مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم إدوارد بي. جونز بالموافقة على نشر قصتيّ "رجل غني" و"فتيان عُجُز، فتيات عجائز" في مجلة البوتقة.

Mr. Jones was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "A Rich Man" and "Old Boys, Old Girls" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Mr. Jones a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

رجل غني

فتيان عُجُز، فتيات عجائز

إدوارد بي. جونز

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

كل أطفال العمة هاجر

 

 

عاش هوراس ولونيز بيركينز – أبوان لطفل واحد وجدان لحفيد واحد – معاً في تعاسة أي تعاسة لِما يربو على اثنيّ عشر عاماً بالشقة رقم 230 في منزل سانسيت، مبنى للمتقاعدين يقع في 1202 شارع ثيرتينث بالشمال الغربي. انتقلا إلى هناك عام 1977، العام الذي احتفلا فيه بمضي أربعين سنة على زواجهما، العام الذي مارسا فيه الغرام للمرة الأخيرة – احتفظت لونيز بأوراق أشبه بالمذكرات دونت فيها تلك الحقيقة في يوم من أيام الأسبوع ومعها لم تخط حقيقة أخرى. "لمسني،" كتبت، كلمة تكتبها دوماً بمذكراتها عوضاً عن كلمة ’الجنس‘ المحرجة. إنه أيضاً العام الذي أحيلا فيه على المعاش، هي كسكرتيرة أحد أقسام وزارة التجارة حيث اتخذت عشيقاً واحداً, وهو كموظف مدني بالبنتاجون في وظيفة رئيس سجلات المحاربين القدامى. ظل رقيباً بالجيش عشرة أعوام قبل أن يضطلع بوظيفة رئيس السجلات؛ وفي يوم تقاعده منحه وزير الدفاع لوحة تذكارية في مثل حجم صدره وصَوره أحدهم مع وزير الدفاع ولونيز، صورة معلقة على الحائط عن يمين وحدة التسخين والتكييف بغرفة جلوس الشقة 230 طيلة كل تلك السنوات الاثنتي عشرة.

قبل شهر من انتقالهما إلى هذا المنزل، اتجها بسيارتهما الكاديلاك ذات اللونين الأحمر والذهبي من منزلهما الصغير بشارع تشيسيبيك في الجنوب الشرقي إلى أحد مطاعم محطة يونيون ستيشان. وهناك وعد أحدهما الآخر بأن منزل سانسيت سيمثل بداية جديدة لحياتهما. تناولا سمك سلور بالفلفل الأسود وفطيرة خوخ لم تلذ لهما وتعاهدا على أن يكرس كل منهما نفسه للآخر وأن يصبحا جدين أفضل لحفيديهما. كان قد اتصل بعلم هوراس منذ فترة طويلة مسألة عشيق وزارة التجارة. صارحته لونيز بشأن الرجل بعد شهرين من إنهائها للعلاقة عام 1969. "كان يعمل بغرفة البريد،" باحت لزوجها وهما يأكلان مكرونة طبختها للعشاء بمنزل شارع تشيسيبيك. "لمسني بغرفة الفندق،" ذكرت في يومياتها، "وبعدما انتهينا, توسل إليّ أن أهرب معه إلى فلوريدا. كل ما خطر ببالي هو أن فلوريدا مكان للعجائز."

وفي أثناء عشاء المكرونة هذا، لم يشر هوراس إلى عشرات العشيقات اللاتي عرفهن خلال حياته الزوجية. كانت تدري أنه عرف الكثيرات منهن، تدري لأنها قرأتهن على جبهته في السنوات الأولى لزواجهما ولأنه لم يعبأ على الإطلاق بستر ما يقوم به في السنوات الأخيرة. "سأرجع بعد برهة، علىّ قضاء بعض المشاوير،" ينهي إليها. بل إنه لم يذكر عشيقة نام معها في اليوم السابق على عشاء المكرونة، عشيقة ودّعها بجملة "كوني مؤدبة وحلوة" بعد أن أطلعها أنه عازم على أن يصبح رجلاً جديداً ويحترم نذور زواجه. أطلقت المرأة – سائقة أتوبيس مَدرسة نحيلة تقعقع الأساور حتى مرفقيها الاثنين – ضحكة عالية رغب هوراس معها في صفعها على وجهها، فقد اعتاد أن يأخذه الآخرون على محمل الجد. "رحي في داهية،" نبس هوراس وهو يمرق من الباب. "ما أردتُ سوى أن أخذلك بالراحة."

وفي أثناء عشاء مكرونة آخر، قبل أسبوعين من الانتقال، كررا ما قالاه خلال عشاء السلور بالفلفل الأسود وغسلا الصحون معاً وآويا إلى فراشهما كزوج وزوجة، وخلال ما تلا من أيام باعا معظم أثاث منزل تشيسيبيك. احتفظا بقطع تخص هوراس في الأساس، بدءاً بـ 639 أسطوانة فونوغرافية، العديد منها لـ "صغاره الحلوين،" تسجيلات من نوعية 78. لو أن أية فرقة جديرة بأقل احترام سجلت أي شيء ما بين 1915 و1950 – قال متباهياً – فالأسطوانة في حوزته؛ بعد 1950 – أردف – باتت الفرق مغرقة في العواطف فانسحب من سوق الشراء. احتفظ هوراس أيضاً بالكاديلاك التي دهنها تكريماً لفريق من فرق كرة القدم ودفع أموالاً لركنها في الموقف الكائن تحت سطح الأرض. انتوى بانيا مبنى سانسيت – صديقان لأعضاء لجنة المدينة – ذات يوم أن يصبح المبنى سكناً فاخراً إلا أن أموالهما نفدت في منتصف العمل فأقنع أعضاء اللجنة مسئولي الحكم المحلي بشرائها. أتم مسئولو الحكم المحلي سانسيت بغرفها الضيقة، وبعد أن ألقى أحد أعضاء اللجنة خطاباً في الجنوب الغربي عن الاهتمام بكبار السن، تفتق ذهن بعض مسئولي الحكم المحلي في الشمال الشرقي عن الفكرة؛ قد يحلو لكبار السن العيش في سانسيت بالشمال الغربي.

بعد ثلاثة أسابيع من انتقال هوراس ولونيز، هبط هوراس في ظهيرة السبت إلى مدخل المبنى ليجلب بريدهما فاتفق أن وقعت عيناه على كلارا نايتلي وهي تحضر بريدها. كانت تقطن في الشقة رقم 512. "شقتك ديكوراتها حلوة،" قال هوراس عن الشقة 512 بعد أقل من ساعة من لقائه بها. "لكني أقدر أن أشوف من تصرفاتك أن ذوقك رفيع. لقد شفت هذا في ثانية واحدة." "أنتَ تدير دماغي بكل هذا الكلام يا أستاذ بيركينز،" نبست كلارا وهي تعرض عليه قهوة رفضها، فمثل تلك اللحظات تتطلب دائماً مشروباً أقوى. "وما فائدة دماغ المرأة لو لم يستطع الرجل أن يديرها من وقت لآخر. هه؟ ردي عليّ يا كلارا. فقط ردي على هذا السؤال." كانت كلارا في الخامسة والخمسين، أصغر بقليل من معظم المقيمين بمنزل سانسيت وإن كانت أكبر بكثير من كل عشيقات هوراس الأخريات. لم ينطبق عليها تعريف موظفي المدينة للعجائز لكنها ابتليت بمجموعة كبيرة من الأمراض بدءاً بضغط الدم المرتفع وحتى السكري وعليه سمح لها موظفو المدينة بالإقامة في المبنى.

وعلى الرغم من الوعود، انتهى الزواج أو القليل مما تبقى منه. "سوف أُسعد نفسي،" أخبرت لونيز المذكرات بعد مضي شهر من آخر مرة لمسها فيها. جهّز لونيز وهوراس شقة جميلة فلم يرغب أحدهما في ترك المكان للآخر. ودت أن تقف وقفة أخيرة في وجه رجل أصابها بالكثير من وجع القلب، رجل رماها – بعد ستة أشهر من اعترافها – بالعهر لأنها عاشرت رجل غرفة البريد بوزارة التجارة. هوراس، ذو الستون، لم يول قط مَن يزدن على الخمسين اهتماماً غير أن كلارا وبعدها ويلا بالشقة رقم 1001 وماريام بالشقة رقم 109 أيقظن شيئاً داخله، فطفق يظن أن النساء فوق الخمسين لسن بالصفقة الخاسرة رغم كل شيء. عج منزل سانسيت بمثل هؤلاء النسوة، الكثير منهن أراملة لا يفتقرن إلى الجاذبية، الكثير منهن يَتقن إلى سماع كلمة حنونة من رقيب متقاعد بالجيش لديه عدد ضخم من الميداليات والأوشحة يتعذر على بزته العسكرية حملها. وحسبما تراءى له، كان سيد المكان: فالكثير من رجال سانسيت يعانون أمراضاً نجا هو منها حتى الآن أو لم يتحلوا بمثل وسامته ونحافته أو تعوقهم زوجات يكنون لهن حباً. لقد كان رجلاً غنياً في منزل سانسيت. لماذا إذن ينتقل ويرضي تلك العاهرة؟

عاشا عيشة منفصلة في مساحة لم تزد على ربع منزل شارع تشيسيبيك. عرفهما المبنى بوصفهما الرجل والزوجة بشقة 230 اللذين لا يطيق أحدهما الآخر. لاك الناس سيرة آل بيركينز أكثر من أي شخص آخر مما سبب انزعاجاً لا يستهان به للونيز التي تربت على الاعتقاد بأن شئون الأسرة لا يجب أن تخرج عن نطاق الأسرة. "ياه، يا إلهي، ماذا ينوي هذان الاثنان الآن؟" "يتشاجران كما القطط والكلاب، بجد." "مَن هي العشيقة الحالية؟" جلب كل منهما طعامه الخاص من متجر ’ريتشفود‘ الواقع بشارع إليفينث أو من المحل الصغير بشارع ثيرتينث. يتصرفان بدناءة لو وجد أحدهما أن الآخر حرك مشترياته من مكانها أو أكلها. امتنعت لونيز عن مخاطبة هوراس تسعة أشهر في عاميّ 1984 و1985 حين ألْفت فطيرة اليقطين أصغر قليلاً من آخر مرة أخذت فيها قطعة. "لم ألمس فطيرتك الوسخة أيتها المجنونة،" قال لمّا اتهمته. "منذ متى ونحن زوجان؟ تعلمين أني لم أحب قط فطيرة اليقطين." "لك أن تقول أي شيء يا هوراس لكن لِم هي ناقصة؟ ربما لا تحبها لكني أعرفك حق المعرفة. عارفة أنك ستأكل أي حاجة وأنت جائع. تلك هي طبيعتك القذرة." "طبيعتي لا تقل قذارة عن طبيعتك."

ابتاعت بعدها ثلاجة صغيرة ووضعتها في غرفة نومها وإن لم تنفك تحتفظ بالمأكولات الأكبر في ثلاجة المطبخ. اشترى هو هاتفاً آخر، فقد اشتكى أنها لا تبلغه برسائل "زميلاته،" "لم يسبق لي قط أن كنتُ سكرتيرة للعاهرات،" لفظت بينما تشاهده وهو يضع جهازاً للرد على المكالمات بجانب أريكة ماركة هايد-إيه-بيد كان يبسطها لينام عليها. "لا تجعليني أبدأ الكلام عن العاهرات. لقد كتبتِ كتاباً كاملاً عن العهر. "لقد أمليتَه عليّ."

كان ابنهما الوحيد ألونزو يعيش مع زوجته وابنه في مدينة بالتيمور. ثمة قدر من التباعد بينه وبين والديه منذ أمد طويل وقد استعصى عليه أن يصيغ لزوجته سبباً لهذا التباعد. طاب لولدهما ألونزو جونيور – البالغ اثني عشر عاماً عند انتقال جديه إلى سانسيت – أن يزورهما. وعندئذ يجذب هوراس سلك الهاتف ليضعه في مكان آخر وينام لونيز وهوراس معاً بغرفة النوم. تحط هي وسادة بينهما في السرير المزدوج كي تُذكر نفسها ألا تنقلب ناحيته.

أخذت زيارات حفيدهما تتناقص وهو يدلف إلى مرحلة المراهقة، وعندما سافر للالتحاق بالكلية في ولاية أوهايو، ما أقدم سوى على الاتصال بهما كل بضعة أسابيع في هاتف ركّباه باسم هوراس بيركينز ولونيز بيركينز.

 

بدأ قلب لونيز عده التنازلي نحو النبضات الأخيرة في عام 1987 فجعلت تقضي وقتاً بمستشفى جامعة جورج واشنطون يفوق ما تقضيه بالشقة. لم يزرها هوراس البتة. أدركها الأجل بعد سنتين. استيقظت بالمستشفى في تلك الليلة الأخيرة وخرجت إلى الردهة ومنها إلى مكان تجمع الممرضات لكنها لم تعثر على ممرضة واحدة في أي مكان لكي تخبرها بمكانها وسبب وجودها هناك. "لِم يتحتم على المرضى إدارة هذا المكان بمفردهم؟" وجّهت كلامها إلى الحيطان. رجعت أدراجها إلى الغرفة وفجأة فطنت إلى سبب وجودها هناك. كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحاً لمّا اتصلت بهاتفها أولاً ثم بهاتف هوراس. أجابه بيد أن شفتيها لم تفها بحرف. "مَن الذي يلعب في هاتفي؟" لم يفتأ هوراس يسأل. "مَن يتكلم؟ أنا لا أسمح لأحد باللعب في هاتفي." أغلقت السماعة ثم استلقت وراحت تتلو صلواتها. رافقت عشيقاً آخر عقب انتقالها إلى سانسيت، رجلاً كان يختلف إلى كنيسة فيرمونت أفينو المعمدانية حيث ترددت من آن لآخر. كان هو الآخر متقاعداً. ذكَرت في مفكراتها أنه لم يكن أكولاً وأن "أعضاءه الحيوية – تحت هناك – غائبة."

وارى التراب لونيز بيركينز بقطعة أرض في مقبرة هارموني اشترتها هي وهوراس خلال شبابهما. ثمة موضع لهوراس وآخر لابنهما غير أن ألونزو خطط منذ زمن أن يندفن في مقبرة خارج حدود بالتيمور بالضبط.

أبقى هوراس على الشقة تقريباً كما تركتها في آخر يوم أمضته بها. أخذ ابنه وزوجة ابنه وحفيده بعض ملابسها إلى جمعية جودويل الخيرية والبقية إلى بعض النسوة القاطنات في المبنى. هناك تذكارات من دول زارتها لونيز وهوراس بوصفهما زوجاً وزوجة – تمثال منحوت من غانا لرجال يحيطون بنمر قتلوه، شمعدان يهودي من النحاس الأصفر من إسرائيل، كرة زجاجية تحوي صورة مصغرة لجبل فوجي وتلتصق بعض الثلوج بسطحها إلى الأبد. أشياء لم تعن الكثير لألونزو غير أنه كان يقف على طبيعة ابنه، يعرف أن ألونزو جونيور سوف يجدها ذات يوم عزيزة على قلبه.

حاول هوراس أن ينام على الفراش لكنه لم يكن تعساً خلال اثنتي عشرة سنة أنفقها على أريكة هايد-إيه-بيد. لذا تخلص من الفراش ونقل الأريكة إلى غرفة النوم وأبقاها مفتوحة طيلة الوقت.

اكتشف أمرين بعد وفاة لونيز: استعادت "أعضاؤه الحيوية" شبابها. ما انتابه قط ما يصيب الرجال الآخرين من مشاكل وإن كان قد أخفق عدة مرات خلال حياته إلا أن هذا هو المتوقع. أمّا الآن، وهو يدنو من عيد ميلاده الثالث والسبعين، فيخامره شعور بأنه أكثر قوة وأشد فحولته من أي وقت مضى. إن الله لعجيب، تفكر ذات ليلة وهو يرشف رشفة من ويسكي شيفاز ريجال قبل أن يخرج: يأخذ زوجة رجل ويمنحه مكانها قضيباً جديداً.

الاكتشاف الآخر هو أنه بات منجذباً أكثر فأكثر إلى الشابات. لمّا فارقت لونيز الحياة، كان يصاحب ساندي كارلين، امرأة في الواحدة والستين مقيمة بالشقة رقم 907. وفي أحد أيام فبراير، بعد انصرام تسعة شهور على وفاة لونيز، أقبلت جيل، إحدى بنات ساندي، لزيارتها برفقة صديقة من صديقات جيل، إيلين كانينجهام. كانت الاثنتان في الخامسة والعشرين. ومنذ لحظة دخولهما باب ساندي، لم تسمعا من هوراس إلا كلمات الإطراء – على شعرهما ولون طلاء أظافرهما والثنية الحادة ببنطال جيل ("هل كويتِه بنفسك؟")، بل و"تلك الطريقة الراقية" التي تضع بها إيلين رجلها فوق الأخرى. تصاعدت قهقهات الشابتين مما أدخل على قلبه السعادة والسرور بنفسه على حين كانت ساندي جالسة في مكانها على الأريكة. وبينما كان ثلج البيبسي-كولا يذوب بيدها اليسرى، اكتشفت من جديد أن الله لم يعدها برجل حتى يوم مماتها.

عندما همت الفتاتان بالانصراف في حوالي 3:00 بعد الظهر، عرض هوراس أن يرافقهما على السلالم، "لأبعد عنكما الأشرار." وفي الردهة – وحارسة الأمن تجاهد بمكتبها كي تتنصت – نقل إليهما أنه لن يمانع لو جاءتا لرؤيته في وقت ما. تبادلت المرأتان النظرات وندت عنهما المزيد من القهقهات. خططتا ليلتها للذهاب إلى أحد الأندية بالجنوب الغربي إلا أن الرجل قد رفه عنهما بحديثه المعسول ومعاملتهما وكأنهما كاملتا الأوصاف وهبلٌ مثل هذا على حد قول جيل لصديقة أخرى بعدها بأسابيع. وحينما لمس ترحيبهما قال لِم لا تتفضلان الليلة، طظ، فلا خير من هذه اللحظة. علّقت جيل بأنه أكيد أخذ الجملة من إحدى الأغنيات لكنه نفى ذلك. أخبرهما أنه يقولها قبل ميلادهما فردت إيلين بأن كلامه صحيح لترتفع قهقهات المرأتين من جديد. أطلعهما أنه لن يقول كذباً إنه ليس رجلاً مجرِباً ثم شاركهما القهقهات. رمقت جيل إيلين وسألتها أتريدين؟ فأجابتها إيلين وماذا عن أمك؟ هزت جيل كتفيها استهانة ففاهت إيلين ماش. قطعت للتو علاقتها برجل قابلته في ناد آخر فكانت في حاجة إلى شيء يُذهب عنها الألم إلى أن يجيء رجل آخر، ربما من ناد أحسن.

هامت جيل سكرانة والليل يلفها في 11:30 تقريباً. لبثت إيلين وراحت تنتحب –  على الرجل من النادي غير الراقي وعمليتيّ الإجهاض وهروبها من بيتها في سن السابعة عشرة في إثر مشاجرة مع أبيها. "غادرتُ بكل بساطة وهو يقيل على الكنبة،" أفضت وهي تتمدد على أريكة هوراس الجديدة بغرفة الجلوس، حذاءاها مخلوعان وأحد أوشحة لونيز يغطي قدميها. كان هوراس يقتعد الكرسي المقابل لها. "وعلى حد علمي، هو لا يزال راقداً على تلك الكنبة." حتى قبل أن تبوح بحكاية أبيها، وحتى قبل عمليتيّ الإجهاض، كان يعلم أنه سينام معها ليلتئذ. بل إنه لم يكن في حاجة إلى ملء كأسها للمرة الثالثة. "كان رجلاً سميناً،" قالت عن أبيها. "وغير ذلك لا تعي ذاكرتي الكثير."

"اسمعي،" نبس وهي تتحدث عن أبيها، "كل حاجة ستكون على ما يرام." كان على دراية بأن الرجل في مثل تلك الأوقات كلما اتسم بالإيجابية أثناء عملية الإغواء كلما ظفر بنتائج أفضل. لم يكن لينفعه أن يخبرها بأن ترمي أباها وراء ظهرها وأنها فعلت الصواب بهجر هذا البدين ابن الكلب؛ الأفضل له أن يركز على الغد، أن يعلن لها أن العالَم سيكون أكثر إشراقاً في الصباح. تقدم إلى الأريكة، وقبل أن يجلس على طرف مائدة القهوة، رفع سرواله قليلاً ببنانه. التقطت هذه الحركة فاستدعى عقلها ذكرى رائعة مبهمة. لا ريب أن فتية النادي لا يفعلونها بهذه الطريقة. تناول يدها ولثم راحتها بشفتيه. "كل حاجة ستكون على ما يرام،" طمأنها.

 

استيقظت إيلين كانينجهام صباحاً لتلفي هوراس نائماً في هدوء بجوارها. لم تعنف نفسها ولم ترشقه بعينين مرعوبتين مما أقدمت عليه. ما ند عنها سوى أن تنهدت واتكأت برأسها على الوسادة متفكرة في مدى حبها لرجل النادي. لكن ما في اليد حيلة: بل إن السترة الجلدية ذات الخمسمائة دولار التي أهدتها له لم تجعله يعدل عن موقفه. بعد سنتين من هروبها، آبت إلى محل سكنها مع أبويها لكنهما كانا قد انتقلا ولم يقف أحد بالمبنى على مقصدهما. لكن ما من فرد إلا وتذكرها. "أنتِ لم تكبري أبداً يا إيلين،" فاهت إحدى العجائز. "كنتُ سأتعرف عليكِ إن لم تخبريني." "في داهية،" قالت للأصدقاء الذين أقلوها إلى هناك. "يغوران هما الاثنان في داهية." ثم أردفت بالسيارة المتجهة إلى كابتول هايتس حيث تقيم، "لا، ماما لا. كانت حنونة." "أبوك يغور في الداهية وحده إذن؟" سألتها الفتاة الجالسة بالمقعد الخلفي. تفكرت إيلين وهم يتوغلون في شارع رود أيلاند، وقبيل الانعطاف إلى شارع نيو جيرسي نطقت، "نعم، بابا يغور في داهية وحده، البدين الوسخ."

نهضت من سرير هوراس وحاولت أن تطفئ صحراء فمها وهي تنقب في دولابه عن برنس. عزفت عن تلك الزرقاء والصوفية المزركشة لتنتقي برنساً أخضر غامق استدعى إلى ذهنها ذكرى رائعة – تماماً كما حدث لمّا رفع هوراس بنطاله. شمت الكمين بمجرد أن ارتدت البرنس بيد أنها لم تستنشق سوى رائحة المنظف القوية.

وقفت داخل نصف غرفة جاز استخدامها كمطبخ لتحتسي معظم عصير البرتقال من علبة كرتون تزن جالوناً. "يا غبية،" لفظت. "أنتِ عارفة أنك لازم أن تشربي ماء، فهو الذي يروي العطش." أعادت العلبة إلى الثلاجة وتعجبت أيما تعجب من كمية الطعام. "يا نهار أسود!" نبست. مضت إلى غرفة المعيشة – وباب الثلاجة لا يزال مفتوحاً – منتبهة إلى كل ما امتلكه هوراس، وراحت تفكر، باستطاعة أية فتاة أن تعيش في بحبوحة هنا لو أحسنت التصرف. كانت تتطفل على منزل إحدى الصديقات في الشمال الشرقي وبدأت أم الصديقة تلمح إلى أنه قد آن أوان الرحيل. بل إنها عندما كانت تعمل، قلما امتلكت منزلاً خاصاً بها. "ممم،" قالت وهي تلقي نظرات سريعة على محتويات الثلاجة مفتشة عما تشتهي أكله. "النيك في مقابل السكن والأكل. الأكل، السكن. النيك. كان لازم يا بنت أن تفضلي في المدرسة، فهم يعطون دروساً في هذا. الأكل والسكن في الفصل الأول. النيك في الفصل الثاني."

لكنها في أثناء تناول البيض ولحم الخنزير وبسكويت ’هانجري مان‘ كانت تعلم أنها لا تود النوم كثيراً مع هوراس حتى لو امتلك قصراً صغيراً. فقد اتصف بفراعة الطول وهي لم تنجذب قط للطوال سواء كانوا عجزاً أو شباناً. "حاجة تقرف! لِم لا يكون ما أريده وعنده بيت جميل في نفس الوقت؟" كانت تُغمس آخر نصف بسكويتة بما تبقى من صفرة البيض عندما تدبرت حال صديقتها المقربة كاترينا، المرأة التي كانت تتطفل على منزلها. تبلغ كاترينا ستوكتون ثمانية وعشرين عاماً، ومع أنها أدمنت الهيروين في يوم ما، أقلعت عنه منذ سنة. نعمت بوجه وجسد لم يدلا على امرأة أخذت بأسباب حياة رديئة في الشوارع بل على جميلة من جميلات فيرجينيا تزوجت في السابعة عشرة لتنجب ثلاثة أطفال من زوج يشتغل سواق شاحنة ثم التقت برجل في ماكدونالدز بمدينة فريدريكسبيرج جاهر بأن النسوة مثيلاتها بمقدورهن أن يصبحن ملكات في دي. سي.

أجل، تدبرت إيلين وهي تستند إلى الأريكة لتتفرس في صورة هوراس ولونيز ووزير الدفاع. ما فتأت كاترينا تكرر أنها تشتاق إلى الحب وأنها لا تكترث لشكل الرجل ما دام يحن عليها ويغدق عليها الحب نهاراً وظهراً وليلاً. نهض وزير الدفاع وسط الزوجين. لم تكن لديها فكرة عن هويته، ما علمت سوى أنها طالعت وجهه في مكان ما، ربما في التلفزيون. كان هوراس يحمل اللوحة على يساره بعيداً عن الوزير. مدت إيلين يدها إلى الصورة لتزيل ببنانها بقعة من الغبار، وقبل أن تتمكن من نفضها نطقت امرأة باسمها فالتفتت حولها وقد نزلت بها قشعريرة.

مرقت من غرفة النوم كي تتأكد من أن الصوت لم يكن الموت يأمرها بتفقد هوراس. وجدته جالساً في السرير، يتثاءب ويتمطى. "نمتِ جيداً يا عسل؟" سألها. "طبعاً يا سكر،" ردت متقدمة عبر الحجرة بخطوات واثبة لتعانقه. فطور كالذي اصطبحته سيكلف على الأقل أربعة دولارات في أي مكان بدي. سي. أو ميريلاند. "آه، بابا حلا له الحضن،" قال هوراس. بل إن أرخص الفنادق في شارع نيو يورك، تلك التي تستقبل مدمني المخدرات وفتيات الليل تتقاضى على أقل قدير خمسة وعشرين دولاراً في الليلة الواحدة. وما الحضن مقارنة بذلك؟ إلى جانب أنها وجدت نفسها معجبة به أكثر مما حسبت، ومسألة انتقال كاترينا ينبغي أن تتم بحرص ما بعده حرص. "دعني إذن أعطيك حضناً آخر."

 

الشباب لا يعلى عليه، قال هوراس في قرارة نفسه عندما اصطحبت إيلين كاترينا إلى منزله لأول مرة. طبعت كاترينا يومذاك قبلة خاطفة على خده قائلة، "عندي إحساس بأني أعرفك من كل كلام إيلين عنك." حدث هذا في مستهل مارس.

وفي مطلع إبريل، قابلت إيلين رجلاً آخر من نادي جديد بشارع إف في الشمال الغربي ووقعت في حبه، وكذلك أغرم هوراس بكاترينا وإن كانت كاترينا مدركة، عقب عدة سنوات من التشرد في الشوارع، أن ما يراودها من مشاعر ربما يقع في حي الحب لكنه لم يقترب بأية حال من المنزل الصحيح. ألقت هي وإيلين على مسمعيّ هوراس حكايات تقطع القلب عن الرجل الذي التقت به إيلين في النادي، وقبل انتهاء شهر إبريل طفق ينام على أرضية غرفة معيشة هوراس. نفع الرجل – دارنيل ماد – مهارته في الفوز بقلوب الناس، رجلاً كان أو امرأة، وزعمه بأن أباه بطل من أبطال الحرب الكورية. بل إنه كان ملماً باسم وزير الدفاع الواقف بالصورة ومدة خدمته في الوزارة.

ومع انتصاف شهر مايو، تسكع خمسة أشخاص آخرين، أصدقاء الشبان الثلاثة، بمنزل هوراس في أي وقت من اليوم. اكتسحته السعادة بكاترينا وبسجائر الماريجوانا وبنسوة أخريات ألِفن أن يتسللن معه إلى إحدى غرف الفندق الكائن عبر شارع ثيرتينث. وعند بداية شهر يونيه، سرقوا ما يزيد على مائة أسطوانة من أسطواناته القديمة ليرهنوها. "اتركوا حاجاته،" أمرت إيلين دارنيل وأصدقاءه وهم يمرقون من الباب وكل منهم يحمل عشر أسطوانات. "لا تأخذوا حاجاته." إنه يحب تلك الحاجات." كانت 11:00 صباحاً وجميع من بالشقة نيام بما فيهم هوراس. "صه،" فاه دارنيل. "عنده الكثير منها، لن يلاحظ." صحيح. فهوراس لم يستمع إلى أي من هذه الأسطوانات منذ شهور عديدة. كان يمتلك سيفين يعلقهما على الحائط المقابل لوحدة التسخين والتكييف. الاثنان مِلك ضابطين ألمانيين قُتلا في الحرب العالمية الثانية. لذ لهوراس – الغائب عن الوعي بالماريجوانا – أن يشاهد الشبان وهم يتقاتلون بهما. لكنه في اليوم التالي – وهو صاح – يخبئهما في قاع الخزانة ليستخرجهما ثانية مع بدء الاحتفال في حوالي 4:00 بعد الظهر.

راح جيرانه – ولا سيما الذين اعتقدوا بأن لونيز صبرت طويلاً على أذاه خلال الزواج – يشتكون للإدارة من الضوضاء غير أن موظفي الحكم المحلي قرؤوا في سجل الإيجار أنه قد فقد زوجته منذ فترة قصيرة فأخبروا الجيران بأنه من الأرجح يقوم بشيء لمواساة نفسه. ما علا موظفو الحكم المحلي قط على الطابق الأول من سانسيت. "إنه محارب قديم خسر زوجته للتو،" يخبرون مَن أتوا إلى المكتب الزجاجي بالطابق الأول. "لِم لا تترفقون بالرجل قليلاً؟" إلا أن هوراس حاول السيطرة على الوضع بعد أن أبلغه رجل من رجال الصيانة أن يتحرى الحذر. جرى هذا بعد أن انكسر أحد السيفين ولم تع ذاكرته بتاتاً كيفية انكساره. إذ وجد نصفيه بدرج الخضراوات بالثلاجة ذات ظهيرة.

هدأ الحال قليلاً بيد أن الشابات لم يزلن يفدن ولم يزل هوراس سعيداً بهن وبكاترينا التي كانت تدعوه ببابا وتتظاهر بالضيق حين تشاهده يُقبل فتاة أخرى. "بابا، ماذا أفعل بك وبكل نسوانك؟" "بابا، عدني بأنك لن تحب سواي؟" "بابا، أريد فستاناً جديداً. ساعدني، ممكن من فضلك؟"

حبلت إيلين بعد وقت قصير من لقائها بدارنيل الذي سمح لها بالاحتفاظ بالطفل قائلاً إنه طالما رغب في طفل يحمل اسمه. "ممكن أن نسميه جونيور،" اقترح. "أو دارنيل الصغير،" قالت. وعلى حين كانت أمارات الحمل تظهر عليها، ساور القلق هوراس وكاترينا عليها. استدعى هوراس كيف تولاه الجزع أثناء حمل لونيز. لم يكن قد اتخذ العشيقة الأولى بعد بل ولم يفكر في أية امرأة أخرى بينما كان بطنها يتضخم ويتضخم. أمر إيلين بالابتعاد عن المخدرات والكحوليات حتى ولادة الطفل كما حاول أن يحثها على النوم في ساعة مبكرة وإن صعُب ذلك في الغالب مع وجود حشد صغير في غرفة المعيشة.

اتصل حفيد هوراس في ديسمبر، أراد أن يعرج عليه لرؤيته إلا أن هوراس أنبأه بأنه من الأفضل لهما الاجتماع في مكان ما بوسط المدينة لأن منزله في فوضى عارمة. لم يقم بتنظيفه منذ رحيل لونيز. "لا يهمني،" أفضى ألونزو جونيور. "أنا يهمني،" أجاب هوراس. "أنتَ عارف أني حساس لهذه المسائل."

أنجبت إيلين صبياً في نهاية شهر ديسمبر، ولادة مبكرة عدة أسابيع. اختارا ’هوراس‘ ليكون اسمه الأوسط. "بص،" قال دارنيل ذات يوم وهو يحمل الطفل على الأريكة. "هذا جدو. أنتَ لا تمانع يا سيد بيركينز أن أدعوك بجده؟ لا تمانع، أليس كذلك؟" لاحظ موظفو الحكم المحلي بمكتب التأجير – تحت قيادة شخص جديد، شخص أخذ القواعد على محمل الجد – أن العجوز بالشقة 230 يسكن مع طفل وأمه وأبيه بدون حتى أن تجمعه أية قرابة بواحد منهم. وحتى لو كان أحدهم قريبه، لم يزل الوضع خرقاً للقواعد التي تقررها لوائح إسكان الشقق.

وعند نهاية شهر فبراير، اشترى ضابط سري لفتين كوكايين من شخص بالشقة. كان امرأة حسبما أطلع رؤساءه في البداية وكتب في تقريره غير أنه ذكر في تقرير تال أنه اشترى الأحجار من رجل. "ابدأ من الأول،" أمر رئيس من رؤسائه اعتاد أن يتعشى شهرياً مع العمدة الجديد الذي لا يأبه سوى للأرقام. عاد الرجل السري في مارس حتى يبتاع المزيد.

استيقظت إيلين على طقطقة أجهزة اللاسلكي خارج الباب في ساعة متأخرة من إحدى ليالي السبت الدافئة بإبريل. لم تكن قد رأت دارنيل منذ أكثر من شهر وقد حدّثها هاتف بأنها يجب أن تبرح المنزل لأن أيامها السعيدة فيه ربما ولت. نزع تفكيرها إلى هوراس وكاترينا النائمين بغرفة النوم. ثمة رجلان وامرأتان لم تكن تعرفهما جيداً ينامون في مواضع مختلفة من غرفة الجلوس لكنها واعدت أخا امرأة منهما منذ نحو ثلاثة أعوام. وادعى أحد الرجلين أنه ابن عم دارنيل، وحتى يثبت صحة ادعائه، لمّا قرع الباب ليلتئذ، أراها صورة فورية له ولدارنيل في نادي وقد أحاط كل منهما الآخر بذراعيه واحمرت أعينهما، فقد كانت الكاميرا رخيصة والصورة لم تكلف سوى دولارين.

قامت من على الأريكة ومدت بصرها إلى المهد. وسعها أن تتبين في الظلام أن ابنها صاح، رِجلاه الصغيرتان ترفسان ولا يبدر منه سوى قرقرة توحي بالسعادة. أقبل صوت أجهزة اللاسلكي من وراء الباب وغاب. بمقدورها أن تتفرج على الحكاية كلها في أخبار التليفزيون – "سجن أم تتاجر في المخدرات. إلحاق الطفل بدور الرعاية." خطت قدماها فوق المدعي بأنه ابن عم دارنيل ودفعت باب غرفة النوم حتى قابل الحائط. كانت كاترينا تغادر الفراش في حين يرسل هوراس شخيره. لم يشخر أبداً من قبل في حياته غير أن المخدرات والكحوليات معاً أفسدا مجرى تنفسه.

"سمعتِ حاجة؟" همست إيلين وكاترينا تتقدم إليها على أطراف أصابعها.

"طبعاً،" أكدت كاترينا. استلزم النوم في الشوارع إبقاء عين مفتوحة وأذنين مفتوحتين. "لا أريد أن أرجع إلى السجن."

" يا للخراء. ولا أنا،" قالت إيلين. "ممكن ننط من الشباك؟"

"ننزل دورين؟ ومعنا عيل؟ يا للمصيبة!"

"نحن قدها،" لفظت إيلين وهي تصوب عينين اجتازتا كتف كاترينا نحو الكتلة الغامقة التي كانت هوراس يغمغم في نومه. "وهو؟"

التفتت كاترينا إليه. "هو عجوز. لن يعملوا له حاجة. أنا فقط قلقة من النزول بالعيل."

"أنا بالتأكيد لن أمشي من غير ابني."

"لم أقل إننا سنتركه،" نبست كاترينا بلهجة غاضبة. "الحكاية وما فيها هي أن نزول دورين لن يكون سهلاً."

"نحن قدها،" قالت إيلين.

"نحن قدها،" قالت كاترينا. سارت على أطراف أصابعها نحو الكرسي المحاذي لنهاية السرير وأخذت تفتش في جيوب سروال هوراس. "ممكن يكون معه خمسون دولاراً،" أنهت إليها هامسة بعد أن رجعت. "معي بالفعل ثلاثمائة دولار تقريباً."

"أنتِ تسرقين منه؟" فاهت إيلين. تقلبت الكتلة على السرير وصدر عنها أنين ثم عاودها الشخير مستقرة.

"ربنا يا أيلين يساعد مَن يساعدون أنفسهم. هيا." حملت كاترينا ملابسها في يديها ومرت بجوار إيلين التي وقفت ترصد الكتلة وهي تتقلب على السرير ثانية وشخيرها يتعالى طوال الوقت. مع السلامة يا هوراس. مع السلامة. أشوفك قريباً.

 

أوقف الشرطي سيارة – لم ينم شكلها عن أنها سيارة شرطة – في الجانب الآخر من شارع ثيرتينث. طفق يراقب إيلين وهي تقف على حرف الشرفة وتقفز. اعترضت للحظة النور الواهن المعلق فوق المدخل ثم حطت على المدخل المنحدر للموقف الكائن تحت سطح الأرض. سوف يتقاعد الشرطي بعد خمس سنوات، لم يتحرك من محله، فباستطاعته أن يشاهد ما يجري جيداً من مجلسه. وفي المقعد المجاور له غشي النوم زميله – عمره في المهنة ثلاثة أعوام ليس إلا. خال الشرطي المحنك أن أذى ربما لحق بالقافزة، إذ انقضت عدة دقائق دون أن يشاهدها تنهض من الأرض. ما كنتُ لأفعلها، قال الرجل في قرارة نفسه، ولا مقابل أموال الدنيا كلها. قامت المرأة بالفعل لكن قبل قيامها التقت عيناه بامرأة أخرى تنحني فوق الشرفة وهي تدلي صرة. مخدرات؟ سأل روحه. لا. ملابس؟ آه، احتمال أكبر. تعلقت الصرة بحبل طويل أو سلك – حالت المسافة دون أن يتبين أيهما كان. مالت المرأة في الشرفة ما أمكنها بينما رفعت الواقفة على الأرض يدها قدر المستطاع إلا أن الصرة لم تزل بعيدة عن يديها بقدمين كاملتين.

دعي الملابس تسقط، حدّث الشرطي نفسه. أطلقت كاترينا الصرة فأمسكتها إيلين. مسكة موفقة. تُرى ما هو شكلها والضوء مسلط عليها. قفزت كاترينا فأبصرها الشرطي وهي تمر للحظة أمام النور ثم تطلع إلى زميله. لا مانع عنده من ملء الاستمارات بيد أنها لم تطب لزميله، لذا تركه نائماً. سوف أكون في إحدى البحيرات أصيد الأسماك طول النهار فيما لا تزال تفعل أنتَ ما تفعله. حينما عاود النظر إلى المرأتين، كانت الأولى تصعد منحدَر المدخل والصرة بين يديها والثانية تعرج في إثرها. تُرى ما هو شكلها في الضوء الساطع. ما إن انتهت المرأتان إلى الرصيف حتى رنتا إلى اليسار وإلى اليمين ثم شقتا سبيلهما في شارع ثيرتينث. تثاءب الشرطي وراقب المرأتين في مرآته الجانبية وهما تقطعان شارع إم. ند عنه التثاؤب مرة أخرى. حتى في 3:00 صباحاً لا يزال الناس يعبرون الطريق بإهمال لا مزيد عليه.

 

كان ابن عم دارنيل عائداً من الحمام حين اقتحمت الشرطة الباب. كان يرتعب بسهولة، ورغم أنه أفرع مثانته للتو، بال مجدداً مع انفتاح الباب وتدفُق نور المدخل والرجال الصاخبين نحوه ونحو رفقائه النائمين.

جعل هوراس يسأل عن كاترينا وإيلين والطفل بمجرد أن وضعوه في الزنزانة. إذ احتاج إلى وقت طويل حتى يصحو عقله ويستوعب ما وقع له. ضغط وجهه بين القضبان محاولاً تحديد مكانه وتجاهل كل ما يدور خلفه في الزنزانة. دس فمه ما أمكنه بين قضيبين وزعق سائلاً إذا ما كانت المرأتان والطفل بخير. "إنهما مجرد امرأتين يا ناس،" راح يقول نحو خمس دقائق. "لن يؤذيا ذبابة. حضرات الضباط، أرجوكم. أرجوكم يا حضرات الضباط. ماذا جرى لهما؟ وذلك الطفل... الطفل في منتهى البراءة." كانت الساعة بُعيد السادسة صباحاً فأخذ الرجال على طول الممر يصيحون عليه ليخرس وإلا سيغرزون أكبر قضيب رآه في حياته في فمه. تملكه الذهول فحط عليه السكون بالفعل. فبرغم أنه اعتاد على لغة الشوارع تخرج من أفواه الشبان مرتادي شقته، ما رماه أحد قط بأية ألفاظ بذيئة. كانوا ينطقون بهراء ما بعده هراء بأوسخ لغة صكت أذنيه على الإطلاق لكنهم كانوا دوماً يدعونه إلى الانضمام إليهم و"الحديث عن حقيقة الأمر،" الحديث عن معرفته بوزير الدفاع والعمدة. وبعد سيجارة الماريجوانا الثانية كان في الغالب يطفو معهم في الكلام. الآن هدده أحدهم بفعل ما كان هو والشبان يهددون بفعله بأية امرأة تمر بهم.

ثم أدبر القضبان متأملاً ثلاثة رجال شاركهم زنزانة لا تستوعب سوى فردين. راق موظفو سجن المدينة تقليل ما يبذلونه من جهد قدر المستطاع، وملء الزنزانات بما يفوق سعتها معناه التعامل مع عدد أقل من الأقفال. شرنق أحد الرجال نفسه بالبطانيات على الأرضية بجوار سريرين من المعدن قام أحدهما فوق الآخر. دلى النائم بالفراش العلوي رجلاً إلى جانبه، ولأنه كان رجلاً طويلاً غطت رجله ست بوصات من وجه الراقد بالفراش السفلي. تمدد هذا الرجل على ظهره مستيقظاً، دس إصبعه في أنفه وراح يحملق إلى هوراس. اختبأت يده الأخرى تحت البطانية عند عورته. ما أخرجه الرجل من أنفه كان ينقره نحو السرير الذي يعتليه. ارتطم بصر هوراس بما يفعله فاستحضر أن لونيز ألِفت منذ أمد طويل، حتى قبل منزل شارع تشيسيبيك، أن تكوي مناديله وتطويها على هيئة أربعة مربعات لا يعوزها الكمال.

"بابا،" نادى الرجل، "معك سجائري؟"

"ماذا؟" سأل هوراس. استدعى أنه ضاجع كاترينا الساعة 2:00 أو 3:00 صباحاً ثم تقلب عنها وغلبه النوم. تذكر أيضاً أنه كان ينش الذباب في أحلامه، ذباباً في مثل ضخامة أيادي رجال الشرطة.

بدا وكأن الرجل لديه مخزون لا متناه من المخاط الجاف، وكلما توغل في أنفه، كلما جاشت معدة هوراس. كان يأسف لبسط المناديل، لشد روعة المربعات. أرسل الرجل تنهيدة رداً على هوراس ووضع شيئاً انتزعه من أنفه على الإصبع الكبيرة للرجل النائم فوقه. "قلتُ هل معك سجائري؟"

"سجائري ليست معي،" أجاب هوراس. حاول أن يفوه بأفضل لغة إنجليزية قد ينطق بها الرجل الأبيض. فقد أسر إليه صديق كان يخدم معه في الجيش بألمانيا أنها لا تخلف انبهاراً في نفوس البيض فقط بل والسود الذين لا ينتظرهم أي مستقبل في الحياة. "تركتُ سجائري في البيت." ألّمت الآلام برجليه وود لو يجلس على الأرضية إلا أن المساحة الوحيدة المتاحة كانت في المنطقة العامة حيث يقف وثمة شيء التصق بحذاءيه متى رفع قدميه. "ليت معي سجائري حقاً لأعطيك إياها."

"لم أسألك عن سجائرك أنتَ. لا أريد أن أدخنها. أنا أسألك عن سجائري أنا. أريد أن أعرف إذا ما كنتَ قد أحضرت سجائري."

وعلى بعد أربعة زنزانات انطلق صراخ رجل أخذ يهتف في نومه: "أيرين، لِم فعلتِ بي هذا؟ أيرين، ألم يعد الحب يساوي الخراء؟" أمره آخر بأن يخرس وإلا سيقحم في فمه أضخم القضبان.

"لقد قلتُ لك، ليس معي أية سجائر،" قال هوراس.

"تعرف؟ أنتَ لا تساوي الخراء،" شتمه الرجل. "تقش الكعكة كلها ثم تبوظها. هذا ما تعمله فعلاً. الآن، أنتَ عارف أنك قادم إلى السجن، لِم إذن لم تأت بسجائري الوسخة؟ ما تلك المراعاة بنت الكلب؟"

قرر هوراس ألا ينطق ببنت شفة. رفع أولاً رجلاً ثم الثانية ليهزهما على أمل أن يخف الألم ثم استدار ببطء ليواجه القضبان. لم ينبئه أحد بما سيقع له. كان يعرف أحد المحامين لكن لا دراية له إذا ما كان لا يزال يمارس المحاماة. لديه أصدقاء لكنه لم يرغب في أن يروه مسجوناً. تمنى أن ينام الرجل.

"لا تدير لي ظهرك الوسخ بعد كل ما كان بيننا،" قال الرجل. "بيننا هذه العلاقة الطويلة وتفعل هذا بي. ماذا بك يا بابا؟"

"اسمع،" قال هوراس متحولاً إلى الرجل. "لقد قلتُ لك، ليس معي أي سجائر. ليس معي سجائرك. ليس معي سجائري. ليس معي سجائر أي أحد. لم لا تفهم ذلك؟" كان على وعي بأنه يحيد عن لغة الرجل الأبيض غير أنه كان يعلم أن صديق ألمانيا ربما ينام آمناً في فراش بيته. "لا أقدر أن أعطيك ما لا أملك." قتل الرجال الرجال في سجن دي. سي. أو هكذا أوردت جريدة واشنطون بوست. "ألا تفهم ما أقوله؟" أبقى ظهره لصق القضبان ما أمكنه. مَن أيرين تلك، سأل نفسه، وماذا فعلت كي تنسل إلى أحلام رجل بهذه الطريقة؟

"ماش يا بابا، هكذا ستعاملني، هه؟" نبس الرجل وهو يرفع رأسه ويزيح قدم الرجل بالفراش العلوي لتتسنى له رؤية أفضل لهوراس. أخرج يده من عند عورته ليسددها إلى هوراس. "هل ستلعب معي دور بطرس لمّا أنكر المسيح، هه؟ تلك هي خطتك يا بابا؟" خفض رأسه ثانية فوق وسادة مخططة بالأبيض والأسود. "لقد قابلتُ في حياتي الكثير من الأزبال الأدنياء الحقراء لكنك أحقرهم. بعد علاقتنا الطويلة وكل ما جرى."

"أنا لم أقابلك في حياتي،" قال هوراس ويداه الاثنتان تتشبثان بالقضبان متمنياً مرة أخرى أن يأتيه الفرج.

"لن أنسى لك هذا، وأنتَ عارف أن ذاكرتي تدوم وتدوم. في الأول لا تحضر سجائري كما تعرف أنه الواجب منك ثم تنكر كل ما بيننا. لا تغمض عينيك هنا يا بابا، هذا كل ما سأقولك لك."

تفكر في رايلي جونسون، رجل اشتغل معه في البنتاجون. كان رايلي يعتبر نفسه – بمعنى ما – مصوراً. التقط صورة هوراس برفقة وزير الدفاع. كم ستبلغ الكفالة؟ هل سيكون رايلي في البيت ليتلقى مكالمته في صباح الأحد؟ هل سيسمحون بالكفالة؟ كان الضباط الذين جذبوه من فراشه يتأتئون في وجهه استهجاناً. "تبيع المخدرات وتُفسد الشبان كل هذا الإفساد؟" "لا علم لي بهذا يا حضرة الضابط، أرجوك." "أتفُ، رجل عجوز مثلك."

"لن يتسع العالم لإخفائك يا بابا عن حنقي الأخلاقي. وأنتَ عارف كيف ألتزم بالأخلاق لمّا أبدأ. لن يتسع العالم، وعليه أنتَ عارف أن هذا السجن لن يتسع."

انصرف هوراس إلى القضبان. هل ما حل به من ألم في معدته أصاب ظهره هو الآخر؟ تحسس وجهه. نادراً ما عجز عن الحلاقة كل صباح، حتى خلال أشهره التائهة مع كاترينا. إن السلوك الكفء للرجل يبدأ بالحلاقة كل صباح، أبلغه رقيبه بمعسكر تدريب المجندين منذ ألف سنة خلت.

جعل الرجل يعاود مناداة أيرين عند نهاية الممر. أيرين، نادى عقل هوراس. أيرين. هل أنتِ هناك؟ لم يطلب منه أحد السكوت. فقد حانت الساعة 7:00 والمبنى بأكمله يصحو من النوم، لم يعد صوت المنادي بأيرين أعلى صوت في العالَم.

"بابا، معك سجائري؟ أريد سجائري الآن."

ما عاد بوسع هوراس الوقوف فغاص ببطء نحو الأرضية. وهناك استشعر بعض الراحة. وكلما انصرمت الدقائق، كلما أدار شريط القبض عليه. كانت معه بعض الأموال في جيبه لمّا خلع سرواله الليلة الفائتة لكنه لم يجدها عندما سجلوا بياناته في القسم. وأين ذهبت كاترينا وإيلين حين أخرجه رجال الشرطة مسرعين إلى سيارة السجناء. رشقته حارسة أمن سانسيت الواقفة خلف مكتبها بنظرة القائل، "آه، ألم أقل لك؟" أين كانتا؟ لم تقع عليهما عيناه. مد رجليه فلمستا قدميّ النائم على الأرضية. صحا الرجل. "لم يعد الحب يساوي الخراء،" قال الرجل بالفراش السفلي. علا صوته علواً نبّه النائم على الأرضية من نومه تماماً، إذ جلس مغطياً صدره ببطانيته وشاخصاً ببصره إلى هوراس. مضت عيناه تطرفان وتطرفان لتنالا صورة أوضح لهوراس كلما طرفتا.

                                       

لم يأت رايلي من أجله قبل منتصف ظهيرة الاثنين. فتح أحدهم باب الزنزانة فخال هوراس في البداية أن الشرطي قادم لأخذ أحد رفقائه.

"هومر بيركينز، جاهر حامل المفاتيح. من المفترض أن تنفتح الأبواب إلكترونياً إلا أن ذلك النظام تعطل منذ دهر.

"هذا أنا،" أعلن هوراس ناهضاً على قدميه. وعلى حين كان يسير مع حامل المفاتيح بحذاء الزنزانات الأخرى، خاطب أحدهم هوراس، "اسمع يا بابا، لستَ من الكبر ما يمنعك من تعلم مص القضبان." "واصل المشي،" أمر حامل المفاتيح. "سأعطيك درساً يا بابا لمّا ترجع."

بينما كانوا يدلقون حاجاته من ظرف ضخم من الورق المقوى، تهامس الحارسان خلف المكتب وتضاحكا. "كل حاجتك عندك؟" سأل أحدهما هوراس. "أجل." "طيب، ماش،" قال الحارس. "نشوفك في رحلتك القادمة إلى هنا." "دع ذلك العجوز وشأنه. إنه جِد." "لمّا يبدءون في هذه السن، يسري في دمهم ويعجزون عن الكف. أليس كذلك يا بابا؟" سأل الرجل الأول.

ما تبادل مع رايلي عبارات كثيرة بعد أن باح له رايلي بأن الدهشة استولت عليه لاتصاله وبأنه كان يتساءل عما طرأ على حياته بعد وفاة لونيز. أعرب هوراس عن امتنانه العميق لرايلي لكفالته وأطلعه أن ما حصل مجرد غلطة وقصة طويلة سيشاركه فيها قريباً. وعند مبنى سانسيت، عرض عليه رايلي أن يصحبه للأكل إلا أن هوراس وعده بلقاء آخر في وقت لاحق. "في وقت لاحق؟" قال رايلي بوجه يشوبه الابتسام. "لم أكن أظن أن هناك من لا يزال يقول ’وقت لاحق.‘"

استدار مفتاح الشقة كما هي عادته دوماً بيد أن شيئاً أعاق الباب فاضطر إلى دفعه بقوة لفتحه. وبالداخل، اصطدم ناظراه بالدمار يحدق بالمكان بأسره. فوق الملابس وتذكارات حياته، تبعثرت على المائدة والأريكة والأرضية المئات والمئات من الأسطوانات المهشمة. خطا ثلاث خطوات على أرضية الحجرة ثم بدأ يبكي. أدار رأسه مرة واثنتين على أمل أن يجد ما يوحي بأن الحال ليس بالسوء الذي التقطته عيناه للوهلة الأولى. إلا أن الأمل ضعيف – رجاجتا الملح والفلفل لم تمسسهما يد، الستائر التي تكسو الباب الزجاجي ظلت على حالها. غير هذا وذاك لا شيء بوسعه أن يعلق عليه الرجاء.

تفكر من فوره في كاترينا وإيلين. ماذا فعل ليستحق ما حاق به؟ أما عاملهما دوماً بقلب طيب حنون؟ غطى عينيه إنما البادي أن تغطيتهما ما استحثت غير المزيد من الدموع. وحين أنزل يديه تراقصت الحجرة عبر دموعه. وليحول دون السقوط وضع يديه الاثنتين على مائدة مغطاة بقهوة فورية وسكر. أزال بعض الزجاج المكسور عن كرسي قريب منه وجلس عليه. لم يتخلص من كل الزجاج فاستطاع أن يشعر بالباقي عبر بنطاله ولباسه الداخلي.

حاول أن يجيل ناظريه فيما حوله إلا أن عينيه لم تتجاوزا صورته مع وزير الدفاع. اخترقها كسران، واحد يقطع شمالها إلى جنوبها والثاني يجري من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. وجد الصورة مائلة أيضاً. حدّثه خاطر بأنه لو تمكن من ضبطها لن تلوح على هذا النحو البشع. مد يداً وهو لا يمسك عن البكاء لكنه لم يقو على مفارقة الكرسي.

ما زايل محله طوال الظهيرة وحتى ساعة متأخرة من الأمسية. لم يتزحزح مرة عن الكرسي وإن كفت دموعه بالفعل في حوالي 5:00. أرخى الليل سدوله وهو لم يبرح مكانه. اسمي هوراس بيركينز، قال في قرارة نفسه والشمس تغيب عن الأفق. اسمي هوراس بيركينز وقد اشتغلتُ سنوات عديدة في البنتاجون. سادت الظلمة الشقة لكنه لم يجد في نفسه الجرأة لإشعال النور.

 

تواصل الطرق لما يزيد على عشر دقائق قبل أن يتناهى في النهاية إلى أذنيه. نهض وراح يمشي فوق الحطام بخطوات لم تسلم من الاضطراب ثم فتح الباب. وقفت إيلين هناك حاوية دارنيل جونيور بذراعيها.

"هوراس، أنت بخير؟ لقد جئتُ هنا عدة مرات. كنتُ قلقة عليك يا هوراس."

لم تظفر منه بحرف، ما كان منه سوى أن فتح الباب بما يكفي لتدخل هي والطفل.

"الشقة مظلمة يا هوراس. لِم لا تفتح النور؟"

عدَل مصباحاً يستقر فوق المائدة وأشعله.

"يا يسوع السماوات، هوراس! ماذا جرى! ربي يا يسوع! لا أصدق عينيّ." خالج الطفل الإجفال لسماع كلمات أمه فطفق يبكي. "اهدأ" قالت له، "اهدأ،" فسكَن روع الطفل بالتدريج. "ياه يا هوراس، أنا آسفة جداً. آسفة فعلاً. هذا أسوأ شيء رأيته في حياتي على الإطلاق." لمست منكبه بيدها الطليقة غير أنه نفضها عنه. "يا ربي! مَن بمقدوره فعل هذا؟"

مضت إلى الأريكة وأزاحت ما يكفي من النفاية لإجلاس الطفل. أخرجت من جيب سترتها بزازة أقحمتها للحظة في فمها لتزيل النسال ثم وضعتها في فم الطفل. انطبعت على وجهه علامات الرضا واعتمد بظهره على الكنبة.

اتجهت إلى هوراس فإذا به يقبض على رقبتها في الحال. "سأقتلك الليلة!" صرخ. "ليت تلك الفاجرة كاترينا هنا لأقتلها هي الأخرى." قاومت إيلين وبصقت كلمة "أرجوك" بصعوبة قبل أن يحكم قبضته عليها. ضربت ذراعيه تكراراً لكن الظاهر أن ضرباتها زودته بالمزيد من القوة. بدأت تبكي. "سأقتلك الليلة حتى لو كان هذا آخر شيء أعمله في حياتي."

جعل الطفل يبكي فأدارت رأسها قدر استطاعتها لترنو إليه مما دفعه إلى صفعها مرتين. بدأت تسقط. وبينما كان يجذبها إلى أعلى، نال من رقبتها قبضة أفضل، فحان أوان عبارتها، "لا تقتلني أمام ابني يا هوراس." أرخى يديه. "لا تقتلني أمام ابني يا هوراس." سالت الدموع على وجهها وصولاً حتى يديه. "إنه لا يستأهل أن يراني أموت. أنتَ تعرف ذلك يا هوراس."

"أين إذن!"

"في أي مكان بعيداً عنه. هو بريء من كل شيء."

تركها متراجعاً.

"لم أفعل شيئاً يا هوراس،" قالت همساً. "صدقني، لم أفعل شيئاً." تعالى صراخ الطفل فذهبت إليه وضمته إلى صدرها.

قعد هوراس على نفس الكرسي الذي شغله من قبل.

"ما كنتُ لأفعل هذا بك يا هوراس."

ردد بصره بينها وبين الطفل الذي لم يستطع إشاحة عينيه عن هوراس، حتى عبر دموعه.

بدا وكأن واحدة من صرخات الطفل انسدت في حلقه فرفع قبضته لاكماً الهواء ليحررها فانطلقت الصرخة أخيراً. كيف يتأتى لرجل أن يبدأ من الصفر؟ تدبر هوراس. دنت إيلين منه وما انفك الطفل يرصده فيما يقل بكاؤه. كيف يتأتى لرجل أن يبدأ من العدم؟

انحنى والتقط بضع أسطوانات مكسورة من الأرضية وأخذ يقرأ العلامات المكتوبة عليها. "أنا لن أؤذيك مقابل كل أموال العالَم يا هوراس،" نبست إيلين. شركة أوكيه للفونوغراف. شركة دومينو للأسطوانات. آر سي إيه فيكتور. أحجم دارنيل جونيور عن البكاء لكنه لم يمسك عن النظر إلى قمة رأس هوراس. شركة كاميو للأسطوانات، نيويورك. "لقد أحسنت إليّ يا هوراس إحساناً لن أرده بإيذائك بهذه الطريقة." أسقط الأسطوانات الواحدة تلو الأخرى: "الأيرلندي وحده هو الخبير بالعشق." "سأُكَرم الفتاة التي تركتُها خلفي." "جندي الراجتايم" "مَن الذي تكسرين قلبه الصغير الآن." "المشية المتمايلة."

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.