مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الثاني والعشرون، يوليو 2009

 

 

 

تكرم تيم جوترو بالموافقة على نشر قصة "الخزينة" في مجلة البوتقة.

ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Gautreaux was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Safe" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Gautreaux a great debt of gratitude for his kind permission.

Reprinted by kind permission of SLL/Sterling Lord Literistic, Inc. Copyright by Tim Gautreaux.

 

Special thanks go to Ms. Irma Zoepf from SLL/Sterling Lord Literistic, Inc.

 

 

 

 

الخزينة

 

تيم جوترو

 

ترجمة : هالة صلاح الدين

Posted: July-01-2009

 

 

 

عدد الأدب من مجلة ذا أتلانتيك مانثلي لعام 2006

كتاب قصص جديدة من الجنوب: 2007-أفضل ما في العام

 

 

 

حينما أقبلتْ الخزينة، كان أحد جانبيّ رأس ألڤا لِصْق سطح مكتبه. عندما ترامى إلى أذنيه صوت الشاحنة ذات الصندوق – شاحنة ساحة الخردة – وهي تجتاز بصريرها الصاخب البوابة الرئيسية، نهض وخرج من باب المكتب، رفع يده مشيراً إلى السائق كي يُزيد سرعته ليتمكن من اعتلاء الميزان عبر ردغة من الطين وحمض البطاريات ونفاية المعادن والعوازل المحروقة والحرير الصخري والشحم. سرعان ما دارت الإطارات فوق وحل مائع القوام زيتوني اللون فتمايلت الشاحنة إلى مكانها المخصص وهي تقطر وتئز. أرجح عامل الرافعة مغناطيساً كهربائياً فوق الخردة الكائنة في مؤخرة الشاحنة وطفق يلتقط كتلاً من شظايا الحديد المسبوك ليُسقطها فوق ركام بجوار سور الساحة المتهدم. تفقد ألڤا إحدى الفواتير ليجد أن هذه حمولة أخرى من مصنع ماكينات الخياطة المدمَّر، أطنان من دواسات وصَل الصدأ الواحدة منها بالأخرى، حَذّافَات باهظة، حوامل مزخرفة. فرَغت الرافعة المغناطيسية من عملها في غضون عشرين دقيقة، وكان ألڤا – مالك ساحة الخردة – ليعود إلى قيلولته لولا أن استوقف نظره أن الشاحنة لا تزال جاثمة في مستوى منخفض. شاهد عامل الرافعة وهو يفصل المغناطيس ويصل كُلاباً بنهاية الكبل. قام ديكي الصغير، اللحام، متجهاً إلى صندوق الشاحنة ليصل الكبل بشيء ما. ومع إشارة ديكي الصغير، ارتج الكبل مشدوداً وارتفعت الشاحنة بأكملها على نوابضها. تأرجحت خزينة مكتب أثرية طولها ثماني أقدام وعرضها ست أقدام على الأقل في هواء معبأ بالسخام.

انبنى مصنع ماكينات الخياطة المترامي الأركان من القرميد. توقف عن العمل منذ ستين عاماً. وحتى بعد أن حاز مصنع لتصنيع الإطارات أغلب المباني في أواخر الأربعينيات علا الصدأ أكواماً من مخزون هائل من قطع الغيار وماكينات تركبت بعض أجزائها. حشرت الإدارة الجديدة كل المعدات المتخلفة في مبنى لسبك المعادن يسكنه البوم وانهمكت في أعمالها حتى بات منهجهم في تصنيع الإطارات عتيقاً خلال الثمانينيات. احتل المصنع الضخم آخر لأشغال الخشب لكنه ما لبث أن أخفق وحلت محله شركة لتخزين البضائع أخْلت تدريجياً المصنع المتقوض عندما انهارت الأسقف وهوت المداخن على أرض المخزن ليَجفل منها الحَمام والفئران ليس إلا. وفي النهاية اشترى الموقع مشروع لمعالجة الدجاج ليقرر المُلاك هدم المصنع بأقصى سرعة وبيْع كل الخردة المعدنية لألڤا. ولمدة أسبوعين لم تنقطع تلال من مكونات ماكينات الخياطة والآلات التي صنعتها عن المجيء. كانت حمولة الشاحنة الحاوية للخزينة هي آخر شحنة.

ظهرت الخزائن المرمية في ساحة الخردة بضع مرات في السنة بيد أن هذه الخزينة لاحت أقدم من أغلبها وأضخم منها، رمز لتجارة موسرة لم يشعر ألڤا بأن مشروعه يضاهيها. أمعن النظر في أرجل سميكة مقوسة ارتكزت عليها الخزينة لتجذب  الأعين إلى سواسنها الحديدية الصدئة، وقد انتبه إلى تصميم لحبل مسبوك بدقة يرتفع على طول حواف البابين المزدوجين. كان رجلاً يستمتع بالتفاصيل الفنية للأشياء بل والقطع التي كان يرسلها يومياً إلى المَصهَر. سحب عامل الرافعة ذراعاً داخل كبينته فنزلت الخزينة لتتراجع بطيئة وتسوي موقداً ماركة شاِمبرز بالأرض. تقَّدم ألڤا على حين تسلق ديكي الصغير خارجاً من صندوق الشاحنة. كَفَّ محرك الرافعة عن الدوران ثم وقف الاثنان هناك ينصتان إلى الخزف المضغوط وهو يطقطق في هيكل الموقد.

اعتلى ألڤا الخزينة وجرَّب القرص الذي تلون بلون أخضر وشابته النُقر. دار بمقاومة لا تخلو من خشونة. تراءت الخزينة وكأن أحدهم استخرجها من الأرض، إذ تلوثت بطين مبلل طاله الصدأ. صاح ألڤا بالسائق، "هذا الشيء لم ينفتح بعد. مَن أمرك بإحضاره؟"

لم يكن السائق يبصر إلا بعينه اليمنى، لذا ولَّى رأسه بحدة صوب نافذة الشاحنة. "كبير عمال البناء بنفسه."

تراجع ألڤا نازلاً إلى الأرض وراح ينقر الطين بمقدمة جزمته عدة مرات. "يا للمصيبة، قد يكون هذا الشيء مليئاً بالألماس."

تطلع إليه السائق. "كان وجهها قابعاً في الأرض تحت كومة مع بقية الخردة. قال كبير العمال إنك اشتريت كل قطعة حديدية هناك بما فيها هذا الشيء."

"حسناً، من الأفضل أن أتصل به."

"لقد تركوها في مصنع لماكينات الخياطة. ماذا يمكن أن تحويه؟"

"لم يرغب كبير العمال ذاك في المعرفة؟"

"اصطفت أمامه ثلاثون شاحنة من الأسمنت على استعداد لصب حمولتها مكان الخزينة. بمجرد أن حمَّلتُ الحمولة، صرفني سريعاً."

"طيب. اذهب إلى ورشة جهاز نقل الحركة." تمايلت الشاحنة منزلقة في اتجاه شارع بيردو. انصرف ألڤا إلى جهاز الحرق. "افتحها."

قبض ديكي الصغير على مِشعل للقَطع من نقالة صهاريج قريبة منه ثم توقف ليحدج الخزينة ببصره. "لا أظن."

"ماذا؟"

"تتذكر لاري بورجوا؟"

شبَّك ألڤا ذراعيه. اشتغل لاري في الساحة عندما كان أبو ألڤا يديرها. أتت ذات يوم خزينة قديمة مبرشمة، ولمَّا طفق لاري يشقها بمِشعل، انفجرت في وجهه. طار لاري والباب على بعد صفين من المباني. كانت الخزينة تابعة لشركة إنشاءات وحاوية لصندوق ديناميت. "ألا يتملكك الفضول؟"

ضغط ديكي الصغير على عتلة المِشعل وأطلق بصقة أكسجين تنم عن سخرية. "يتملكني الفضول حول فلم التليفزيون الليلة. يتملكني الفضول حول ما ستطبخه ساندرا على العشاء."

سار ألڤا إلى حجرة مكتبه – مكعب مشيد من قوالب رماد المعادن – وجذب بابها الفولاذي المغطى بصفائح كما الجذام. اصطف على طول الحيطان الداخلية للحجرة ما قد يعمل من أجهزة لتشغيل السيارات وأجهزة لنقل الحركة في الجرارات وأصِمة مراجل ومناشير كهربائية وروافع للمصدات وجهاز كمبيوتر بشقين مزدوجين لإدخال الأقراص المرنة. على الرغم أنه كان يجني أموالاً لا بأس بها، لم تبعث تجارته في نفسه فخراً على الإطلاق. كان قد بدأ يشتغل نصف ساعات العمل عند أبيه وفي نيته الذهاب للإقامة في نيو أورلينز بعد المدرسة الثانوية – ربما يلتحق بالجيش بل إنه قد يأخذ دروساً في الفن بما أنه كان يحب رسم الأشياء – بيد أن ساعاته طالت بطريقة أو أخرى ثم فارق أبوه الحياة تاركاً إياه بتجارة لا يفقه أحد غير ألڤا كيفية إدارتها. أشرف من نافذته المغبَّرة على عالَم ساحة الخردة المفكَك، مكان انقلبت فيه العملية الإبداعية، اندلقت فيه الأحشاء المقرفة لكل شيء بلونها البني المحمر على أرضية ملكيته.

غض عيناه إلى الخزينة. جال بباله أن عمال ساحته يَعدمون حس الفضول والخيال وأن الكثير والكثير من الأشخاص يَلمحون ظواهر الأشياء متجاهلين بواطنها. قضى بقية الظهيرة في جدولة صفحات الرواتب وحساب ما سيدفعه من مرتبات ضئيلة ولكن انتابته بين المهمة والأخرى أحلام اليقظة حول دواخل الخزينة متسائلاً كم من المرات انفتحت وانغلقت طيلة عمرها. أرخى جفنيه وتخيل نفسه داخل الخزينة، عين ما خفية أبصرت وجه موظف التمع تحت الضوء في مصنع ماكينات الخياطة، موظف فتح الباب يومياً ليسترد رسومات مسجَّلة وجدول الأجور ورقائق ذهبية لإضافة زينة فاخرة لهياكل ماكينات مصقولة بورنيش اللك.

جلس ليلتها مع زوجته دونا وابنتيه رينيه وكاري على العشاء. حينما أنهى إليهن بأمر الخزينة، كفت رينيه – طفلة في الثامنة كئيبة الطبع برأس ضيق وعينين دامعتين – عن الأكل للحظة ثم نبست، "يمكن فيها عفريت."

قطب ألڤا بيد أن سروراً خالجه لطريقة تفكيرها. "ألا يَقدر العفريت أن يخرج بالمرور ببساطة من المعدن؟"

طعنت رينيه سلطة البطاطس. "تقول أمنا فينبار في المدرسة إن أرواحنا لا تَقدر أن تخرج من أجسامنا."

رمتها أختها بنظرة حادة. "ياه، اسكتي." كانت كاري في الحادية عشرة، تحلت بجمال مبكر وذكاء يفوقهم جميعاً. لفَّت ألڤا رهبة من وقت سوف تَكبر فيه وتتركهم وراءها مثلهم مثل أجزاء من محارتها المكسورة. "العفريت ليس روحاً."

تجنب ألڤا عينيها. "وكيف عرفتِ؟"

ارتفعت من كاري نفخة قصيرة مقابل سقف فمها. "الروح إمَّا في داخلك أو في الفردوس أو الجحيم. وهي بالتأكيد ليست مختفية في خزينة صدئة راقدة في ساحة خردة بلويزيانا."

"وما هو العفريت إذن؟" سأل ألڤا.

رفعت رينيه يديها وراحتاها إلى الأمام على جانبيّ وجهها الشاحب، وجعلت تتمايل من جانب إلى آخر متكلمة بصوت لا ينقصه الارتعاش. "إنه هذا الشيء المدخَن الذي يهيم هنا وهناك ويتكلم."

"أنتِ مجنونة،" قالت أختها. "العفريت حاجة ملفقة مثلما في مجلات الرسوم الهزلية والأفلام." طفقت الفتاتان تتشاحنان وتصاعد تذمرهما حتى أسكتتهما أمهما.

حطت دونا يداً على ذراع زوجها. "متى ستفتح هذا الشيء؟ قد يضم بعض النقود."

فطِن ألڤا للمرة الأولى منذ أمد بعيد إلى أن عينيها البنيتين تتألقان، تتلألآن تحت قُصتها الرملية. "الأرجح أنها لا تحوي شيئاً عدا رسومات لماكينات الخياطة وحاجات من تلك النوعية."

"أو آخر دفعة من المرتبات."

"لا أظن." لاحظ عبر السنوات أن اهتمام زوجته به يتوقف على مقدار ما يجلب إلى البيت من أموال. فمنذ ثلاثة أعوام، مع ارتفاع هامش الربح من النُحاس، كانت أقرب أصدقائه. وفي العام الفائت فتَرت مشاعرها ناحيته قليلاً. "لكنها قد تتضمن شيئاً مثيراً للاهتمام."

ازدردت رشفة من شاي مُثلَّج ثم ضرَبت المائدة بالكوب. "وما هو الأكثر إثارة مِن النقود؟"

سلَّط عليها عينيه متسائلاً إن كانت قد عرَّفت نفسها أخيراً. "لا أعلم. قد أكتشف الأمر." ألقى نظرة على الفناء الخلفي الموشك على الإظلام، هناك رقد كلبه الأصفر كلود هادئاً وكفْ إحدى قدميه الأماميتين مغروس فوق ظهر علجوم ضخم. كان كلود كلباً عجوزاً، قريب الشبه بكلب صيد ذهبي، ولكنه في الواقع مجرد كلب أصفر، وهو ما يحدث عندما تختلط كل سلالة على وجه الأرض في غضون مئة سنة. كان الحيوان هدية من أخ ألڤا الذي كان يعمل في إحدى الوكالات الاتحادية. تدرب كلود على إيجاد الجثث إلا أن أداءه لم يكن ممتازاً قط، لذا تدرب من جديد على العثور على المخدرات في المطارات، مهمة مهَر فيها مهارة لا حد لها. لو وقع على ماريجوانا، حاول أكلها كلها في جرعة واحدة.

وفي الصباح التالي انشغل طاقم الساحة بسحق كل الغسالات القديمة والمجففات القادمة من مغسلة بالعُمْلة احترقت عن آخرها عند طرف البلدة. تولى ’سنايدر مُشْكلة‘ – واعظ سابق ضخم القامة – مهمة الوقوف على السندان ليكسر البرونز والنحاس من الخردة الحديدية. كان يفلق منظِمات للمقاومة بمطرقة حين مر ألڤا به. كان سنايدر رجلاً عجوزاً غير أن ذراعيه احتفظتا باستدارتهما وصلابتهما. انقطع كُما قميص العمل الأزرق عند الكتفين، وقفزت عضلتا ذراعيه كلما سقطت المطرقة على السندان. سادت الحرارة العالية يومها فتجمعت حبات العرق على رأسه الأصلع. لم يقو ألڤا على تخيل سنايدر في بذلة لامعة وهو يوجه الخطاب إلى رعايا كنيسته في أيام خلت قبل اندلاع النار في الكنيسة. "لِحام مانع للتسرب،" أعلن سنايدر بصوت جهوري يليق بأصوات الوعاظ.

توقف ألڤا ونظر فوق كتفه. "ماذا؟"

"كنتُ أنا وديكي الصغير نفحص تلك الخزينة، وكل دَرْزَة ووصلة بالبابين ملحومة بلِحام رفيع مانع للتسرب. الظاهر أيضاً أنه شُغل لحام بغاز الهليوم، وهو ما يحدد تاريخها."

"كيف؟" سار ألڤا نحوه ليلاحظ أن الوحل جف على البابين ثم كنسه أحدهم بمقشة.

"لم يُستخدم اللِحام بغاز الهليوم حتى بداية الأربعينيات." التقط سنايدر حنفية نحاسية وكسر المقبض الحديدي بضربة من مطرقته أحدثت شرراً. "لحَمها أحدهم تقريباً في نفْس توقيت توقف الناس العاملين في الخياطة عن العمل. ذلك الشيء القديم الضخم محكم الغلق كعلبة سردين."

"لماذا؟"

هز سنايدر رأسه ببطء ثم قابلت عيناه عينيّ ألڤا. "إنه لغز، ولا دراية لي إن كنتَ تريد حله أم لا." سدد نظرة خاطفة في اتجاه الخزينة. "لن يكون من بعض الرجال إلا أن يجلبوا حفارة ويدفنوا الشيء."

"إنها خزينة وليست كفناً."

التقط سنايدر مقبض باب نحاسياً من الأرض وزعزع قضيبه الحديدي. "أتمنى أن تكون خزينة،" نطق.

رجع ألڤا خطوة. "خيالك واسع."

"كنتُ أظن أن تلك فائدة الخيال. إن لم يتسع، لكان كالرؤية ليس إلا."

رمقه ألڤا طويلاً. "لم أتصور أنك تفكر بتلك الطريقة."

لوَّح سنايدر بمطرقته نحو الخزينة. "لا بد أن تستغل خيالك. بمقدورك أن تعمل به أشياء، كأفكار لم تخطر ببال أحد أبداً من قبل."

وفي حجرة المكتب المزدحمة بالأشياء المبعثرة اتكأت ذراع ديكي الصغير على وعاء مبرِّد المياه فيما أمسكت يده الطليقة بكوب ورقي مثلث الشكل. أشار ألڤا إليه. "لِحام مانع للتسرب، هه؟ هل قررتَ أن تحرق المفصلات بعد؟"

هز ديكي الصغير رأسه ليَلمع شعره البرونزي الطويل الخليق بشعور التلميذات. اهتم بشعره اهتماماً غير معهود بالنسبة للحام، إذ كان يلملمه دوماً على هيئة ذيل حصان وهو يستخدم مشعل القطع. " لن يساعد نزْع المفصلات في فتح تلك النوعية. فهناك قضبان معدنية كبيرة تخرج من الباب لتخترق الإطار. إنها مستلقية على ظهرها، وعليه سوف يسهل ثقبها وشم الفتحة لنعرف إن كانت تحوي ديناميت. فهو يتصف برائحة واضحة تمام الوضوح."

فتح ألڤا الدرج الأخير من خزانة ملفات صدئة وسحب لقمة مثقاب حجمها 5/8 بوصة تعمل بعنصر التنجستين. "هاك. احفر فيها حفرة إذن."

وبحلول الساعة 11:30، وبالوقوف على البابين وتبديل مثقاب ضخم أطلق دورانه الدخان ولفظ الشرر، تمكن سنايدر وديكي الصغير من ثقب حفرتين في الخزينة، واحدة في كل باب. كسا سطح حديدي سمكه ربع بوصة طبقة عميقة من الأسمنت تدعمها صفيحة أخرى من الصلب. آلمت الجيوب الأنفية ديكي ألماً حاداً وسال مخاطها بسبب كل ما أثاره الحفر من تراب فعجز عن شم أي شيء، لذا نزَل سنايدر على أربعة وقرَّب أنفه الأحمر الكبير من إحدى الحفرتين. تقدَّم ألڤا خلفه وراقب.

تنخع ديكي الصغير ثم بصق وهو يلف الكبل المشقوق للمثقاب الكبير. استدعى ألڤا أن ديكي الصغير كان يشتغل كبيراً للعمال في مصنع الأسلاك لكنه تسرَّح لعدم إجادته العمليات الحسابية. كان من المفترض أن يعمل بصورة مؤقتة في ساحة الخردة لكنه لم يبرح مكانه في جدول الرواتب منذ ثلاث سنوات. مد ألڤا طرفه عبر نافذتيّ سيارة ماركة فولار 78 كان ديكي يُجزئها، وقام بخاطره أن أجراء ساحته هبطوا بوجه عام السلم الوظيفي لسبب أو آخر. كان عامل الرافعة ميكانيكياً مدرَباً بل إن سائق الشاحنة العجوز الأعور كسب ذات يوم أموالاً لا بأس بها، فيما خلا عندما امتلك قارباً لصيد الجمبري. لم يطرأ تغيير على حال ألڤا قط، فلا تحسن نصيبه ولا ساء. دار بذهنه أنه في الخامسة والأربعين ومع ذلك يكن حسداً طفيفاً لرجال شغَلوا جدول رواتبه لأنهم جاءوا على الأقل بشيء آخر في حياتهم. نظر إلى سور متهدم صدئ ذي حلقات حديدية يُشكل الركن الغربي من الساحة، هناك حجَب جبَل من نبات العليق ركاماً لم ينسحق بعد من هياكل السيارات وأبواب الثلاجات. وردت على باله فكرة توضيب المكان قليلاً ولم تزايله الفكرة.

وقَف ’سنايدر مُشْكلة‘ وتمخط في قماشة حمراء من أقمشة الورش. "تبدو لي فقط كرائحة خزينة عمرها مائة سنة. للديناميت رائحة حلوة قد تختلط بها رائحة خفيفة من روائح كحول التدليك." وجَّه نظرة إلى ديكي الصغير.

"لا أعرف،" نطق ديكي الصغير. "أظنني أستطيع كبداية أن أسحق تلك الوصلات الملحومة المانعة للتسرب، لو تريد."

ألقى ألڤا نظرة على ساعة يده. "ميعاد الغداء. سنُكْمل لمَّا أرجع في الواحدة."

كان منزله يقع عند نهاية الشارع بالضبط. وضعت دونا غداء ساخناً له فوق المائدة على سبيل التغيير. سارت من الموقد لتقف بجوار المائدة. "ماذا عن تلك الخزينة القديمة؟ هل فتحتَها بعد؟ اغتنينا؟"

بلَع وتجاوزها بناظريه نحو الساحة حيث تكوم جسم كلود الأشقر فوق فراش من نباتات الهليون. "لو لقيتُها خالية، هل ستبدئين بتقديم الشطائر الباردة من جديد؟"

لم تطرف عينا دونا. "ممكن. اطبخي يا جارية، كلِّف يا سيدي. تجلب إلى البيت ثوراً، نأكل ثوراً. تجلب إلى البيت سنجاباً صغيراً، ذلك يعني فتات الفتات هنا."

بث قياس التمثيل في نفسه سروراً لسبب ما. "هذه مرقة لذيذة."

"شكراً." جلست قبالته وراحت تأكل. "تظنني لا أقدرك حق قدرك؟"

"لا،" قال كذباً وهو يقضم قضمة أخرى. "لكنك عارفة، أنا تاجر الخردة."

"أنت ألڤا." أشارت إليه بشوكتها. "وأنت الذي قررتَ أن تكون تاجر الخردة."

تدبر فيما قد تعنيه. "قصدك أن بإمكاني أن أكون شيئاً آخر؟"

أخذت تمسح طبقها بقبصة من الخبز الأبيض. "أنتَ وحدك القادر على تحديد ما تريد أن تكونه."

"تجارة الخردة لا بأس بها على ما أظن وإن كنتُ أشعر أحياناً أني أمارسها بشكل خاطئ."

علَّقت وهي تطل من النافذة، "ما كنتُ لأقلق من هذه المسألة زيادة عن اللزوم. كُن مثل كلود وخذ قيلولة."

حين فرغ ألڤا من الأكل، نهض من مجلسه. "أين مقوده؟"

"معلَق على مشجب المعاطف جنب الباب. لماذا؟"

"سآخذه إلى الساحة."

"لِم إن شاء الله؟" حطت دونا شوكتها في ذعر. "ستُوقِع عليه حاجة."

"لا. ما أريد إلا أنفه لدقيقة واحدة."

كان سنايدر وديكي الصغير قد رجعا بالفعل إلى عملهما حين مرق ألڤا من بوابة الساحة الكبيرة وكلود اللاهث يجره بلسان وردي طويل يقطر القطرات على الطين.

"سلام يا ولد،" رحَّب سنايدر ومد يداً غليظة سوداء. وضع كلود أنفه في راحة سنايدر متعجباً مما شمه من دهان وسليكون ومعجون وزنك وأكسيد نحاس وترسبات كلس وجرافيت.

"فكرتُ أن أجعله يشم الخزينة،" أبلغ ألڤا الرجلين. "لنرى رد فعله."

رشق ديكي الصغير الكلب بطرف يمتلئ شكاً بينما جلس كلود وقابل نظرته الثابتة. "الكلب مدرَّب على شم الجثث والهيروين؟"

"بمعنى ما."

فرَد ديكي الصغير ذراعه بحركة مقوسة. "حسناً، تفضل."

شد ألڤا الكلب صوب الخزينة ثم قبض على طوقه ليُقرب أنفه من الباب. تراءى عدم الاكتراث على كلود في البداية غير أنه وضع أحد منخريه فوق الحفرة المثقوبة وتشمم بجرعات قصيرة وكأنما يضخ الهواء ليملأ رأسه. تنشق بصوت عال وتمخط مُفْرِغاً أنفه ثم شم مرة أخرى واضعاً كفيّ قدميه الأماميتين على جانبيّ الحفرة. تراجع وأمال رأسه إلى جانب مكوِّراً أذنيه إلى الأمام؛ رفع بعدئذ خطمه نحو السماء الرمادية وعوى بنغمة طويلة مفعمة بالأسى طارت فوق السور وانتابت الحي بأسره.

تقهقر ديكي الصغير خطوة إلى الوراء ليدوس بركة صغيرة من سائل غامق سربه جهاز الضغط في إحدى الثلاجات. "اللعنة. هذه الصرخة قادرة على إيقاظ الموتى." عوى كلود من جديد وجعل ينبش باب الخزينة بمخالبه ويستنشق الرائحة من فتحة تلو الأخرى.

لم يشهد ألڤا الكلب وهو يُعبر بحماسة عن أي شيء قط، وقد اعتبره خلال ما مضى من سنوات قليلة ما لا يزيد على زينة للعشب تتحرك ببطء. كان من نوعية الكلاب التي لا تؤدي الحركات البارعة أو تطلب أن يحكها أحد؛ لا يطلب أن يدخل البيت أو يخرج منه. كان كلباً هائماً، شبحاً نحاسي اللون لا تعيره الأنظار التفاتاً إلا حين يكتشفه أحدهم على الأريكة أو يجده يعيق الممشى المفضي إلى صندوق البريد. لكنه كان الآن يشد المقود كسمكة واقعة في شرك، يثب اهتياجاً على واجهة الخزينة الصدئة كمن قيل له إن أحد أقربائه محبوس داخلها. أحدثَ جلبة ما بعدها جلبة وانزعج غاية الانزعاج حتى إن ألڤا جره إلى المكتب وأغلق عليه الباب.

أسند ’سنايدر مُشْكلة‘ وركه إلى السندان. "تعرف فيما أفكر؟"

"ماذا؟"

"لو اتصلتَ بالمأمور وأخبرتَه بما فعله ذلك الكلب، قد يتمكن من العثور على شخص يفتح الخزينة ويوفر عليك ثمن القَفَّال."

"ماذا عن وصلات اللِحام المانعة للتسرب؟ لا يستطيع فاتح الخزائن اقتحامها."

"إنها رفيعة،" أعلمه ديكي الصغير وهو يرفع يديه ليلف شعره برباط مطاطي. "يمكنني نزعها بماكينة قص قبل أن تصل الشرطة إلى هنا."

استردت حجرة المكتب عينيّ ألڤا وتناهى إليه نباح كلود المكتوم. لم ترقه فكرة جلب الشرطة إلى الساحة. فقد عاش في حسد سري على بزاتهم النظيفة وشاراتهم المطلية بالنيكل وجزمهم اللامعة، حسدْ على إمكانية أن يترقى أحدهم ذات يوم إلى شيء ما. شرع كلود في العواء كما الذئب. "قل للعامل إذن أن يأتي بالرافعة ويُقِيم هذا الشيء."

لم يبد الشرطي المجيب على الهاتف اهتماماً في البدء لكن عندما شرح ألڤا له كيف تدرب الكلب، خيم الصمت دقيقة على السماعة ثم دخَل المأمور في الخط. "ما هي ماركة الخزينة؟"

"مكتوب على المقبض سلوس. لماذا؟"

"سوف أبْلغ هيوستِن القَفَّال بذلك."

"ظننتُه ميتاً. تعتقد أنه يستطيع فتحها؟"

"هل هي خزينة قديمة بجد؟"

"أجل."

"ذلك مَلْعبه."

وبعد مضي ساعة توقفت سيارة دورية وبها المأمور، سيارة سوداء ماركة أولدزموبيل شمَّعها أحدهم للتو وحمَل بابها شارة متقنة التفاصيل على هيئة ورقة نبات ذهبية. لاحظ ألڤا أن حتى الإطارات لامعة فما كان منه إلا أن زم شفتيه. كان المأمور رجلاً قصير القامة أصلع الرأس. صحبه جاك هيوستِن الذي نهض ببطء من المقعد المجاور للسائق ولاح عليه عظيم الألم من التهاب شامل للمفاصل لدرجة أنه ظل منحنياً – يكاد يكون في وضعية الجلوس – وهو يسير حول غطاء السيارة.

"أهلاً بتاجر الخردة،" حياه جاك هيوستِن.

"سيد هيوستِن." تناول ألڤا يده الناعمة ثم كف المأمور الضخم.

"تقول إن كلبك الأصفر شم شيئاً لم يعجبه؟" استفسر المأمور.

"ليس من عادته أن يركبه الانزعاج."

رفَع المأمور حزام مسدسه. "سوف أستمع إلى رأي كلب قبل الاستماع إلى آراء أغلبية مَن أعرفهم من الناس."

أجال جاك هيوستِن بصره من حوله وتراءت عليه آيات الدهشة من منظر الخزينة الكبيرة الجالسة عمودياً تحت رافعة الساحة. "ذلك الشيء لن ينقلب عليّ، أليس كذلك؟"

"إنها مستقرة في مكانها. فقد غاصت الأرجل في الأرض."

"لو وقَعتْ عليّ، ستكون نهاية حزينة،" قال متحركاً في اتجاه الخزينة بخطوات واسعة مقوسة الساقين لم تَسلم من الارتعاش. سحب سماعة طبيب من حقيبة فضفاضة ذات لون بني ضارب إلى الاصفرار. "تقول إنها سلوس؟"

"أجل يا سيدي."

"هل العلامة على الباب أم المقبض؟"

كانوا قد ساروا وقتئذ إلى الخزينة وهيوستِن يرنو إلى المقبض مباشرة. "أين؟"

"إنها على المقبض هناك،" قال ألڤا وقد استرعى انتباهه عينا القَفَّال الغائمتان.

لامس العجوز القرص. "أريد علبة رذاذ لتنظيف قِطع الفرامل."

"عندي شوية رذاذ للتزييت."

"هل مزوَّد ببخاخة بلاستيكية صغيرة؟"

"أجل يا سيدي."

"أحضِره إذن،" قال هيوستِن وهو يدير مقبض التوليفة يميناً ويساراً في محاولة لإزالة حبيبات الرمل القابعة أسفله. عاد ألڤا بالرذاذ. استخدمه هيوستِن بأكمله مسدداً إياه بقوة خلف المقبض ثم رمى العلبة وسد أذنيه المُشْعرتين بسماعة الطبيب. حرَّك القرص خمس دقائق تقريباً ثم رفَع رأسه. "اللعنة، أغلِق محرك الرافعة."

رمى بصره نحو حجرة المكتب. "وذلك التكييف أيضاً." فاتت بضع دقائق ثم نزع سماعة الأذن ودسها في جيبه.

"استسلمتَ بهذه السرعة؟" سأل المأمور ولسانه ينتأ سميكاً من خده.

ندت عن هيوستِن ضحكة خافتة. "السماعة في الأغلب للمناظر فقط لا غير. فهي لا تكشف عن الكثير." طقطق مفاصله وصفق بيديه ثم اعتمد بذراعيه على جنبيه. "لا بد أن أُخلي الدماء تتدفق في أناملي."

دارت عينا ألڤا حوله صوب الرجال الآخرين وهم ينتظرون صابرين حدوث شيء، كنز أو جثة تسقط على هياكل البطاريات المسحوقة ووحل الساحة. "كيف تعلمتَ فتح الخزائن؟" انطوت نفسه – في لحظتها على الأقل – على شعور بالحسد من الأعرج شبه الأعمى جاك هيوستِن.

"الضغط،" أجابه العجوز.

"أي ضغط؟"

"ضغط أكل شطيرة كل يوم، ضغط دفع فاتورة الكهرباء. وأحياناً ما هو أكثر." أطرق مغلقاً عينيه ليسمح فقط لأطراف أصابعه المجردة بلمس القرص. "دخَلتْ ذات مرة فتاة صغيرة في الرابعة عشرة في خزينة ماركة مولر بأحد محلات السلع الرخيصة، والمصيبة أنها أغلقت الباب على نفسها. إن كنتَ لا تحسَب أن ذلك لم يكن منظراً مشهوداً، أنا جاثٍ على ركبتيّ بالمخزن خلال شهر أغسطس وأمها تنتحب فوق ظهري وأنا أحاول تحسس طريقي عبر رِّيش الأقفال المضادة للعبث في المولر. استغرقتْ العملية وقتاً طويلاً حتى إننا أدركنا جميعاً أنها ماتت، فتاة صغيرة جميلة بشعر أسود وعينين بنفسجيتين. يَحضر باباها ويشرع في نخس ظهري ليستعجلني استعجاله لبغل يأبى عنيداً الحركة، القسيس الكاثوليكي يصلي باللاتينية وراء الخزينة، وها هي زوجتي الشابة تجيء لتقف بجانبي لتتفرج عليّ أثناء العمل. عرَض عليّ مدير المحل مائتيّ دولار إضافية ليستعجلني وكأن عربة سكة حديد تعج بالفلوس ستنفع في شيء." سحب يده بعيداً ومس أنامله بإبهام حل عليه الشحوب.

هبط ديكي الصغير جاثماً. "وماذا حصَل بعدها؟"

"ماذا حصَل؟ ماذا في ظنك حصَل؟ فتحتُ الباب ونترتُ جسمها خارجاً مثل السمكة وأعطيتُها للدكتور براين. علت وجهها وأطرافها زرقة، لكنها بعد هنيهة مخيفة مرعبة أفاقت. ولمَّا فتحتْ عينيها، تحولتُ من أغبى ثور في البلدة إلى ما هو أشبه بالقديس. ما كنتَ لتسمع أبداً مثل هذه الضجة طيلة حياتك."

"تلك كانت فتاة ديلاركو؟" سأل ’سنايدر مُشْكلة.‘

"بالضبط. كبَرتْ وتشتغل مديرة مَدرسة في باين أويل. عندها أربعة أطفال واحد منهم اسمه هيوستِن." حط يده اليمنى على القرص وطفق يحركه ببطء.

"حتام ستستغرق هذه العملية؟" سأل ألڤا.

أغلق جاك هيوستِن عينيه. "اخرس وسنرى. صُنعتْ هذه الحلوة الكبيرة القذرة في القرن التاسع عشر. إنها في بساطة علبة فيشار ماركة ’كراكر جاك.‘ مثلها مثل علبة سيجار خلف البيانو لن أتردد في وضع نقودي فيها."

مشى الرجال إلى بوابة الدخول ووقفوا في دائرة صغيرة تحت ظلال شجرة مَيْس تنمو عبر إطار جرار لم يبرأ من التهرؤ. "تَعرف؟" بدأ المأمور يتكلم ملقياً نظرة طويلة على أرجاء الساحة، "وردتْ إليّ بعض المكالمات بخصوص الفئران التي تعيش في هذا المكان."

وضع ألڤا قدماً على قالب أحد المحركات. "تريد مني أن أطلب من الفئران الابتعاد؟"

"لا. لكن بإمكانك تعليمهم تشغيل آلة جز العشب."

ارتفعت قهقهة من سنايدر. "بإمكانك يا حضرة مأمور أن تُعيرنا مسجونيَّن لاقتلاع الأجمة."

تبادل الرجال الكلمات على هذا النحو، ينسجون حديثاً بلا معنى لا هدف له سوى إضاعة الوقت. كانوا على وعي بما يفعلونه، يحجبون أخيلتهم عن حقيقة ما قد تحويه الخزينة – علامة على جريمة قتل، أو جثة متحللة تَسقط كرماد رمادي مع وصول الهواء إليها، أو علامة على عملية سرقة، رواتب هزيلة لم تتوزع قط على عمال مصنع ربما حاق بهم الجوع، أو هواء عطناً يشي بالفراغ، نِسمة عمرها ستين سنة من العار والإفلاس الماليين. تحدثوا وحاولوا ألا يفكروا لمدة ساعة متحركين مع كرة من الظل طرحتها شجرة المَيْس. وفي النهاية دار صوت جاك هيوستِن حول تل من إطارات العَجل المعدنية هاتفاً: "وجدتُها."

ساروا جميعاً بخطى بطيئة كالسائرين نحو تشخيص مروع. أومأ هيوستِن إليهم بذراعه النحيلة. انصرف إلى باب الخزينة ودوَّر عجلة سحبت من الإطار ألسنة الأقفال. "فليشد أحدكم الباب الأيمن ويفتحه من أجلي. لو أن باباً آخر رفيعاً بالداخل، سوف أتعامل معه في خلال بضع دقائق."

تقدَّم سنايدر وفتح بعضلاته باباً تعالى صراخه ليتسرب هواء عتيق خالص بجوار وجهه في اتجاه الكون. استخدم عتلة ليدير الباب الآخر وفتحه على وسعه. لم ير حاجزاً داخلياً، مجرد منظومة من رفوف معدنية منخفضة انتهت عند المنتصف ثم ما بدا ككومة ضخمة من الأكياس محشورة في المساحة المتبقية. استولت خيبة الأمل على ملامح سنايدر. أمال رأسه إلى جانب ثم تراجع إلى الخلف. "أظن أن الكلب كان يشم هذه الأكياس المصنوعة من القنب."

تحولت عينا ديكي الصغير إلى حجرة المكتب. "ملأ خطمه بشمة وتخيل أنه على أعتاب نشوة ما بعدها نشوة. حسَبه حشيشاً."

دنا ألڤا من الخزينة وتحسس الأكياس التي أرسلت الهمسات شأنها شأن القش الجاف. التفت إلى الرجال. "هناك شيء في الكومة." جر هو وسنايدر الأكياس بعيداً ليكشفا النقاب عن قفص من خشب القيقب تعشَّقت زواياه. زلَّقه الرجال عن الرف ونقلوه إلى حجرة المكتب حيث وضعوه على المكتب المعدني الرمادي. تثبت الغطاء بعدة مسامير نزعها ألڤا عنوة بمُخْل صغير. وفي داخل الصندوق التقت عيناه بطبقة من قطيفة غليظة حمراء قاتمة أخذ يفردها بينما تجمع حوله الرجال.

"ياه،" نطق المأمور، "إنها مصنوعة من زجاج سميك، أياً كانت."

تناول سنايدر مصباح المكتب وحمَله عالياً. "إنها قبة زجاجية كبيرة مزودة بمقبض في القمة. شكلها قريب من الحقيبة. "ما ذلك الذي تحويه؟"

"فلنر." جذب ألڤا مقبضاً شابته الخشونة وإن كان زجاجياً هو الآخر ثم رفع شيئاً من القماش المحيط – ماذا، لم يسعه التحديد. كان الشيء قريباً منهم بما حال للحظة دون رؤيته، ثقيل الوزن، طوله قدمان وعرضه قدم. نقل سنايدر القفص إلى الأرضية فارتفع أزيزه بينما حط ألڤا الشيء على المكتب مكان القفص. تراجع إلى الخلف.

عدل القَفَّال نظارته وانحنى إلى الأمام. "يا نهاري،" لفظ. "بصوا، بصوا."

انثنى الرجال عند الخصور وأياديهم على ركبهم مثل التلاميذ وراحوا يدققون النظر في قبة مستطيلة ذات زجاج منقوش حُفر عليها شعار شركة ماكينات الخياطة فيفاسِر، رمز على شكل دِرع بشلال في المنتصف تطوقه نجوم منتظمة في مستويات متباينة وسهام البرْق وتظليل بخطوط متعارضة لا يعوزها الإتقان أو البراعة. نقش أحدهم بيده على الزجاج بأكمله، إلى ما وراء حواف الشعار، أوراق شجر وسيدات صغيرات في فساتين إغريقية يصعدن سبيلاً جبلياً مفضياً إلى نفق تشكله أفرع ضخمة لأشجار مترعة بالأوراق، وعلى الجانب الآخر من القبة سالت مياه منقوشة في مجرى تتناثر به الصخور أمام معبد طويل أطَّرت أعمدته المُخَدَّدة رسوم الآلهة، آلهة ارتفعت أياديهن صوب شمس مظللة بخطوط بيضاء. تتبعت سبابة ألڤا المقبض، دُلفيناً زجاجياً. وعلى الجانبين الطويلين بالقرب من القاعدة تدلى أربع إبَر كبيرة مطلية بالذهب من مسمار برشام ذهبي مثبت في الزجاج. وفي داخل القبة طفقت حواس الرجال تستوعب ماكينة خياطة أنيقة أثرية ذات ذراع يدوية على العجلة. زلَّق ألڤا الإبَر عبر أقواسها الساطعة ليرفع القبة ويضعها في المساحة الفارغة تحت مكتبه.

تصاعد الصفير من ديكي الصغير. "ياه، باستطاعتهم خياطة بذلة للبابا بهذا الشيء."

اتخذت قاعدة الماكينة شكل الكمان، صنعها الصانع من نحاس مسبوك سبكاً معقداً ومطلي بورنيش شفاف. هبطت الحواف في ثلاثة منحنيات لتنتهي إلى أربع أقدام مُفَصَّلة أشبه بأقدام السلحفاة، يحمل كل ظفر من أظافرها المسبوكة كهرمانة في حجم حبة قمح صغيرة. غرَزت الأقدام نفسها في قاع قاعدة من خشب الورد القاتم، قاع يحفل بالعُجَر ويُُبرز حافة منحوتة لأمواج منمنمة متكسرة على شاطئ المحيط. "أنا متأكد أنهم لم يصنعوها هكذا بغرض البيع."

"بالطبع لا." أشرق وجه القَفَّال في مواجهة وهج الماكينة. "أقيمت في الأيام الخالية معارض دولية للماكينات. كانت المصانع تنتج نسخاً خاصة من منتجاتها بهدف العرض. لم يدخروا جهداً في محاولة للتفوق على الصناع الآخرين، أياً كان ما صنعوه، بل إنهم ركَّبوا قاطرات فاخرة ومحركات صناعية عملاقة ومقاييس للبخار لاحت وكأنها مواد دينية مأخوذة من مذبح. لا بد أن عُمر هذا الشيء مائة سنة."

"كانوا يديرونها بأذرع يدوية؟" لامس ألڤا مقبض الحَذّافَة الملون ببياض العَظْم. "هذا بلاستيك قديم؟"

طافت عينا القَفَّال ثم تركزتا. "عاج. هل ترى نموذجاً معَيناً؟"

قرَّب ألڤا ناظريه. "حراشف سمك صغيرة سطحية. أخالها لافتة للانتباه."

استقام سنايدر وضحكته تعلو. "إنها شجرة."

"يا خبر،" اندهش ديكي الصغير. عكس طلاء الماكينة الذهبي الزاهي نقاطاً كما النجوم على عينيه. "هيكل الشيء بأكمله يشبه شجرة منحنية."

نالت براعة التصميم بالتدريج من حماسة ألڤا. تموه هيكل الماكينة الأساسي بالذهب وارتفع حقاً كجذع شجرة ثم مال في قوس انتهى عند رأس الماكينة، كتلة مسطحة من أوراق شجر معدنية متجمعة. نتأت قدم الضغط والإبرة من القاعدة. كان ألڤا يعهد شكل اللحاء جيداً – بلوطة مائية مثلها مثل تلك الكبيرة القائمة في فنائه – بيد أن هذه الشجرة المعدنية أبرزت ضلوعاً رفيعة من الذهب. ومن بين أوراق النباتات بالماكينة حدقت عيون مطمورة من العقيق الأحمر، عيون طيور وسناجب وعلاجيم تتوارى بين أوراق الشجرة. أظهر السبك والنقش الرائع عملاً يدوياً لعامل كان ولا بد أكثر عمال المصنع موهبة. استقرت بالقرب من الحَذّافَة شارة الصانع، تكرار للتصميم الموجود على الغطاء الزجاجي إلا أن النجوم ترصعت هنا بياقوت صغير ماسي الشكل وتغطت سهام البَرْق بطبقات مرة من الذهب ومرة من الفضة. انطلت الحَذّافَة نفسها بالذهب وتقوست حافتها بصف أفعواني من صفير مرصع بعاج صبغه الصابغ بلون أخضر خضرة التفاحة.

خامر ألڤا شعور بالضآلة أمام الجهاز وكأن حياته انقلبت بغتة تافهة على الهامش. كان يدرك أن الشعور سوف يفارقه بعد هنيهة لكن مَن بمقدوره حقاً صنع هذه؟ عرَف بالكاد كيف يرنو إليها. جسَّد كل سطح مفاجأة من الإبداع المتناغم. ما انفك الرجال يشيرون ويحملقون لمدة خمس عشرة دقيقة قبل أن يلفت المأمور نظرهم إلى بئر صغيرة للأماني نائتة من إطار الماكينة السفلي ويهتف، "الذراع الصغيرة وعمود دلو البئر هما لَفَّافة مكوك الخيوط!"

مرت برهة طويلة قبل أن يفكر أي أحد في القيمة التي تراءت حتى بالنسبة لرجال الخردة لا صلة لها بما بين أياديهم. دفع ديكي الصغير شعره إلى الوراء ثم اعتدل واقفاً. "ما قيمة مثل هذا الشيء؟"

أغلق ’سنايدر مشكلة‘ عيناً واحدة. "حتى لو حطمها أحدهم وحولها إلى خردة وجواهر ستأتي بقرشين لا بأس بهما."

وضع ألڤا إصبعين على مقبض الحَذّافَة ثم أدارها في دائرة. لم يبدر من الماكينة صوت، وتبدت الحركة في مثل سلاسة مياه تَنْصب من إبريق شاي. "مَن بمقدوره تثمين شيء مثل هذا يا سيد هيوستِن؟"

"آه، الكل يقف على كل شيء في هذه الأيام بسبب ذلك الإنترنت. ما عليك إلا أن تجعل زوجتك تلتقط صورة ثم ترسلها بالبريد الإلكتروني إلى بعض تجار التحف. وسوف تحصل على رقم تقريبي على أية حال."

ومع نهاية اليوم، بعد أن غادر الجميع، جلس ألڤا على كرسي مكتبه وجال بعينيه في أرجاء ماكينة الخياطة لامساً صفائح الانزلاق المُطعمة وشدادة الخيوط البلاتينية والطاووس الفسيفسائي المرصع بقضبان الجمشت فوق القاعدة الأشبه بالكمان. بل إنه تفحص الأجزاء الداخلية من الماكينة؛ كانت الوشيعة منقوشة في القاع بألواح كألواح القوارب ومجاديف شكلية. بث وهج الماكينة دفئاً وصفاء، وحينما أشاح ألڤا بعينيه عنها، فطِن إلى أن تغييراً لا تلحظه الأعين بسهولة حل على حجرة المكتب القذرة المعتمة. وسِعه أن يراها على حقيقتها.

كان بعض الرجال يَدخلون كل يوم تقريباً خلال الاستراحة لينعموا النظر عبر الزجاج إلى الماكينة المستقرة فوق خزانة منخفضة مزدوجة الأدراج. أخذت زوجته صوراً وبعثت بها إلى المُثمِّنين. أنفقت وقتاً طويلاً في التصوير؛ الحق أنها أنفقت ظهيرة كاملة في تصوير الإطار تلو الإطار لينتهي بها الحال إلى الجلوس أمام الماكينة بثغر مفتوح قليلاً كمن أوقع به التطلع الإنهاك.

جاء من خلفها وسألها عما ينبغي عليهما صنعه بها.

"مم، لا يسعني أن أخيط ببساطة ستائر بهذا الشيء، أليس كذلك؟" أغلقت علبة آلة التصوير. "لكني أكره التخلي عنها."

اكتشف ألڤا أن ثمة مجموعات فنية خاصة تضم عدداً قليلاً من ماكينات المعارض وأن تلك المشتملة على أحجار شبه كريمة تساوي ما يربو على 10000$. ردَّ أحد التجار بخطاب، وليس فقط بجواب إلكتروني، مُقراً بأن الماكينة من أروع ما وقَعت عليه عيناه، ومن الممكن أن تصل قيمتها في المزاد إلى 19000$. أبلغت دونا ألڤا أن مسألة بيعها راجعة إليه إلا أن ابنتيه أرادتا أن يُحْضرها إلى البيت ويضعها على رف المدفأة. ما قام به ألڤا في الواقع – بعد أن بلغه التثمين النهائي – هو تركيب نظام أمان أقوى داخل حجرة مكتبه كي يتأتى له الاحتفاظ بماكينة الخياطة هناك. لو أن التثمين صحيح، لن يستطيع حتى ابتياع سيارة عادية بعائدها. وما الذي ستشتريه له 19000$ دون أن يتحول إلى خردة في غضون عشرة أعوام وينتهي مكدساً فوق الأرضية الزيتية خارج نافذة مكتبه.

نقَل إلى سقيفة التخزين قطع غيار متربة كانت تصطف بحذاء حيطان الحجرة ثم دهن المكتب من الداخل بلون القشدة. اشترى مكتباً جديداً وكراسي وخزائن للملفات وأيضاً نبتة من المطاط ومصابيح نحاسية. أحياناً ما كانت ابنتاه تجلبان صديقاتهما إلى الساحة ليتأملن الماكينة، وقد كانت تلك أولى الزيارات التي قامت بها رينيه وكاري على الإطلاق إلى محل عمل أبيهما. راقت زوجته دوماً الحياكة؛ اشترت ماكينة إيطالية غالية واستهلت مشروعاً صغيراً لتعديل الملابس الجاهزة؛ وفي وقت فراغها طرزت فراشات وبطاقات للأسماء ثبتتها في شارات قمصان العمل الخاصة به بل وطوق كلود النَدِي. لحقت به ذات يوم وهو راجع إلى عمله من استراحة الغداء وحفَظت فواتيره لذلك الأسبوع في الملفات. مدت بصرها نحو الماكينة وهي جالسة على كرسيه المبطن. "لو أردتَ، أستطيع أن أُحضر يوماً ما بعض المخمل الجديد وأصنع غطاء واقياً لها من التراب برباط صغير لرفعها من القمة. وأضيف بعض التطريز بخيط ذهبي حول الحاشية."

تقدَّم بجوار المكتب متتبعاً مجرى نظرها ثم فرك ذقنه. "آه، سينفع."

مدت يدها ودست سبابتها في إحدى عرى حزامه لتشدها مرة واثنتين. "ولن أطلب منك أي فلوس خالص."

وفي خلال عدة أسابيع تالية بدأ ألڤا يَصبر على مسك دفاتر ساحة الخردة. دفع لطقم من العمال لنزع كل الأجمة والشجيرات من تلال المعادن الملتوية التي كانت تستلقي بلا استكشاف منذ وفاة أبيه، سحَق ما انكشف من الخردة ونقله في عربة سكة حديد لا سقف لها. فرَش الساحة بالحصى وأقام سوراً جديداً فضي اللون.

كان’سنايدر مشكلة‘ يمسح قدميه ويدلف إلى الداخل أثناء الجو الحار. يتريث عند مبرِّد المياه بجوار ماكينة الخياطة ليغض طرفه إليها حيث تستقر وسط مخروط من الضوء طرحه مصباح نحاسي على الأرضية. رانت عليه الكآبة والضجر وهو واقف عند سندانه، قرَع الخردة كالغاضب من مقاييس البخار وأصمة المراحيض الراقدة تحت مطرقته. وبعد انقضاء شهرين من فتح الخزينة راح سنايدر يلتقي برعايا كنيسته القدامى في الحي الوضيع الواقع خلف المَنشرة، وفي شهر أغسطس أجَّر صالة ’حَطَّابي العالَم‘ الشاغرة وأعاد افتتاح كنيسته هناك. ساور ألڤا الاندهاش حين أنبأه سنايدر بأن سيترك العمل لكنه اندهش كل الاندهاش حين رحل ديكي الصغير بعد مضي شهر ليلتحق بمَدرسة لِحام عجيبة في دالاس.

"ما السبب في هذه الخطوة؟" سأل ألڤا ديكي الصغير يوم أشعره بالخبر.

هز كتفه. "لا أعرف. تصورتُ أن بمقدوري التحسن لو تعلمتُ بعض اللحام الحقيقي. يعني، لحام بغاز الهليوم وبعض التقنيات الفعالة لوصل الأنابيب."

"ممكن أن أمنحك علاوة لو ستغير رأيك."

"المسألة ليست مسألة أموال فقط،" قال ديكي الصغير وهو يحط مفتاح البوابة بحركة خاطفة فوق المكتب اللامع.

"ماذا إذن؟ ما زلتُ غير معتاد على غياب سنايدر."

"تخيلتُ فقط أن بإمكاني فعل ما هو أفضل من حرق الأشياء وفصلها. آن أوان وصل بعض الأشياء على سبيل التغيير."

عيَّن ألڤا عاملين جديدين في الشهر التالي، رَجلين مصابين بإعاقة خفيفة وفَّرهما برنامج فيدرالي. مكث معه سائق الشاحنة وعامل الرافعة لكنهما لم يطئا حجرة المكتب مطلقاً. شاهدهما مرة أو اثنتين وهما يرسلان نظرات وجيزة إلى ماكينة الخياطة لكنه أدرك أنهما لم يفهما ماهيتها وحسباها شيئاً بلاستيكياً براقاً اشتراه أثناء عطلته ببلدة جاتلينبرج في تينيسي.

ومرة كل أسبوع تقريباً، قبيل مغادرة المكتب مساء، كان يرفع غطاء دونا الواقي من التراب، غطاء في زرقة البحر تهدل مثلما يليق بالرداء الثمين. كان يزيح الغطاء ذا الزجاج المنقوش ثم يدير الماكينة بضع دوائر من مقبضها العاجي. وفي واحدة من هذه المرات، عقب خمسة أشهر من فتح الخزينة، انحنى ليدقق النظر مجدداً في الماكينة ليكتشف أن حتى الإبرة كانت منحوتة. وفي اليوم التالي جلب من البيت نظارة مكبرة وتفرس بعينين نصف مغمضتين فيما انكتب على العمود الملون بلون فضي لا يختلف عن لون البَرْق. انكتب عليه الفن يخيط الجميع.

أراح ظهره على مقعده وقد خالجه إحساس بأن جمجمته صارت شفافة شفافية سمحت لإنارة دافئة بالنفاذ إليها، إنارة عجَز عن استيعابها مثلما يعجز حيوان واقف أمام فجر شتاء كاذب* عن استيعاب خصائص الشمس الفيزيائية. شمله إحساس بالرضا عن تجارته وإن تاه منه السبب.

استدار ألڤا وأطل من نافذة المكتب على تل من عوارض تتخذ شكل حرف الآي وتنقسم إلى قطع غليظة حمراء حمرة يخالطها الصدأ. تدبر للمرة الأولى في حال مصنع الصُلب الذي سيعيد إحياء القطع محولاً إياها إلى صفائح وأسلاك لولبية وأسطوانات. استعان بمخيلته، فأظهرت صورة طويلة فياضة – مثل تلك البادية على قطعة قماش جارية –  ألواحاً من الصلب تعتلي ليلاً شاحنة مسطحة من شاحنات السكة الحديد. تسير الشاحنة أسفل نجوم تخطط السماء وصولاً نحو السهول الكبرى صوب مصنع سوف تنسحق داخله إلى أطر سيارات وأدوات جراحية وحوامل لأجراس الكنائس ومشابك لرفوف الزجاج السميك الحامل للألماس واللآلئ. شعر بأنه الآن جزء من هذا، يتدفق عالياً نحو كل ما يصنعه الناس من أشياء. أنزل يده ليعيد القبة فعام الدُلفين الزجاجي في راحته.

 

 

 

 

* الفجر الكاذب: وهج منتشر في السماء يُرى في الغرب بعد المغيب ويُرى في الشرق قبل الشروق.

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.