مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الحادي والعشرون، إبريل 2009

 

 

 

 

تكرم بينجيمِن بيرسي بالموافقة على نشر قصة "تحديث، تحديث" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Percy was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Refresh, Refresh" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Percy a great debt of gratitude for his kind permission.

Copyright © 2005 by Benjamin Percy. Used by kind permission of Curtis Brown, Ltd. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Sarah LaPolla from Curtis Brown, Ltd

 

 

 

 

 

تحديث، تحديث

بينجيمِن بيرسي

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: April-01-2009

 

الموقع الرسمي لبينجيمِن بيرسي

http://www.benjaminpercy.com

Photo: Jennifer May

 

 

 

 

شتاء 2005-2006 من مجلة ذا باريس ريفيو

مجموعة بيرسي القصصية تحديث، تحديث

 

 

 

عندما أغلقتْ المدرسة أبوابها، مضينا نحن الاثنان إلى الفناء الواقع وراء بيتي لنتلاكم. كان كل منا يحاول تقوية الآخر. لذا طرحتُ أنا وجوردون حقيبتيّ الظهر تحت ظلال أشجار الصنوبر والعرعر ووضعنا على العشب خرطوماً أخضر فاتحاً من خراطيم الحديقة، الطرف مقابل الطرف الآخر، لنصنع حَلبة. ثم خلعنا قمصاننا ولبسنا قفازات الملاكمة ذهبية اللون وانهمكنا في الملاكمة.

استمرت كل جولة دقيقتين. لو دُستَ خارج الحَلبة، تخسر. لو بكيتَ، تخسر. لو وقعتَ بالضربة القاضية أو زعقتَ بالآخر ’توقف‘, تخسر. شربنا بعدها كوكاكولا ودخنا مارلبورو فيما جاشت صدورنا وتلونت وجوهنا بشتى درجات الأسود والأحمر والأصفر.

بدأنا نتلاكم بعد أن ضرب سيث جونسِن – مدافع بيسبول لا رقبة له بأسنان كحبوب القمح ويدين أشبه بشريحتيّ لحم على شكل حرف T – جوردون حتى تورم وجهه وتمزق وتلونت أطرافه باللون الأرجواني. برأ أخيراً وزالت القشور الخشنة للجروح لتُظهر وجهاً اختلف عما تذكرتُه – أكبر سناً، أعرض حجماً، أشد ضراوة، انقسم حاجبه الأيسر بندبة بيضاء بياض اللبانة. كان صاحب الفكرة بأننا يجب أن نتلاكم. أراد أن يستعد. أراد أن يؤذي مَن يؤذونه. ولو سقط، سوف يسقط وهو يسدد الضربات تماماً مثلما سيفعل أبوه كما هو متيقن. كان هذا مرادنا جميعاً: أن نرضي آباءنا، أن نبث فيهم الفخر حتى رغم رحيلهم عنا.

 

كان هذا في كرو بولاية أوريجِن، بلدة تقع على صحراء مرتفعة عند التلال القابعة في سفوح جبال كاسكيد. لدينا في كرو ألف وخمسمائة نسمة ومطعم ’ديري كوين‘ ومحطة بنزين ’بي بي‘ ومتجر ’فود فور ليس‘ ومصنع لتعليب اللحوم وملعب بيسبول لونه أخضر زاه ترويه مياه القناة وما تعتاده من تشكيلة الحانات والكنائس. لا شيء يميزنا عن بيند أو ريدموند أو لا باين أو أية بلدة من البلدات الأخرى عديمة القيمة البعيدة عن طريق 97 عدا هذا: نحن المقر الرئيسي للكتيبة الثانية، الفوج رقم 34 من مشاة البحرية.

يعيش مشاة البحرية في قاعدة تمتد خمسين آكراً عند تلال تقع خارج البلدة بالضبط، مجموعة مبان من طابق واحد مشيدة بقوالب أسمنتية تعترضها أعشاب البرومس ونباتات المرمرية. وطيلة طفولتي كنت أسمع – لو كوَّرتُ يداً على أذني – خوار الثيران وثغاء الخرفان ودوي البنادق القتالية وهي تصيح من قمم التلال. يقال إن الأجواء هنا في منطقة المزارع بأوريجِن تماثل إلى حد بعيد التضاريس الجبلية لأفغانستان والعراق.

كان أبوانا – أبو جوردون وأبي – مثل الآباء الآخرين في كرو. تطوعوا كلهم تقريباً كجنود غير دائمين، كجنود احتياطيين، للحصول على راتب التدريب العسكري: بضعة آلاف في السنة للجندي وبضعة آلاف إضافية للرقيب. راتب البيرة مثلما سمياه، وخلال أسبوعين من كل سنة زائد عطلة أسبوعية من كل شهر، كانا يتدربان. أسرعا بارتداء بزتين ملونتين بألوان تموههم وملآ حقائب الظهر وقبَّلانا قبلات الوداع ثم انسحبتْ بوابة الكتيبة الثانية لتنغلق خلفهما.

سوف يختفي أبوانا في تلال تتناثر فيها أشجار الصنوبر ليعودا إلينا ليلة الأحد ووجهاهما محْمران بفعل الجو وعضلات أذرعهما ترتعش من الإجهاد وأياديهما ترسل رائحة شحم البنادق. يتكلمان عن اقتراحات التعديلات الهندسية وبرامج الثقة في الموظفين ووحدات حملات مشاة البحرية وأسلحة الدمار الشامل، ويقومان بتمارين الضغط في منتصف حجرة المعيشة ويطْلقان على الساعة السادسة "الساعة الثامنة عشرة" ويضربان الكف بالكف ليهتفا "الولاء إلى الأبد." تنقضي بعدها أيام قليلة ثم يعودان إلى سابق عهدهما، إلى الرجلين الذين نعرفهما: أبوان يشربان بيرة كورس ويلعبان كرة السلة ويحكان حِجريهما ويعبقان برائحة كولونيا أكوا فيلفا لِما بعد الحلاقة.

كان زماناً ومضى. فقد تم تفعيل الكتيبة في يناير وإرسالها إلى العراق في مارس. آباؤنا – مدربونا ومدرسونا وحلاقونا وطباخونا وعمالنا بمحطة البنزين وعمال الطرود بشركة يو بي إس ونواب العمدة ورجال المطافئ والميكانيكيون – صعد آباؤنا، الكثير والكثير منهم، حافلات مدرسية زيتونية اللون وضغطوا براحاتهم على النوافذ ليطالعونا بأشجع ابتسامة يمكنك تخيلها وأكثرها أملاً ثم غابوا عن الأنظار. هكذا بكل بساطة.

 

أحياناً ما كنت أركب ليلاً دراجتي البخارية ماركة هوندا وأجتاز تلال مقاطعة ديشوت وأوديتها الضيقة. هدَر المحرك أسفلي وارتعد بينما طوقتني الرياح وكأنها كائن حي لتتنمر عليّ محاوِلة جرِي من فوق دراجتي البخارية. انساب بمحاذاتي عالم مظلم وأنا أقلل سرعتي لأميل إلى أحد المنعطفات ثم أسرع في أحد الطرق المستقيمة – بسرعة سبعين ثم ثمانين – مُركزاً فقط على عشرين ياردة من الطريق تتوهج أمامي.

وعلى هذه الدراجة البخارية وسعني أن أرتحل وأرتحل وأرتحل، بعيداً عن هنا، عالياً فوق جبال كاسكيدز وعبر وادي ويلانيت حتى بلغتُ المحيط حيث تشق أحياناً كثيرة الظهور السوداء العريضة للحيتان سطح المياه، بل وابتعدتُ – ابتعدتُ بعيداً – إلى أن لحقتُ بالأفق حيث سينتظرني أبي. وبعدها كان من المحتوم أن أنتهي إلى ’حفرة في الأرض‘.

سقط منذ أمد طويل نيزك صارخاً من الفضاء ليخلف حفرة عرضها خمسة آلاف قدم وعمقها ثلاثمائة قدم. يرتاد أصحاب المزالج الشياطين منا ’حفرة في الأرض‘ أثناء الشتاء، وفي الصيف يختلف إليها الجيولوجيون ذوو اللحى المعنيون بشظايا معدنية تنتثر عبر قعرها. دليت قدميّ على حافة الحفرة واتكأتُ إلى الوراء على مرفقيّ لأمد طرفي إلى سماء مظلمة – بلا قمر، نجوم ليس إلا – أفتح بقليل من الغُدَاف. وكل بضع دقائق يتراءى وكأن نجماً انفصل ليندفع عبر الليل بأقصى سرعة في وميض ساطع احترق في العدم.

أضاءت كرو على بعد قريب بلون أخضر مشوب بالرمادي في مقابل الظلمة – تذكرِة بمدى اقتراب حياتنا من الدمار التام. كان من الممكن أن تهز قطعة من الجليد الفضائي أو الرياح الشمسية النيزك جانباً، وبدلاً من الهبوط هنا، كان من الممكن أن يهبط هناك عند تقاطع شارعيّ مين وفيرويل. لا ديري كوين، ولا كرو الثانوية، ولا كتيبة ثانية. لم يتطلب خيالاً واسعاً إدراك كيف يمكن أن يقع شيء من السماء ليبدل كل شيء.

كان هذا في أكتوبر عندما كان كل منا أنا وجوردون يدور حول الآخر في الفناء الخلفي بعد المدرسة. ارتدينا قفازات الملاكمة الذهبية، قفازات تشققت من قِدمها وتقشرت لمّا قرعنا الواحد بالآخر. انسحق العشب البني تحت أحذيتنا المطاطية وتصاعد الغبار في نفخات صغيرة مثلها مثل إشارات الاستغاثة.

كان جوردون نحيفاً لدرجة الهزال. نتأتْ عظمة الترقوة من جلده شأن شماعة ابتلعتْها الملابس. كان رأسه كبيراً زيادة عن اللزوم بالنسبة لجسمه وعيناه كبيرتان زيادة عن اللزوم بالنسبة لرأسه، وكثيراً ما ألقاه لاعبو البيسبول – وسيث جونسِن من بينهم – في صفائح الزبالة ونادوه بإي تي.*

أمضى يوماً مزعجاً. وقد فطنتُ من النظرة المنطبعة على وجهه – من عينين دامعتين وشفتين مرتجفتين كشفتا في لحظات خاطفة عن أسنانه العلوية الناتئة – أنه أراد أن يضربني بل احتاج إلى أن يضربني. لذا تركتُه. رفعتُ قفازيّ إلى وجهي وجذبتُ مرفقيّ قرب أضلعي. اندفع جوردون إلى الأمام وذراعاه تطقطقان طقطقة الأربطة المطاطية. وقفتُ بلا حراك سامحاً لقبضاته بضرب جسمي أعلاه وأسفله، سامحاً له بطرح ثقل غضبه عليّ حتى تولاه في النهاية تعب أعجزه عن المزيد من الضرب فأوسعتُ ما بين قدميّ وطرحتُه أرضاً بقبضة يمنى على صدغه. استلقى هناك متسطحاً على العشب بابتسامة خفيفة على وجهه الشبيه بوجه إي تي. "اللعنة،" نطق بصوت حالم. تجمعتْ قطرة دماء في ركن عينه وسالت في خط مستقيم على صدغه في اتجاه شعره.

كان أبي يرتدي جزمة مقدمتها من الصُلب وبنطالاً من الجينز ماركة كارهارت وقميصاً قطنياً روَّج مكاناً ما سافر إليه، عله يلوستون أو سياتل. بدا كشخص قد تراه يبتاع زيتاً للمحرك في متجر باي-مارت. ولكي يخفي خط شعره المتراجع اعتمر قبعة ماركة ’جون دير‘ ألقت ظلاً على وجهه. طرفتْ عيناه البنيتان فوق أنف ضخم يعلو شارباً رمادياً. وكما هو حالي، كان أبي قصير القامة مكتنز الجسم، كلب بولدوج. انتفختْ بطنه كالحقيبة وعرُض كتفاه عِرضاً صلَح لحملي في الاستعراضات والملاهي لمَّا كنت أصغر في السن. كثيراً ما ارتفعتْ ضحكاته. راقته برامج المسابقات. أفرط في احتساء البيرة وتدخين السجائر وقضاء الوقت مع صحابه في صيد السمك والحيوانات والكلام الفارغ، ربما يكون هذا هو السبب في تطليق أمي إياه وانتقالها إلى مدينة بويسي مع مزيِّن كان يشارك في مسابقات من ثلاث ألعاب ويدعى تشاك.

كان أبي بعد رحيله يبعث إليّ في البداية برسائل إلكترونية متى استطاع مثل كل الآباء الآخرين. حكى لي عن الحرارة وجالونات المياه التي شربها يومياً والرمال الممتزجة بكل شيء واستحمامه بمناديل الأطفال. أفضى إليّ بأنه في أمان، في منتهى الأمان. كان هذا عندما تمركز في تركيا. أُرسل بعدئذ الجنود الاحتياطيون إلى كركوك، وهناك هاجمهم المتمردون والعواصف الرملية بصورة شبه يومية. أتت الرسائل على فترات أطول. وبين الرسالة والأخرى مرت أسابيع يلفها الصمت.

أحياناً ما كنت أضغط على زر تحديث، تحديث، تحديث في الكمبيوتر، وكلي أمل. تلقيت في أكتوبر رسالة تقول: "أهلاً يا جوش. أنا بخير. لا تقلق. اعمل واجبات المدرسة. حبي، بابا." طبعتُها ولصقُتها ببابي بقطعة من شريط لاصق.

اشتغل أبي لمدة عشرين سنة في شركة نوسلِر المتحدة – شركة لتصنيع الرصاص الحي مقرها بيند – وقد درَّبه مشاة البحرية على العمل كفني ذخيرة. راق جوردون أن يقول إن أباه رئيس رقباء وقد كان، لكننا عرَفنا جميعاً أنه مدير صالة الطعام بالكتيبة، طباخ، وهكذا كسب رزقه في كرو، نهض بالمشواة في مطعم ’هامبورجر بيتي‘. علِمنا رُتبهم لكننا لم نَعلم – ليس بالضبط – ماذا تعنيه رتبهم أو ماذا فعله آباؤنا هناك. ارتسموا في مخيلتنا وهم يُقْدمون على أعمال بطولية: ينقذون الرضع العراقيين من أكواخ مشتعلة، يَقنصون منفذي الهجمات الانتحارية قبل أن يفجروا أنفسهم في أحد شوارع المدينة المزدحمة. اعتمدنا على هوليوود وأخبار التليفزيون لتطوير سيناريوهات محكمة قد يُغِير فيها المتمردون الملتحون من مكامنهم على آبائنا بقاذفات الصواريخ خلال مسيرة شاقة عبر جبال شمال العراق في الغسق. تخيلناهم أشباحاً أمام انفجار يحتدم احتداماً. تخيلناهم وهم يحفرون الأنفاق في الرمال كما السحالي ويطْلقون بنادق إم-16 لتخترق رصاصاتهم العتمة شأنها شأن نيازك راقبتُها في ليال تعذر فيها النوم.

حين تلاكمنا أنا وجوردون، دهنا وجوهنا – أسود وأخضر وبني – بشحم للتمويه تركه آباؤنا. جعل أعيننا وأسناننا بيضاء بياضاً ناصعاً. انمحى ملطخاً القفازات، تماماً مثلما انمحى العشب متلطخاً تحت أحذيتنا. صارت الحَلبة دائرة من الطين بينما تلون الطين بلون محْمر قريب الشبه بلحم ترين عليه قشور الجروح. طرق جوردون كتفي ذات مرة بقوة أعجزتني عن رفع ذراعي أسبوعاً. وفي مرة أخرى ضربتُ إحدى كليتيه بمرفقي فبال دماً. تبادلنا الضربات بقوة هائلة مراراً وتكراراً حتى إن القفازات الذهبية تهرأتْ لتتعرى مفاصل أصابعنا من خلال مطاط تشبع بالعرق وتشبع بالدم كأسنان بارزة من شفة أصابتها لكمة. وهكذا اشترينا طقماً آخر من القفازات، وعلى حين راح الهواء يَبرد باطراد، تلاكمنا والبخار يعصف من أفواهنا.

 

رحَل آباؤنا عنا ولكن لبث في كرو بعض الرجال. مكث الرجال العُجز مثل جدي الذي أقمت معه – رجال نالوا ما نالوه بالعرق والتعب واضطلعوا بوظائفهم وخاضوا حروبهم، وهم الآن يقطعون أيامهم في محطة البنزين، يحتسون قهوة رديئة من أكواب بلاستيكية ويتذمرون من حالة الجو ويتجادلون حول أفضل الشهور لجني محصول الفصفصة. وهناك العاجزون. رجال حلَقوا في النادر وتفرجوا نهاراً على التليفزيون وهم يلبسون سراويل تحتية كانت ذات يوم بيضاء. رجال عاشوا في مقطورات وملؤوا عربات التسوق ببيرة بوش لايت وسجق صيفي وكعك أوريو.

ثم هناك رجال كالنسور من أمثال ديف لايتِنِر – رجال اقتاتوا على جيفة ما خلَّفه آباؤنا أياً كان. عمِل ديف لايتِنِر ضابط تجنيد. أخاله ضابط التجنيد الوحيد في تاريخ العالم الذي قاد دراجة بخارية خفيفة ماركة فيسبا وثبَّت في مؤخرتها مغنطيساً مرسوماً عليه شريط انكتب عليه ’سانِد قواتنا‘. شاهدناها واقفة بين الفينة والأخرى أمام بيوت شابات ذهب أزواجهن إلى الحرب. لديف أذنان كبيرتان وعينان صغيرتان، وكالمعتاد حلق رأسه بالكامل تاركاً شعر قصير في القمة. كثيراً ما كان يتكلم بصوت عال زيادة عن اللزوم عن كل المتمردين الذين رماهم بالرصاص حين قاد وحدة استطلاع في الفلوجة. كان يسكن مع أمه في كرو بيد أنه صرَف أيامه في بيند وريدموند جائباً متاجر بيست باي وشوبكو وكيه-مارت وول-مارت ومركز ماونتِن فيو التجاري. نقَّب عن أناس مثلنا، أناس ألَّم بهم الجوع والسخط والفقر.

إلا أن ديف لايتِنِر كان أعقل من أن يزعجنا, فقد ابتعد عن كرو كلية أثناء الخدمة. فالتجنيد هناك أشبه بصيد مخالف للقانون في الجانب المحترق من إحدى الغابات حيث يدفع أيل بارز الأضلع مرتعش الساقين الرماد بأنفه بحثاً عن شيء أخضر.

لم نستوعب تمام الاستيعاب السبب في ذهاب آبائنا إلى الحرب. ما استوعبنا إلا أنهم لا بد أن يحاربوا. وقد جعلتْ الحاجة الملحة للحرب أي سبب بلا أهمية. "إنها جزء من اللعبة،" أسَرَّ جدي إليّ. "هذا هو الوضع ببساطة." ما وسعنا إلا أن نرجو حسن الطالع ونتمنى الأماني بالطلاسم ونضغط على تحديث، تحديث آملين أن يعودوا إلينا، داعين ألا نجد ديف لايتِنِر في شرفتنا وهو يلفظ الكلمات ’يؤسفني أن أبلغك أن ....‘

أقلني جدي أنا وجوردون ذات مرة إلى مركز ماونتِن فيو التجاري، وهناك، بالقرب من المدخل ذي الباب الزجاجي، قام ديف لايتِنِر. كان يلبس بزته العسكرية ذات اللون البني المصفر ويتحدث إلى مجموعة من المراهقين المكسيكيين. علت ضحكاتهم وهزوا رؤوسهم مبتعدين عنه فيما اقتربنا نحن. كانت قبعاتنا منخفضة فلم يتعرف علينا.

"اسمحا لي أيها السادة أن أطرح عليكما سؤالاً،" فاه بصوت خليق بمن يروجون البضائع في التليفون وشهود يهوه الذين يطرقون الباب تلو الباب. "ماذا تخططان لحياتكما؟"

جذب جوردون قبعته بحركة شبه مسرحية وكأنه جزء من عرض سحري ينطق فيه بكلمتيّ تا داا! ووجهه هو الخدعة. "أخطط لقتل بعض المسلمين المخابيل،" رد متكلفاً ابتسامة. "ماذا عنك يا جوش؟"

"آه،" أجبت. "أقتل بعض الناس ثم أحفر قبري بيدي." لويت قسمات وجهي وأنا أجاريه. "تبدو خطة مُحكمة."

شد ديف لايتِنِر شفتيه لتستحيلا إلى خط رفيع واستقامت وقفته. سألنا عما سيحسبه أبوانا لو سمعا كلامنا في هذه اللحظة. "إنهما يخاطران بأرواحهما دفاعاً عن حريتنا وأنتما تتفكهان بالنكات المريضة،" قال. "أظنه كلاماً مريضاً."

كرهناه ليديه الناعمتين وبزته النظيفة. كرهناه لأنه أرسل ناساً مثلنا ليموتوا. لأنه أحرز في الثالثة والعشرين رتبة أعلى من رتبتيّ أبوينا. لأنه نام مع زوجات الجنود الوحيدات. بل إننا أضمرنا له الآن المزيد من الكراهية لأنه ألحق بنا خجلاً. أردت أن أرد بجملة متهكمة غير أن جوردون كان أسرع مني. رفع يده أمامه وأصابعه تقبض على زجاجة متخيَّلة آمراً, "خذ شراب القيقب هذا".

فردَّ ديف، "وماذا أفعل به؟"

"تأكل طيزي به،" قال جوردون.

خرج عندئذ من المركز التجاري شاب ممن يركبون الزلاجات، ذو شعر أخضر وحلق في أذنه وملء كيس من أقراص الفيديو الرقمية يتأرجح من قبضته، فنسانا ديف لايتِنِر. "اسمع يا صاحبي،" نادى. "خلِني أسألك عن حاجة. هل تحب أفلام الحرب؟"

 

قدنا دراجاتنا البخارية في نوفمبر وتوغلنا في الغابة بغرض الصيد. سقط ضوء الشمس عبر أشجار الصنوبر الطويلة ومجموعات متلاصقة من أشجار البتولا ليمتد على برك صغيرة بطول طرق مقطوعة الأشجار تتعرج بحذاء منحدرات التل المتخمة بثمار العنبية وفوق أكوام جليدية من التراب والحجارة، أكوام تعدو عليها حيوانات القيوط محاولة الهرب منا فتنزلق متسببة في تياهير خفيفة من الصخور المتقلقلة. لم تمطر السماء منذ حوالي شهر، لذا تعرت أعشاب الدفرة والبرومس وإبر الصنوبر من ألوانها لتتبدى جافة صفراء مثل قشرة الذرة. خشخشت تحت جزمتي حين تضاءل الطريق الذي سلكناه ثم انتهى لأترجل أنا من دراجتي البخارية. استطعتَ في هذا السكون معدوم المياه سماع كل سنجاب وهو يفتش عن جوز الصنوبر على مدى آكر مربع، وحينما اشتد النسيم ليصير رياحاً باردة، باتت الغابة همسة جبارة.

رمينا خيمتنا وكيسيّ النوم على الأرض بالقرب من كهف بازلتي يحوي ينبوعاً يبقبق ثم قال جوردون، "هيا بنا أيها القوات،" وهو يمسك ببندقيته مائلة أمام صدره مَسكة الجنود. ارتدي كذلك ملابس الجنود، إذ لبس بزة أبيه العسكرية الفضفاضة ذات اللون البني المصفر بدلاً من الملابس المفروضة برتقالية اللون زاهيته. باعدتْ بيننا خمسون قدماً ونحن ننزل التل بصعوبة عبر الغابة، عبر أجمة من العنبية، عبر منطقة مقطوعة الأشجار تحفل بالأجذال. توخينا الحذر ألا نُحدث ضوضاء عالية أو نتعثر في إبر صنوبر كست كل شبر من الأرض. كان هناك سنجاب يجذب أحد أكواز الصنوبر، تعالت صرخته ذهولاً حين انقض باز جوال وقبض عليه حاملاً إياه بعيداً بين الأشجار إلى مكان ما سري. لم يُصدر جناحاه صوت، وكذلك لم يفعل الصياد ذو الملابس البرتقالية الزاهية عندما ظهر بمنطقة خالية من الأشجار على بعد عدة مئات من الياردات أسفلنا.

بدرتْ من جوردون إيماءة شبيهة بإيماءات فرق الهجوم الخاصة عنى بها على ما أظن أن أخفض رأسي فتقدمتُ إليه بخطى حذرة. حدقنا عبر النظارات المكبرة من خلف أحد الجلاميد لنراقب الصياد الذي لاح في صِداره وقبعة بحاشيتين على أذنيه كثمرة يقطين عملاقة. "ابن الوسخة،" شتم جوردون هامساً بصوت أجش. الصياد هو سيث جونسِن. كان يُعلق بندقيته خلف ظهره ويحرك فمه – يخاطب شخصاً ما. انضم في أحد أركان المرج إلى أربعة أعضاء من فريق البيسبول بالكلية يجلسون على أزناد حول نار تحترق في المخيم بلا لهب. ارتفعتْ أذرعهم وانخفضتْ كرافعة مضخة بترول وهم يُقربون الجعة من أفواههم.

رفعتُ عيناي عن نظارتي المكبرة لألاحظ أن جوردون يجس زند بندقيته عيار 30.06. أمرته بالكف عن هذا المزاح السمج فإذا به يسحب يده من مقبض البندقية ويرسم ابتسامة مذنبة قائلاً إنه يود فقط تجربة إحساس مَن يتمتع بتلك السيطرة على شخص ما. ثم ارتفعتْ سبابة ضغط بها على الزند لتمس الندبة البيضاء بياض اللبانة التي شقت حاجبه الأيسر. "رأيي أن نبهدلهم شوية."

هززت رأسي رفضاً.

قال جوردون، "شوية وبس – لنخيفهم."

"معهم بنادق،" أخبرتُه، فاقترح، "فلنعود إذن الليلة."

وفي وقت لاحق، بعدما تعشينا عشاء مبكراً بلحم بقر مقدد ومزيج من أغذية عالية الطاقة ومشروب جيتوريد، اتفق أن وقعتْ عيناي على أيل بقرنين تتشعب منهما أربعة أطراف، يقضم قضمات صغيرة من نبات اليُكة. أسندتُ بندقيتي إلى أحد الأجذال وصوبتُ نحوه طلقة. ترنح إلى الخلف ثم انهار وقد تفتحتْ وردة خلف كتفه حيث توارى القلب. أتى جوردون جرياً ووقفنا حول الغزال ثم أخذنا ندخن بضع سجائر ونتفرج على الدماء الغليظة للشرايين وهي تسيل من فمه. أخرجنا بعدها السكاكين وبدأنا العمل. شققت دائرة حول الشرج وقطعتُ القضيب والخصيتين ثم أجريت السكين بطول البطن لأشَرِّط الجلد كاشفاً عن لحم وردي رقيق وأوعية دموية ضاربة إلى الخضرة اختفت فيها أيادينا.

ارتفع البخار من الدماء في الهواء الجبلي البارد، وحين فرَغنا – حين سلخنا الغزال ومزقنا مفاصله بضربات عنيفة متوالية وقطعنا شريط الظهر ونزعنا العظم من كتفيه ووركيه ورقبته وأضلعه لنصنع شرائح سميكة صغيرة وقطعاً للشي وشرائح سميكة عريضة وقسمنا اللحم بالتساوي إلى أربعة أقسام لنتمكن من صره في حقائب الدراجتين العازلة للحرارة – تناول جوردون رأس الغزال من قرنيه وأمسكه أمام رأسه. ند عن الدماء المتساقطة من رقبته صوت نقر على الأرض، وفي ضوء باهت وسَم مستهل المساء طفق جوردون يرقص رقصة صغيرة، يثني ركبتيه ويضرب الأرض بقدمين ثقيلتين.

"عندي فكرة،" نطق وتظاهر بالهجوم عليّ بالقرنين. أزحته بعيداً فقال، "لا تتخنث يا جوش." حل بي الإرهاق وفاحت مني رائحة الدم المتخثر لكني استطعت إدراك حاجته إلى الانتقام. "نخيفهم وبس، جوردو؟" قلت.

"نعم."

جاهدنا لحمل اللحم عائدين إلى المعسكر في حين جلب جوردون معه جلد الغزال. شق فتحة في منتصفه وأقحم رأسه عبرها ليتدلى الجلد على جسمه فضفاضاً، كيس مُشعِر. ساعدتُه على تلطيخ وجهه بالوحل والدم. نشَر بعد ذاك القرنين بمديته ماركة ليزرمان وأمسك كلاً منهما في يد وشرَّط الهواء وكأنهما مخلبان.

جعل الليل يهبط وتعلق القمر على جبال كاسكيدز منيراً طريقنا بنور رمادي ونحن ننسل عبر الغابة متخيلين أنفسنا في أرض العدو، بأسلاك لتفجير الألغام وأبراج للحراسة وكلاب مزمجرة في كل ركن. ومن خلف الجلمود المشرف على موقع مخيمهم رصدنا أعداءنا وهم يتبادلون قصص الصيد ويمزحون حول بزيّ جيسيكا روبرتسِن الفحلين ويمررون زجاجة ويسكي أفرطوا في احتسائه وفي النهاية يبولون على النار لإخمادها. عندما آوا إلى خيامهم انتظرنا ساعة قبل أن نشق طريقنا نازلين التل بحرص ما بعده حرص حتى إن ساعة أخرى فاتت قبل أن نهم بالهجوم عليهم. أرسلتْ بومة نعيقاً من مكان ما، لم يلفت ضجيجها الأسماع بسبب أصوات جوقة الشَّخِّيرين المرتفعة من خيامهم. كانت سيارة سيث ماركة برونكو مركونة في مكان قريب – لوحة الرخصة مكتوب عليها سمان – وكل بنادقهم موضوعة مكان السائق. جمَّعتُ البنادق وعلقتُها على كتفي ثم أدخلتُ سكيني بسهولة في كل إطارات سيث.

كان سكيني لا يزال مُشهَراً حين وقفنا بجانب خيمة سيث، ولمَّا اندفعتْ سحابة أمام القمر ليعم المرج ظلام دامس، طعنتُ النيلون وبنترة واحدة سريعة شققته بالطول. اندفع جوردون إلى الداخل وقرناه المخلبان يَشرطان الهواء. ما استطعت أن أرى إلا ظلالاً بيد أنني سمعتُ سيث يصرخ صرخة فتاة صغيرة وجوردون ينقض عليه بالقرنين ويصرخ بالفحيح والعواء مثله مثل مخلوق من سكان الكهوف جائع إلى لحم البشر. حين عجت الخيام من حولنا بالمضطرِب من الأصوات، طلَع جوردون بابتسامة رهيبة على وجهه. أدركتُه وهو يصعد منحدَر التل، ارتطمنا بكتل الشجيرات ونحن نشق طريقنا تاركين سيث ليَعقل كابوساً نزل به من غير إنذار.

 

هلَّ الشتاء. تساقطتْ الثلوج فسارعنا إلى لبس رداءين فضفاضين ولوينا إطاراتنا ذات الرزات ثم قدنا دراجاتنا البخارية إلى ’حفرة في الأرض‘ ونحن نجر خلفنا مَزْلَجين بحبال قطر السيارات. خيم صوت المحركين على صمت الظهيرة المثْلِج. أثارت إطاراتنا الخلفية سحباً من مسحوق الثلج، وفي المنعطفات الحادة انزلقتْ تحتنا لنتسطح هناك وسط الطريق ونحن ننزف ونضحك دون أن يتولانا خوف.

طبخنا قبلها على الغداء رطلاً من لحم الخنزير المقدد بقطعة من الزبد. استخدمنا الدهن الذي جمَد وصار بحيرة بيضاء شمعية كملمع لنصقل قاعدتيّ المَزْلَجين بقطعة من الجلد. كانت السرعة مبتغانا عند ’حفرة في الأرض‘. نزلنا أشد الجوانب انحداراً من الحفرة قاصدين قلبها، ثلاثمائة قدم تحتنا. تتبع كل واحد منا الآخر على المسار نفسه، كوينا الثلج لنُكون مجرى أزرق اللون لا يعرف الاحتكاك، سوف يسمح لنا بالحركة بسرعة توازي السقوط الحر. غطى الصقيع مُقل أعيننا بغِشاوة شبه زجاجية وهدَرتْ آذاننا بالرياح وارتفعتْ مَعِدنا إلى حلوقنا ونحن ننزل كالصواريخ شاعرين بأننا عدنا إلى الخامسة – ثم بدأنا نصعد ببطء إلى مهبِطنا ليخالجنا شعور بأننا في الخمسين.

ثبتنا في أحذيتنا قاعدة معدنية تبرز منها النتوءات ثم تسلقنا سلسلة متعرجة من الطرق الملتوية. استغرقنا قرابة ساعة. بدأ الهواء ينقلب أرجوانياً مع حلول المساء عندما وقفنا من جديد عند حافة الحفرة، نتصبب عرقاً في رداءينا ونتطلع إلى المنظر عبر ضباب أنفاسنا. كبَس جوردون كرة من الثلج. فقلت، "أحسن لك ألا تضربني بها." رفع ذراعه مهدِداً ومتبسماً ثم خر على ركبتيه ليكور كرة الثلج ويصنع شيئاً أكبر. كورها حتى أصبحت في حجم رجل ضخم تلوى في وضعية الجنين. أخذ من مؤخرة دراجته البخارية قطعة خرطوم من خراطيم الحديقة كان يسحب بها البنزين من السيارات الأجنبية الباهظة. أدخلها في خزان الوقود بدراجته وراح يمص طرفها حتى تدفق البنزين.

نضح كرة الثلج الهائلة كمن يأمل في أن تُنبت زرعاً. لم تنحل – فقد ضغطها بإحكام كاف – لكنها تغضنت قليلاً ولاحت رصاصية، وعندما سحب جوردون ولاعته ماركة زيبو وأطلق منها الشرر ممسكاً إياها صوب الكرة، التقطتْ الأدخنة اللهب وانفجر الشيء بأكمله مُحْدثاً ضوضاء لاهثة حملتني على الترنح عدة خطوات إلى الوراء.

اندفع جوردون إلى الأمام وركل كرة النار, دحرجها سريعاً فهوَت في الحفرة، هوَت في مجرانا شأنها شأن النيزك. ذاب الثلج تحتها على الفور لكنه ما لبث أن تجمد مرة أخرى بعد لحظات ليترك شريطاً أزرق صقيلاً. ولمَّا تزلجنا عليه، انطلقنا بسرعة لا حد لها حتى إن عقلونا فرَغتْ من كل شيء وانتابنا إحساس وكأننا نطير ونسقط في الوقت نفسه.

 

في نشرة الأخبار أطلق المتمردون العراقيون بنادقهم القتالية. في نشرة الأخبار فجَّرتْ سيارة مفخخة في بغداد سبعة جنود أمريكيين عند حاجز تفتيش مروري. في نشرة الأخبار صرح الرئيس أنه لا يظن من الحكمة تقديم إطار زمني لانسحاب القوات. تفقدتُ بريدي الإلكتروني قبل الإفطار وما ألفيت إلا الرسائل الدخيلة.

ارتديت أنا وجوردون جزماً خاصة بالثلج وتلاكمنا وسطه. تلاكمنا كثيراً لدرجة أن جروحنا لم تسنح لها الفرصة قط للالتئام وحمَلتْ وجوهنا سِحنة دائمة توشي بالتفسخ. شعرنا بتورم أرسغنا، حل الوجع برُكبنا، أحسسنا بأن مفاصلنا غاصة بدبابير دقيقة جافة. تلاكمنا حتى آلمتنا الملاكمة ألماً عجزنا عن تحمله فانصرف اهتمامنا إلى الخمر. قدنا دراجاتنا البخارية أيام العطلات الأسبوعية إلى بيند، على بعد عشرين ميلاً، واشترينا الجعة وأخذناها إلى ’حفرة في الأرض‘ ثم احتسيناها هناك حتى بزغ في الأفق خيط ساطع من ضوء الشمس لينير صحراء تغطيها طبقة سميكة من الثلوج. لم يطلب أحد بطاقاتنا الشخصية، وعندما رفعنا الزجاجتين الفارغتين لنحملق إلى صورتين منعكستين على الزجاج، مشوهتين لا تختلفان عن الأشباح، وقَفنا على السبب. ولم نكن الوحيدين. تضخمتْ الأكياس السوداء تحت أعين أبناء كرو وبناتها وزوجاتها، انحنت أكتافهم، حفت التجاعيد بأفواههم مثلها مثل قوسين.

لقد انتاب آباؤنا أذهاننا. انتشروا في كل بقعة: في متجر البقال حين التقطتْ أعيننا صندوقاً يضم ثلاثين زجاجة بيرة ماركة كورس معروضة في التخفيضات بعشرة دولارات؛ على الطريق السريع حين مررنا بشاحنة ماركة دودج مرفوعة عن الأرض واثنتا عشرة إبالة من القش مكدسة على مؤخرتها؛ في السماء حين تهدر طائرة نفاثة تذكرِة لنا بأماكن نائية. والآن، بينما غلُظتْ أجسامنا بالعضلات، بينما امتنعنا عن الحلاقة وأطلقنا لحى مرقعة، أبصرنا آباءنا حتى في المرآة. بدأنا نشبههم. كان آباؤنا الذين أُخذوا منا في كل مكان، عند كل منعطف، يسجنوننا.

عمِل أبو سيث جونسون رقيباً أول. كان مثل ابنه رجلاً قوي البنية لكنه لم يكن قوياً بما فيه الكفاية. داس قبيل عيد الميلاد المجيد قنبلة عنقودية أسقطتْها طائرة حربية أمريكية وموهتْها الرمال فوطَّأها برجله لتمزق لحمه إرباً إرباً. حين صعد ديف لايتِنِر إلى الشرفة الأمامية بعضاد أسود ينم عن الحداد وتعبير يوحي بالحزن، كانت السيدة جونسون تطبخ وقتها فخذ خنزير بالعسل فانهارت على أرضية المطبخ. مرق سيث من الباب ولكم وجه ديف مهشماً أنفه قبل أن يتمكن من لفظ الكلمات يؤسفني أن أنقل إليكم...

عندما تناهى إلينا هذا الخبر، ساورنا شعور بالأسف لمدة عشر ثوان فقط لا غير. ثم ساورنا شعور بالراحة لأن الموت اختار أباه وليس واحداً من آبائنا. ثم عاودنا الشعور بالأسف، وفي عشية عيد الميلاد قُدْنا إلى منزل سيث ووضعنا على شرفته البنادق التي سرقناها بالإضافة إلى علبة تضم ست زجاجات من بيرة كورس، وفيما كنا نهم بالانصراف فتش جوردون في جيبه الخلفي ليُخرج محفظته ويضع تحت العلبة كل ما حازه من نقود – بضع أوراق من فئة خمسة دولارات وبعض الدولارات. "كريسماس وسخ،" قال.

تحلينا بالمزيد من الشجاعة وقصدنا الحانات – ’الكتلة الذهبية‘, ’المسافر المنهَك‘, ’حانة الصنوبر‘ – حيث رقصنا الرقصة الرباعية مع امرأتين أكبر منا سناً. لونتا جفونهما بظلال أرجوانية ولبستا أقراطاً متدلية متلألئة من أقراط الهنود الحمر وصدريات ترفع صدورهن وكعوباً عالية تقعقع. أنهينا إليهما بأننا أفراد في مشاة البحرية رجعنا من عملية انتشار للجند استمرت ستة أشهر، فقالتا، "صحيح؟" لنجيب، "أجل يا سيدتي،" وحين سألتا عن أسمائنا أعطيناهما اسميّ أبوينا. ثم ابتعنا لهما المشروبات ليتجرعاها ويرسلا أنفاساً حارة إلى وجوهنا. قربنا ثغورنا من ثغورهما لنتذوق طعوماً أشبه بالسجائر بالنعناع والمُطهِّر المحروق. ثم رافقناهما إلى بيوتهما، إلى مقطوراتهما، إلى أفرشتهما المائية، ونكناهما بين حيواناتهما المحشوة.

 

انتصف الأصيل على حين أظلمتْ السماء بالفعل تمام الإظلام. عرَّجنا على منزلي في طريقنا إلى ’المسافر المنهَك‘ لنستلف من جدي بعض النقود بيد أننا وجدنا ديف لايتِنِر في انتظارنا. لا بد أنه وصل هناك للتو – كان يصعد منتصف سلالم الشرفة – حين طرحتْ عليه مصابيحنا الأمامية وهجاً ضعيفاً وتلفت وراءه ليواجهنا بتعبيرات متقبضة كمن يحاول التوصل إلى هويتنا. ارتدى العصابة السوداء حول ذراعه، وفوق أنفه استقرتْ جبيرة تغطيها ضمادة بيضاء.

لم نطفئ محركاتنا بل جلسنا في الممر والمحركان يدوران ببطء دون حراك فيما غمر عادم دراجاتنا وأنفاس أفواهنا الهواء بالسحب. هسهس فوقنا أحد النجوم عبْر سماء أضاءها القمر، نجم سطع سطوعاً باهتاً كمصباح أشعله أحدهم في حجرة ينيرها ضوء النهار. طفق ديف بعدها يهبط السلالم فوثبنا من الدراجتين لملاقاته. وقبل أن يتسنى له لفظ حرف، سددتُ قبضتي إلى حجابه الحاجز لتطلع روحه من جسمه. تبدى كممثل تلقى رصاصة في أحد أفلام الغرب الأمريكي وهو يتشبث ببطنه بكلتا يديه متلوياً، ووجهه هدف موات لركبة جوردون. سبَق صوت انقصاف سقوط ديف على ظهره والدماء تجري من أنفه المكسور بالفعل.

رفع يديه لنوَّجه الضربات لِما بينهما. لكمتُ أضلعه مرة واثنتين بينما رفس جوردون عموده الفقري ومعدته ثم وقفنا حوله نستزيد من الهواء بأنفاس مسموعة سامحين له بالنهوض على قدميه بمشقة أي مشقة. وحين استقام، مسح وجهه بيده فقطَرتْ الدماء من أصابعه. تدخلتُ وصوبتُ لكمات دائرية بيميني ثم يساري لأقرع رأسه بقبضات قلقلتْه من مفاصله. انهار مرة أخرى، كيس دام أشبه برجل. تقلبتْ عيناه في الاتجاه بعد الآخر وارتقتا عالياً في محاولة لرؤية جسدين حيوانيين يَلوحان ضخمين فوقه. فغر فاه ليتكلم فسددتُ أصبعاً نحوه قائلاً بما يكفي من بغضاء في صوتي لقصم ظهره، "لا تنطق بكلمة. إياك أن تجرؤ. ولا كلمة واحدة."

أغلق فمه وحاول أن يزحف بعيداً فوضعتُ جزمتي على ظهر جمجمته وتركتُها هناك لحظة طاحناً وجهه في الأرض، وعليه حين رفع وجهه احتفظ الثلج بطبعة حمراء من وجهه. دخل جوردون ثم عاد بعد لحظات بلفة من الشريط اللاصق. ثبتنا ديف وقيدنا رسغيه وكاحليه ثم رميناه على أحد المَزْلَجين وألصقناه به عدة مرات ثم ربطنا المَزْلَج بمؤخرة دارجة جوردون البخارية وقدنا بسرعة مشحونة بالخطر إلى ’حفرة في الأرض‘.

أنار القمر وتوهج الثلج بضوء أبيض فاتح ونحن ندخن السجائر ونرنو إلى الحفرة وديف عند أقدامنا. ثمة شيء طفولي في طريقة نفخ ثغورنا للأنفاس على هيئة سحب صغيرة وكأننا طفلان يقلدان القاطرات البخارية. وللحظة، لحظة واحدة فقط، رجعنا طفلين مرة أخرى. مجرد طفلين غبيين. لا بد أن جوردون راوده هو الآخر الإحساس نفسه لأنه قال، "لم تكن ماما تدعني حتى ألعب بالبنادق اللعبة لمَّا كنتُ صغيراً." ثم أرسل تنهيدة ثقيلة كمن لا يسعه استيعاب كيف انتهى به، بنا، الحال إلى هنا.

ترنح ديف فجأة وجعل يقاوم ويصيح بنا بصوت اختلطت حروفه. تحجر وجهي غضباً فوضعتُ يدي عليه ودفعتُه ببطء نحو حافة الحفرة فلزم الصمت. نسيت نفسي للحظة وأنا أتفرس في دمار ساده الظلام. لم ينقصه الجمال ولا الترويع. "بمقدوري أن أدفعك في هذه اللحظة،" قلت. "ولو فعلتُها، ستموت."

"أرجوك لا تدفعني،" توسل بصوت طالته بحة. راح يبكي. "آه يا للخراء. لا تدفعني. أرجوك." ما أوقع سماع انتحابه المرتعد الهائل في نفسي الرضا المأمول. بل إني شعرتُ بإحساسي نفسه في ذلك اليوم، منذ فترة طويلة، حين سخرنا منه في موقف سيارات مركز ماونتِن فيو التجاري – بخجل، بزيف.

"مستعد؟" قلت. "واحد!" قرَّبتُه من الحافة بوصات قليلة. "اثنان!" بل إني زحزحتُه أقرب قليلاً، وبينما كنتُ أحركه شعرتُ بضعف يحيق بي، بجموح وإعياء في آن واحد، بدا جسمي وكأنه قد أضاف عشرين، ثلاثين، أربعين سنة. وعندما لفظتُ أخيراً، "ثلاثة،" خرج صوتي همساً بالكاد.

تركنا ديف هناك وهو ينتحب عند حرف الحفرة. ركبنا دراجاتنا وقدنا إلى بيند، قدنا بسرعة ما بعدها سرعة حتى إني تخيلتُ أن ناراً تندلع فيّ مثل النيزك، أحترق في جزء من الثانية، أولول والحرارة تلتهمني، أثناء توجهنا إلى مكتب تجنيد مشاة البحرية الأمريكية لنستجيب أخيراً لناقوس الحرب الضاري ونكتب أسماءنا على الورق ونبث الفخر في قلوب آبائنا.

 

 

 

 

* إي تي E.T.: اختصار لكلمة extraterrestrial، والاختصار إشارة إلى مخلوق فضائي ظهر في الفلم الأمريكي E.T..

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.