البوتقة
 

شهرية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة الأدب الإنجليزي

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
اللجوء إلى لندن
albawtaka@albawtaka.com

زويتروب:

 أول ستوري

شتاء 2003

كان كل الأشخاص – المستأجرين – في بنسيون خالتي يضمرون تاريخاً فاتتني معايشة مثله. جيء بي إلى إنجلترا في الثانية من عمري – "إنجليزيتنا الصغيرة،" كانوا يدعونني. لم أعهد مكاناً غيرها فخيم عليّ إحساس بأن هذا جعلني – بالمقارنة بهم – كما الصفحة الخالية. طاب لي ولا شك أن أتحدث الإنجليزية بمثل طلاقة الفتيات بمدرستي وأن أمسي من نواح أخرى أيضاً مثلهن إلى حد بعيد. إلا أني لم أكن مثلهن تماماً قط، فقد نشأتُ في منزل يحوي مهاجرين أوروبيين يختلفون اختلافاً بيناً عن آباء زميلاتي في المدرسة وذلك بما يبطنونه من ماض أو بلد أو بلدان – قارة – لا وجه للشبه بينها وذلك البلد الذي وجدوا أنفسهم فيه الآن.

لم يكونوا دائماً نفس المستأجرين. فسرعان ما كان النزلاء يروحون ويجيئون، إذ تفتحتْ في وجوه بعضهم أبواب الرزق وانتقلوا إلى مسكن آخر، آخرون أُجبروا على اتخاذ تدابير أخرى لمّا قصّروا عن أداء الإيجار. كانت خالتي – التي شاركتُها العيش في البدروم – صاحبة بنسيون رؤوفة لكن عندما كان الوضع يتجاوز حداً معيناً لا تقدر على مواصلة كرمها. كما أنني – حسبما أعلنتْ – كنت الدافع إلى تمسكها بمعايير أخلاقية متزمتة قد لا تكون جزءاً من طبيعتها. بيد إن ظروف المهاجرين لا ترتبط بالفضائل التقليدية بقدر ارتباطها بملاذ عاطفي يجدونه برفقة بعضهم بعضاً. لذا كان هناك دوماً بعض التساهل في هذه الترتيبات، في أوضاع شاذة داخل الإطار الزوجي وخارجه: على سبيل المثال، الدكتور ليفيكيس الذي بدأ إقامته في واحدة من الغرف بصحبة زوجة اقترن بها ثلاثين عاماً استبدلها بسيدة شابة في العشرين ربيعاً كانت هي الأخرى لاجئة وإن لم ترتق البتة إلى مستواه الرفيع. كانت خالتي على استعداد أن تتغاضى عن مثل هذا التصرف؛ فهي على دراية بمشاق الحياة. غير أنها وجّهت بحق إخطاراً بالمغادرة إلى الآنسة فونت التي آجرت غرفتها بصفتها سيدة عزباء في حين كان شتى الرجال يغادرونها في الأصباح، وغالباً ما كنا نسمعها تقذفهم بالإهانات وهم يهبطون السلالم متعثرين في الخجل.

إلا أنها احتملت الزوجين كول السنة تلو الأخرى رغم أنهما لم ينتظما البتة في دفع الإيجار ولم يتوخيا الأخلاق الحميدة. لم يتوقعهما أحد أن يتوخياها؛ فقد كانا يشتغلان بالفن. كان كول رساماً يُشار إليه بالبنان في ألمانيا قبل حكم هتلر أما زوجته مارتا فقد قالت إنها امتهنت التمثيل وكذا الرقص وإن لم تذع شهرتها في أي من الوظيفتين. استأجرا الغرفتين العلويتين لكنهما عاشا عيشة تقريباً منفصلة. فقد انفرد هو بواحدة من الغرفتين لتصير الأستوديو الخاص به؛ هي الأخرى أشارت إلى غرفتها بالأستوديو مع أنها لم تكن تصنع بها أي شيء يمت للفن بصلة. كانت تصغره بسنوات عديدة وتنعم بفتنة طاغية، امرأة قليلة الحجم ذات شعر أحمر. ولولا صيته الذائع ربما ما كانت لتقترن أبداً برجل يكبرها بكل هذه الأعوام ولا يتسم بأي قدر من الوسامة. كان قصير القامة ممتلئ البدن أصلع الرأس عدا خصل مرسلة خلف رأسه؛ أطال شارباً تعوزه الجاذبية أطلقتْ هي عليه فرشاة المرحاض. لم يبد مكترثاً لتردد العشاق على حجرتها؛ فعند زيارة أحدهم لها، يغلق بابه مواصلاً الرسم. كان ينفق كل وقته في الرسم وإن كنتُ لا أعتقد أنه باع شيئاً خلال هذه السنوات. لستُ واثقة كيف تكفلا بمعاشهما، علهما عاشا على إعانة من إحدى منظمات الإغاثة. انقضت فترة حصلتْ فيها على وظيفة بالقسم الألماني من هيئة الإذاعة البريطانية غير أنها ما لبثت أن فقدتها. إذ توافر كثيرون يفوقونها كفاءة بمراحل وأيضاً مَن كانوا أهلاً للاعتماد عليهم أكثر منها، هي التي تعذر عليها الحفاظ على ميعاد واحد وحيد من مواعيدها.

كان مان أحد مستأجري بنسيونا. اسمه الأول جوستاف إلا أن أحداً لم يدعه مطلقاً سوى مان. كننت له كراهية. صوته عال لا ينقصه التبجح، يُمضي في حمام الدور الثاني – الذي تشاركنا جميعاً فيه – وقتاً أطول من الكل عدا مارتا. سبب آخر دفعني إلى بغضه هو أنه واحد ممن قضوا وقتاً مع مارتا في حجرتها دافعاً كول إلى إغلاق بابه. ما انتابتني مثل تلك المشاعر السلبية تجاه زوارها الآخرين بل إن شعوراً بالامبالاة تملكني حيالهم كما هو الحال مع كول على ما يبدو. كان هو الآخر يعبأ بعلاقته بمارتا. فمتى التقى به على السلالم، يسبه بعبارات يتقبلها مان بروح مرحة. "طيب، طيب يا صاحبي، رُق،" قال بل وربت كتفه ليهدئه. فصرخ كول، "لا تلمسني!" وانتفض بعيداً عنه. تعثر ذات مرة وتدحرج على بضع سلالم فأغرق مان في الضحك. كذلك اعتاد مان أن يضحك متى مر بي. كنتُ وقتها في السادسة عشر ولم أكن جذابة وبتظاهره بالعكس جعلني أشعر بأني عاطلة حتى من أية جاذبية. "ساحرة،" فاه وهو يمس سترة المدرسة الكحلية التي كنت ألبسها على كراهيتي لها. كنتُ في آخر سنتين من المدرسة – فأحسست أني أكبر من أن أرتديها، وددت لو أرحل، مشتاقة إلى ما ظننته العالم الحقيقي.

ربما كانت تلك الأعوام تحديداً عسيرة على معظم الفتيات، ولم يُحَسن من الوضع أن اتفق أنها أعقبت الحرب في إنجلترا، بطعامه التفه ومناخه الغائم وملابس ليست فقط تابعة للجرايات إنما مخيطة من قماش سميك موحد اسمه "النافع." إلا أني لم آبه بحق للأمر: فأنا لم أكن أستجب لما حولي من مؤثرات بقدر ما تفاعلتُ مع ما يدور داخلي. إذ ألفيت بيئتي أشبه بالغلاف الكاسي للخادرة، أنطلق منه لأصبح شيئاً آخر. لكن ماذا أصبح؟ فما أحسست البتة بأني أصلح أن أغدو فراشة، وكلما رمقني مان ناطقاً بكلمته المتهكمة "ساحرة،" تجلى لي أنه يشاركني نفس الرأي.

كان الوضع مختلفاً مع كول. طالما جلستُ أمامه كي يرسمني. لم يقدر على تأجير عارضة لذا رسم بالفعل جل سكان المنزل بما فيهم خالتي. رنت إلى صورتها بعينيها المستديرتين ويدها أمام ثغرها فيما لسعها انزعاج شابه شيء من الحيرة: "لا – بجد؟" تساءلتْ. إلا أنها كانت هي حقاً، ربما ليس كما قُدر لها أن تكون – كما توقعتْ في سنوات راودها بها المزيد من الأمل – لكن هكذا آلت بعد الحرب، بعد النجاة، بعد أشغال شاقة منزلية لم تُخلق لها وعوز معتاد تخطى هو الآخر التوقعات. إن خالتي هي التي أتت بي إلى إنجلترا بعد أن انتزعتني تقريباً من بين أحضان أمي على وعد منها أن يجتمع شملنا قريباً. لم يصدق الوعد قط: فمنذ الثانية من عمري لم تقع عيناي على أمي ولا أبي ولا أي قريب من أقربائي. ما عرفتُ سوى خالتي – كان اسمها إلسا غير أني كنت أدعوها لا بلوم (من درس اللغة الفرنسية – "لا بلوم دو ما تانت"). كانت وقتها تقارب الخمسين من العمر؛ كنتُ أجدها في بعض الليالي نائمة على فراشها بمخدع المطبخ – وجهها أحمر منتفخ لم يبرأ من الإنهاك، شيبها يتشعث فوق الوسادة، ثغرها متسع تند عنه تأوهات لا بد وأنها كبتتها خلال النهار. تلك هي الشخصية التي لم تتعرف عليها في رسم كول.

كنتُ دائماً على استعداد للجلوس من أجل لوحتي. فما إن أعاود إلى البيت من المدرسة، لا ألفي مكاناً آخر أختلف إليه. لم أكن أشاطر زميلاتي الكثير من اهتماماتهن أو أنخرط في علاقاتهن المحتدمة التي لم تخرج في الأغلب عن نطاقهن. وعندما كن يدعونني إلى بيوتهن، أجدها أصغر من بيتي وأكثر ازدحاماً من نواح عديدة. كن يقطن في منازل تتصل بالبيوت المجاورة لها أو تنتظم متطابقة في صفوف، ومن خلفها تمتد حدائق مستطيلة يفلحها الآباء زارعين الخضراوات خلال أيام يعطلون فيها عن وظائفهم كرجال بريد أو قاطعي تذاكر بالحافلات. كانت كل أسرة تعيش في منزل مستقل بينما احتشدنا نحن مع أفراد آخرين يحمل كل منهم بين جنبيه تاريخاً متبايناً مثّل في الغالب عبئاً لا يسلم من ماض محطَم. وقد انعكستْ حيوات المستأجرين الجامحة على حالة حديقتنا الخلفية. إذ طال عشبها طولاً مفرطاً، فلا أحد منا يعرف كيفية جز العشب ذلك لو كان لدينا أصلاً ما نجزه به؛ وفي تشابكات لا تعرف التشذيب، رقدتْ مدفونة أجزاء من تمثال مكسور ظل هناك منذ انتقلنا إلى المنزل. كان واحداً من قلة من المنازل العتيقة الشامخة التي لم تتهدم خلال عملية إعادة تشييد الحي في الثلاثينات أو تقصفها القنابل أثناء الحرب. احتل أستوديو كول قمة المنزل في الطابق العلوي، وحين كنت أجلس أمامه، يتولاني شعور بأني انفصلت عما حولي لأطفو فوق أسقف من القراميد تعلو الفيلات الإنجليزية الصغيرة التي يرتكز بنسيونا وسطها.

كان كول يشتغل طيلة الليل، يرسم بالألوان الزيتية لوحات ضخمة من القماش لم نلق عليها سوى نظرات خاطفة، فهو إما يغطيها بالأقمشة وإما يديرها في مواجهة الحيطان. لم أجد هذه اللوحات ممتعة في شيء – الحق أني حسبتها بشعة المنظر: جروح زاهية الألوان هائلة الحجم، مجردة من أقل معنى مثلها مثل كابوس يحل بأحدهم أو أعمق أغوار العقل الباطن. إلا أنه كان يرسمني دائماً في النهار. يجثم بالقرب مني وركبته لصق الأخرى، يمسك بكراسة فوق حجره ليرسم عليها بقلم رصاص وآخر فحم. وفيما كان يعمل، يجيش صدره دوماً بسعادة تقترب من النشوة. وبكل عفوية تتحد معه يده في حركات رشيقة ترتسم على ورقة كان ينقلني إليها. كان الابتسام يجري على فيه ويدندن لسانه بالألحان، يهمس قليلاً لنفسه وهو من السعادة في غاية، وعندما يسدد إليّ عينيه، لا تذهب عنه هذه الابتسامة المسرورة. "آه، حلوة،" يهمس الآن عن اللوحة، عني. أدركني أنا الأخرى إحساس بالفرح؛ فلم يسبق لأحد مطلقاً أن تطلع إلي ملامحي أو غمغم كلاماً عني على هذا النحو؛ وعلى الرغم أني لم أكِن له بالطبع أية مشاعر – هذا الكهل ضئيل الجسد عظيم البطن – شعرتُ حقيقة في تلك اللحظات برابطة تجمعنا، رابطة لا تصل بين شخصين بقدر ما كانت شيئاً يتفتح على الحياة بينهما. لم تهدأ الحركة في المنزل، ضوضاؤه: الأبواب، الأصوات، الخطوات، فقد عاش به الكثير من الناس. بيد أننا أحسسنا هناك في الأعلى وكأن لا ثالث لنا، مرتبطين معاً برباط فنه.

الشخص الوحيد على الإطلاق الذي قاطع جلستنا هو زوجته مارتا – وهي لم تكن مجرد تشويش إنما إقلاق لسكوننا أو بالأحرى انفجار فيه. ومع أنهما عاشا عيشة منفصلة، كل في حجرته المستقلة، مرقتْ من بابه وكأنه حق لها، هي ربة الغرفة الشرعية. ومن غير أن توليني نظرة، اتجهت رأساً لترنو إلى الرسم من فوق كتفه: وقفتْ هناك، تتفرس في تفاصيله. فاستشعرتُ اضطراباً يتخلل الحركة التلقائية للأداة في يده. لقد طرأ تغيير شمل كل الأمزجة عدا مارتا نفسها التي لم تنفك واقفة ورائه تصوب نظرات تنم عن الانتقاد. اعتمدتْ إحدى يديها الصغيرتين على وركها الذي اندفع قليلاً إلى الأمام بما يوحي بالتحدي. أشاحت عن اللوحة بعينيها الخضراوين المتلألئتين لتستقر عليّ. راحت تتمعن في وجهي، ليس كما يتمعن المرء في موضوع صورة إنما كشيء في سبيلها إلى تثمينه. وبعد وقفة طال أمدها، استردت الصورة بصرها وامتد إصبعها ليشير إلى شيء ما. "لا تلمسيها،" أمَر غاضباً فما كان منها إلا أن أدنت إصبعها أكثر لتريه ما اعتبرتُه خطأ. أزاح يدها بخشونة حملتْها على الضحك. "لا طاقة لك أبداً بالنقد،" نبستْ مبتعدة لتتمشى في الحجرة؛ ولو حدث ووجدتْ طعاماً شهياً على طبق، تلتهمه. تظاهر بمواصلة العمل لكني شعرتُ بانتباهه – كما هو الحال معي – ينصب عليها. لم تتعجل الانصراف، وحتى وهي على وشك الخروج من الباب، استدارت لتنهي إليّ، "لا تدعيه يجعلك جالسة دهراً: فبمجرد أن يبدأ، لا يقوى على الكف." كان يستهلك وقتاً طويلاً حتى يعود إلى سابق تركيزه، وأحياناً ما يخفق كلية في المتابعة لينتهي بنا الأمر إلى التوقف يومها عن الرسم.

وفي مرة من المرات، حين حدث هذا، طلب مني أن أسايره بالخارج. كنتُ قد لاحظت أنه يتمشى دوماً في الظهيرة ماضياً في العادة إلى نفس المكان، إلى متنزه صغير قائم بالحي – متنزه صغير مصطنع أيما اصطناع تقوم به أشجار ضئيلة وجسر خشبي قصير مشيد فوق جدول صغير يترقرق على بعض الأحجار البيضاء. تراءى لي المكان مملاً – فقد كنتُ أطالع شعراء الرومانسية بالمرحلة الثانوية فنزع ذوقي إلى المناظر البرية والأشباح الخارقة للطبيعة. إلا أن كول وجد في هذا المتنزه الذي استخففت به إبهاجاً لا مزيد عليه. رافقتُه إليه لأول مرة في أحد أيام الربيع، فلم يسبق لي قط أن شاهدتُ شخصاً يتلذذ إلى هذا الحد برائحة زهرات البنفسج الأولى وملمسها – كان قد انحنى ليتحسسها – ولا بصوت الزرازير التي نجت فرِحة من فصل الشتاء. جعلني أتعلق بذراعه، إيماءة كلها كياسة سببتْ لي إحراجاً. تمشينا ذهاباً وإياباً في الطرق الملتوية وتحت أشجار لم تكن كبيرة بما يكفي لحجب السماء. أسر إليّ غرامه بكل ما هو مفعم بالشباب والنضرة – ضغط لحظتها ضغطة خفيفة على ذراعي المندسة تحت ذراعه؛ وعندما طارت زهرة لتحط على شعري، التقطها قائلاً، "آه، حلوة،" شأنه أثناء الرسم. اتخذنا مجلسينا على مقعد رومانسي بجانب الجدول المترقرق فمضى يُلقي إليّ شعراً لا مسحة عليه من شباب ولا نضرة، شعراً يترع بالانحطاط عن عشيقة سوداء لشاعر من الشعراء أو إحدى الجثث المتعفنة. شرح لي أن هذا شاعره الأثير أيام الصبا لمّا كان يقيم في باريس ويرتاد نفس المقاهي التي ارتادها براك وديغا.

كثيراً ما سألني الخروج معه بعد تلك التمشية الأولى غير أني اعتدت مقابلة طلبه بالرفض. فقد أوقعني في الحرج أن يراني الناس متشبثة بذراعه، رجل يكبُر أبي أو عمي ذلك لو كان عندي أي منهما. لم يجرب قط أن يغّير رأيي لكن حين مددت بصري نحوه وهو سائر بمفرده، كنتُ ألفيه مثقلاً بالحزن والوحدة، لذا ذهبتُ معه عدة مرات دون رغبة حقيقية من جانبي. كان إحساساً غريباً جديداً كل الجِدّة أن أشهد سعادة شخص آخر برفقتي في حين لا يخامرني أنا نفسي هذا الشعور على الإطلاق. لا مراء أن السرور كان يغمره في ذلك المتنزه الصغير المثير للشفقة، يرهف السمع إلى الطيور، يستنشق شذا الزهور، يتمشى ذهاباً وإياباً بصحبتي، أنا ذات السادسة عشر المتعلقة بذراعه. لكن عندما جلسنا على المقعد المجاور للجدول وطفق يُلقي شعر بودليير بالفرنسية، نازعني اشتياق يمتزج بالحزن. فقد فطنتُ إلى أن الموقف كان سيزخر – أو من المفترض أن يزخر – بالرومانسية لو تحلى هو بالمزيد منها بدلاً مما كان عليه، رجل بقبعة هومبورج* قديمة وشارب قبيح المنظر.

جعل يدعوني إلى نُزه أخرى، إلى زياراته للمعارض والمتاحف في ظهائر الآحاد. مضيت معه بضع مرات إلا أنها لم تطب لي، بدءاً من الجلوس بحذائه مدد طويلة في الميترو على حين لم أرغب أن يخالني الآخرون بصحبته. وحين أتطلع الآن إلى الماضي، بعد مرور كل هذه السنوات، أدرك أنه كان ينبغي أن أعده شرفاً أي شرف أن أرنو إلى لوحات عظيمة برفقة فنان مثل كول طار اسمه ذات يوم في الآفاق (وسيطير مجدداً). كان يبقيني إلى جانبه وهو يقف إزاء اللوحات التي جاء ليشاهدها، كانوا في العادة لوحتين أو ثلاثاً لا غير. لم يحاول أن يفسر لي شيئاً، وما بدر منه سوى الإشارة إلى تفاصيل معينة لم أكن لأجدها استثنائية – كضوء ساقط على تفاحة أو ركبة عذراء – قائلاً "آه، آه، آه،" بنبرة تخالطها ذات النشوة التي تجتاحه أثناء الرسم. كان يدعوني بعدها إلى احتساء فنجان من القهوة. لم يتأت له وقتذاك إلا تحمل فاتورة المطاعم العادية بلندن: أماكن قذرة تشتغل بها مضيفات كبيرات لا يعرفن الود، أماكن ألقت الكآبة في الأنفس ولا سيما لو أمطرت السماء مثلما فعلت في معظم الأوقات. كنا نمكث في جو تنقصه الراحة بمعطفين وأحذية نال منها البلل. بيد أنه لاح مستمتعاً بتلك المرات بل ومستمتعاً بالقهوة الرديئة، فكان يظل جالساً حتى بعد أن تصفق المضيفة المائدة بالفاتورة أمامه. فأضطر في النهاية إلى أن أخبره بأن خالتي سيشتد بها القلق لو تأخرتُ عن البيت لينهض بعدها وآي الأسف تحيق به؛ وعند تلك اللحظة الأخيرة ليس إلا – حين كان يلتقط الفاتورة – لامستْ يده يدي لمسة غاية في الرقة والخجل فأفتر ثغره عن ابتسامة لم تكن دونها رقة ولا خجلاً.

المرات الوحيدة التي حلا لي فيها حقاً مصاحبته كانت داخل الأستوديو خلال رسمه إياي. كنتُ أرسل بصري من نافذته فما أرى غير رقعة من السماء ترتفع بها بعض المداخن. وعندما يرخي الليل سدوله ويشعل النور، حتى هذا المشهد يتوارى عن الأنظار. فلا تصطدم عيناي سوى بالحجرة نفسها: سرير من الحديد غير مرتب في أغلب الأحوال، مائدة خشبية غاصة بالرسومات، لوحات زيتية رسمها ليلاً تتكدس الواحدة أمام الأخرى في كل مساحة متاحة من الحائط فلا تتراءى سوى ظهور قماشها، أرضية عارية ترشرش الدهان عليها بالكامل. كان يمتلك موقداً غازياً بشعلة واحدة لا أظنه طبخ عليه قط؛ فلم أبصره يأكل غير الرنجة أو شطيرة بيض مقلي ابتاعها من أحد الدكاكين. بدا وكأنه لا ينقطع عن العمل، يستغرق فيه بعمق ويغرقني معه. كان هذا ما تفاعلتُ معه – فتلك هي أول مرة أكون فيها بمحضر فنان يمارس فنه، وبعدها لمّا شرعتُ في امتهان الكتابة، طالما أعملتُ فكري فيه ملهماً إياي.

كان انشغال أحدنا بالآخر بريئاً تماماً غير أنه تواصل لمدة أطول من اللازم وربما لمرات أكثر من اللازم وعليه بدأ الآخرون ينتبهون إلينا. كانت خالتي لا بلوم تستدعيني، "أليس لديكِ واجبات مدرسية؟" أو تختلق أعذاراً لترسلني إلى مشاوير ليست في حاجة إلى قضائها. وعندما أنزل، ترميني بنظرات ماكرة. وفي مرة من المرات باحت إليّ، "تعلمين أن الفنانين من طينة أخرى." لم أفهم جملتها أو بمعنى أصح تغابيت عنها، فكاشفتني، "إنهم لا يراعون نفس أخلاقنا." وتوضيحاً لمرماها، راحت تروي لي نوادر عاشتها مع أمي، فهما المجنونتان بالأوبرا كانتا تتلكآن عند باب المسرح على أمل لقاء الفنانين. وهنا كشف ثغرها عن ابتسامة ونست الفنانين عامة لتحكي عن تينور* معين. أكّن ولعاً بأمي التي تبدت أكثر جرأة مما كانت عليه بشعرها القصير وتنورتها بالغة القصر الحاسرة عن جوربين طويلين من الحرير. دعا الفتاتين إلى شقته. "كانت زوجته هناك وامرأة أخرى حسبناها ربما زوجة أخرى له، تعلمين قصدي، عشيقة." استحالت ابتسامتها ضحكة كان بها من الابتهاج ما غلب الحنق، فقد استدعت جواً اختلف تماماً عن بيتهما حتى إنهما اتفقتا اتفاقاً لم تنبس به شفاههما ألا تنطقا بحرف عن زياراتهما لشقة التينور. وفي النهاية أحجمتا عن الذهاب؛ إذ ألفتا علاقات عديدة استعصى عليهما فهمها ونزاعات لا عد لها ولا حصر، وما أثار مشاعرهما في البدء بات الآن مدعاة للبلبلة. سرعان بعدها ما خطب الفتاتين خاطبان – كاتب حسابات ومدرس (أبي). وحين أتمت قصتها، فاهت، "أرأيتِ ما أعنيه؟" لكني لم أر شيئاً ولم أر تحديداً أي صلة لي بهذا الكلام، أنا التي – على كل حال – لا خطيب لديّ لأعتمد عليه.

أخذتْ مارتا تكثر من الدخول لتلبث أطول من عادتها. تجثم على كرسي خلفه بالضبط، فلا تقع عيناه عليها لكنه يحس قطعاً بها. ويسمعها – فقد كان فمها لا ينسد أبداً، تُوجه الانتقادات إلى رسمه وحالة غرفته الكئيبة وبرودة بدا وكأنه لا يستشعرها مطلقاً عدا حين يلبس قفازين بلا أصابع في الجو القارس. استسلم في النهاية – فاقداً تركيزه قبلها بكثير – ورمى قلمه جانباً صائحاً، "ماذا تريدين؟"

اتسعت عيناها الخضراوان: "أريد؟ ما الذي من الممكن أن أريده منك أنتَ أيها المسكين كول؟"

بيد أنها أجابته مرة، "أريد أن أدعوك إلى حفلة عيد ميلادي."

انطلق لسانه لاعناً عيد ميلادها وحفلتها فاتسعت عيناها أكثر وأكثر لتلوحا أشد اخضراراً: "ألا تذكر؟ كنتُ في الماضي تحب عيد ميلادي! كل عام قصيدة جديدة لي... كان ينظم الشعر،" أنبأتني. "شعر حقيقي، به أزهار وطيور وقمر. وكنتُ أنا الثلاثة: الأزهار والطيور والقمر. الآن يدعي النسيان."

 

كان المستأجرون يثيرون دائماً جلبة حول أعياد الميلاد حتى أعياد ميلاد غير المحبوبين منهم. أخال الجميع كانوا يحاولون – في احتفالهم بيوم الميلاد باعتباره يوماً مميزاً – ملء فراغ أسرة فقدها الآخرون. أقيمت هذه الحفلات في الغالب بمطبخ بدرومنا، الحجرة الوحيدة الرحبة بما يكفي – إذ كان باقي المنزل مقسماً إلى وحدات صغيرة مستقلة للإيجار. كانت خالتي معروفة بطيبة قلبها والوحيدة التي انسجم معها الجميع؛ فلا مانع عندها بتاتاً أن ينزل الناس إلى مطبخها ليأسروا إليها بمتاعبهم وكأن لا متاعب تواجهها. وفي أعياد الميلاد كانت تستعمل مفرشاً لتغطية بقع الشحم وخدوش السكين بمائدتنا الكبيرة وتهندم الفراش الذي تنام عليه ليبدو ما استطاعت أريكة يقتعدها الضيوف. تضع شرائح السجق على العيش وتخبز كعكة بسمن صناعي وبيض يشتريه أحدهم من السوق السوداء. ومَن يروم منهم خمراً، يأتي بزجاجته وإن لم تشجع على الشرب الزائد عن اللزوم؛ البادي أنه يصيب الأنفس بالانقباض أو يحثها على العراك مما يفسد الجو العام للاحتفال.

لم تنظم مارتا حفلتها في مطبخنا إنما في حجرتها بأعلى المنزل. وبما أن صغرها حال دون أن تتسع للكثيرين، أقنعتْ كول بفتح الأستوديو الواقع عبر المنبسط للفوز بمساحة إضافية. وبرغم تماثل الغرفتين في الحجم، تباين شكلهما كلية. فبينما كانت غرفته مجرد محل للعمل ليس إلا، بلا أي ملمح يدل على كونها بيتاً، كانت غرفتها بيتاً بكل معنى الكلمة، فيها كل معالم الراحة. ثمة سجاجيد وستائر ملونة، أكوام من الوسائد وظلل ذوات شرافات تعلو المصابيح. كانت تترك المدفئة الغازية مشتعلة ليلاً نهاراً معظم السنة غير مبالية بالشلنات التي تبتلعها. خلت الحيطان من أية رسومات أو لوحات – فكول لم يعطها أياً منها – لكن كان هناك الكثير من الصور، أكثريتها صور لها تمرح مع أصدقائها لمّا كانت أصغر بسنوات عديدة إنما في نفس جمالها.

وفي ظهيرة عيد ميلادها، ظهرتْ مكللة بالإثارة. هرعتْ لتلقي كل وافد جديد مختطفة هديتها بادئة من فورها في فض الغلاف لتطلق بعدها الصرخات. وعداي أنا وخالتي، كان كل الضيوف رجالاً. فهي لم تدع أياً من النزلاء الإناث كالآنسة فونت (التي وُجه إليها على أية حال إشعار بالانتقال إلى منزل آخر)، ولا بد وأن هؤلاء توارين في حجراتهن وأقدام المحتفلين تخبط فوق رؤوسهن. لم يقطن كل الرجال في منزلنا. فقد كنتُ أجهل بعضهم وإن ربما أبصرتهم على السلالم – حاملين الزهور في الغالب – خلال زياراتهم لمارتا. كان هناك شخص في منتهى الرقي، يلتف شعره الطويل كشعور الفنانين فوق ياقته. لم يكن فناناً بل محامياً اشتغل وقتذاك في مكتب محام، فلم تكن معه رخصة لممارسة المحاماة في إنجلترا. رجل آخر قُدم بوصفه نبيلاً روسياً كان ينحني من الخصر انحناءة جليلة إلا أنه سرعان ما سكر سكراً بيناً فتيبست انحناءاته كما الإنسان الآلي. وقد تهيأ له هذا السكر الشديد لتوافر كميات ضخمة من الكحول جلبها ضيوف موسرون لم يكونوا من سكان منزلنا: حضر مثلاً رجل ازدهر عمله في تجارة الأثواب بالجملة وإن وفد هو الآخر كلاجئ.

وفي محاولة مني أن أساير بقية الحفل، احتسيت أنا أيضاً الخمر أكثر من الواجب. وعندما وقعتْ عينا خالتي عليّ وأنا أعيد ملء كأسي، هزت رأسها وإصبعها تجاهي. تظاهرتُ بأن التحذير فاتني إلا أن مان سلط عليه العيون: "دعي الصغيرة تتعلم كيفية عيشة الكبار!" هتف ثم خاطبني قائلاً، "أيعجبك؟ لذيذ، هه؟ أحسن من المدرسة! ما عليك غير أن تكبري وستشوفين كيف نأكل ونشرب ونعمل كل الباقي!"

"حسبك، سِد فمك الثرثار،" أمرتْه لا بلوم فانحنى ليعانقها عناقاً ادعت نفورها منه. كان من الواضح أنه ينعم بوقته مستغلاً خير استغلال – بإفراطه في الشرب – زاد من الخمر لم يألفه. بيد أنه لم يكن سكراناً على أي نحو – أخال حجمه الضخم سمح له باستيعاب الكحول أسهل من الآخرين. لا ريب أن لسانه علا جرياً على عادته وفاه بالكثير من النكات البذيئة لكن هكذا كان أسلوبه. تراءى مهيمناً على الحفلة كما لو كان مضيفها؛ وقد تعاملتْ معه مارتا وكأنه مضيفها، فكانت ترسله هنا وهناك مالئاً الزهريات وفاتحاً الزجاجات. وإن لم يحسن عمله أو تباطأ فيه، نعتته بالحمار.

فاضت الغرفة بالضيوف فانتشروا في المنبسط وعبر الباب المفتوح حتى أستوديو كول. راح بعضهم يشاهد لوحاته بحرية ما بعدها حرية بل إنهم أداروا ما واجه منها الحائط، اللوحات الزيتية الكبيرة التي رسمها ليلاً دون أن يُريها لمخلوق. لوّح المحامي ذو الشعر الطويل بأصابعه البيضاء الرقيقة تجاهها وابتدأ يؤول مغزاها النفسي. لكن أين ذهب كول؟ الظاهر أن أحداً لم يلحظ اختفاءه. لم أع غيابه سوى حين لفت المحامي الانتباه إلى صورة لي: "هنا نبصر بهجة، بهجة لا تنبع من شخص بعينه إنما من الشباب، الشباب الحق. "

وإذا بي أسمع صوت مارتا يزعق، "ما هذا الكلام الفارغ الذي ترغو فيه؟... وأين كول؟ العبيط، يترك المكان سبيلاً ينط فيه كل حمار ليقول رأيه... أين هو؟ لماذا هو غائب عن حفلتي؟ رح وجِده،" أمرتْ مان وكأن غياب كول ذنبه.

التفت مان إليّ: "هل تعرفين مكانه؟"

"وكيف لها أن تعرف؟" قالت مارتا.

"بالتأكيد تعرف. إنها الشباب، الشباب الحق. إنها ملهمته."

لو كنتُ فقط أصغر قليلاً، لرفستُ قصبتيّ ساقه؛ مهما يكن أوشكتُ على فعل ذلك إلا أن مارتا ندت عنها ضحكة: "ينسل من حفلتي، أليس هذا من شيمه؟ اذهبي واعثري عليه لو تعرفين مكانه،" أمرتني الآن. "آه أجل، واسأليه أين غارت هديتي؟"

عراني السرور لمغادرة الحفلة. إذ ضايقني أن أرى الناس يدخلون أستديو كول ليعلقوا على لوحاته ما شاء لهم التعليق. لقد كان شرح المحامي للصورة بمثابة انتهاكاً، ليس لي وإنما لعمل كول ونصيبي فيه مهما كان سلبياً. وهو لم يكن الشباب، لقد كان أنا – أنا نفسي! – أنا التي لم يأبه أحد للانتباه إليها قط كما فعل كول... ركضتُ على السلالم أتميز غيظاً ومنها إلى الشارع لأنعطف عند الزاوية باتجاه المتنزه الصغير.

ألفيته جالساً على المقعد بجانب الجدول، يقبض على علبة مسطحة ملفوفة في ورق عليه رسوم لا بد أنه رسمها بنفسه: فيل يمسك بغصنة من الليلج وفرس نهر يرقد بمغطس. وعندما سألتُه إذا ما كانت من أجل مارتا، أومأ والعبوس يسود ملامحه. فأطلعتُه، "كانت تسأل عن هديتها." استشاط عندئذ غضباً واحمر وجهه وأذنيه من الانتفاخ، فبادرتُه، "كانت تمزح."

"لا. لم تكن تمزح. هذا هو طبعها: أن تأخذ وتأخذ، ولو استطاعت لامتصت النخاع من روح الواحد، من روحي... مَن هناك معها؟ كلهم هناك؟ ذو الشعر الطويل الذي يلثغ كالمرأة؟ يظن روحه يفقه الفن إلا أن كل معرفته تنحصر في لحس قدميها."

كانت ليلة صيفية بديعة، يشع ضوؤها وكأننا لا نزال في الغسق. لشد روعة تلك الأنهر الطويلة بعد شتاء مشحون بالكآبة: الجلوس في الهواء الطلق والاستمتاع بالنسيم وإن كان الجو لا يفتأ مغلفاً ببرودة طفيفة. بعث برجفة خفيفة في الجدول ورجرج بقية الضوء المنعكس على الماء. ثمة إوزتان – وضعتْهما البلدية – تطفوان هناك على مهل خلال النهار لكنهما يقيناً نائمتان الآن، وبدلاً منهما أطلت من صفحة السماء نجمتان لا تزالان باهتتين وإن ستزهوان بعدها لتمسيا جوهرتين متألقتين، ماستين. عبق الجو بعبير إحدى شجيرات الليلج. ليت بجواري حبيباً بدلاً من كول الغاضب على آخره من التفكير في مارتا.

استفسرتُ منه، "هل صحيح أنك اعتدت كتابة قصيدة لها في عيد ميلادها؟"

"إنها تذكر، هه؟" بدا غضبه يخبو، عله يتبسم قليلاً تحت ذلك الشارب القبيح كما الفرشاة. "نعم، كتبتُ قصائد، لم تكن قصيدة واحدة – وليس بعيد ميلادها فقط – إنما فيض، فيض من القصائد... إنها الوسيلة الوحيدة لتخفيف الضغط. على القلب؛ الضغط على القلب."

أدركتُ فحوى كلماته، فأنا الأخرى شعرت بذلك الضغط وإن افتقر إلى هيئة محددة. وحتى لحظتها لم أقف على كنهه بل لم أفطن إذا ما كان سيضفي عليّ ألماً أم سروراً لا حد له

"هل هو هناك – ذاك المان؟ يا له من بهيمة. لمّا يصعد السلم، تتطاير منه رائحة كرائحة بهيمة تنزو. يسمونه النزو. لا علم لك بمعناه." كنتُ أعرف معناه حق المعرفة لكني لم أنطق بحرف، فقد جعل يمسح فمه وكأن اتساخاً لحق به من هذه الكلمات أو لمجرد التلفظ بها.

"إليك، أعطها إياها." قال دافعاً العلبة نحوي بشيء من العنف. "لن تنال مني أية هدايا بعد اليوم ولا قصائد ولا أي شيء. فكل تلك الأشياء كانت لشخص آخر... سأريكِ."

انتزع العلبة مني وفك العقدة بيدين مرتعشتين لكنه تعامل معها بحرص كيلا يمزق الورقة التي يلم – ووحده حتى حينئذ هو الملم – بقيمتها النفيسة. ثم طواها مجدداً لينزع النقاب عن محتوياتها. كانت صورة لمارتا. تحول بصره منها تجاهي قائلاً بلسان ساخر: "إنك حتى لا تتعرفين عليها." بسط ذراعه بالصورة لأراها دون أن يدعني ألمسها.

كانت أعمدة إنارة المتنزه مصممة لتشبه عيش الغراب فلم يكن ما طرحتْه من ضوء قوياً بما يكفي للتغلب على ما يزال متبقياً من ضوء النهار. وهكذا بواسطة مزيج من الضوء الكهربائي ونور المساء المبكر التقت عيناي لأول مرة بهذه الصورة لمارتا. كانت مؤرخة في عام 1931، أي أن مارتا كانت ولا شك أصغر بخمسة عشر عاماً حين رسمها. ومع ذلك تعرفتُ بالقطع عليها.

"انظري إليها،" تفوه رغم أنه كان يرفعها لنفسه وليس لي. "انظري إلى عينيها: ليست نفس الشخص على الإطلاق."

لكنهما بالفعل نفس العينين. كانت الصورة مرسومة بقلم رصاص ومع ذلك يسعك أن تتبين لونهما الأخضر. خضراوان تتلألأن – تصطبغان بجوع جسور بل وجشع أو شغف كما الجشع. لم يكن بمقدوري عند ذاك صياغة أي من هذه الأفكار بيد أني تعرفت حقاً على ذلك البريق الأخضر باعتباره خليقاً بمارتا. وأنفها الصغير البارز؛ وشعرها – حتى في الصورة يمكن للمرء تخمين أنه أحمر اللون. رسم القليل من الخصل الطليقة تطير أمام وجنتها مثلما كان يرسم دوماً خصلي. ما بان غير أحرف أسنانها الصغيرة المسننة وطرف لسانها بينها: خبيثة متلهفة متحدية شأنها حالياً. غير أن خديها كانا أكثر استدارة وثغرها غشيه تعبير ينطوي على خبرة أقل وكأنه لم يكن قد ذاق حينذاك ما ذاقه فيما تخلل من سنوات.

غطى الصورة من جديد حريصاً عليها وعلى غلافها. كان منهمكاً في أفكار لا تتضمنني فيما يبدو؛ ولمّا فرغ من عقد الخيط، لم يعطني العلبة إنما ظل ممسكاً بها في حجره. ذكّرتُه بأن علينا برح المتنزه نظراً لأنهم سيغلقونه قريباً لهبوط الليل.

ولمّا صرنا إلى البوابة، كانت موصدة فعلاً. لم يشق عليّ العثور على موطئ لقدمي كي أقفز متجنبة صف الرزات الناتئة بالأعلى. وعلى الجانب الآخر ركب التردد كول القابض على صورته. أريته الموطئ وطلبتُ منه أن يمرر إليّ الصورة من خلال القضبان. رغب عن الإقدام على أي من الخطوتين بيد أنه لم يلف أمامه خياراً. عاونتُه حتى تمكن من العبور لكن في اللحظة الأخيرة علق مؤخر بنطاله بواحدة من الرزات. كان أول ما فعله بعد اجتماعنا ثانية أن أعفاني من حمل الصورة؛ ثاني شيء أن مد جسمه إلى الخلف ليرى الشق ببنطاله. قلتُ كاذبة إنه بالكاد مرئي؛ مهما يكن من أمر كان الظلام قد عم ساعتها ولو حدث وقابلنا ناساً بالطريق، لن يحفلوا بمقعدته المقطوعة. جعلني مع ذلك أسير وراءه ساترة إياه؛ وكلما اجتزنا عامود إنارة نظر خلفه ليسأل بصوت قلق: "هل بائن؟"

وبالقرب من منزلنا استطعنا أن نشاهد الحفلة جارية لا تزال. إذ تدفقت الأنوار والأصوات إلى الشارع وتحركتْ أشباح الناس وراء النوافذ. لكننا وجدنا بالداخل أن خالتي تركت الحفل. طفقتْ تُحدث ضجيجاً بمطبخ البدروم متذمرة لروحها: "لم لا يروحون بدلاً من أن يحولوا منزلي إلى ما لا يعلمه إلا الله."

استحال أن يرجع كول بسرواله الممزق إلى أستوديو يعج بأشخاص لا يروقونه. "اقلعه،" قالت لا بلوم، "سأخيطه لك... هيا، أتظنني لم أر من قبل مثلما تخبئه تحته؟" لكنه عندما خلعه، هزت رأسها لتقول: "ما الذي يرهقها طيلة النهار لدرجة أنها لا تستطيع غسل ملابس زوجها الداخلية؟"

جلبتُ بطانية ليلفها حول رجلين ناصعتيّ البياض لا أثر لتعرضهما لأشعة الشمس. ساور رجليه القليل من الارتجاف، فهو الخجلان لم يعتد العري. وحين أستحضر الموقف الآن، يخالجني السرور لأني أحضرت البطانية لئلا أضطر إلى تذكر ذلك الفنان العظيم كما لاح في تلك اللحظة، بلا سروال في مطبخنا.

نمى إليه وقع خطوات على سلالم البدروم فخف إلى الجلوس ورجلاه تتواريان تحت المائدة حيث تخيط لا بلوم بنطلونه. كان مان هو الوافد، أقبل ليستعير المزيد من الكؤوس من أجل الحفلة. "الفناجين ستفي بالغرض،" نبس وأخذ يجمع ما فوق الرفوف من فناجين قليلة. "أنا حتى لن أطلب أطباقاً تحتها."

"شاكرون أفضالك،" قالت لا بلوم، "وباكراً سنشرب قهوتنا من الأطباق كالقطط والكلاب."

"كوني حلوة المعشر يا مامي،" قال.

"من هي مامتك تلك! ومن أين لك بكلمة ’المعشر‘ هذه وكأنك خريج إيتين أو أكسفورد."

"أحسن من إيتين وأكسفورد! لقد تخرجتُ من مدرسة الحياة،" عاجلها ممازحاً – طالما غاظ أحدهما الآخر بلا أي ضغينة من أي نوع.

"نعم، في مجاري كولونيا،" قاطعه كول غير مداعب.

لم يفطن مان إلى وجوده سوى لحظتها: "ها أنت ذا. الكل يسأل عنك: أين الزوج، الفنان الشهير؟" انصرف انتباهه في اللحظة التالية إلى العلبة الموضوعة فوق المائدة: "آه، الهدية التي تسأل عنها طوال النهار. سآخذها إليها – سأخبرها أنك مشغول هنا بمغازلة سيدتين."

وضع كول يده فوراً على العلبة وحدج مان بعينين يفور غضبهما وهو مزنوق في مكانه. أسرع مان – الضخم إنما الجبان – بالتراجع ضاماً الفناجين إلى صدره.

"احرص على أن ترجعها مغسولة أيها الإبليس الكسول!" صاحت لا بلوم في إثره. لكنه حين ذهب، نقلتْ إلينا، "إنه ليس شخصاً سيئاً رغم إثارته لأعصاب الجميع. يقولون إنه كان مؤيداً عظيماً للمثالية وألقى خطباً مدهشة على العمال في الاجتماعات العامة."

"لقد سمعنا عن الخطب المدهشة – منه هو، وليس من أحد سواه،" هزأ كول. "ولمّا كبستْ الشرطة، أطلق ساقيه للرياح قبل الجميع. إنه لا يلعب دور البطل الهمام سوى هنا."

"آه طيب،" تنهدتْ لا بلوم. الكل يعيش على أفضل وجه مستطاع." كان هذا شعارها. "إليك،" قالت وهي تسلمه البنطال. "لستُ شاطرة مائة في المائة في الخياطة لكنه سيقضي حاجتك." وقف ليلبسه – في الوقت المناسب، فقد ورد إلينا صوت مارتا تنادى من الدرج وهو يزرره.

كنتُ قد لاحظت أنه متى تدلف مارتا إلى أية حجرة، ينزل بالجو تبدل من نوع ما. لا أدري إذا ما كان يعزى إلى ردود أفعال الناس تجاهها أم أنه شيء نابع منها لم تكن هي نفسها واعية به. قد أشير هنا إلى أن رائحة مميزة زكية للغاية كانت تفيح منها – لم تكن عطراً إنما أشبه برائحة فواكه يانعة وافرة العصارة ليست طازجة تماماً.

"أين هديتي إذن؟ مان قال لي إن هديتي معك!" كانت عيناها التواقتان مركزتين بالفعل عليها إلا أن كول تشبث بها. "هات،" طلبتْ بلسان متملق. "إنها هديتي."

هز رأسه رفضاً فيما ابتسم سراً شبه ابتسامة. لكن عندما جعلتْ تشدها بيدين قويتين – "هات، هات" – هتف بها، "بالراحة!" ثم تركها لتستولي عليها.

حلت الهدية وطرف لسانها ينتأ قليلاً. نزعتْ الورقة فانجلت الصورة. أمسكتْ بها بين يديها الاثنتين وسددتْ إليها بصرها: تنظر إلى نفسها وهي تنظر من الصورة. كان يراقبها والقلق يسكن تعبيرات وجهه كمن يترقب حكماً.

ثم نطقتْ في النهاية، "لا بأس."

"لا بأس!" كرر بصوت يشي بالسخط.

"أنا أقصد نفسي وليس أنتَ." رشقتْه عيناها بنفس التعبير البادي في الصورة. ثم نظرتْ إليها من زاوية أخرى متأملة إياها بدقة: "نعم،" أصدرتْ حكمها، "لا عجب أنك وقعتَ في غرامي بجنون."

"أنا وقعتُ في غرامك أنتِ! من التي طاردتني كالمجنونة في كل أرجاء البلدة، من قهوة إلى قهوة ومن أستوديو إلى أستوديو، ليضحك الكل علينا نحن الاثنين؟"

"أنا أجري ورائه هو؟" أشاحت بوجهها ناحية لا بلوم: "أنا واقعة في غرامه هو؟ هل سمعتِ في حياتكِ كلها ما هو أسخف من هذا؟"

"لا، ليس في غرامي إنما في غرام شهرتي."

تكلم بسيماء من الكرامة والفخر انتقلتْ إليها هي الأخرى. إذ باحت إلينا، "آه أجل، كان جد مشهوراً ولم أكن أنا الوحيدة التي تجري ورائه. شيء طبيعي: فنان معروف." رجعتْ إلى الصورة، إلى هديته إليها، فلاحت وكأنها تدرس عمله وليس شكلها كالسابق.

"إذن؟" سأل مقدِراً رأيها ومنتظراً إطرائها.

بدا وكأن هذا الإطراء يتأرجح على طرف شفتيها حين اقتحم مان المطبخ يتبعه بعض الضيوف الآخرين. وبحركة واحدة مفاجئة، أمسك كول ومارتا بالغلاف ليخفيا الصورة غير أن مان كان قد التقطها بالفعل: "إذن تلك هي الهدية التي كان يخبئها!"

"لا تلمسها!" أمرتْ مارتا إلا أنها عرضتها عالياً بما يكفي ليراها الآخرون وليس هو وحده. احتشدوا إلى الأمام ليرسلوا صيحات الإعجاب فيما أطلق مان صفيراً. كانت لحظة أسبغت الرضا على كل من كول ومارتا. تطلق أيضاً وجه لا بلوم تطلقاً شاركتُها فيه أنا الأخرى؛ فقد دغدغنا الفخر حقاً لوجود فنان في منزلنا.

أفسد المحامي اللحظة. إذ حملق إلى الصورة عبر نظارة بلا إطار وأقحم أصابعه البيضاء مشيراً إلى مواطن الجمال – بالضبط كما فعل مع لوحتي. بل عله نبس بجملة مشابهة عن الشباب الحق غير أن مارتا قاطعته: "أنتَ فعلاً حمار،" ثم لفّت الصورة على الفور.

"تعرفون يا أولاد؟" قالت لا بلوم. "لقد فات موعد نومي من زمن وإن لم تنصرفوا بسرعة، لن أنام قبل منتصف الليل وسأخسر جمالي."

علت أصوات الجميع مطالبين كول بالانضمام إليهم. ووافقتْهم مارتا: "تعال لتشرب معنا شمبانيا. هو الذي أحضرها، منه فائدة في شيء." أشارت لحظة إلى المحامي الذي ذهب عنه الإحباط إلا أنها كانت قد تحولت بالفعل إلى كول. وضعتْ يدها على كتفه بحركة حميمة لم نشهدها بينهما من قبل: "هيا – لكن لا تفش أية أسرار. فأنتَ الوحيد الذي يعرف عمري اليوم."

"كلنا نعرف،" تفوه مان. "في الثامنة عشر." لم يسمعه أحد. كانت يد مارتا لا تزال فوق كتف كول حين قالت، "اعتدت أن تحب الشرب، أكثر من اللازم في الغالب، نحن الاثنان..."

"ربما،" رد نافضاً يدها عنه. "لكني كنت أصحو لأعمل في الخامسة من الصباح التالي بينما ترقدين أنتِ في السرير حتى الظهر، تنامين حتى يزول عنك الخُمار."

"لم أعان أبداً أي خُمار."

"لا، هذا صحيح – فحين تستيقظين، تبدين منتعشة معافاة، على أهبة الاستعداد لتنغيص حياتي من جديد."

ربما لم تكابد مارتا قط خُماراً لكن انصرمتْ أيام كانت تقاسي فيها اعتلالاً غامضاً تهامستْ هي ولا بلوم به معاً. لم ترغب خالتي أن أعلم عنه شيئاً لكن في غيابها كانت مارتا تتحدث إلىّ بمثل ما تتحدث به من طلاقة مع لا بلوم. كان شيئاً خاصاً كل الخصوصية يتعلق برحمها – الحق أني فضّلت أن أظل غافلة عنه، فهناك أمور وددت أن أبقيها مدفونة في أعماق العقل الباطن حيث يسعني على الأقل التظاهر بأنها لا تخصني في شيء. خاضت مارتا في تفاصيل غير مستحبة وإن كانت تحذرني دائماً، "بالله عليك لا تطلعي كول. فهو لا يطوق أن تمرض النساء."

ومع ذلك ائتمنتْ مان والمحامي وربما أيضاً كل الآخرين. بل إنها أسرت إلينا بأن متاعبها تعود إلى عملية إجهاض أجرتها بنفسها وهي زوجة لكول. "كنتُ في التاسعة عشر، وما هو مبلغ علمي بأي شيء؟ عملتُها بإبرة حبك، هل تصدقين؟" وكأنه قد سبق لي أبداً حبك أي شيء." وحين سألناها إذا ما كانت قد صارحت كول – "أنتم مجانين؟ لكان عدا كالريح على رجليه السمينتين القصيرتين. لقد كنا بوهيميين بحق السماء وليس آباء"

وعلى الرغم أن فخراً ران على هذه الجملة الأخيرة، مرر مان يده الكبيرة على شعرها قائلاً، "يا عيني يا مسكينة."

نترت رأسها بعيداً: "دعك من تلك العواطف الحمقاء. لم أكن لأدمر مستقبلي. كنتُ في سبيلي إلى الصعود – اسمع، كنتُ قد اشتغلت بالفعل كومبارساً ثلاث مرات وكان مدير توزيع الأدوار في شركة يو إف إيه مهتماً بي اهتماماً جماً، كان اسمه روزينباويم وقد وعدني بدور حقيقي في الإنتاج القادم لكنه طبعاً طُرد بعدها من عمله." قطبتْ تقطيباً ينم عن الاحتقار والازدراء وهي تستدعي ذلك الجزء من ماضيهما.

ليست الوحيدة المحرومة من مستقبلها. كان المحامي يمارس مهنته في مدينة دريزدين؛ مان المتدرب على الهندسة عمل رئيس نقابة للعمال ومندوباً في مؤتمر العمل الدولي. لكنهما في إنجلترا طلبا رزقيهما من حِرف أقل تواضعاً في حين لم تفلح مارتا في شيء قط. زعمتْ أن هذا يرجع إلى إنجليزيتها الرديئة إلا أن كول جاهر بأن بلادتها وكسلها هما السبب، هي العاجزة عن مغادرة السرير في الأصباح. صحيح أنها كانت تنام عادة حتى ساعة متأخرة وتحتسي أول فنجان قهوة في الظهيرة.

لعل ما صدّرتْه من إحساس بأنها مهمَلة جعلني أروم خدمتها بيد أن ثمة كذلك قدراً من التسلط بشخصيتها أبهم الفاصل بين الرغبات والأوامر. كنتُ في أكثر الأحايين الوحيدة المتواجدة خلال النهار، وحالما تسمعني قادمة من المدرسة تنادي عليّ. أنهت إليّ بأنها مريضة بما يحول دون القيام من السرير وأنها ميتة من الجوع ورغم أن ريقها جف من النداء، لم يجبها أحد. لم تكن متجهمة الوجه، فقط مثيرة للشفقة، لذا اعتذرتُ لها عن وجودي بالمدرسة ووجود خالتي في رحلة تسوق على بعد عدة محطات من الميترو حيث الأسعار الأرخص. لكن هناك كول الكائن في نهاية المنبسط فحسب – ألم يسمعها؟ علت ضحكتها من جملتي: "كول! هذا لو سمعني أصرخ من سكرة الموت، سيسد أذنيه لئلا يبلغهما شيئاً." بيد أنها لم تقصد توبيخاً، كانت مشتتة الذهن ليس إلا.

وفي أكثر الأوقات كان هو الآخر ينتظر إيابي من المدرسة: فإما يكون في حاجة إلى إتمام إحدى صوري وإما تخطر بباله فكرة لصورة جديدة. لم يكن يستدعيني بمثل طريقتها ما من شك في ذلك؛ فقد كان يطلب أو يقترح وهو مهيأ في خجل لسحب عرضه. ولم يتبدل سلوكه سوى حين ألفاها تستحوذ عليّ وتصرفني عن المكان بلهجة لا أدب فيها. وفي مرة من المرات أقبل إلى حجرتها ليجدني أغسل جواربها في الطشت فيما تدفئ هي يديها أمام المدفأة الغازية. فاحمر وجهه منتفخاً شأنه وقت الغضب: "من هي – ملكة تخدمينها وتقومين على طلباتها؟ كان من الواجب أن تري أصلها قبل أن أنتشلها من الوحل!"

اعترفتْ دون مواربة – أنها خرجتْ من الوحل – لكن فيما يتعلق بانتشاله إياها: آه كان هناك كثيرون – أكبر وأحسن – في استطاعتهم فعل ذلك.

"لِم أنا إذن؟ لِم تحتم عليّ أن أكون المغفل الذي تزوجها؟"

"لأنك أردت هذا بكل جوانحك. قلتَ إنك ستموت وستنتحر من غيري."

"والآن أنا أموت معك!"

ثم بدأ يحدث أن أسمعها تنادي عليّ من غرفتها وأنا جالسة معه. فيرفس بابه بقدمه؛ ومع ذلك يترامى إليّ صوتها يدعونني، صوت واهن يغلفه الحزن أوقع في نفسي تململاً. أردت مساعدتها؛ كما أن رغبتي في مرافقتها – لا بد أن أقر –  فاقت رغبتي في مرافقته. فقد استبد بي السأم من ساعات القعود الطويلة وشعرتُ حرجاً منه، إذ كنتُ صغيرة على اقتراحاته الحيية، غير معتادة على مثل تلك الكياسة البالغة المتسمة بالاحترام. رحت أنتحل الأعذار كيلا أصحبه في نزهه أيام الآحاد وإن انقلبتُ آسفة حين شاهدتُه يغادر وحيداً. ربما أحست مارتا أيضاً بمثل هذا الأسف: فقد سمعتُها تعرض عليه الذهاب معه، عرْض تلاه رفض ناقم يموج بالفظاظة.

وذات يوم انتظرني كول خارج المدرسة. كان يقف بجوار صديق إحداهن، شاب طويل القامة يتلون شعره بلون القش وتبرز من رقبته تفاحة آدم، وبجانبه هذا الكهل الضئيل ذي الكرش الذي يدس ذراعي في ذراعه ليسير معي بعيداً. في اليوم التالي أبلغتُ الجميع بأنه عمي، وكلما وقف هناك ثانية، جاهر الآخرون بأن عمي في الانتظار. بل إنني لم أستطع أن أخبره ألا يجئ، ليس خوفاً من جرح مشاعره (وإن راعيت هذه النقطة أيضاً) إنما لعدم رغبتي في الخروج بأي تفسير خطير لوجوده هناك. وما قد يكون مصدر الخطر؟ لقد كان عجوزاً، عجوزاً! بللتْ وسادتي ليلاً ملآى خجلاً وإحباطاً من نقص كان من السخافة أن أتخيل شخصاً مثله يستطيع سده.

وفي أحد أيام الآحاد حين أخبرتُ كول للتو بأنني لن أتمكن من الخروج معه لكثرة الفروض المدرسية، نادتني مارتا وأنا أهبط السلالم كي أرافقها. لم أكن لأجرؤ على الموافقة في هذا المكان وفي تلك اللحظة، وكول على مسمع منا، بيد أنها كانت على دراية بمدى لهفتي وعله وقف هو الآخر عليها: ولمّا خرجنا، ارتقيت بعينين مذنبتين لألفيه واقفاً عند إحدى نوافذ المنبسط. بدت في مثل وعيي بوجوده: إذ طوقتْ كتفيّ بذراعها وتصاعد صوتها بحيوية كما يفعل الناس عندما يريدون إظهار استمتاعهم بوقتهم للآخرين.

وبعد ذلك الأحد الأول، انتظرتُ أن تدعوني ثانية وأحياناً ما كانت تفعل. كانت النزه معها تختلف اختلافاً كلياً عن نزه كول. فلم ينفرد أحدنا بالآخر قط شأني معه، إذ انضم إلينا مان والمحامي وبعدها آخرون. كانوا يتجاذبون أطراف الحديث حول المعارض الفنية والأفلام والكثير من الكلام عن أناس يعرفونهم ولا يحبونهم على ما يظهر. وبرغم أنه قلما أمطرتْ في أثناء وجودي معها – كان من المحتم أن تفعلها خلال آحاد كول – لم يقطعوا وقتاً طويلاً في التمتع بالطيور وأشعة الشمس. كانوا يجتمعون في المقاهي لاحتساء قهوة الظهر وكعكه، ولم يحدث أن وطأتْ أقدامهم تلك النوعية من جحور الطعام الكئيبة التي تردد إليها كول بل أماكن متسعة ذات وفرة كانت على الأرجح محاكاة لمقاه فخمة عرفوها ذات يوم. كان المقهى المفضل لديهم يسمى الفيينا القديمة. لم يكن فاحش الغلاء بيد أنه عبق بجو مميز. تلتقي فيه العين بثريات وسجاجيد ومقاعد طويلة منجدة بقطيفة حمراء ودانتيلة بلون القشدة غنية بالعقد أسفل ستائر كانت هي الأخرى من القطيفة الحمراء. نمت إلى مسامعي هنا العديد من اللغات يتكلمها الزبائن والنُدل واستقرت الجرائد الأوروبية على الأعمدة ليقرأها أي مهتم إلا أن القليل منهم أقدم على مطالعتها – فقد قصدوا المكان للحديث والضحك والتظاهر بأنهم في نفس الأماكن التي ألفوها وعلى نفس الحال. كانت بعض النساء متأنقات، يعتمرن قبعات صغيرة ويغطين شفاههن بألوان كثيفة ويتزين بمجوهرات مصممة خصيصاً لهن. إلا أن مارتا – التي لم تكن مهندمة بل بوهيمية بشعر أحمر وتنورة طويلة تجرجرها على الأرضية – جذبتْ أغلبية الأنظار، ربما لأنها كانت تستمتع بوقتها بكل طيش فيما تتحلق حولها مجموعة من الأصدقاء، كلهم رجال وكلهم تواقون لتزويدها بالسجائر وإشعالها لتنفض هي رمادها في كل الاتجاهات.

دائماً ما كانت الإثارة تغلب عليّ بعد نزه مارتا وأصدقائها وقد لذ لخالتي سماع وصفي للمقهى وزبائنه فكانت تومئ برأسها تمييزاً لشيء خبرتْه في يوم من الأيام. إلا أن كول قال وآيات الاكفهرار تلوح عليه، "لا ينبغي أن تتركيها تخرج معهم."

"لكنها خروجات مفيدة لها! ما هي فرص الطفلة المسكينة للذهاب إلى أي مكان؟"

فاعترض، "إنها غرة صغيرة."

"غرة على المضي إلى مقهى؟"

"غرة على مصاحبة ناس مثل هؤلاء."

"آه، ناس مثل هؤلاء،" كررتْ لا بلوم بنبرتها الرافضة المعلنة أن الكل لا بد أن يعيش.

وكما هي عادة ذلك الرجل القصير اللطيف، صار ديك مصارعة أحمر: "إنك لا تفقهين شيئاً! لا أحد منكم يفقه – على أي حال كانت وكيف تصرفتْ بحماقة ما بعدها حماقة. كان كل يوم ملهى بالنسبة إليها – وكم كان عمرها؟ ستة عشر، سبعة عشر، وأنا ذو الأربعين، أنا كول، صرت مهرجها. لقد جعلتني مهرجاً بالملاهي."

"نعم، نعم، اجلس."

أجلستْه لا بلوم على أحد الكراسي ثم أعدت له شاياً راح يشربه بيدين تلتفان في امتنان حول الفنجان. بث في قلبه السكينة وبدّل من حدة أفكاره وإن ظل موضوعها واحداً. "ماذا كان بيدي صنعه؟ ظللت سنوات وسنوات وحيداً فقيراً – فقيراً! ثم طفق الناس يفدون إلى الأستوديو. وحين كنتُ أقصد أحد المقاهي، يرسلون الهمسات ’إنه كول، كول الفنان.‘ فكان هذا ما تقتات عليه، همسات الناس... لكنها كانت دائماً تهزأ مني وتستغفلني بل إن قبعتها كانت تستغفلني! هذه القبعة الصغيرة المخططة المرسوم عليها نسناس راكب على شعرها... كان شعرها أحمر."

"لا يزال أحمر."

"ليس في حمرة السابق!" تجرع الشاي ومعه الحرارة. "لقد رسمتُها وكتبتُ لها شعراً ونمت معها ولم يسعني الاكتفاء منها. صدقيني، لقد كانت لهباً يضرم النار في الناس." وإذ به يتوقف عن كلامه متوسلاً إليّ، "تعالي لأرسمك. تجيئين الغد؟ بعد المدرسة؟ سأنتظرك. سوف أجهز كل شيء."

كنتُ هذه المرة سعيدة بالذهاب إليه. إذ شاع في الأستوديو الخالي سكون وصفاء لم أشهدهما مطلقاً في أي مكان آخر؛ ولا انتابتني في أي وقت آخر مثل هذه السكينة التي شعرتُ بها بحضرة هذا الفنان وهو يرسم مني شيئاً لم أكن أعلم بوجوده. غير أن مارتا مرقت من الباب ووقفتْ خلفه لتُعلق على رسمه. وفي مرة خلع فردة من خف يلبسه دوماً بالأستوديو ليقي قدميه وطوح بها في اتجاهها. ارتطمتْ بالباب الذي كانت قد ردّتْه بالفعل ورائها. لكن مثلما يحدث دائماً مع تطفلها، ذهبتْ طمأنينتنا مع الرياح.

 

وقعتْ كل هذه الأحداث في آخر سنتين لي بالمدرسة: 1946 و1947. ثم طال التغيير بعض الأحوال، إذ رحل عنا بعض المستأجرين لمتابعة حيواتهم السابقة أو لاستهلال حيوات جديدة في بقاع أخرى. فمان، على سبيل المثال، رجع أدراجه إلى ألمانيا – ألمانيا الشرقية – حيث رحبتْ به بقايا حزبه ليعود إلى حياة نشيطة من الاجتماعات العامة والمؤتمرات الدولية. شرع المحامي في ممارسة المهنة وحده وأخذ يقبل قضايا تعويضات لأمثاله من اللاجئين، قضايا جعلتْه ثرياً وطافت به في كل أرجاء أوروبا. ظلت حجراتهم شاغرة؛ فلم تعد هناك نوعية المهاجرين الذين اعتادت خالتي عليهم في حين لم تكترث لمتقدمين آخرين يتكلمون لغات لا يفهمها أي منا. على أية حال كان مالك الأرض شديد التوق إلى تحويل المنزل إلى شقق فعرَض عليها مبلغاً من المال لتفارقه. كنتُ وقتذاك أعيش في كيمبريدج بعد أن فزت بمنحة للدراسة بالجامعة فلم أمكث معها سوى خلال العطل. كانت تقطن في شقة صغيرة تعتلي بعض المحال في شمال غرب لندن وتأخذ بأسباب حياة مريحة منعزلة تيسرتْ بفضل دفعات شهرية خاصة بتعويضات اللاجئين رتبها لها المحامي.

عرض كذلك أن يجهز مثل تلك الدفعات لمارتا غير أن الفوضى بلغت بها حداً حال دون العثور على شهادة ميلادها أو أي من المستندات المطلوبة. كما أنها لاحت غير مبالية بالمسألة وكأن شئوناً أخرى تفوز باهتمامها. كان مان قد سألها الذهاب معه قبل أن يغادر لكنها سخرت منه في أول الأمر ثم قالت إنه يثير أعصابها طاردة إياه من المكان. بعث بعدة بطاقات بريدية تنطق بالانشراح وتتبدى بها مناظر ريفية لكاتدرائية ونهر، بطاقات وجدتْها خالتي في سلة الزبالة فعلقتْها في المطبخ.

تزوج المحامي أرملة كانت تدرس معه في الكلية ونجت من الحرب في هولندا. انتقل للعيش في شقتها بأمستردام على أنه كان يتوجه كثيراً إلى لندن في رحلات عمل. طفق يجيء بالناس إلى أستوديو كول ليجلبوا بدورهم أشخاصاً آخرين – أصحاب معارض فنية وجامعي لوحات وتجاراً – وهكذا ضج المكان بالنشاط في أغلب الأحيان. لف الزوار حول الرسومات المعلقة على الحيطان وأدار كول اللوحات الزيتية الضخمة ليشاهدوها؛ وبما إنه لم يملك سوى كرسيين، حملتْ مارتا بعض الكراسي من حجرتها ثم وقفتْ متكئة على قائمة الباب تدخن وترصد ما يدور حولها. ما انتبهتْ إليها عين. إذ كانوا ينبسون بالتعليقات فيما بينهم أو يلتفتون التفاتة الإجلال إلى كول الذي – كما هي العادة – حمل في جعبته أقل القليل ليصرح به؛ لكن لو حاولتْ مارتا تفسير أي شيء له، يشمله الاستياء ويأمرها بالابتعاد.

حضرنا جميعاً افتتاح معرضه الأول بصالة عرض في شارع جيرمين. عج المعرض بالمتأنقين، سيدات ذوات أرجل طويلة خليقة بالإنجليزيات تغطيها جوارب لامعة من النيلون بدأتْ تصل من أمريكا؛ كان الهواء غنياً بأريج العطور ومساحيق الوجه وسيجار كان بعض الرجال يدخنونه قبل أن يُطلب منهم إطفاؤه. ارتدت مارتا فستاناً حريرياً زمردي اللون مقور الصدر يصل إلى كاحليها؛ تناغم مع لون عينيها لكن عابه بقعة على الصدر عجز التنظيف الجاف عن إزالتها. كانت تتجول في شيء من البؤس ولم يبد أن أحداً يعلم أنها زوجة الفنان. بيعت الكثير من الصور لتظهر بجانبها نقاط صغيرة لم تخل من التحفظ. أقيم بعد هذا المعرض آخر في باريس ثم قرر كول بعد فترة الانتقال إلى زيوريخ. حُزمتْ الصور التي لم تزل متروكة في المنزل تحت إشرافه، ومرة أخرى وقفتْ مارتا مستندة إلى الباب المفتوح لتراقب، ومرة أخرى لو حاولتْ النطق بحرف، ينتفض من الغضب.

عندما جهز كل أغراضه، أقبل إلى المطبخ بهدية لي. وهو لفي طريقه نازلاً السلالم، ارتكزتْ مارتا – الواعية فيما يبدو بكل خطواته – على الدرابزين وأطلقتْ صفيراً يليق بصبي من صبية الشوارع كي تلفت انتباهه. وحين ارتقى بناظريه، رمته بأقذع الشتائم بعدة لغات، وبحلول اللحظة التي انتهي فيها إلينا، كان مخضب الوجه والأذنين. نفذ صوتها مباشرة إلى المطبخ حيث تظاهر – هو الخجول دائماً من أي شيء داعر – بأن صوتها لم يبلغه ولم يبلغنا. وبمنتهى اللطف والدماثة قدّم إليّ واحدة من صوري، لكن حتى قبل أن يتاح لي ولا بلوم الوقت لشكره، انعطفتْ مارتا فجأة من الباب. فأملت عليّ غريزتي أن أضم صورتي حماية لها رغم كوني ساهية حينذاك عن قيمتها.

كانت هي الأخرى تحمل صورة؛ إنها الصورة التي منحها إياها يوم عيد ميلادها. أمسكتْها أمام عينيه: "هاك، أيها الحيوان الأحمق!" ثم قطّعتْها مرة ومرتين وثلاث ثم رمت بالأجزاء على الأرضية. ندت عنه صيحة ملتاعة وجثم ليجمعها فيما حاولتْ منعه بأن داست أصابعه بحذائها ذي الكعبين العاليين. ولمّا قام، لم يلحظ تلطخ يديه بالدماء إلا حين نبهتْه لا بلوم الواضعة يديها لصق خديها. غير أن اهتمامه انصب فقط على عدم تبقيع أجزاء الصورة القابض عليها قبضاً لم أفعل أنا دونه مع صورتي. انقلبتْ مارتا الآن ضاحكة كالمنتصرة – أكانت تضحك على الدماء؟ أم على الصورة الممزقة؟ نبستْ خالتي، "يا أطفال، يا أطفال،" بطريقتها المعتادة في محاولة تهدئة الانفعالات لكنني لم أشعر بأن هذين الاثنين طفلان أو أن هناك أي أثر للطفولة في عراكهما.

فقط عند رحيل مارتا ترك قطع الصورة ليحطها على المائدة. "أرني يدك،" قالت لا بلوم غير أنه مسح الدماء بكمه في برم مركزاً اهتمامه في تجميع الصورة. وعلى الرغم أنها كانت ممزقة، ظلت كاملة دون نقصان؛ غض بصره إليها بابتسامة نمت في البداية عن ارتياح استحال بعدها بهجة خالصة ثم دعانا لتأملها معه بعين الإعجاب – لا تأمل مارتا الرانية منها بطرف وقح إنما العمل ذاته: عمله، فنه.

برح المنزل في اليوم التالي وما التقيت به مجدداً قط. بيد أني رأيتُ بالفعل الصورة مرة أخرى: فبرغم ما أصاب حالتها من ضرر، اشتراها أحد جامعي الأعمال الفنية وكثيراً ما أعيد نشرها بكتب فن القرن العشرين كما ظهرتْ في كتاب مكرس لأعماله. وكل ما ورد إلينا عن كول نفسه وصلنا في الأغلب عن طريق المحامي الذي وكلتْه خالتي في استرداد ملكية خاصة بالأسرة (لم تسترجعها مطلقاً). فعلِمنا أن كول استأجر أستوديو ضخماً في زيوريخ حيث عاش واشتغل. أذِن لوكيل أعماله بجلب الزوار إلا أنه نادراً ما خاطبهم أو حتى انتبه إليهم فيما يبدو. لم يشهد مطلقاً أياً من معارضه ولا أجرى أية مقابلات مع المجلات الفنية التي نشرتْ المقالات عن عمله. كان يشتغل على الدوام واستجمامه الوحيد هو التمشية مساء في متنزه قريب. استعان بخادمة تقوم بأعمال الطهي والنظافة، قروية في الخامسة عشر أو السادسة عشر طالما كان يرسمها، وقد ظن المحامي أنه اضطجع أيضاً معها. وغير هذا وذاك، ما شغله سوى عمله؛ وفي أثناء ما تبقى له من سنوات، كرهتْ نفسه كل لحظة بعيدة عنه. وحين وافته المنية عام 1955، جاهرتْ المقالات التي نعته بعمره البالغ أربعة وستين عاماً.

مكثتْ مارتا في المنزل ريثما غادرتْه خالتي ثم استأجرتْ حجرة في محل آخر. كانت كثيرة التنقل من مكان إلى آخر ولم يكن انتقالها طوعاً على الدوام. إذ حصل مرة أو اثنتين أن انتهت إلى سلالم باب لا بلوم بعد أن أُرغمتْ على إخلاء غرفتها على عجل. ما أنهت إليها أبداً بالسبب لكن خالتي خمنت أن السبب قد يكون نفسه الذي دفعها إلى توجيه إشعار بالرحيل إلى الآنسة فونت.

لا نعلم كيفية تدبرها لمعيشتها. فقد لاحت ثيابها رقيقة رثة وغابت بعض الأزرار عن سترتها الضيقة فيما تهلهل ما تزينتْ به السترة من فراء الثعلب. ومع ذلك بدت دوماً منتعشة المزاج وتكلمتْ بأسلوبها المعتاد النابض بالنشاط. كانت تلتهم ما تعده لها خالتي من طعام بشهية مفتوحة – مفتوحة زيادة عن اللازم مثلها مثل المحتاج إليه بحق لكنها لم تحاول أبداً اقتراض أية أموال منا. وذات مرة طلبتْ مني أن أصحبها إلى السينما، لا لتتفرج على الفلم الأساسي بل لترى فلماً إخبارياً قصيراً أنبأها أحدهم به. ولمّا آن أوان عرضه، وكزتني – "بصي، بصي، ها هو! مان!" كانت لقطة لمأدبة دولية يتفوه فيها الخطباء بلغة لم أتعرف عليها تحت صور هائلة الحجم لزعماء لم أتعرف أيضاً عليهم. عله كان مان غير أن الكثير من المندوبين الآخرين قد يكونون نفس الشخص، ضخام الحجم طوال القامة يهللون بأعلى صوت وهم يرفعون كؤوسهم ثم يفرغونها على أنخاب المتحدثين بالمائدة الرئيسية. كانت مقتنعة بأنه مان – "الحمار،" شتمتْ ضاحكة. "هل لكِ أن تتخيلي – كان يريد الزواج بي. لقد أفلتُ بأعجوبة،" هنأتْ نفسها. كنتُ مضطرة إلى الانصراف لكن بما أن التذكرة مدفوعة الثمن، لبثتْ هي لتشاهد الفلم الأساسي منتظرة إعادة عرض الفلم الإخباري.

وحين قضى كول نحبه، نقلتْ الصحف أنه ورّث أحد متاحف نيويورك الصور المتبقية في حوزته وخادمته بقية ممتلكاته. أعلم المحامي مارتا أنها لو تستطيع تقديم وثيقة زواجها، سيصبح لديها حجة مقنعة للاعتراض على الوصية. لكنها لم تملك وثيقة زواج بالضبط كما لم تملك شهادة ميلاد، ولا تمكنتْ من استدعاء مكان تسجيل الزواج أو تاريخه، ويظهر في الواقع أنها لم تتذكر إذا ما كانت قد تمت أية إجراءات قانونية من عدمه. ومتى تتحدث عن كول، تتكلم عنه بنفس الطريقة التي تتكلم بها عن مان: تهنئ نفسها على الإفلات بأعجوبة. طاب لها استحضار الحادثة التي مزقت فيها صورته – هل رأيتِ سحنته؟" قالت وقد طغى عليها السرور والسعادة بروحها. اتضح أن هذه الصورة هي القطعة الفنية الوحيدة على الإطلاق التي أعطاها إياها – بالضبط مثلما كانت الصورة التي وهبها إياي هي الوحيدة عندي من بين عدة صور جلستُ ليرسمها. سألتُها، وماذا عن القصائد التي نظمها لك؟ رمت إلى الوراء شعراً كان لا يزال أحمر لكنه الآن شديد الحمرة، علم يرفرف احتجاجاً. "من ذا الذي سيتذكر كل قصاصة صغيرة حصل عليها يوماً؟... على كل، كانت كلها زبالة في زبالة. هناك رجال آخرون كتبوا لي قصائد تفوقها جمالاً." اعترفتْ بأنها لم تحتفظ بها هي الأخرى؛ فقد اضطرت إلى التنقل كثيراً وببساطة اختفى كل شيء.

ثم اختفت هي نفسها ولم يدر مخلوق بما وقع لها. ذهبنا لنسأل في آخر عنوان نعرفه لها لكن مجرد ذكر اسمها حدا بصاحبة المنزل إلى غلق الباب في وجهينا. انقضت بعدها سنوات ثم عقود وخلال كل هذا الوقت لم نقع على أثر لمارتا. بل إني أمسكت عن تخمين مصيرها وإن فعلنا ذلك كثيراً عندما كانت خالتي لا تزال على قيد الحياة فتوصلنا إلى استنتاجات لم يود أحدنا ذكرها للآخر. ربما دهمتْ مارتا سيارة أو انهارت في الشارع ونُقلتْ إلى المستشفى حيث فاضت روحها هناك دون أن يعلم أحد هويتها أو من يتصلون بهم. ربما – من العالِم؟ – أغرقتْ نفسها في نهر التايمز في ليلة من الليالي الحالكة، ربما رمت إلى الوراء شعراً أحمر كما العَلم مهنئة نفسها بخداع الجميع بعدم تعلمها السباحة قط.

لم أعد أعيش في لندن. فمنذ بضع سنوات جابهتُ ضائقة مالية أفضت بي في النهاية إلى بيع صورة كول على مضض لأحصل مقابلها على مبلغ مذهل لم يفرج فقط عن عسري إنما وفر لي أيضاً دخلاً خاصاً لبضعة أعوام. كنتُ حرة أذهب حيثما يطيب لي، ونظراً لعدم وجود شخص قريب مني بعد لا بلوم، كنتُ حرة بكل ما في الكلمة من معني. لذا قر عزمي على المضي إلى نيويورك. كان قد تناهى إليّ أن هناك متحفاً به غرفة كاملة مخصصة لأعمال كول فقصدتُه بعد وصولي بيوم واحد. ثم لم أملك بعدها الابتعاد عنه.

كانت كل صوره معلقة على جدار واحد فيما احتلتْ اللوحات بقية الغرفة. معظم الصور لمارتا وبعضها لي والقليل منها لفتيات أخريات في مثل سني، لعل واحدة منهن خادمته. وبرغم عدم وجود أي تشابه من أي نوع بيننا، كنا نشترك في مرحلة معينة من الشباب زائلة بسرعة البرق؛ ولا بد أنها هي التي أثارت لهاثه الخفيض المفعم بالبهجة وكلمته الهامسة "حلوة" وهذه اللوحات الرائعة. لكني حين أبصرتُ نفسي على حائط المتحف، انطوى قلبي على نفس شعوري وأنا جالسة أمامه: وهو أنه لم ينظر إليّ كمجرد مثال أو نموذج أولي، لم أكن فقط أية فتاة، فتاة ما من بين أخريات اتفق أن انفعل بها. لقد انفعل بي، بي أنا. لقد كنتُ أنا الشخص الذي رنا إليه بكل عمق وبمثل تلك البهجة وبأسلوب لم يفعله أبداً أحد من قبل وللحق لم يفعله أحد ثانية.

لعل قراري بالانتقال إلى نيويورك حيث أعيش منذ حينها ينبع جزئياً – وفي البداية – من رغبة في البقاء بجانب المتحف العارض لأعماله. لكن على الرغم أني لا أمِل مطلقاً من تأمل الصور، نادراً ما أحمل نفسي على التطلع إلى اللوحات. فهي لم تعد عاطلة من المغزى – الكل يستطيع الآن تأويل تلك الألوان البدائية اللافحة التي تتقطر من القماش – لكني لا أنفك أحاول تحاشيها بل وأوليها ظهري عاجزة عن مواجهة ما واجهه هو – تحت جناح الليل والسرية – خلال كل الأعوام التي عرفناه فيها. وحتى الآن لا يزال انشداهاً يعتريني لأنه مع هوسه بهذه الرؤى عن هلاكنا ظل في نفس الوقت يرسم – "حلوة، حلوة" – المعروضة الآن على الحائط الآخر: فتيات في ريعان الشباب، الزهور في مايو.

 

 

 

 

 


 

* قبعة هومبورج: قبعة للرجال مصنوعة من اللباد تنبعج قمتها وتلتوي أطرافها إلى أعلى. صُنعت لأول مرة في مدينة هومبورج الألمانية.

* التينور: مغني أوبرالي صاحب أعلى صوت في الرجال ويسمى الصادح.