مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون          albawtaka@albawtaka.com              تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 
 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد السادس والعشرون، يوليو 2010

Twenty-Sixth Issue, July 2010

 

 

 

تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد السادس والعشرين من مجلة البوتقة

 

 

 

 

 

تكرم تشارلز لامبرت بالموافقة على نشر قصة "أريج القرفة" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Lambert was so kind to permit the publication of the Arabic text of "The Scent of Cinnamon" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Lambert a great debt of gratitude for his kind permission.

"The Scent of Cinnamon" by Charles Lambert. Copyright © 2005 by Charles Lambert. Originally published in One Story, October 2005. From his story collection, The Scent of Cinnamon. Copyright 2008 by Charles Lambert. Published by kind permission of Blake Friedmann Literary, TV and Film Agency Ltd. All rights reserved.

 

Special thanks go to Ms. Turid Weingartz from Blake Friedmann Literary, TV and Film Agency Ltd for suggesting the story and cooperating with the review in obtaining this permission.

 

 

 

أريج القرفة

تشارلز لامبرت

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: Jul.-01-2010

 

 

 

 

المجموعة القصصية أريج القرفة

 

 

 

 

     العزيزة السيدة بين

      لقد أعطاني المُوَقَّر وير – قس الجالية الإنجليزية هنا – اسمك. إنني رجل صريح كل الصراحة, وسوف أَدخل مباشرة في الموضوع. أنهى وير إليّ أن زوجك مات مؤخراً وأمسيت بلا مورد. وقد اقترح عليّ أنك قد ترغبين في الزواج برجل بمقدوره مدك بما تحتاجين إليه من أمان وعطف. وقد أوحى إليّ أنني قد أكون هذا الرجل. عندي من الأسباب الوجيهة ما يجعلني أثق في حُكم وير على هذه الأمور, لأنه قبْل كل شيء يَعرفك حين كنتِ فتاة غير متزوجة ويشيد بتربيتك واحتشامك وذكائك. ومن جانبي أعرض عليك رجلاً في السابعة والثلاثين من العمر, تسع عشرة سنة منها عاشها خارج بلده. أمتلك مزرعة يعدو فيها الخيالة. أتمتع بلياقة بدنية عالية وصحة سابغة ومَظهر مُرضٍ بما فيه الكفاية – لو وثِقنا برأي وير في هذه المسألة أيضاً – مما قد يجعل طلبي ليدك طلباً ملائماً لا يَعدم إمكانية التوفيق.

            يتضمن خطابي صورة. اسم الكلب چاسبر.

            أتطلع إلى ردك.

            المخْلص

            چوزيف بروديريك

سوف يفي بالغرض, حدَّث نفسه. رنا إلى الصورة لحظات فالتقى ناظراه برَجل, كلب أرقط, منزل. ثم طوى الصفحة حولها ودس الاثنتين في الظرف. ميريام بين, تمتم وهو يكتب هاتين الكلمتين بخط صغير واضح الحروف مائل إلى الأمام, وتحتهما عنوان في كورنوول, مقاطعة لم يزرها قط من قبل. ميريام بين كرر بصوت أعلى, وبعدها لفظ: ميريام بروديريك. أجل, سوف يفي بالغرض.

بلَغه الرد بعد انقضاء ستة أسابيع, واتسم بالإيجاز.

     العزيز السيد بروديريك

      شكراً على خطابك والصورة المرفقة, فقد شغَل كلاهما ذهني طويلاً. دعني أخبرك في الحال أني على استعداد لدراسة عرضك. ولكن قبل الإقدام على هذه الدراسة سوف أتوخى الصراحة أنا الأخرى. الرجاء الإجابة على سؤال واحد قد يبدو لا صلة له بالموضوع, ولكنه فيما أعتقد وثيق الصلة به. عزيزي السيد بروديريك, هل وقعتَ أبداً في الحب؟

            أرفقتُ أنا الأخرى صورة. وكما ترى لا أربي كلباً. لا أظن أني أحب الكلاب أو أن الكلاب تحبني.

 

            المخْلصة

            ميريام بين

 

تراءت المرأة صاحبة الصورة أصغر مما تتوقع چوزيف. شعْرٌ طويل لملمته من جانب بدبوس شعر وأرسلته من الجانب الآخر لينسدل فوق كتفها. لم يستطع تحديد لونه غير أنه تخيله قاتماً داكناً غامقاً, أحمر يرين عليه البريق. بدت عيناها ورموشها غامقة أيضاً. وعلى الرغم أنها لم تكن مبتسمة, أوحت وضعية ثغرها بأن الابتسام كان غرضه؛ وعلى رزانة صاحبتها, لم تخل من غمازتين في كلتا الوجنتين. كانت ترتدي ثوب الحداد فاستعصى عليه تبين تفاصيل جسدها بيد أنها لاحت هيفاء بل ورشيقة. تميزت يداها المتقاطعتان فوق حِجرها بالصغر واتصفتا بالقوة. أغلق عينيه فلم تزل ماثلة هناك بما يكفي لأن يحركها ويضعها إلى جواره, على الجانب الآخر من چاسبر, حيال منزل شيده لنفسه ولزوجة لم ينلها قط. تطلع إليهما معاً فشعر بدقات قلبه تتسارع كمن طارد خروفاً هارباً عبر الحقل. رد الجواب في نفس ذلك اليوم.

    

     العزيزة السيدة بين

      شكراً على خطابك وصورتك, فقد أراح كلاهما بالي كثيراً. إن استعدادك لدراسة عرضي يملأني بالأمل و – إن سمحتِ لي أن أعترف بمثل هذا الشعور – الخوف. أمَّا فيما يتعلق بسؤالك ذي الصلة فبوسعي أن أجيب بدون خجل بأن حظاً لم يحالفني قط كي أختبر الحُب, وإن كنتُ مقتنعاً بمقدرتي على الحُب.

أتطلع إلى ردك بشيء من اللهفة.

 

المخْلص

      چوزيف بروديريك

 

انصرمت ستة أسابيع أخرى. شرَع بروديريك في رؤية المنزل الذي بناه بيديه من خلال عينين مختلفتين, من خلال عينين داكنتين غائرتين لامرأة الصورة. أرضيات من اللبِن المرصوص, لامعةً من فرط البلى وكأن أحدهم صقلها بالشمع, جدران حجرية مطلية بماء الكلس, نوافذ مجردة من أية زخرفة عارية من الستائر محكمة الغلق بالمصاريع. لم يلحظها من قبل أو عله ظنها تلائم حياة العازب, في مثل صرامة بيئته وتجردها, إلا أنها بثت عندئذ في نفسه الانزعاج والحرج. انقلبت الكراسي مستقيمة الظهر غير مريحة تعوزها المرونة. كيف يمْكن لسيدة الجلوس عليها؟ كيف يمْكن لسيدة الإقامة في منزل تسوده ملامح الذكورة والتقشف لا يَعرف الزينة؟

كان باستطاعته أن يسأل امرأة أخرى عما يمْكن صنعه لجعل منزله مقبولاً بيد أن الحي يفتقر إلى امرأة متزوجة يثق بأنها ستأخذه على محمل الجد. ولا وجود لواحدة تتحلى بالذوق المطلوب؛ فالنساء في هذا المكان تنقصهن التربية والتعليم. علاوة على أن منظره سوف يغدو مضحكاً إن قررت ميريام عدم الزواج به, كهل أعزب وحيد في منزل يحفل بالأهداب والشرائط. كان باستطاعته أن يسأل المُوَقَّر وير, فلديه نظرة في مثل هذا المسائل, ولكنه لم يسأله.

وماذا ستجلب لنفسها لو قررت حقاً المجيء, تساءل في قرارة نفسه. لوحات, أقمشة مطرَّزة, وسائد ربما. آلة موسيقية من نوع ما. لعل أحكم اختيار هو أن ينتظر في المنزل العاري ويدعها تشكله ليصير بيتاً تعتبره بكل سرور بيتها, بيت الزوجية الجديد في عالمها الجديد. ثم ارتسمت في مخيلته صناديق ثيابها وهي مكدسة بحرص إلى جانبها على رصيف الميناء, دستة صناديق مطوقة بالحديد تنوء عربته بها. أحياناً ما كان طيفها يتجلى لعينيه غاية التجلي حتى إنها تتراءى وكأنها هناك بالفعل إلى جواره فيهز رأسه إلى أن تغيب عنه وتَلحق به الوحشة.

عندما أتى خطابها الثاني, راحت يده ترتعد. تعالى نباح چاسبر وحك خصره بمخلبه. "كل شيء على ما يرام يا ولد," هدَّأه بروديريك. "كله على ما يرام."

وقد كان.

***

يوم توقَّع بروديريك وصول ميريام بين على مركب التوابل شد أحسن أحصنته إلى عربته وانطلق قبل الفجر. كان يرتدي ياقة بيضاء متيبسة وبذلة بنية من الصوف المتين ابتاعها لحضور جنازة صديقه الأول والوحيد, رَجل من ويلز ساعده على تعيين حدود المزرعة بالأوتاد وتسييجها وتزويدها بالمؤونة قبل أن يموت من جراء التهاب الرئة منذ اثنتي عشرة سنة خلت. فاتت ستة أعوام ثم أطلق بروديريك على كلبه اسم المتوفى, چاسبر, كلب كان يَجلس لحظتها بجانبه والعربة ترتج فوق دروب المزرعة في اتجاه طريق سوف يأخذهما إلى الميناء. أحس بالبذلة في منتهى السخونة والضيق عند الخصر؛ زاد وزنه منذ الجنازة.

عندما علت الشمس في كبِد السماء كان يتصبب عرقاً. وبحلول الصباح الباكر خلَع ثيابه حتى الصدار والحمالة وفك أزرار بنطاله عند الخصر. واصل قيادة العربة شاعراً بالعرق يجف على جلده. قام في خاطره أن التهاب الرئة الذي أودى بچاسبر بريس بدأ هكذا فتوقف على جانب الطريق ليلبس قميصه وسترته وياقته البيضاء المتيبسة وربطة عنقه المعقودة بعناية. كانت الحرارة تغوص في عظامه حين دار في ذهنه أن الموت يوافينا جميعاً بطريقة أو بأخرى, من النار أو الثلج. من العشق أو نقص العشق.

حين انزلقت إحدى العجلتين الخلفيتين للعربة في أخدود وأبت أن تتزحزح, ندت عنه الشتائم همساً ووثب إلى الطريق المغبرة, خلَع سترته مرة أخرى ووضعها مطوية على المقعد وزلَّق حمالتيّ البنطال عن منكبيه. دفَع العربة إلى الأمام وإلى الخلف صارخاً بالحصان أن يتحرك. مضت نحو نصف ساعة قبل أن تعود العربة إلى الطريق. سيطر عليه إحساس مباغت بالضعف فجلس على حافة الطريق بجوار العربة. طفقت ذراعه اليسرى توجعه بعد أن أنهكها الدفع فيما حسب. تعاظم الوجع بعد هنيهة, ألمٌ مبرح حاد تصاعد من معصمه إلى كتفه. استشعر انقباضاً ينتقل إلى القلب. ارتفعت يده إلى ياقته كي ترخيها وتسمح له بالتنفس.

فتَح عينيه ليمد بصره إلى چاسبر وقد فك قيده مبتعداً عنه, ينبح من الجانب القصي للطريق. لاحت الشمس أكثر ارتفاعاً؛ لا بد أن النوم غلَبه. وجَد أن الراحة أفادته, فقد شعر بجسده أقوي من ذي قبل. نَخس الحصان وتبعهما الكلب من مسافة بعيدة. سهُل عليه اجتياز الطريق عند اقترابه من البلدة؛ عله لن يتأخر مثلما اعتقد.

ولكنها كانت الوحيدة المنتظرة عندما انتهى إلى الميناء. بل إن مركب التوابل الذي حمَلها في المرحلة الأخيرة من رحلتها توجه إلى المرفأ التالي على طول الساحل. كانت واقفة في فستان يجمع بين الرمادي والأبيض إلى جانب زوجين من الحقائب الجلدية البنية الضخمة, وعندما وقَعت عيناها عليه رفَعت ذراعاً ولوحت بها. كاد النهار ينتصف. وقفت وحدها لا ثانٍ لها على الأرض المواجهة لميناء كان ليصبح مقفراً لولاها. ألفى شعرها أحمر احمراراً لم يجرؤ على تصوره. ظهَر في ضوء الصباح المتأخر كما المنار. قفز من العربة واتجه نحوها يكاد يركض بينما كان چاسبر ينبح وراءه متجاهلاً إياها. مدت يدها وهو يقاربها وقد تجلت عليه علامات خجل غير متوقَعة؛ طبعت على ثغرها ابتسامة وأومأت برأسها, إيماءة وجيزة إنما واثقة, ففهم أنه نال استحسانها. أخذ يدها بيده ووقف هناك مثله مثل الأبله وهي تقترب منه اقتراباً أحس معه بدفء جسدها يلتقي بجسده؛ لثَمته على خده, الخد الأول ثم الثاني, شأن امرأة فرنسية. "چوزيف بروديريك," نطقت باسمه ورأسها على أحد الجانبين. "ميريام بين," أجابها. "سوف أناديك بچوزيف," قالت وابتسمت. "وسوف أناديك بميريام."

انتابه الارتعاش -- لم يدر أمِن الحمى أم الخوف أم الإثارة -- وهو يُلوح بالحقيبتين فوق العربة ويُقَدم إليها ذراعه, اهتز طرباً حين أخذتها بكل سهولة وكأنها تَعرفه طيلة حياتها؛ وكأنهما زوجان بالفعل. لم تكن تلبس قفازاً, لوَّحت أشعة الشمس يديها. انتبه إلى لون يديها وجال بفكره, سوف تروقها المزرعة. إنها تنتمي إلى هذا المكان.

چاسبر وحده استولت عليه آيات السخط. توقف على بعد ياردة أو ياردتين من كليهما ثم جلس فجأة على مؤخرته برأس مائل ولسان يتدلى من أحد جانبيّ فمه. "هيا, لا بد أن نتحرك," زعق چوزيف بالكلب بمجرد أن جلس هو وميريام معاً واستقرت الحقيبتان في المسافة الفاصلة بينهما. قام چاسبر وسار متردد الخطى صوب العربة على حين ارتفع الشعر النابت أسفل عموده الفقري كما الفرشاة, وبعدها أسرع بتسلق جانب الطريق وقوَّس جسمه في دائرة مُحْكمة عند الخلفية, منكمشاً في أبعد ركن وخطمه أسفل ذيله.

"ينبغي أن ترتدي قبعة," أنبأها چوزيف وهو يلتفت نصف التفاتة إلى ميريام, "لستِ معتادة على هذه الشمس في كورنوول," إلا أن فكرة تغطيتها لرأسها أوقعت فيه قدراً من الضيق وهو يتحدث. تخيل أن باستطاعته أن يشم في ملابسها وشعرها رائحة توابل ارتحلت معها, أريج القرفة وكبش القرنفل. "لا, لا," قالت. "إنني أحب الشمس. لا أصدق أن الشمس قد تؤذيني."

أدرك عندها أنه كان محقاً حين لم يُحَل المنزل بالستائر والسجاجيد. سوف تَقبله كما هو, التجرد والأرض العصية على الوطء, الآن في مثل نعومة الحصاة.

وصلا المزرعة في وقت متأخر من الأصيل. توقع أن يتجاذبا أطراف الحديث غير أنها بدت قانعة بالجلوس إلى جواره ويدها تستند بين الفينة والأخرى إلى ذراعه واليد الأخرى تزيح شعرها برفق عن وجهها لمَّا يحركه النسيم. لاحظ أنها لم تتجمل بحلي فساوره السرور لعطولها. سألته بعض المياه ذات مرة فمد يده خلفه جالباً القارورة. وفيما كانت تشرب, راقب حلْقها, الحياة السارية فيه. عندما أرجعت له القارورة شرب منها في شره دون أن يمسح فوهتها ودماؤه تفور. كانت قد أخذت السدادة من يده؛ أغلقت القارورة بحركة سريعة حازمة وأعادتها إلى محلها وراء مقعدهما وكأنها عادتها طيلة حياتها. وقَع في فكره الاسم, ميريام بروديريك. معاً انطلقا بالعربة منتعشين والصمت يلفهما حتى بان المنزل في الأفق.

رفَع يده وأشار. "هناك أعيش," أعلمها بدون أي إحساس بشق جدار الصمت, فما تفوه به ضروري.

"هناك نعيش," صححت له.

تركته يعاونها على الترجل من العربة, حطت يديها على يديه وهو يطوق خصرها ويرفعها ثم يضعها على الأرض. يا لخفتها! ظن أنها ستنتظر جواره وهو يرتقي العجلة ليأخذ حقيبتيها بيد أنها سارت نحو المنزل ويداها تَرفع شعرها عن جيدها في موجتين عظيمتين من اللون الأحمر, ثم فتحت الباب. تبدت وامضة في الحرارة على خلفية من حائط المنزل المدهون بماء الكلس, لهبٌ أكثر منها إنسان حي. رآها تتوقف لمدة ثانية ثم تخطو إلى الداخل, نحو الظلمة. أنزل الحقيبتين جوار العربة وأطلق الحصان وهَمَّ بقيادته إلى المعلف ليشرب. الحصان أولاً ثم نحن, قام في خاطره. إلا أن الحصان نفر منه. وثب چاسبر من العربة وجعل يتقدم نحوه في حذر, يكاد يتحرك على بطنه كالخائف من ضربة. انحنى چوزيف وحوت يداه رأس الكلب برقة غير أن إجفالا ألم به عندما كشَّر الكلب عن أسنانه وتراجع بعيداً. كان يعي أنه يؤجلها؛ يؤجل لحظة انفراده بميريام في المنزل. خالجه خوف منهما ومما قد يفعلانه.

إلاأن قلقه لم يكن في محله. بمجرد أن دلف إلى الحجرة, سارت إليه وتناولت يديه الاثنتين في يديها وحدقت إلى عينيه.

"إننا زوجان منذ هذه اللحظة," أفضت إليه. "إننا ميريام وچوزيف."

"ميريام," كرر بصوت خافت للغاية حتى إنه تساءل كيف تناهى إليها. قبَّلت ثغره.

"أنا هبة الله لك," قالت. "ذلك معنى كلمة ميريام, هل تَعلم ذلك؟ هبة الله."

"لا أومن بالله." نقل إليها.

 

***

 

غاب چاسبر عن الأنظار في الصباح التالي. وبينما كانت ميريام ترتدي ملابسها, دار چوزيف حول المنزل قاصداً خلفيته وهو ينادي باسم الكلب. ما كان يجب أن يخامره القلق؛ كثيراً ما اختفى چاسبر يوماً أو اثنين بل وثلاثة. ما كان يجب أن يكترث للكلب على الإطلاق, وفي عقله ذكرى بشرة ميريام على بشرته, شفتاها على شفتيه؛ أكثر من مجرد ذكري, إذ حمَلت يده وشعره أريج المرأة, الاثنان جديدان تماماً معهودان كلية, مألوفان لديه. لقد ذاقها, حلوة ولاذعة, في فمه كتابل غريب سمِع عنه دون تذوقه, تابل غريب لحفظ الأطعمة يقي من الموت. ولكن بعد ما أبداه الكلب من تصرفات قبلها بيوم, داخله حقاً القلق. لم يسترح لانكماش الحيوان خوفاً ولا لزمجرته, ولا لأجمة الفرو المرتفع فوق ذيله. نادي ثم نادى, من غير نتيجة. رجَع في النهاية إلى المنزل. كانت ميريام في المطبخ تعد المائدة لطعام اثنين.

"سوف يعود," قال. "مِن طبع الكلاب الغيرة."

"قلتُ لك إن الكلاب لا تحبني," أخبرته.

أراها چوزيف أرجاء المزرعة في ذلك الصباح. صحبها من الزريبة إلى حوض تطهير الحيوانات إلى حظيرة جز صوف الخراف في حمى من العاطفة المشبوبة ما تخيل قط أنها ممكنة, وكأنه فارق الحياة وبُعث حياً في مكان خال من الشدة والعزلة حيث يكِن له شخص آخر كل الإعزاز. كثيراً ما كانت تضع إصبعاً على فمه ثم شفتيها لوقف ثرثرته. اعتمدا على الحائط الخلفي لأحد المباني الإضافية ومارسا الغرام وتنورتها مرفوعة. كان شعرها في فمه وأصابعها متشابكة خلف رأسه وأنينها الخفيض في أذنه.

مر اليوم الأول على هذا النحو, وكذا الثاني, ولا يزال چاسبر من غير أثر. وعند نهاية الأسبوع, حينما لم يَرجع الكلب, أخبرها چوزيف: "ينبغي أن أقصد البلدة لأستطلع الأخبار." لم يأت على ذكر چاسبر. كانا جالسين معاً خارج المنزل, تحت ظلة بناها چوزيف من الخشب وكستها ميريام بملاءات من الدانتيل طيَّرها النسيم الدافئ ولف حواشيها.

"لا تقلق عليه," قالت.

أمسك چوزيف لحظات. "أظنه من الواجب أيضاً أن أتحدث إلى المُوَقَّر وير," أبلغها, "بشأن زواجنا."

"آه, لا داع للاستعجال," قالت. اتكأت على كرسيها ورفَعت ذراعيها. كانت تَلبس ثوباً فضفاضاً, سقَط الكُمان فأبصر الجلد الشاحب الناعم لباطن أعلى ذراعيها. ركَع قبالتها ودفن وجهه في حِجرها. "أحبك," كاشفها.

 

***

 

انقضى شهر تقريباً قبل أن يقود چوزيف عربته إلى البلدة. ترجى ميريام أن تأتي معه ولكنها رفضت؛ لديها الكثير لتضطلع به في البيت. ما أرادت أن يَذهب على أية حال؛ ولا حاجة بحق إلى الذهاب عدا إحساس بالضجر يكاد يستحيل إلى قلق طفق يراود چوزيف. البادي له أن أشغال المزرعة لم تستغرق وقتاً على الإطلاق. كل ظهيرة في مثل دفء الأصيل الفائت وإشراقه, كل صباح يعمه الانتعاش والهواء الطلْق. كرَّس النهار والليل لميريام, ومع ذلك حين كانا يتمشيان حول المنزل والحقول القريبة كما هي عادتهما كل أمسية, لا يعثر على علامة من علامات الإهمال أو سور معطوب أو حيوان في حاجة. لا بد أنه يَقوم ويعمل وهو نائم, جري ببال چوزيف.

أخبرته في النهاية أن ابتعاد أحدهما عن الآخر ساعات قليلة سوف يفيد علاقاتهما. كتبت له قائمة بأشياء تحتاج إليها من أجل الخياطة ورتق الملابس, خيوط من الحرير, أزرار, شرائط مطاطية؛ سوف يضطر إلى قصد متاجر لم يقصدها قط من قبل. قرر أن يريهم القائمة بدلاً من لفظ الكلمات, فلفظها سوف يُلحق به خزياً ما بعده خزي. وبعدها سيمضي إلى المُوَقَّر الذي نمى إليه حينئذ نبأ وصول ميريام, ولا بد أنه تساءل أين هما.

لم يعتل الحصان منذ قدوم ميريام. علا صهيله وشَب وهو يسير نحوه والسرج بين ذراعيه وكأن راكباً لم يركبه البتة من قبل. لم يسمح بتعليق السرج على ظهره إلا حين انحصر لصق السياج.

كان يَبعد ثلاثة أميال أو أربعة عن المزرعة عندما التقت عيناه بچاسبر, يتنشق عجلة مكسورة في إحدى العربات المهجورة. لم يَعرف الكلب في البدء, ولكن لا بد أن چاسبر ميزه لأنه نأى عن العربة مترنحاً في اتجاه المصرف ووقف هناك مسدداً إلى چوزيف عينين محملقتين قبل أن ينصرف. نتأت ضلوع الكلب ووركاه من جلده المغطى بالثمار الشائكة وغبار أشبه ببزة بنية ضاربة إلى الرمادي. تمزقت إحدى أذنيه ونزفت منها الدماء فيما غشي الذباب الجرح. ارتفع لهاث الكلب في الحر وهو يتمايل قليلاً في مشيته بحذاء الطريق ماضياً في نفس اتجاه الحصان. ناداه چوزيف بيد أن الأسى نال من قوة صوته فيما بدا أن الكلب لم يسمعه. لم يُبد چاسبر أي رد فعل إلا حين حاذاه چوزيف ووثب من السرج على بعد ياردة واحدة ليس إلا. غاص الكلب على بطنه كاشراً عن أنيابه ورجلاه الأماميتان تمتدان قُدَّامه. دنا چوزيف منه فأصدر هريراً طويلاً بطيئاً تفاقمت طبقته ليتحول إلى عواء يطفح كرباً من مؤخرة حلْقه. "چاسبر," قال الرجل ملاطفاً وهو يمد إليه يدين مرتعشتين. "چاسبر." تقهقر الكلب متملصاً منه وبطنه يجرها دون أن ينهض عن غبار الطريق بينما شابه العواء في حلْقه الدوران البطيء لترس السُّقاطة. هز رأسه فنفض سرب الذباب عن جرح أذنه, عاد الذباب وحط عليها مجدداً.

اعتدل چوزيف وهو يهز رأسه ثم قام راصداً الكلب وهو ينسل بهدوء. انتظر إلى أن سار اثنتيّ عشرة ياردة قبل أن يناديه باسمه من جديد. التفت الكلب عند ذاك وتفرس فيه ليشيح چوزيف بوجهه والارتباك يعتريه. وفي النهاية, وبقلب يثقله الهم, امتطى مرة أخرى الحصان الذي ارتد عنه وهو يُلوح برجله فوق السرج. أرسل عينيه إلى العربة المكسورة المتروكة ليشوبها الصدأ والنخر. لا بد أن عربته علِقت في أخدود قريب من هذا الموضع, تفكر, فارتفعت يده إلى قلبه.

بدا ميناء البلدة شاغراً مثلما وجده يوم وفود ميريام. غص الهواء برائحة حبوب الهال والزنجبيل والقرفة وكبش القرنفل؛ تطلع عبر المياه بحثاً عن مركب التوابل وقد صار نظره ضبابياً بفعل صور ميريام, فليس بمقدوره رؤية شيء عداها, أصابعه في شعرها, يداه حول خصرها, لقد امتلأ الهواء بها. كان يتجول أشبه بالثمِل ناحية صف من مَحال التجار حين شد انتباهه إعلان ملصق على أحد الجدران فعبَر الطريق ليقرأه. أعلن عن غرق إحدى السفن في هذه المياه منذ شهر مضى؛ لم ينج أحد. جرت عيناه سريعاً على قائمة الموتى, بحكم العادة. فهو لا يعبأ بأي شخص عدا ميريام. للعالَم بأكمله أن يموت – تفكَّر – طالما هي وهو على قيد الحياة.

ثم ارتطمت عيناه باسمها.

وقَف بعد عشر دقائق أمام المُوَقَّر وير, يصرخ ويُلوح بذراعيه. كان الرجل يتحدث إلى مجموعة من العجائز عن الطقس مشيراً إلى أنه انقلب إلى الأسوأ في الأيام القليلة الماضية, يا لها من عواصف رهيبة. حاول چوزيف القبض على قماش ردن القس إلا أن يده الباردة لم تمسك شيئاً. وكأن لا وجود له هنا. ذات مرة واحدة فقط حوَّل القس عينيه في اتجاه چوزيف وحاق به الإجفال كمن أبصر شبحاً.

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.