، كنتَ تثقب قاع زورقي. الحق أني لم أتعرض لأي خطر، وحينما غيرتْ الريح اتجاهها بغتة وطفقتْ تعصف – بلا رعد أو برق، فقط لطمة من المطر البارد – فرت مني ضحكة وشكرتُك. فما أخذتُه من ماء عاون في الحقيقة على تثبيتي. طفا زورقي في مستوى أدني ولبث في سبيله. لكنك غرقتَ. فالأسوأ هو فقدان التوازن. لا بد أنك انقلبتَ رأساً على عقب.

 

لا تبالي نيران العراء بالجمر في الشاطئ الجنوبي. ألتف في البطانيات دون أن يغمض لي جفن. أرصد ما حولي. في البداية حين تكون في انتظار أحدهم، يغدو كل ظل وصولاً ثم تصبح الظلال نفسها مادة للفزع. نفتش عنك تفتيشاً، نهتف باسمك حتى تكل أصواتنا وتصير همسات. بلا جواب. وفي أحد أحلام العجوز ينقلب كل شيء، كل شيء يمضي عكس اتجاه الشمس وعكس عقارب الساعة مما يعني أن الحلم نابع من عالم الأرواح. ثم يراك هناك في حلمه، تمضي أنتَ أيضاً في الاتجاه الخاطئ.

عاد الأعمام إلى منازلهم ومراعيهم وأطفالهم وزوجاتهم. وأنا وحدي على الشاطئ. ترخي الظلمة سدولها فيعلو صوتي بالغناء لك. تتعالى الشمس فأنادي عليك عبر المياه. تجيبني النوارس البيضاء. ومع مرور الوقت، أبدأ بالتسليم بفعلتي. أبدأ بالوقوف على الحقيقة.

تركوا الكمنجة هنا معي. أعزف لك كل ليلة يا أخي، ولمّا أوهن العزف ذراعي، دفعتُ بكمنجتنا في الزورق وأرسلتُها إليك كي تعثر عليك أياً كان مكانك. لن أضطر إلى ثقب قاعدته ليسافر إلى قاع البحيرة. سوف تتكفل ثقوبك يا أخي بالحركة كما تكفلتْ حركتي بك.

 

V

 

لا ريب أن الزورق لم يهبط إلى قاع البحيرة ولم يضل طريقه. إذ عثر الزورق وكمنجته في نهاية الأمر على بيس آخر من خلال شخص شامينجوا. لقد نقبتْ الكمنجة طويلاً، ما تطرق إليّ الشك في ذلك. لأن ما استوقف عقلي وما أيقظني في منتصف الليل كان تاريخ الخطاب: 1897. لقد تحدثتْ الكمنجة إلى شامينجوا وهتفتْ به في البحيرة ما يربو على عشرين عاماً بعدها.

"ما رأيِك في ذلك؟" سألتُ جيرالدين. "هل لك أن تفسري مثل تلك الأحداث؟"

رنت إليّ بنظرة ثابتة.

ولم تزد عن قول: "لا علم لنا بشيء." تزوجتُها وآوينا كوروين. ترقد الكمنجة مدفونة بين ذراعيّ الرجل الذي أنقدتْه فيما يعزف الآن الصبي الذي أنقذتْه هو الآخر ليجني مالاً ويحقق نجاحاً هنا فوق سطح الأرض. أقوم بعملي. لا أدخر جهداً كي أحسن إصدار القرارات الصغيرة. أحاول ألا أشتهي الأشياء الأعظم، ألا أشتهي التفسيرات الأعمق. لأني قد قضي عليّ بالسهر على هذه الرقعة الصغيرة من الأرض، بالحكم على شقائها وسرد قصصها. هذا هو أنا. مي’ساجو إوي.

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                      

 

 

 

 


* الجيج: موسيقى سريعة مفعمة بالحيوية

* الريل: موسيقى اسكتلندية الأصل تتدفق نشاطاً

* آ ك ج: آثار الكحول على الجنين

* م ج ك: متلازمة الجنين الكحولي

* ا ن ا: اضطراب نقص الانتباه