مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت أنجيلا نيومان بالموافقة على نشر قصة "عيد كل القديسين" في مجلة البوتقة.

Ms. Pneuman was so generous to permit the publication of the Arabic text of “All Saints Day” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Pneuman a great debt of gratitude for her kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

عيد كل القديسين

أنجيلا نيومان

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

طرق علاج منزلية

 

 

سرت الأقاويل بأن ولد المبشر مسه عفريت وإن كان من المفروض ألا يتسرب الخبر. كانت أسرة بويد تزور بلدة إيست ويندر خلال عطلة نهاية الأسبوع فقط بيد أن الخبر قد تناهى بالفعل إلى برودينس – ثمانية أعوام – من أختها الأصغر جريس التي سمعته من صديقتها الجديدة آنا التي سيطرد أبوها العفريت. خيل إلى برودينس أن العفريت المطرود أشبه ببركة من حساء البسلة المفلوقة في حجم ممسحة الأرجل تجول في الغرفة ككتلة لا معالم لها محاولة التسلل إلى أجساد الناس. لم يكن أبوها القس يانسي بويد يؤمن بوجود العفاريت أو يتحدث عنها باستثناء التصريح بعدم الإيمان بها، انتهت المناقشة.

"جعلتْ العفاريت رايان كيتير يدهن كل جسمه باللون الأحمر الأرجواني،" أنهت جريس.

"كل جسمه؟" سألتها برودينس، "حتى الجزء الحساس؟"

"هكذا عثروا عليه،" قالت جريس البالغة من العمر ستة أعوام. "جف الدهان وراح يبكي من الوجع لمّا بال."

وقفت الفتاتان أمام المرآة في الحجرة الإضافية بمنزل آل موبيرلي. جرى هذا في ظهيرة الأول من نوفمبر، ستقام ليلتذاك حفلة عيد كل القديسين للأطفال في الكنيسة المنهجية المتحدة الأولى حيث قد يضطلع القس يانسي بويد بمنصب القسيس الجديد. كانت برودينس مشغولة بشق فتحة في قطعة من ملاءة بنية قديمة ليمر منها رأس جريس. لا بد أن يقصد الجميع الحفلة متنكرين في شخصية من شخصيات الكتاب المقدس لذا كانت تبدل هيئة جريس لتصبح يوحنا المعمدان برأس موضوع على طبق كبير.

"لا وجود لحاجة اسمها عفاريت،" قالت برودينس، وما قالت هذا سوى لأنها لم تسمع الخبر أولاً. انقضّت على الملاءة بمقص ذي شفرتين كليلتين كسكاكين الزبدة. وعندما تمكنت من عمل فتحة ألقت بالملاءة فوق رأس جريس.

كانت عائلة رايان كيتير كلها مبشرين. رجعوا من أفريقيا قبل الميعاد المحدد بسبب العفريت وأقاموا ببدروم الكنيسة إقامة مؤقتة إلى أن يجدوا منزلاً. طفقوا يطبخون فوق موقد كهربائي ويستحمون بإسفنجة مبللة. اعتقدت برودينس أن أسرتها هي الأحق بالمكوث ببدروم الكنيسة بما أن أباها هو الشخص الذي قد يغدو قسيسها. كان قد حصل على درجة الكهنوت بثلاث ولايات. وفي منزل آل موبيرلي زنقوا الفتاتين في غرفة معتمة تسكنها الرطوبة وتفيح منها رائحة زيت المحرك. كانت الغرفة تُستعمل كمرآب قبل أن تجددها أسرة موبيرلي من أجل ابنتهم التي كبرت الآن. التقطت عينا برودينس بالفعل أم أربعة وأربعين مرتين، واحدة تتموج في شق بين قوالب الأسمنت وثانية خلف صورة ليسوع يحف بها إطار فوق السرير.

"يحلو لرايان أن يبقى في غرفة مظلمة،" أسرت جريس إليها وهي تدفع رأسها عبر فتحة الملاءة. "ولا يكلم أحداً سوى أمه."

"ربما ليس لديه ما يقوله،" نبست برودينس وهي ترشقها بوجه مقطب. لا تزال جريس تبدو مثل جريس عدا أنها كانت متلفعة بملاءة بنية وخصلاتها الشقراء تتشعث من رباط شعرها بلا أي تشابه أياً كان بينها ويوحنا المعمدان.

ظهر يسوع في الصورة أعلى السرير وهو يلبس رداء بكمين منتفخين وحزاماً يلتف حول الرداء. كانت برودينس تحتاج إلى شيء لربطه حول خصر جريس فأخذت تفتش في علبة كرتون بها نثريات أعطتهما إياها السيدة موبيرلي. في بيتهما بنورث كارولينا كانت أمهما تحتفظ بالفوط والستائر القديمة في صندوق كبير للتخزين وأي حبل من حبال الستائر كان سيحل المشكلة. إلا أنهما لو كانتا في البيت ما كانتا سترتديان كشخصيتين من الكتاب المقدس للذهاب إلى إحدى الحفلات بل ستقضيان الليلة الفائتة في جمع الحلوى من المنازل. كانتا ستتبادلان زييّ السنة الماضية – برودينس كمصباح للأرضية وجريس كقلم شمع أزرق – فأمهما لم تكن في حالة تتيح لها تجهيز أزياء جديدة. وهنا في بلدة إيست ويندر بكينتاكي لا أحد يكترث لجمع الحلوى أو تدبير المقالب فالهالوين شكل من أشكال الوثنية.

"يعتقد أبو رايان أن عفريتاً يركبه إنما أمه ليست متأكدة،" أعلمتها جريس. "أخذاه إلى الدكاترة لكن الدكتور ليس بيده شيء في مواجهة العفريت. آنا رأت رجلاً عليه عفريت يبلع سيفاً في تينيسي وعفريتاً آخر يثني رجلاً نصفين عندما حاول أبوها صرفه."

تعمدت برودينس ألا تبالي بكلامها. فقالت، "صحيح؟" و "ممم،" في حين كانت تستخرج وشاحاً وتعقده حول خاصرة جريس ليتهدل طرفاه، ثم طفقت تجذب الملاءة حيناً وتدسها حيناً. اعتمدت يداها على جنبيها وتراجعت قدماها خطوة لتمعن النظر. "معقول،" أعلنت. "سنرسم لك ذقناً بقلم العيون لكن لا بد أن يكون معك سكين أو بلطة لإضفاء شيء من الواقعية. وطبق كبير."

وقفت السيدة موبيرلي حافية القدمين أمام حوض المطبخ، كانت تقشر بعض التفاح لعمل فطيرة. عانقت قدماها السمينتان مشمع الأرضية فبدا وكأن ظفريها الصغيرين لا أثر لهما. كانت أم برودينس – النائمة لا تزال في غرفة الزوجين موبيرلي بالطابق العلوي – تأمر برودينس دائماً بانتعال حذاء؛ لو ود أحدهم أن يرى قدميها عاريتين سوف يطلب منها كشفهما.

"ما هي أخبار الأزياء؟" تساءلت السيدة موبيرلي بفم يمتلئ بقشر التفاح. كانت ترتدي مريلة ذات مربعات زرقاء وبيضاء فيما صنعت أغطية من نفس القماش لمحمصة الخبز وآلة القهوة وأجهزة أخرى صغيرة لم تتعرف برودينس عليها من شكلها.

"تمام،" أجابتها برودينس. "ممكن من فضلك أن نستلف ساطوراً؟"

"ساطوراً؟" تسمرت يدا السيدة موبيرلي فتوازنت السكينة فوق تفاحة مقشرة منزوعة القلب. تراءت التفاحة عارية باردة. "أية شخصية من شخصيات الكتاب كانت تستخدم ساطوراً؟"

"هذا سر،" بادرت برودينس قبل أن يتأتى لجريس فتح فمها.

"ساطور في الكنيسة؟ لا أظن،" رفضت السيدة موبيرلي. "قد يؤذي أحداً. عندي فكرة ثانية، ماذا لو ذهبتِ كراع؟ عند السيد موبيرلي عصا قديمة في مكان ما. أو مريم؟ لم تستعمل مريم أبداً الساطور."

"لن يستعمل أحد الساطور،" أكدت برودينس.

"إن السواطير حادة،" حذّرت السيدة موبيرلي. "فهي ليست لُعباً. لا أظن أن أمك سيطيب لها أن أسمح لكِ بالتوجه إلى الكنيسة بساطور، فلديها من المتاعب ما يكفيها." ثم شرّحت السيدة موبيرلي التفاحة ثماني شرائح بأربع ضربات سريعة. "أخبرني أبوكما أنها تحب فطيرة التفاح."

"إنها بخير،" قالت برودينس. "هي فقط متعبة."

رنت السيدة موبيرلي إلى برودينس وافتر ثغرها عن ابتسامة يوجهها أحياناً الكبار إلى برودينس، شفتان تنسحبان فوق أسنان مطبقة في صبر. ثم تبسمت السيدة موبيرلي إلى جريس التي كانت ترمق قدميها. "ماذا تلبسين يا جريس؟" سألت السيدة موبيرلي. "دعيني أخمن. أنتِ مريم المجدلية أو راعوث."

هزت جريس رأسها.

"أستير؟"

"رجل،" قالت جريس.

"موسى؟"

"هذه مفاجأة،" أعادت برودينس على مسمعها. "ممكن أن نأخذ ورق ألومنيوم؟ سنحافظ عليه حتى تستخدميه مرة أخرى في تغطية شيء."

"ورق ألومنيوم ممكن،" وافقت السيدة موبيرلي وأعطتها العلبة. "اسمعا يا بنات،" قالت مبتسمة من جديد. "ما رأيكما حتى الآن في الزيارة؟ هل تظنان أنكما قد تحبان العيش هنا؟"

"نحن لن نعيش هنا،" صححت برودينس. "سنعيش في منزل خاص بالقسيس كما هو الحال هناك في بيتنا."

"آه، نعم،" فاهت السيدة موبيرلي. "هذا قصدي. إن إيست ويندر بلدة هادئة وفي اعتقادي أن الإقامة هنا ستعود على أمكما بنفع كبير."

حملقت برودينس في وجه السيدة موبيرلي رافعة حاجبها الأيسر، حركة علّمتها لنفسها. لم تتبين برودينس لوناً محدداً لعينيّ السيدة موبيرلي. أبصرت أسفل إحدى عينيها عِرقاً قصيراً أزرق اللون يسري تحت جلدها مثله مثل خط قلم باهت.

طرفت عينا السيدة موبيرلي طرفة ثم انصرفتا إلى جريس. "وأنتِ يا حبيبتي؟ هل تحبين أن تعيشي هنا؟"

أجابت برودينس عن جريس وهي تشدها ناحية باب المطبخ، "نحن لا يهمنا،" لفظت بصوت يعكس ضجراً ما بعده ضجر.

"لا يهمني" هكذا جاوبت أمهما الاقتراح بالسكن في مكان آخر. اسمها جويس وجملة "لا يهمني" كانت رد فعلها على الكثير من المواضيع، تتفوه بها في الغالب بعد أن ترسل تنهيدة طويلة تشي بالإعياء. ثم تتكلم في الهاتف مع أختها تشار – التي لم تكن تنعم بخلاص المسيح – وبعدها تخلد إلى الفراش وسط النهار لتضطجع في بعض الأحيان أياماً بلا انقطاع. وحين تدخل برودينس لتُقبلها قبل النوم تلفيها تغط في سباتها ورائحة الكتب الرطبة تتطاير منها. عزا يانسي حالتها إلى الطفل الذي مات قبل أن يولد في أغسطس لكن حين مكثت الخالة تشار معهم أسبوعاً استبعدت الفكرة وأنهت إليه بأن جويس ترتد إلى طبيعتها أيام الكلية أو أنها أفاقت أخيراً من غفلتها وبدأت تنهار الأمر الذي كان من المفترض أن يتوقعه. سألها يانسي عما تعنيه غير أن الخالة تشار قالت إنها لا تعني شيئاً، لا تعني شيئاً البتة، وأردفت أن جويس ينبغي أن تتحمل نتائج تصرفاتها. (ألِفت جويس أن تتفاخر – وهي تروي قصة إيمانها – بأن أسرتها في مدينة جرينفيل حسبتها مجنونة لأنها تحب الرب. كانت خلال نشأتها تمضي مرتين سنوياً إلى كنيسة منهجية وليست إنجيلية. أرشدتها عظات يانسي إلى طريق الخلاص قبل أن يتزوجا، وقد فطنت برودينس إلى أن الخالة تشار لم تعجبها تلك الحقيقة على الإطلاق.)

ورجوعاً إلى الحجرة الإضافية، أفرغت برودينس علبة الكرتون من النثريات وقصتها عند الثنايا ثم وضعت منتصف جانب طويل من جوانب العلبة فوق رأس جريس لترسم عليه دائرة. قصت الدائرة وأخيراً لصقت بها صفحات من ورق الألومنيوم. ثم وضعت الطبق كله فوق رأس جريس وحشرت جزءاً من ورق الألومنيوم داخل الفتحة عند عنقها حتى تُثبت الطبق في مكانه.

"اعملي هكذا،" أمرتها برودينس وهي تُميل رأسها إلى جانب وتُرعش جفنيها. "حاولي أن تمثلي وكأن رأسك انقطع من لحظات."

أخرجت جريس لسانها قائلة، "بلاااا،" ورأسها يتدلى إلى جانب. خلّصت رأسها من الطبق وراحت تقص شكل سكين طويل مقوس كانت برودينس قد رسمته على جزء آخر من الكرتون. "حاولوا إدخال رايان كيتير مدرسة عادية الأسبوع الفائت،" نقلت جريس إليها. "والتحق بالصف الأول مع آنا كينج."

"ممم،" فاهت برودينس. أنعمت النظر في دولاب آل موبيرلي حيث عثرت هناك بالفعل على الزي الخاص بها. فوراء المعاطف والسترات وبذل السيد موبيرلي القديمة تتعلق العديد من أثواب الراقصات الضيقة مثبتة في الشماعات بمشابك غسيل، وتنورة باليه وردية شديدة القصر أمسى قماشها التول مسطحاً هشاً كورق الجريدة، كلها ملابس ارتدتها ابنتهما عندما كانت تأخذ دروساً في الباليه. كذلك ألْفت برودينس داخل علبة تقبع تحت التنورة الوردية قميصاً ضيقاً مرصعاً بالترتر كما وقعت على ما يلائم القميص: بنطالاً يلتصق بالجسد وتنورة طويلة شفافة لا تزال بطاقة المتجر تلتصق بها.

أخرجت برودينس الزي وبسطته فوق السرير. كان القميص الضيق أحمر اللون طويل الكمين مخيطة به مرايا صغيرة مستديرة وتطريز أصفر يملأ كل جزء منه. انتهت الرقبة والكُمان إلى أهداب صفراء من الحرير، وعند حاشية القميص – فوق سرتها العارية بالضبط – تدلى من الهداب خرز صغير من الخشب كان يطقطق بصوت خافت.

"وفي حجرة الغداء بالمدرسة وقف عند صندوق الزبالة ليأكل كل ما رماه الآخرون من كعكة الخبز والسبانخ بالقشدة. وعندما ضبطته المعلمة وأرغمته على الامتناع، انتحب باكياً واستفرغ ثم انفجر غاضباً فأخرجوه من المدرسة." أحجمت جريس عن القص والمقص يتوغل في الكرتون لكي تتفرس في الزي. "أأأأه. ومن أنتِ الآن؟"

"سالومي،" ردت برودينس الجواب. "التي طلبت رأسك مقطوعة على طبق."

سارعت برودينس بخلع سروالها وارتدت التنورة والبنطال الضيق. رفعت رجلها إلى جانبها كنوع من التمرين فطار القماش الشفاف في الهواء مع رجلها ثم عاد طافياً إلى مكانه. شف القماش عن كل ما خفي. كانت برودينس قد طالعت صورة لسالومي في كتاب بمكتب أبيها، فتاة سمراء البشرة مبتسمة الثغر حافية القدمين تشد شعرها إلى الخلف وتلبس زياً كثير الشبه بهذا. كانت ترفع ذراعاها فوق رأسها فيما تميل بجسدها، نسخة معتدلة من رقصة خليعة أتقنتها برودينس بعد أن شاهدتها في استعراض راقص بالتليفزيون وذلك قبل أن يكتشف أبوها أنها تتفرج عليه.

لا عجب أن الملك رغب في أن يهب سالومي مشتهاها. لبرودينس هي الأخرى شعر داكن مجعد يقترب لونه من الأسود. لمته إلى الوراء بقوة في ذيل حصان حتى إن عينيها ضاقتا. لفت وركيها في دائرة صغيرة ولوحت بذراعيها أمامها أولاً ثم إلى الجانبين ثم أعلى رأسها.

"هل تعلم السيدة موبيرلي أنكِ ستلبسين هذا؟" سألتها جريس.

"السيدة موبيرلي مزعجة."

"أريد أن أكون شخصية ترقص."

"لا يمكنكِ الرقص برأس مقطوعة."

"أنتِ ليس من المفروض أن ترقصي أصلاً،" قالت جريس؛ وهو أمر صحيح على أن القس يانسي بويد قال إن العلة لا تكمن في الرقص ذاته إنما فيما يفضي إليه.

"هذه حاجة ثانية،" أطلعتها برودينس. "هذا تمثيل."

جعّدت جريس ورق الألومنيوم على نصل السكين الكرتون وجعلت تلون المقبض بقلم أسود ماركة القلم السحري. "ما إن يدخل العفريت حتى يعمل الواحد حاجات غريبة،" قالت. "هم يدخلون لمّا الواحد يصيبه جرح وينزف. لم يسمحوا لآنا بثقب أذنيها. كان رايان يعبر الطريق مع الخادمة في أفريقيا فصدمتهما شاحنة يركبها وثنيون. كانت تمسك بيده، هي ماتت وهو انكسرت ذراعه. برز العظم من جلده وعندها حصل ما حصل. فالعفاريت تنسل من أي فتحة يستطيعون النفاذ منها ولازم أن يطردهم أحد حتى يرجع الواحد إلى طبيعته. سوف يصرف أبو آنا العفريت من جسم رايان هذه الليلة، هذا سر فهي ليست من تلك النوعية من الكنائس لكن أبا آنا يقول إنها لا بد أن تكون واحدة منها."

لبست برودينس القميص الضيق فوق قميصها ومضت تحشو صدرها بفانلة متسخة كانت جريس ترتديها اليوم السابق. "كفاك كلاماً بهذا الموضوع،" أمرتها. "لا بد أن يحزروا في الحفلة من نحن لذا سأطلع أنا أولاً لأقدم رقصتي ثم سأتوقف وأعلن، ’اقطع رأس يوحنا المعمدان، صوت صارخ في البرية يأكل جراداً وعسلاً وهِبني إياه على طبق من فضة.‘ ثم تصعدين خشبة المسرح وتقفين جواري."

"وماذا سأقول؟"

"لن تنطقي بحرف. سنحط السكين على الطبق وصلصة طماطم بدل الدم وما عليك إلا أن تمشي هكذا." ترنحت برودينس حول الفراش. "ممكن أن تنهاري أو فقط تتبعيني. صبرك وسترين أن الكل سيكون مريم ويوسف ونوحاً أو شخصية ثانية غبية."

"احتمال أن يكون هناك عفريت دخل ماما لمّا خرج الطفل،" قالت جريس.

كفت برودينس عن الترنح. "لا،" صاحت. "كل ما هنالك أنها متعبة جداً وتحتاج إلى راحة." ما فتئت برودينس تثبت عينيها في وجه جريس حتى أومأت جريس برأسها. ثم رفعت برودينس قميصها التحتاني لتتأمل شكل القميص الضيق فوق معدتها.

"رايان عليه عفريت صدمة،" تكلمت جريس.

ضمّرت برودينس معدتها إلى أن غارت تماماً. مثيرة. أدبرت المرآة لترنو من فوق كتفها إلى منظر مؤخرتها.

"قد تكون ماما عليها عفريت تعَب،" قالت جريس.

ما برحت برودينس تضمر معدتها حتى آلمتها. "لا تقولي هذا ثانية،" فرت كلماتها من بين أسنان تصر. "هذا أغبى شيء سمعته في حياتي."

 

كان للقس يانسي بويد شعر متموج لا يرتفع كثيراً عن رأسه وعينان فاتحتان للغاية حتى إنهما لم تظهرا زرقاوين على الإطلاق. عندما يشرع في الحديث ينم كلامه عن حكمة. قالت الخالة تشار إن جويس تزوجته لشبهه ببول نيومان ولقلبه المترع بالإخلاص وإن صرحت بأن لا شيء يبرر تلك الفعلة. اعتادت برودينس أن تحيق به نساء باكيات، لذلك لم يستول عليها أي اندهاش حين طفقت السيدة موبيرلي تشاركه أثناء العشاء في الغم الذي جلبته عليها ابنتها.

شبت ميليندا موبيرلي وانتسبت إلى الكلية، بدأ السيد موبيرلي يحكي. (كلية إنجيلية مرموقة، قاطعته السيدة موبيرلي). أسر السيد موبيرلي إليه بأنها خضعت لتأثير أستاذ فلسفة (طردته الكلية في وقت لاحق، أردفت السيدة موبيرلي)، فانضمت في البداية إلى طائفة تنكر الثالوث المقدس وتقول بالتوحيد ثم كفرت بعد ذاك بالرب كلية. هي الآن تعيش في الخطيئة – خارج إطار الزواج – مع رجل إطفاء.

"لم ندخر معها جهداً،" تشكت السيدة موبيرلي. "لقد أعيتنا الحيل."

تدلت فوق المائدة نجفة منخفضة من الزجاج الملون صنعتها السيدة موبيرلي خلال درس من دروسها. كانت النجفة تطرح حلقة من الصلبان الصفراء الصغيرة على حيطان غرفة الطعام المكتسية بالألواح الخشبية.

"إن أساسها متين،" أنهى القس يانسي بويد إلى السيدة موبيرلي وربت يدها. كان تربيت الأيادي من اختصاص جويس في العادة. إذ نهضت هي بمهمة المواساة على حين تولى يانسي مسؤولية الحديث. لم تكن ملامسة النساء بالفكرة السديدة، فقد كان يتصف بوسامة أي وسامة. "حينما ينشأ الأطفال في حضن الرب، يطبع عليهم علامته إلى الأبد. فالأطفال" – مرر يانسي يداً فوق شعر جريس الأشقر – "لديهم طرق خاصة في التواصل مع الرب. قد يكبرون ويجربون سبلاً أخرى بيد أنهم يضمرون في قرارة أنفسهم دراية بالطريق السليم. إنني أعتقد أن ابنتك لها أفضلية لا يستهان بها."

أوحت لهجة القس يانسي بويد بالتشجيع غير أن علامات الأسى لم تفارق وجهه. وجدته برودينس قبل العشاء يجلس على الفراش بجوار جويس، يحاول أن يطعمها بعض البسكويت من صينية أعدتها السيدة موبيرلي. لم تتمكن برودينس من رؤية وجه أمها لكنها التقطت صوتها يهمس بأنها ما كان من الواجب أن تأتي. أبصرت برودينس خصلة مجعدة صففتها اليوم الفائت من أجل الرحلة وقد تسطحت على رأسها.

"إنني عاجز عن الفهم،" جاهر السيد موبيرلي بخصوص موضوع ابنته. كان سباكاً بمنكبين عريضين للغاية لدرجة أن برودينس لم تتصوره بقادر على الزحف تحت أي حوض. شطر بسكويتة وبسط عليها الزبد، وعندما فرغ وضع نهاية البسكويتة بأكملها في فمه.

"قلتُ لها إننا نريدها أن تحظى بالسعادة،" استأنفت السيدة موبيرلي، "فردّت عليّ بأننا نبالغ في تقدير مفهوم السعادة. قالت إنها في أقصى حالاتها سعادة وراضية عن روحها. فسألتُها، لكن هل تدركين يا بيليندا أن يسوع المسيح هو مخلصك الشخصي، تلك هي السعادة الحقة – حضرتَك عارف – فأخبرتني أنها سوف تؤمن لو بمقدورها إلا أنها لا تستطيع. لا أدري ماذا أفعل معها." أمسكت السيدة موبيرلي لاحتساء بعض الماء فخالج يدها القليل من الارتجاف. "لا أحسبنا موعودين بالفهم الكامل، أليس كذلك يا جناب القسيس؟"

انفرجت شفا القس يانسي بويد عن ابتسامة أسبغت على محياه هماً يفوق السابق. "لا،" جاوبها، "لسنا موعودين بالفهم الكامل."

كانت جريس تأكل نتفاً صغيرة. نزل بها فواق عصبي لم يبد البتة للآذان فواقاً عادياً إنما أشبه بأنفاس يشوبها سعال خفيض. كانت تمضغ خدها من الداخل، حركة ممنوعة من تكررها، فقد أدمت جلدها ذات مرة. وكزت برودينس جريس بمرفقها وكزة دفعتها إلى الكف.

 

بحلول الوقت الذي صاروا فيه إلى موقف سيارات الكنيسة مسائها، كان الظلام قد خيم وامتزج الجو بالبرودة. تضوعت أوراق الأشجار برائحة خريف يقبل إلى الشتاء. كانت برودينس قد أقحمت الطبق كما الدرع في صدر سترة وردية طويلة ذات قلنسوة ترتديها جريس حتى تخفيه عن الأعين. خبأت كذلك بجيوب معطفها قلم عيون وأحمر شفاه وأكياس صلصة من مطعم بيرجر كينج. لبست سروالاً فوق البنطال الضيق وطوت التنورة الشفافة، فقد خالت السيدة موبيرلي قد تتعرف عليها قبل أن يحين دورهما.

"أين تقيم أسرة كيتير؟" تساءلت برودينس وهم يسيرون عبر موقف السيارات باتجاه المدخل الخلفي.

"من؟" سألتها السيدة موبيرلي.

"الولد الذي عليه عفريت،" قالت جريس وهي تدوس بكل ثقلها السلالم الأسمنتية المؤدية إلى الباب.

"ماذا؟" فاهت السيدة موبيرلي ثم نقلت علبة ماركة تابِروير تحوي كعكاً إلى يدها الأخرى لتفتح باب الكنيسة. وفي الداخل نزلت إلى مستوى جريس متفرسة في وجهها. "أي عفريت؟"

"ولا حاجة،" ردت برودينس. "كيف تنام أسرة كيتير؟ هل عندهم سرير أم مجرد حصائر ليقيلوا عليها؟ هل لديهم كنبة وكرسي وتليفزيون أم أثاث مدرسة الأحد لا غير؟"

"لا أعرف،" أجابتها السيدة موبيرلي. "لم أره، تعلمين أنه بيتهم الآن إلى أن يجدوا منزلاً ولا يصح أن تهجمي على بيوت الناس فجأة حتى وإن كانوا يسكنون الكنيسة."

"أنا لن أهجم عليهم،" نفت برودينس.

"سوف تنبسطان جداً في الحفلة،" بشرت السيدة موبيرلي وهي توجهما ليهبطا درجات البدروم. "فكرا في كل الصاحبات الجديدات اللاتي ستتعرفان عليهن." خاطبتهما بنبرة مفعمة بالابتهاج وابتسمت بقوة جعلت عضلات فكها تنتفخ.

انحدروا إلى ممر واسع معتم الإضاءة ينتهي آخره إلى غرفة مخصصة للشِركة بين مرتادي الكنيسة، كان بابها المفتوح يشع نوراً وتتدفق منه أصوات مكتومة. تفرعت ثلاثة ممرات ضيقة من جانبيّ هذا الممر الواسع فخف الهواء منعشاً هادئاً من هذه الفتحات المظلمة. تلكأت برودينس وانسلت إلى آخر ممر يسبق غرفة الشركة. جربت أن تفتح بابين إلا أنهما كانا موصدين. حدقت من نافذتين طويلتين ضيقتين تعلوان المقبضين إلا أن العتمة حالت دون أن تلتقي عيناها بشيء.

تراءت السيدة موبيرلي كما الشبح عند مدخل الممر. "أنتِ تهتي؟"

"لا،" قالت برودينس.

اكتظت غرفة الشركة بالأطفال والآباء. ثمة فتاة ترتدي قلنسوة بيضاء رثة من جلد الخروف تنتأ منها أذنان فيما يبرز شعرها المسترسل متيبساً من حول وجهها. توجهت الفتاة مباشرة إلى جريس وعانقتها.

"أهلاً يا آنا،" رحبت جريس. كانت برودينس تنفر من العناق فأعرضت عن آنا لتتفقد نهاية الغرفة حيث قامت موائد تستقر عليها عصائر الفاكهة والحلوى ثم عاينت مقدمة الغرفة حيث راح الأطفال يثبون من منصة خشبية قابلة للطي ترتفع قدماً عن الأرض.

حامت السيدة موبيرلي بالقرب منهما. "لم لا تخلعين معطفك الآن؟" اقترحت على برودينس. "الحجرة هنا دافئة، انظري، آنا لابسة زيها."

"أنا حاسة ببرد،" تذرعت برودينس. "نحن الاثنان نحس بالبرد." وارتجفت بدرجة معقولة ومثلها فعلت جريس.

حسرت السيدة موبيرلي عن ابتسامتها الواسعة.

"الجو هنا قارس البرودة،" أخبرتها برودينس. "لا بد أن يتصرف أحد في المسألة."

لو كان القس يانسي بويد يرافقهم، لأجبرها على إطاعة السيدة موبيرلي ثم عاد معها سريعاً إلى المنزل كي تبدل ملابسها. أبى في الصيف أن ترتدي ثوباً للسباحة من قطعتين تكشفان عن سرتها، فما باله بزي عار للرقص. غير أنه كان ليلتئذ في الجانب الآخر من البلدة في صالة الرياضة بالمدرسة الثانوية، يتحدث أمام مجموعة من الشباب سيبيتون معاً ليلتها في ملتقى ديني. كانت أمهما هي التي خططت لحضور حفلة عيد كل القديسين.

"يسعدني أن أحمل عنك هذا الكعك إلى المطبخ،" عرضت برودينس آخذه علبة التابروير من السيدة موبيرلي.

"أجل، بالتأكيد،" قالت السيدة موبيرلي. "لكن لا تهيمي بعيداً، فسترغبين في لقاء بنات في مثل سنك."

وقفت امرأة طويلة القامة نحيلة القد حمراء الشعر في مطبخ يقع عبر الممر. كانت تقطع حلوى الأرز بالخطمي في الصينيات. "هل أنتِ ابنة آل وديبي الصغرى؟" سألت برودينس.

"لا،" ردت عليها. "أنا ابنة يانسي وجويس الكبرى."

 "آه، أجل،" قالت المرأة. "ابنة القسيس الجديد. أنا السيدة سبود."

"ربما يكون القسيس الجديد،" صححت برودينس إنما بأسلوب لا يخلو من تهذب.

"سيكون، سنحرص أنا وزوجي على أن يصير هو قسيسنا،" أكدت السيدة سبود. رفعت مربعات لزجة بسكين عريض ثم كومتها في طبق. "إن هذه الكنيسة في حاجة إلى شخص يعيدها إلى الطريق المستقيم، فالناس تنتابها بعض الأفكار الغريبة."

"أية أفكار؟" سألتها برودينس.

"أوه، لا تشغلي بالك بهذه الأشياء،" قالت السيدة سبود. "هل هناك زي تحت هذا المعطف الجميل؟"

"نعم،" أجابت برودينس إلا أن مريم صغيرة مرقت لحظتها من الباب حاملة منشفة يد زرقاء كانت غطاء لرأس مريم، أرادت من السيدة سبود أن تعيد تثبيتها فوق رأسها. قادت بعد ذاك امرأة أخرى المزيد من الأطفال إلى المطبخ، إذ آن الأوان أن تصفهم من أجل عرض الأزياء. ثمة اثنتان تتنكران في هيئة مريم، وهناك يوسف، وموسى يحمل ألواحاً للرفس في حوض السباحة بديلاً عن ألواح التوراة، وحمار، وخروف، وراع، ونوح، والملك داود مكلل بتاج من الورق. كانوا في الأعم الأغلب أشبه بمجموعة من الأطفال ترتدي ملابس النوم.

وجدت برودينس جريس وساقتها إلى أحد الأركان. فتحت معطفها وانتزعت الطبق المغطى بورق الألومنيوم. مضت ترسم شارباً بقلم العيون، وبينما كانت مشغولة باللحية إذ شعرت بأحدهم يلكز كتفها.

"حسناً، حسناً،" قالت السيدة سبود باسطة يدها بالقرب منهما لتتحسس الطبق. "ما هي الحكاية هنا؟"

"أرسم لها لحية،" أطلعتها برودينس. "إنها يوحنا المعمدان."

"آه، رائع،" أثنت السيدة سبود وهي تصفق مرة. "ليس لدينا يوحنا المعمدان بعد."

فرشت برودينس خطوط القلم ببنانها على بشرة جريس. "هذا طبقي،" نطقت جريس وهي تحاول ألا تحرك شفتيها.

تناولت السيدة سبود الطبق مقلبة إياه بين يديها في حرص. "مفهوم،" قالت. "لا يبدو كطبق. سيدخل رأسك في هذه الفتحة هنا؟"

تناولت برودينس الطبق من السيدة سبود العابسة لتضعه فوق رأس جريس ثم أخذت تثبته بغرز الملاءة فيه. سحبت السكين الكرتون المقوس من جيب معطفها وحشرته بإحكام فيما بين الطبق وعنق جريس بزاوية تلوح للأبصار وكأنها طعنة. كانت تهم بفض كيس صلصة حين قالت السيدة سبود، "انتظري لحظة."

بدأ الأطفال الآخرون يتحلقون حول جريس. "من هي؟" سألت آنا كينج.

رمت جريس رأسها على أحد الجانبين بعنف وسددت إليهم بياض عينيها ثم ترنحت عدة خطوات كما علمتها برودينس.

"اسمعي،" قالت السيدة سبود. "أنت نبيهة جداً – "

"شكراً،" ردت برودينس.

"– إنما من الممكن أن نستغني عن الدم والطبق والسكينة."

"إنه ليس دماً حقيقياً،" أخبرتها برودينس ثم تحولت إلى الأطفال بعينين محملقتين. "ليس حقيقياً،" قالت. "هذا تمثيل."

"أظن من الأفضل أن ألقي نظرة على زيك أنتِ الأخرى،" قالت السيدة سبود.

"لستُ مستعدة بعد،" أنهت إليها برودينس. "لازم أن أسرح شعري وألبس حلقي."

"هذا هو أنسب وقت،" ألحت السيدة سبود.

"ليس بعد." رفعت برودينس حاجبها الأيسر فما كان من السيدة سبود سوى أن رفعت حاجبيها الاثنين آمرة، "هيا اقلعي معطفك من فضلك يا آنسة."

فتحت برودينس سوستة معطفها بيدين لا تعرفان السرعة وأبقته مغلقاً إلى أن خلعته السيدة سبود عن كتفيها بدلاً منها. وعندما غضت برودينس بصرها، ما تجاوزت عيناها صدر القميص وصولاً حتى قدميها.

حل الصمت بالسيدة سبود وهي تصوب ناظريها نحوها. مصت شفتيها بين أسنانها بما يوحي بالانغماس في التفكير بينما كان الأطفال يقفون خلفها بعيون شاخصة.

أسدلت برودينس التنورة الشفافة حتى بلغت الحاشية كاحليها.

"لا بد أنكِ... ما اسمها،" لفظت السيدة سبود ثم أقفلت عينيها وفتحتهما.

"سالومي،" ذكّرتها برودينس. ورغم أن معطفها كان مخلوعاً وبطنها عارية، شملت الحرارة جسمها. فكرت أن تخلع السروال الذي تلبسه تحت التنورة لكنها قررت العدول عن الخطوة.

"آه،" قالت السيدة سبود. بدت على وشك النطق بالمزيد غير أنها انصرفت حينذاك إلى الأطفال الآخرين لتقودهم إلى خارج المطبخ باتجاه غرفة الشركة حيث أقام الآباء كراسي قابلة للطي. أبلغت شخصيات الكتاب المقدس أن يعتلوا خشبة المسرح الواحد تلو الآخر ويتركوا فرصة للناس كي يخمنوا شخصياتهم ثم استدارت راجعة إلى المطبخ. ردت الباب وإن قرع سمع برودينس بداية التصفيق والضحك.

"اسمعي مني،" قالت السيدة سبود وهي تنزل إلى مستوى برودينس. "إن هذين الزيين في منتهى الابتكار."

"عارفة،" وافقتها برودينس.

"المشكلة هي أن بعض الناس قد يفهمون الفكرة بصورة غلط،" صارحتها السيدة سبود.

"إنهما شخصيتان من الكتاب المقدس،" قالت برودينس. "الكل يعرف كيفية موت يوحنا المعمدان."

"لن يرحب الجميع بالتفاصيل المعروضة أمامهم،" فسرت السيدة سبود. "عليك أن ثقي بي هذه المرة." لوت السيدة سبود ثغرها وكأن أسفاً يلم بها لاضطرارها أن تفعل ما تفعله.

"هذا ظلم،" احتجت برودينس.

وقفت جريس قبالة الحائط وهي تمضغ خدها من الداخل.

استحضرت برودينس ما ترامى إليها من كلمات صدرت عن الخالة تشار لأمها. "ألا تريدي أبداً أن تتحرري؟" قالت للسيدة سبود. "ألا تريدي أن تعيشي قليلاً؟"

"أوه يا حبيبتي،" نبست السيدة سبود. "أنتِ حكاية وحدك. إن طريقاً صعباً ينتظرك، صدقيني." ضغطت السيدة سبود على جبينها بيدها. "اسمعي،" قالت. "ماذا لو ذهبتُ لإحضار اثنين من أردية الجوقة؟ إنها ذهبية اللون وقماشها سميك، ويمكنكما أن تصيرا ملاكين."

"لا أريد أن أكون ملاكاً،" أعلنت جريس وكيس الصلصة بين أسنانها تحاول فتحه.

بلغ برودينس حس السيدة موبيرلي قبل أن تقع عيناها عليها. إذ دلفت إلى المطبخ وهي تطلق نفساً سريعاً لا تنقصه الحدة ويتخلله صوت ما. "أين عثرتِ على هذا؟" سألت السيدة موبيرلي وهي تشخص ببصرها إلى صدر برودينس ثم إلى التنورة الطويلة.

"لقد قلتِ إننا نستطيع استعمال أي شيء،" ذكّرتها برودينس. "لقد أخبرتِنا أن نأخذ ما نوده."

"لم ترتد بيليندا هذا قط،" قالت السيدة موبيرلي وهي تهز رأسها. "فقد وقفنا لها بالمرصاد عند هذا الزي."

"إننا شخصيتان من الكتاب المقدس،" أخبرتها برودينس. "لقد قلتِ أن نجيء في هيئة شخصيات من الكتاب."

"كان القلق يداخلني من هذين الزيين،" باحت السيدة موبيرلي ثم صرفت وجهها إلى السيدة سبود. "كنتُ أعلم أني يجب أن أتفحص ما انتهتا إليه، فالقس بويد مشغول بزوجته المريضة."

"إنها ليست مريضة،" قالت برودينس.

فغرت السيدة موبيرلي فمها ورنت إلى السيدة سبود ثم أغلقت شفتيها.

"ليست مريضة. إنها متعبة جداً وتحتاج إلى راحة." شرَحت برودينس للسيدة سبود.

"إنها تعاني ميكروباً بسيطاً،" أوضحت السيدة موبيرلي.

"حسناً، الظاهر أن هناك ما يجري،" علّقت السيدة سبود.

"إنها ليست مريضة،" كررت برودينس. "ليست مريضة، ليست مريضة." سمعت روحها تعيد وتكرر لكن لم يسعها الكف ولا النطق بجملة أخرى. سدت فمها بعزم لا حد له، إذ خالت صوتها قد يبدو باكياً.

عصرت السيدة سبود كتف برودينس. "كنتُ أقول لبرودينس يا ماري آن إنهما تستطيعان لبس رداءين من أردية الجوقة – تعرفين تلك الأردية الذهبية الجميلة؟ – وتظهران كملاكين. بل إننا بمقدورنا إلصاق أجنحة ورقية أو صنع هالات أو ما شابهها."

"أظننا تأخرنا قليلاً عن تركيب حاجة مبهرة،" قالت السيدة موبيرلي.

فتحت جريس كيس الصلصة وحبسته بين أسنانها. أخذت تضغط عليه بشفتيها لتسيل الصلصة على ذقنها وتتجمع قطراتها الصغيرة الطرية في الطبق الممتد أمام وجهها، ومن هناك بدأت تنزلق بلونها الأحمر انزلاقاً بطيئاً نحو الحافة.

فتحت السيدة سبود باب المطبخ لتطالع العرض. لم يهدأ الأطفال على حال. رفس نوح الحمار وأقحمت مريم رأس يسوع الرضيع تحت ردائها كي ترضعه. "يظهر أني لا بد أن أخرج،" وجهت عبارتها إلى السيدة موبيرلي. "الأردية الذهبية في الدولاب بحجرة التدريب العلوية."

عندما غادرت السيدة سبود، التفتت السيدة موبيرلي إلى برودينس بوجه لم يحاول مجرد الابتسام. "تخلصا أنتما الاثنتان من هذه الملابس العجيبة حالاً ،" قالت بلهجة آمرة، "ثم الزما مكانيكما وكونا جاهزتين لمّا أرجع، سامعين؟ لا أريد أن أعود وأخبر والديكما أنكما لم تشاركا في العرض ولا رغبة لي في شرح السبب."

أبقت برودينس فمها مطبقاً. كانت تحملق إلى الهواء فوق رأس السيدة موبيرلي. سرعان ما مضت السيدة موبيرلي، وفي حين كان صوت خطواتها على السلالم الخلفية يخبو من المطبخ، كانت برودينس وجريس تتجاوزان خلسة غرفة الشركة لتنطلقا إلى الممر الذي أتوا منه.

ما لبثت برودينس أن ولت ظهرها الممر الرئيسي الواسع لتتوجه رأساً نحو واحد من الممرات الضيقة المظلمة التي تقوم بها غرف مدرسة الأحد. دارا حول منعطفين آخرين إلى أن عم ظلام لم تستطع برودينس معه رؤية يدها أمامها. امتد البدروم إلى ما لا نهاية فنزعت ذاكرتها إلى قصة نمت إليها ذات مرة عن متاهة مربكة أيما إرباك لدرجة أنه بمجرد أن توطئها بقدميك، بإمكانك أن تسلك كل مسلك تجده ومع ذلك لن تخرج منها مطلقاً. لن تنفك تجرب منحنيات مختلفة إلى أن تموت جوعاً أو ينقض عليك أياً كان الحيوان أو الوحش الذي وضعوه في المتاهة ليطاردك.

كان الخرز الخشبي بقميصها يرتطم ببعضه بعضاً مرسلاً جلبة خفيضة فطوقت برودينس خصرها بذراعيها لتخمد الصوت. كانت تكابد صعوبة في التنفس كالمعتاد.

"برودينس،" تكلمت جريس بصوت هامس. "أين أنتِ؟" تخبط طبق جريس في الحائط باعثاً صرير خافت.

"هنا." توقفت برودينس فجرت جريس نحوها؛ شعرت برودينس بالصلصة، رطبة ولزجة على ظهرها العاري.

تمكنت برودينس بالكاد من إبصار يدها مرة أخرى، ففي نهاية أحد الممرات أضاء نور ينبعث من نافذة طويلة فوق المقبض. تقدمت برودينس نحو الضوء.

"أنا سامعة غناء،" قالت جريس.

"صه،" أسكتتها برودينس إلا أن الغناء ورد على أذنيها هي الأخرى. بدوا نحو خمسة أشخاص أو ستة. دنت برودينس خفية من الباب لتختلس النظر من أسفل النافذة الضيقة.

ثمة صبي صغير السن نحيل البدن تلتف حول إحدى ذراعيه جبيرة. كان يقتعد كرسياً من كراسي مدرسة الأحد وعيناه مغلقتان. أسند رجلان وسيدة أياديهم إلى عنق الولد ورأسه. كانت السيدة تبكي وتحاول الترنيم في آن واحد. ظلوا يرتلون أغنية تتكلم عن أقدام جميلة تخطو فوق الجبال وتنقل البشرى، أغنية لم تفقه برودينس معناها مطلقاً. تمددت على الأرضية حشيتان عبارة عن بطانيتين تكسوهما ملاءتان.

"دعيني أشوف،" طالبت جريس غير أنها لم تظفر من برودينس سوى بالتجاهل. ضغطت بجبينها على الزجاج.

"لا شيء يجري،" همست بعد هنيهة. "ما هم إلا ناس يحيطون بولد. إنهم يضعون الأيدي." كانت ملمة بمسألة وضع الأيدي – فأحياناً ما كان والداها يلمسان الأشخاص أثناء الصلاة عليهم حتى تنتقل الروح القدس.

ثبّت رجل آخر وسيدة أخرى أياديهم في ظهور لامسي عنق الولد. أرخوا جميعاً أجفانهم وراحوا ينشدون البيت الأول من ترنيمة "قدوس، قدوس، قدوس،" فيما تتمايل أجسامهم مع الكلمات. جعل الرجل الواقف خلف الصبي يتكلم أثناء الغناء لكن شق سماع الكلمات من خلال الباب. فتح الولد عينين تطرفان بسرعة وتقلقلت أصابع ذراعه السليمة عند الحرف الناعم المتآكل للجبيرة.

"من أنتَ؟" سأل الرجل بصوت لا يفتقر إلى العلو ولا العمق، صوت واضح بما يكفي ليبلغ أذنيّ برودينس. وسعها أن تحس بتأثير صوته على الباب.

"عاوِنه أيها الرب،" طلب رجل آخر.

"أجل أيها الرب،" قالت إحدى السيدتين.

قبض الرجل الأول على كتف الصبي. "من أنتَ؟" كرر السؤال فحرك الصبي فمه بيد أن برودينس لم تقو على سماعه.

"هذا صوت أبي آنا،" أطلعتها جريس هامسة وهي تقحم وجهها بحذاء وجه برودينس.

"لا،" قال الرجل. انتهى الغناء فتجلى صوته كتجلي النهار. "لا. إنني لا أخاطب رايان إنما الشر المرابط فيه."

حسبت برودينس الجمع مألوفاً ألفة لا يمكنه معها طرد عفريت. إذ كان الرجال يرتدون بناطيل عادية قديمة وجينزاً فيما لبست امرأة حذاء رياضياً وتنورة. تراءت وجوههم تحت أنوار النيون شاحبة اللون ضخمة الملامح. كانوا يحدقون بأعين نصف مغمضة وكأنما يجتهدون جميعاً في استدعاء ذكرى ما.

"لا شيء يجري،" أعادت برودينس القول إلا أنها لم تستطع الكف عن الفرجة.

ارتقى نظر أبي آنا إلى السقف وشرع في الصلاة. قال إن رايان ليس هو المتحكم في جسده. جاهر بأن قوى الظلام انتهزت فرصة ضعف هذا الولد الضئيل وكشفت روح شريرة النقاب عن نفسها في تصرفاته. صرح بأنه جبن منها أن تستغل ولداً صغيراً بيد أن ذلك هو المنهج الذي ينحط إليه إبليس. عله يبدو مثل هذا الولد الصغير وصوته كصوت هذا الولد الصغير لكن الحق أنه شيء مختلف كل الاختلاف، شيء مراده الحقيقي الوحيد هو تدمير رايان. المحتال، زعق أبو آنا فتغلغلت الكلمة في أعماق برودينس.

دفعت برودينس جريس لتحتل بوجهها وذراعيها قاعدة النافذة بأكملها مالئة الزجاج لئلا ترى أختها. لم تكن تعلم ما سيطرأ وجريس أحياناً تخاف بسهولة.

بدأ واحد من الرجال يرفع يده فوق رأس رايان بحركة بطيئة بطئاً متناهياً حتى إنها بدت كالطافية. وجّه عينيه شطر السقف. "يا صاحب السلطان على الجميع،" نبس حين سكت أبو آنا. "انتصِر على الشر."

راح جسد رايان يرتعد ارتعاداً فانفتحت عينا مرتدية الحذاء الرياضي.

"يخبرنا العهد الجديد بأننا نتحلى بالقوة،" تابع أبو آنا مجدداً فيما سالت دموع رايان. عصر قسماته لتستحيل أصغر من السابق وند عنه أنين. وبذراعه الطليقة حط يده على كتفه محاولاً إزالة الأصابع المتشبثة به.

"أرجوك،" قالت ذات الحذاء الرياضي. "إنه منزعج." أجرت إبهامها في شعر الصبي عدة مرات.

"إنه ليس رايان،" أنهى أبو آنا إليها. رفع راحتيه من خلف رايان ليضعهما على خديه. ارتج رأس رايان إلى الجانبين إلا أن اليدين كانتا راسختين. "إن المنزعج هو قوى الظلام. ثبتيه جيداً فقط."

علا نشق مرتدية الحذاء الرياضي ثم هزت رأسها. سلطت برودينس عينيها على رايان كيتير.

"باسم يسوع المسيح،" قال أبو آنا، "آمرك بأن تغادر هذا الوعاء الأرضي." ارتد صدى صوته – حتى بعد أن أطبق شفتيه – عن حيطان مشيدة من قوالب أسمنتية.

حبست برودينس أنفاسها وهي تترقب أن يبرح شيء جسد رايان. ما بدرت منه أدنى حركة فظنته ربما غائباً عن الوعي. خفف أبو آنا من قبضته على وجه الولد فإذا برايان يهب على قدميه وينتر كتفيه إلى الأمام والخلف ليتحرر من الأيدي. انقلب الكرسي منزلقاً عبر الغرفة على أحد جانبيه. انطلقت صرخة ذات الحذاء الرياضي، "رايان،" وتفوه أحد الرجال، "أوه،" بنبرة خافتة تساورها الدهشة إلا أن أحداً لم يحرك ساكناً. تراءوا كما لو كانوا مجمدين، تمتد أياديهم ما زالت لتتأرجح عندئذ فوق لا شيء على حين ركض الولد نحو الباب.

خطفت برودينس يد جريس وجرتها إلى الممر الخلفي ثم انحرفتا عند إحدى الزوايا. أول حجرة أتياها كانت موصدة إلا أن الثانية كانت مفتوحة الباب. ربضتا في الداخل تصغيان بآذان مرهفة. فاتت برهة مرق بعدها رايان من الباب وصفقه خلفه ثم اندفع صوب الركن البعيد من الغرفة. كانت النوافذ القريبة من السقف تنضح بضوء ضعيف قادم من أعمدة الإنارة بموقف السيارات فاستطاعت برودينس أن تميز هيئته الحالكة قبالة الجدار. أنصتت إليه وهو يتنفس بصعوبة من أنفه ولمّا آنست وقع خطوات أخرى تتقدم بالممر، مدت يدها لتوصد الباب.

مضى الصبي يبكي من جديد مصدراً أنينه الخافت.

مالت جريس إلى برودينس وتعلقت بذراعها فيما نهضت برودينس متقدمة عبر الغرفة والظلام يلفها، اجتازت موائد وكراسي وبيانو عمودي الأوتار. بسطت يدها ومست رأس الصبي فكش منها بعيداً. بدا كما لو كان يكرر "آه لا، آه لا، آه لا." كانت برودينس قد سمعت أولاداً كثيرين يبكون بيد أن هذا الصوت لاح أكبر سناً شأنه شأن الصوت الذي بلغها عندما بكرت بالمجيء إلى البيت من المدرسة لتلفي أمها جالسة وجبهتها لصق مائدة المطبخ، يتصاعد نشيجها وذراعاها تتدليان بجانب الكرسي.

"لا تخف،" طمأنته برودينس. "ما من أحد هنا سواي وأختي."

هزهز أحدهم مقبض الباب ثم طرق زجاج النافذة الضيقة. لم تستدر برودينس. نادت سيدة باسم رايان بصوت مكتوم.

لم ينقطع بكاء رايان. تكيفت عينا برودينس مع العتمة فكان بمقدورها التطلع إليه وهو جاثم أمام الجدار منكمشاً بظهر منحن.

"لا تعيط،" قالت برودينس. "لا ينبغي أن تعيط هكذا، ستنفلق من البكاء." كانت تسدد إليه عينين متفحصتين. لو ثمة ما يسمى بالعفاريت ولو أنها تتبدى كبني آدم وصوتها كصوتهم، تساءلت كيف للمرء أن يعلم أن العفريت انصرف.

"رايان؟" دعت الواقفة عند الباب ثم هرعت خطواتها بعيداً.

"هل راكبك عفريت؟" تساءلت جريس. كان طبقها المغطى بورق الألومنيوم يتلألأ بفعل أنوار الشارع. انثنى حرفه على أحد الجانبين فوق كتفها وتلطخ وجهها وعنقها بالصلصة. نتأ السكين من عنقها بزاوية قدرها خمس وأربعين درجة.

رفع رايان بصره إليها وأرسل نشيجاً فيه نواح يصك الآذان.

جثت برودينس بالقرب منه. "إنها صلصة،" أنبأته ثم جال بخاطرها أنهم قد لا يعهدون صلصة الطماطم في أفريقيا. "إنها متنكرة ليس إلا،" أعلمته برودينس. "إنها يوحنا المعمدان." نقلت إليه حكاية يوحنا المعمدان وسالومي بتفاصيلها، روت له أن الملك راقته رقصة سالومي كثيراً حتى إنه وعدها بتلبية أي مطلب. كانت أم سالومي – امرأة مكروهة – قد وسوست إليها بما تطلبه تحديداً. وحينما أتمت برودينس قصتها، نهضت ووقفت في النور الوافد من النافذة العالية حتى يراها الولد. بات وقتذاك أهدأ حالاً لكنها عندما أمسكت عن الكلام انخرط ثانية في البكاء.

"انتظر،" قالت برودينس. "تفرج عليّ. لم يتسن لي تقديم رقصتي من قبل. عندما ترقص سالومي تفوز برغبتها أياً كانت وأنا أريدك أن تكف عن البكاء." طفقت برودينس تدندن قليلاً بلحن. ما تحرك في البداية سوى يديها ثم سرى الاهتزاز في ذراعيها وكتفيها لينحدر إلى شتى أجزاء جسمها. راح الخرز الخشبي يصطدم بمعدتها.

كان رايان مفتوح الثغر. بدا كولد تتساقط نفسه حزناً، فقد خامره حزن لا يقدر أحد على الوصول إليه. اعتقدت برودينس أنه من الأفضل لو أن به عفريتاً على أن يكون بلا عفريت. فهكذا سيكون هناك شيء داخله سينصرف ليغدو بعد ذلك على ما يرام. رقصت داخل رقعة الضوء وخارجها فخف بكاء رايان. دندنت بصوت أعلى واستمر رقصها فما لبث أن انتهى كلية عن البكاء.

"لقد نجحتِ،" همست جريس.

عاد وقع الأقدام في الممر ونجمت صلصلة خافتة عن المفاتيح. بعد دقيقة أو اثنتين سيتدفق الضوء، وبرودينس تعلم أنها ستقع في ورطة ما. سيرجعان إلى منزل آل موبيرلي حيث من المرجح أن تنال عقابها – في حين تستلقي أمها بحجرة النوم العلوية ووجهها إلى الحائط – ولا حيلة لبرودينس في الأمر. لكن لمّا هزت برودينس وركيها كمن ترقص على موسيقى الروك حسبت أنها سمعت قهقهة رايان. كانت الخالة تشار قد لقنتها بعض الرقصات القديمة فجاءت بما تذكرته من رقصة التويست ثم جعلت تقلد حركات الفرخة بينما أغرق رايان وجريس في الضحك، ضحكا ملء فيهما، استنشقا كميات من الهواء وتعالى صوتاهما بكل سذاجة. وعندما انفتح الباب ليتسرب الضوء أرخت برودينس جفنيها ومضت ترقص.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.