مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

       البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الثاني والثلاثين، يناير 2012.

The thirty-second issue, January 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرمت سوزان باور بالموافقة على نشر قصة "الحذاء الأحمر" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Power was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Red Moccasins" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Power a great debt of gratitude for her kind permission.

"Red Moccasins" by Susan Power. Copyright © 1992 by Susan Power. Originally appeared in Story, Autumn 1992. Part of her novel The Grass Dancer. Copyright © 1994 by Susan Power. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

الحذاء الأحمر

سوزان باور

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يناير-2012

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت ابنة أختي، برناردين بلو كيتِل -- وأدعوها دينا -- في الثالثة عشرة، أَكبر من أن تَجلس على حِجري. ولكن ها هي، رِجلاها الطويلتان تتدليان فوق رِجليّ وقدماها تحكان الأرضية. تشابكت أصابعنا وطوَّقت أذرعنا خصرها النحيل الأشبه بالعمود. كان ابني تشاسك ذو الرابعة جالساً على الأرضية، يقرع وسادة وكأنها طبلة بملعقة طبخ خشبية طويلة. غطى أذنه بيده ولوى قسمات وجهه مقلداً مغنين من قبيلة سو كان يعشقهم، رجال في سن الشيخوخة يسفعون أحبالهم الصوتية عند أداء النغمات العالية. دق أغنيته على الوسادة دقاً ليجعل تهويدة سو تبدو للآذان في مثل حيوية أغنية هندية صاخبة.

قلت لدينا، "ارقصي من أجلي." أردتُها أن تجاري أنغام تشاسك. تركتْ دينا حِجْري ورقصتْ حول ابن عمها وكأنه طبال على أرض الاحتفال. اتسمت بالجدية، الوعي بوقفتها، الرشاقة على قدميها، تثني عند جنبيها مرفقين حادين. تفرجتْ ماكس -- بويمة يقتنيها ابني -- على دينا وهي تدور في الغرفة، ومن مجثمها فوق ساعة المدفأة تمايلت إلى الأمام مع الإيقاع الخافت. كان زوجي قد عثر عليها هائمة عبر بلدة تسكنها كلاب المروج.

خاطبتُ الطفلين، "انظرا إلى ماكس. لقد حمَلتماها هي الأخرى على الرقص." ولكن ما لبثتْ ماكس أن تولاها الملل من اللعبة واستخدمتْ ساقيها الطويلتين لتتحول عنا، وهكذا لم يسعنا إلا رؤية ظهرها المكسو بالريش وكتفيها الحدباوين.

صفَّقتُ وصفَّقتُ عند انتهاء الأغنية ثم تخلى تشاسك عن الملعقة كي أقلب عشاءه، كمية أخرى من حساء طماطم مذِق كنا نتناوله منذ أسابيع.

كانت سنة 1935، ومساحة كبيرة من ولاية نورث داكوتا نزَل بها الجفاف وذرَّتها الرياح. هطلتْ الرمال أمطاراً على طعامنا وغطَّت أسناننا وملأتْ مياهنا بالغرين. تناهى إلينا أن تربة السهول العظمى تناثرت فوق مدن نائية كشيكاغو ونيويورك. حسِبتُه مناسباً بطريقة ما. انثال على مخيلتي أسلاف ملؤهم الغضب ينال منهم الضجر من ترحيل الهنود، يقْبضون على حفنات من تربة جافة جفافاً ليرموها نحو واشنطون ويخنقوا رئيس البلاد بالغبار والرماد. صلينا من أجل المطر، ولمَّا لم يهطل، لمَّا خنَقنا داء السُل، جاهر العديد من الناس بأن نهاية العالَم حلَّت على محمية ستاندينج روك سو. لم أكن أؤمن بيوم الحساب. لن أدع العالَم يضع أوزاره وعمرٌ طويل لا يزال أمام ابني تشاسك.

"أراهن أنك لن تستطيع تخمين عشاء اليوم،" غِظْتُ تشاسك الجاثم على كتفيّ دينا.

"حساء طماطم!" زعق بنبرة مبتهجة، فقد أصبح فجأة أطول مني. أدارت دينا حدقتيّ عينيها إلا أنها لم تنطق بكلمة. هزَّت تشاسك صعوداً وهبوطاً ثم حنَت كتفيها وارتفعتْ على أصابع قدميها شأنها شأن حصان يشب على رجليه الخلفيتين.

لاحا للأعين نقيضين. اثنان بدماء تجري من نهرين منفصلين. كان تشاسك -- واسمه عند المعمودية إيميري باور الصغير على اسم أبيه الألماني -- قوي البنية طويل القامة بالنسبة إلى سنه، تنتأ عضلات ربلة ساقه تحت جلده كتفاح بري صغير. تلون شعره بلون أصفر ضارب إلى القشدة، لون شمع العسل. مالت عيناه الرماديتان إلى الفضي، فاتحتان للغاية حتى إنهما تراءتا شِبه بيضاوين.

لم يمْكنني تتبع دماء تشاسك المنتمية إلى قبيلة سو أو إيجاد دليل على أبيه في ملامحه وألوانه وكأنما أتى من مكانه الخاص متجنباً كل مسار عائلي ترامى في طريقه. تراءت دينا على الجانب الآخر نسخة طبق الأصل من نساء عائلتنا، رِجلان طويلتان، جسد رشيق، ضفائر سميكة تمس وركيها الضيقين مساً رفيقاً. اتخذ وجهها شكل قلب صغير وتلون بلون بني غامق، لون النَسَب الخالص، وبدت عيناها في سواد زِرْين من العقيق اليماني. كانت دينا بصحبتي عند ولادة تشاسك، أمسكتْ بيدي والعجائز يساعدنني. دينا هي التي وضعته بين ذراعيّ. أتذكر أن دار في بالي أنه يبدو وهي تَحمله كحزمة من عباد الشمس، أصفر في مقابل جلدها الداكن. احتفظتُ بالطفلين معاً في ذهني، ولم أقو على تخيل أحدهما دون الآخر.

غسَلتْ دينا الأطباق بعد العشاء. كانت مهمة غاية في السهولة لدرجة أنها وجدتها لعبة. ففي بيتي الحديث المعَد لامرأة بيضاء بإمكانها ضخ المياه إلى حوض مطبخي مباشرة ثم مشاهدتها تنصرف. لم تضطر إلى الخروج وسحب الدلاء. أخرجتُ سلة الخياطة وتركتُ تشاسك يلعب ببرطمان ملئ بالأزرار.

صاحت دينا من فوق كتفها، "هل فرَغتِ من ثوبي؟"

أجبتها، "ستكونين أول من يَعلم." أرسلتُ ضحكة، كانت نافدة الصبر للغاية، ونفاد صبرها يتفاقم يوماً بعد يوم. كنت أخيط لدينا أول ثوب كامل من أثواب قبيلة سو. جرَت العادة أن تَقوم الأم بهذه المهمة، ولكن لا فائدة تُرجى من أم دينا. ما اقتربتْ چويس بلو كيتِل قط بما يكفي من إبرة لتَخِز نفسها فضلاً عن خياطة زي. كانت في طفولتها مجنونة بالصبيان، لا تهدأ، وعليه لم تتعلم أبداً دبغ الجلود أو شغل الخرز. ولو وبختْها أمها قائلة، "انظري إلى ابنة عمك الصغيرة. انظري إلى تطريزها الجميل،" تنتأ شفة چويس السفلية وتنعصر عيناها لتُسقطا دموعاً مستديرة على وجنتيها المسطحتين، وترُد، "تَعلمين أن نظري ضعيف،" مشيرة إلى عينها اليسرى، عين حولاء تتسلط دوماً على أنفها. لا شك في أنها أبصرت جيداً بما يكفي لتجميل وجهها وقراءة مجلات عن السينما سرقتْها من متجر لوجرز. كانت چويس ابنة عمي مما جعلنا على اختلافاتنا بمثابة أختين في القبيلة.

حين انتهت دينا من تكديس الأطباق النظيفة، ناديت عليها لتجيء إلى غرفة الجلوس. أنهيت إليها، "إنني على وشك الاستعداد للبدء في حذائك." رسمتُ حدود قدميها على قطعة من الورق المقوى ليلاءم النعلان قدميها الضيقتين الجميلتين دون زيادة ولا نقصان.

سألتني دينا، "هل من الممكن أن تصنعي لي أربطة شعر من جِلد حية ذات أجراس؟" أسقطتُ سكين تقشير كنت أستعمله لقص النموذج المقوى.

"وأين رأيتِ أربطة شعر مثل تلك الأربطة؟" توخيت الحرص أن أترك النصل في حِجْري لأن يديّ كانتا ترتعدان.

همستْ، "حلَمتُ بامرأة الفستان الأحمر. كانت تربط شعرها بجلاجل الحيات. هزتها أمامي. قالت لي إن بمقدوري ربط شعري هكذا."

"لا." علِمتُ أن صوتي خرَج غاضباً أكثر مما ينبغي. "عندما تطاردك، يجب أن تشيحي بوجهك عنها."

"هل رأيتِها؟ سألتني دينا وهي تتفرس في وجهي.

"أجل. ولكني أثنيتها عن المجيء." لم أصارح ابنة أختي بأني حلَمت في سنها بكوويجناكا سا، الفستان الأحمر، جدتي الميتة. كنتُ قد سمِعت صوتها اللحوح يرتعش بالحيوية، يهمس بالوعد بقوة مميتة تنتقل مع خط الدماء من امرأة إلى التالية. رأيتها جاثية بجوار نار، تطعمها أشياء مسروقة من ضحاياها: أزراراً، خطابات، خصل شعر. غنَّت تعاويذها وهي تبدل كلمات أغنية عتيقة غرضها التكريم بكلمات من اختيارها. نضَحتْ ألسنة اللهب بالماء.

سألتْ دينا، "هل يمْكنها بالفعل السيطرة على الناس؟"

"هو ما يقولونه. ولكن السيطرة لم تنفعها في شيء. فقد سحَرتْ شخصاً مرات عديدة حتى إنه قتلها."

أمسكتْ ابنة أختي زيها غير المكتمل بين يديها. مررتْ يداً رفيقة على قماش أزرق من الصوف وقرَصتْ أصدافاً صفراء تنتثر على الفستان والبنطال. كنت قد أخفيت حزاماً طرزتُه بالخرز وعباءة من كيس دقيق مكسوة بخرز زجاجي طوله بوصة لأفاجئها بهما فيما بعد.

دقٌ على باب المطبخ. دس أبو دينا، كليفورد بلو كيتِل، رأسه في المطبخ ولوَّح إليّ بيده.

دعوته، "تفضل." هز رأسه ولوى قبضة الباب كمن يحاول خلعها. حجَبتْ قُصَّة شعره السوداء عينيه.

"دينا هنا؟" سألني بنبرة هامسة همساً حتى إنه اضطر إلى أن يتنحنح ويسأل مجدداً. خطَت دينا إلى الممر الواقع بين غرفة الجلوس والمطبخ. نقَل إليها، "أمك تطلب منك العودة إلى البيت الآن."

"يستولي عليه خجل أي خجل في وجودك،" نبستْ دينا ضاحكة بصوت خافت.

لوَّحتُ بيديّ مستنكرة وكأني أختلف معها غير أنها كانت محقة؛ أكَن زوج ابنة عمي عاطفة لي. عندما كنا أطفالاً، كان يتبعني في كل مكان، يعاونني في أعمال المنزل ويجلب لي كنوزاً صغيرة من اكتشافه: صدف بحر، ذهباً زائفاً، كَرَزاً حمضياً ناضجاً. أحضر لي ذات مرة عيناً زجاجية مستديرة اقتلعها من محجِر دمية أخته. لم تحتمل چويس. اعترضتْ سبيل الهدية وخطَفتْها من راحتي وأنا أتأمل الحدقة الخضراء. استولت على كليفورد بنفس الطريقة، أمرته عشرات الأوامر، طالبتْ بالاستحواذ على انتباهه، ولأني لم أضمر حباً لكليفورد، تركتُها تناله. ما جال بخاطره أبداً على ما يبدو أن بوسعه الاعتراض. كان ودوداً بطئ الفهم يتوق إلى إرضاء الآخرين. بل إنه كان يُحْضر لي الآن هدايا صغيرة أو دمى أنيقة من أجل تشاسك، كشخشيخة ابني الأولى وهو رضيع. استطعت أن أتبين أنه يَحمل شيئاً من أجلي. إحدى يديه متوارية خلف ظهره.

سألتُه، "ماذا تَحمل؟" سِرْت إلى الباب وحاولتُ أن أسترق النظر فوق كتفه، ارتسمتْ على شفتيه ابتسامة واسعة.

"حصلتُ عليه مجاناً. أَعلم أن چويس لن تستفيد منه." ناولني برطماناً زجاجياً يعج بخرز أحمر في مثل صغر بذور الخشخاش. سكَبتُ بعضاً منه في يدي وسددتُ إلى لونه الصارخ نظرة إعجاب، قرمزي كجُرح انشق لتوه في راحتي. سكبتُه مرة ثانية في البرطمان.

"شكراً. سأستفيد منه خير استفادة."

استرخى كليفورد بعد أن أعطاني الهدية. ركل السلالم الخلفية بأصابع جزمته منادياً ابنته، "هيا بنا."

طبَعتْ دينا قُبلة على خد تشاسك الريان قبل أن تنصرف. ابتسم إليها بدوره ثم قبَّل قبضته وضرَب ذراعها بها.

نويت أن أسهر لأتم خياطة بنطال دينا إلا أن تشاسك راح يسعل. أطبق يديه على صدره كمن أسر شيئاً بينهما، صرصاراً نشَّاراً أو فراشة ترفرف. كنتُ أَعلم أن هذه الإيماءة الغريبة هي طريقته في التعامل مع الألم، يحاول كبحه بالطَرق. حمَلتُ تشاسك إلى سريري -- سرير من النحاس الأصفر حشيته مليئة بالكتل -- وتقوستُ إلى جانبه. أخيراً قل سعاله تدريجياً، وغمغم، "ماكس."

قلت، "ماكس بخير. نَمْ." دلَّكتُ ظهر تشاسك محركة يديّ في دوائر، عاجزة عن الاسترخاء وأنا أسمع أنفاسه. فاحت من شعره رائحة العشب الحلو، وجسمه الصغير المتغير بسرعة متناهية من ريان إلى نحيل قوي يدفئ الفراش. حرستُ نومه مرغِمة أنفاسه على التزام إيقاع مثالي وكأن بمقدوري التنفس بدلاً منه. وفي الصباح كنتُ منهَكة وإنما منتصرة بعد أن حافظتُ على مسار العالَم في فلكه.

 

ترملتُ منذ شهرين، منذ نهاية نوفمبر. كان الطبيب كيسلِر -- سيء السمعة لسُكْره، ولكن الطبيب الوحيد في المحمية -- قد شخَّص حالة إيميري، سُل. أمره بالذهاب إلى مصحة البيض في رابِد سيتي جنوب ولاية داكوتا.

"الأفضل ألا أذهب،" رد زوجي بنبرة مقتضبة كعادته. ولكني قدِرت بعد سبع سنوات من الزواج أن أقرأ فعلياً أفكار إيميري. لم يرغب في تفريق أسرتنا. لو حاق بي المرض، لن يسمحوا لي قط بدخول المستشفى التي اقترحها الطبيب كيسلِر؛ سوف يرسلونني إلى مصحة قبيلة سو الأقل شأناً حيث يتعافى قليلون. ولم يكن ابننا تشاسك مرشحاً مناسباً تماماً لأي من المكانين. مَن العالِم أين سينتهي به المقام؟

رد إيميري، "مخاطرة وسنَقبلها." وهو ما كان. مكَث إيميري في البيت، وهناك كان عليّ إطعامه جيداً والعمل على راحته. تفشى السل في تلك الفترة ليصيب كل أسرة تقريباً في محميتنا، ولم تبدر أية محاولات لعزل المرضى عن الأصحاء. كان زوجي مربي ماشية ناجحاً، شريكاً لأخويه الاثنين، ولم أستطع أن أحول بينه وبين العمل طويلاً. وفي النهاية لم يكن السل ما أودى به، بل حصان جامح كان قد أسماه لوثيرِن. أَحضر أخوا إيميري جسد زوجي إليّ، تقدما بخطى اضطربت أسفل وزنه الثقيل ثقلاً. كانا يبكيان، وعداني بإطلاق الرصاص على الحصان الشيطان الذي ألقى إيميري وكسَر رقبته.

صرختُ، "لا!" فلاحت عليهما بغتة أمارات الاحتراس. أمسكا بذراعيّ وكأنما توقعا أن أرتمي عليه. "لقد أسدى ذلك الحصان إليه معروفاً." أردتُ أن ينصرفا لأتمكن من تصفيف شعر إيميري وغسل وجهه. "لم يهزله السل ويضعفه. لقد رحَل سريعاً."

جلستُ في وقت لاحق من تلك الليلة على حرف سرير تشاسك. أفضيت إليه بأن أباه النائم الراقد في الغرفة المجاورة على سريرنا النحاسي يحلم أحلاماً هانئة جداً لدرجة أنه لا يود الاستيقاظ.

سألني تشاسك، "هل يحلم بماكس؟"

"أجل. إنه يحلم بنا جميعاً."

اعتراني ليلتها الذعر حين اكتشفتُ أني لا أمتلك صورة واحدة لزوجي. ما تولاني القلق على ذاكرتي، بل ذاكرة تشاسك. كان صغير صغراً لم أثق أنه سيتذكر إيميري، شكْل لحيته السوداء، ذراعيه الطويلتين، ضحكته الصامتة. وبينما كان تشاسك ينام، حكيت له عن أبيه، شدوت بتاريخنا حتى بات حكاية مغناة تمنيت لو ينصت إليها في أحلامه.

حكيت له عن يوم قابلتُ إيميري باور. كان شتاء عام 1928، وكنتُ في الثامنة عشرة. حبَسني الثلج عدة أيام في كبينة أسرتي، وكنتُ تواقة كل التوق إلى الخروج لأُخلص رجليّ من التشنجات وأملأ رئتيّ بالهواء الطلق. تمشيت طويلاً، أكافح بين أكوام الثلج العالية دون توقف إلا للبحث عن علامات الطريق.

هامت قدماي في الأرض المؤجَّرة بمزرعة باور وفي ظني أني متجهة إلى البلدة. بلَغتُ بركة ضحلة متجمدة. لم يكن الجليد مستوياً، شوهته كتل متشابكة من الأعشاب الضارة، ولكن استرعى انتباهي رجل يتزحلق عليه خفيفاً سريعاً كالمتزحلق على لوح زجاجي ناعم الملمس. توازن على نصلين فضيين في مثل نحافة سكاكين القشدة، يدفع جسمه الأشبه بالبرميل قُدُماً ثم يرتد ارتداداً كالسحر، يلتف حول الأعشاب وينحت الجليد بمزلجه. كنتُ قد سمِعت عن التزحلق على الجليد بيد أني لم أر مطلقاً شخصاً يتزحلق عليه. لم أر مطلقاً رجلاً يدور بسرعة الطبق الطائر. انحنيت بجانب شجيرة يغشاها الثلج آملة ألا يلاحظني. ولكني كنت محاطة باللون الأبيض، ومن العسير أن يخطئني. لم أدرِ إلا والرجل الرشيق يتزلج نحوي ويتوقف بسرعة متناهية حتى إن نصليه لفَظا رذاذاً من الثلج. حلَّق فوقي مبتسماً، يمس لحيته السوداء تارة ثم ينقر جزمة ثقيلة تتعلق حول رقبته تارة أخرى.

بادرني بالسؤال، "هل تحبين أن ترقصي على المياه؟" هززت رأسي. لم أدرِ ماذا أفعل غير هزة رأس. قدَّم نفسه، "اسمي إيميري." انتظر محملقاً إلى عينيّ مباشرة، حملقة أوقعتْ في نفسي قدراً من عدم الراحة.

أجبته أخيراً، "اسمي آنا رَعْد."

"ها هي الأسماء وإلا فلا،" قال مصفقاً بيدين ضخمتين. "تعالي، سوف تنبسطين." خَلع إيميري مزلجه فتبين لي أنه نصلان معدنيان يتثبتان في جزمة. ارتدى الحذاء الذي كان يَحمله ثم جثم على الجليد. حتى وهو على ركبة واحدة كان طويلاً.

قال، "أعطني قدمك." كان الرجل الأبيض الوحيد -- عدا الطبيب وقسيس المحمية -- الذي خاطبتُه في حياتي، ومع ذلك وضعتُ فيه كل ثقتي. الغرابة هي أن حجمه فيما أظن هو ما بث في قلبي الهدوء. اتصف بضخامة بالغة حتى إنه تراءى غير مستريح لجسمه؛ وقْفته انحناءة تشي بالمجاملة، وإيماءاته تنم عن اعتذار. كان يسير خارج الجليد بقدمين خرقاوين لا تَسلمان من تثاقل. وهكذا استجبت لطلبه. شاهدتُه يدس أحد قفازيه في مقدمة كل جزمة ليضبط المزلج على قدميّ. أمسك يديّ وجذبني عبر الجليد. تيبس جسدي في البداية وترنح فوق السطح الزلِق، ولكني استرخيت في آخر الأمر دافعة النصلين لأشق الجليد بضربات واثقة.

همس إيميري في أذني، "لقد خلقكِ الله لتتزحلقي."

كان غزَلنا رقصة على الجليد، وكانت هدية إيميري لي بمناسبة الزفاف زوجين من النصال الفضية طلبهما من كتالوج سيرز. ضم إليهما جزمة جديدة بأربطة ترتفع حتى الكاحل قصَّها من جلد رفيع فاخر.

تزوجتُ بإيميري رغم رفض كلا الجانبين. أبدت چويس بلو كيتِل أعلى اعتراض، خفَق لسانها خفقاً حتى إني حسِبتها قد تبليه فينقلب شريطاً حول شعرها. كانت چويس متزوجة وقتذاك منذ عدة سنوات، وكانت أماً بالفعل، ولكن نيران الغيرة التهبتْ في نفْسها.

قالت لي چويس في الليلة السابقة على زفافي، "سوف يقول عنك الناس إنك جشعة."

"ماذا تعنين؟" ما أعرتها إلا أذناً واحدة، فقد ألهتني تفاصيل آخر دقيقة: تلميع الحذاء وتصفيف شعري الرطب بسيقان المريمية لتعطيره.

"يقولون إنك سوف تتزوجين به لتنالي أغراضاً. ماذا عن الفساتين السبعة الجديدة -- واحد لكل يوم من أيام الأسبوع -- التي اشتراها لك؟ ماذا عن الأريكة المحشوة بشعر الحصان والسرير النحاسي؟ بل إنه بنى لك بيتاً، أليس كذلك؟"

كنتُ قد اصطحبت چويس في ساعة مبكرة من ذلك اليوم في جولة بالمنزل الجديد، مبنى أنيق مغطى بألواح خشبية طويلة ومشيَّد من خشب مستو أملس. خالجني شعور بالذنب ونحن ننتقل من غرفة إلى أخرى، إذ غمَرني فجأة عدد ما أمتلكه من أشياء. تعلمتُ طيلة حياتي أن بمقدور المرء الاستغناء عن السلع المادية، هي أشياء ينبغي مشاركة الأصدقاء والعائلة فيها. لم يكن من المفروض أن نحوز أكثر من حاجتنا، وعليه كانت هناك سلاسل لا نهائية من الأشياء المجانية في حفلاتنا الراقصة، وبها تخفف الناس من عبء أشيائهم المتراكمة. ولكن إيميري لم يكن من قبيلة سو، وقد أفضى ما يضمره لي من عاطفة إلى هدايا باهظة مبهرة.

حسَمتُ موقفي، فليقولوا ما يقولونه. كررتُ الجملة عالياً مخاطبة ابنة عمي چويس وهي تقرص قطيفة عباءة الزفاف الملوَّنة بلون العاج.

أضفت، "يَعلمون أن إيميري لديه عادات مختلفة."

هزت چويس كتفيها قائلة، "فليكن." وفي اليوم التالي عندما دبَّستُ العباءة الأنيقة في شعري الأسود المقصوص لتوه قصيراً، انتبهتُ لغضون حادة في وبر القطيفة لا يمْكن لأي قدر من الفرد إصلاحها.

أقمت أنا وإيميري في عيد زواجنا الأول مأدبة لأقاربي من قبيلة سو. تصورتُ أن الوقت سيَعدل الحال غير أن المرارة لم تفارق چويس بسبب زواجي. لاحقتني في المأدبة متظاهرة بمساعدتي في المطبخ، وهناك جلَستْ في كسل تاركة فمها يَقوم بالعمل كله.

"لقد اعتنت كوويجناكا سا بك حقاً،" قالت مقاوِمة ابتسامة لا تبرأ من المكر. كانت تشير إلى جدتنا، الفستان الأحمر. راق چويس أن تقول للناس إن إيميري لم ينجذب إليّ، وإنما إلى سحر عتيق استخدمتُه لسحره. تجاهلتُها مدركة أني لم أجرب البتة هذه القوى. لو كانت موجودة بالفعل، تصورتُ أنها لا بد ضمُرتْ شأن عضلة لم أستخدمها أبداً. إلى جانب أني سمِعت أناساً يقولون نفس الشيء عن چويس وانتزاعها لحب كليفورد. وجدتُ مشقة في إيجاد شيء لطيف لأقوله.

"برناردين تتوقد ذكاء يوماً بعد يوم، وكليفورد يبدو ناجحاً كل النجاح."

"لأني أسعده." ملَّستْ يد چويس الضيقة شعرها الشبيه بالأسلاك.

"عارفة؟ الوضع في منزلي مختلف. إيميري يجد طرقاً لا عد لها لإسعادي." أجريت يدي الضيقة من خصري إلى الطرف المستدير لوركي.

صفَحتُ بعد ذاك عن چويس حين نمى إليها خبر وفاة إيميري المفاجئة وأرسلتْ برناردين إلى المنزل لتعتني بتشاسك. رافق كليفورد ابنته عارضاً أن يأخذ ماشية إيميري الخاصة -- حصانين وبقرة واحدة -- إلى منزله ليتمكن من رعايتها. خامرني الامتنان لابنة عمي لأنها سمَحت لأسرتها بمد يد العون إليّ.

غسَلتُ وجه إيميري وشذَّبتُ لحيته قبل أن يدفنه أخواه. ملأتُ جيوبه بحلوى مدورة بطعم الليمون كان يفضلها وورق كوتشينة كنا نلعب به لعبة الرومي. عبَّأتُ بعدها مزلجيّ الثلج في التابوت حتى ينتظرني بجوار بركة متجمدة ضحلة على استعداد لشد أربطة المزلج على قدميّ وأخذي للرقص على الجليد.

 

كان أول يوم من شهر فبراير معتدل البرودة، لذا فتحتُ النوافذ لتهوية المنزل. كنتُ قد قايضت اثنين من فساتيني مقابل دجاجة عجفاء، وقد ساورني الارتياح لأني أطهو طعاماً غير حساء الطماطم. كانت ماكس تنقر كبد الدجاجة فيما تغمزني بعينها من مجثمها بجانب الموقد.

اتفق أن سمِعتُ تشاسك يتحدث إلى ماكس. "أتيوايا،" دعا البومة الصغيرة بـ أبي. وعيت وقتذاك أنها طريقة تشاسك في الحفاظ على أبيه حياً. "أتيوايا، انظر إلى هذا،" قال رافعاً بِلية تتلون بدوامات زرقاء وبيضاء. ثرثر طويلاً في الكلام مقلقاً نوم ماكس إلى أن طفق يسعل. تقدمتُ لأَحمله مغمغمة، "لستَ مريضاً،" فقد خيم على عينيه الخوف، وتراءتا مستديرتين كعينيّ البويمة.

عذَّبتْه نوبات السعال أغلب اليوم، تخضبتْ وجنتاه بالحمرة. وعندما فرَغنا من العشاء، فكرتُ في أن أدثره بملابس دافئة وأحاول المضي به إلى منزل الطبيب كيسلِر على بعد ثلاثة أميال. ولكن الرياح غيرتْ اتجاهها. انقلبتْ السماء فجأة رمادية غائمة، وبدت وكأنها تخفض نفسها استعداداً لتسوية المحمية بالأرض. وبدون الحصانين ركِبني الفزع من الذهاب سيراً.

"أغلِق النوافذ!" صرختُ فطغى عليّ شعور بالحماقة. كنتُ الوحيدة القادرة على الالتفات إلى الأمر. وهكذا أحكمتُ إغلاق منزلي في مواجهة ريح هائجة وغطاء ساحق من الثلج. خلَدتُ أنا وتشاسك إلى النوم مبكراً. نِمت طيلة الليل لأول مرة منذ عدة أسابيع.

ساءت حالة تشاسك في اليوم التالي. دفَعه ألم صدره إلى البكاء. أعطيته زيت خروع نصيحة الطبيب كيسلِر لزوجي إلا أنه لم يفده كثيراً. لم يمتلك أحد من معارفي هاتفاً، لذا ارتديت عدة طبقات من الملابس وأخذتُ أسير نصف ميل متجهة إلى منزل دينا، وفي بالي أن أحداً هناك يمْكنه الاتصال بالطبيب. ولكني اكتشفت أن عبور مثل ذلك الثلج العميق سوف يستغرق وقتاً طويلاً. لم أستطع أن أترك تشاسك بمفرده طويلاً.

سردتُ له قصصاً لألهي ذهنه عن الألم. بل إني أخرجت شخشيخة تركها منذ سنوات، شخشيخة من جلاجل الحيات كان كليفورد قد صنعها له. هززتها بجانب أذنه فقاطعتْ غنائي بصوتها الخشن المنزلِق. غنيت له أغاني مضحكة، بل وأغاني خليعة. وعندما ألحق به الألم الإعياء، غنيت تهويدة قبيلة سو التي أداها منذ أيام. بلَغ به الضعف مبلغاً حال دون أن يَرفع صوته، ولكنه أمسك ملعقة الطبخ الخشبية وخبَط بها الحائط خبطاً. ارتج السرير النحاسي بإيقاعنا المترع باليأس، أهاجت ضجتنا الهواء بعنف. تساءلتُ لحظةً إن كان باستطاعتي إنقاذ تشاسك بنفسي من خلال استدعاء سحر الشفاء. ولكني تذكرت محاولات لا طائل تحتها بذلتْها چويس لعلاج عينها الحولاء، ساعات أنفقتْها في الصغر وهي تصوب إصبعها إلى العضو الآثم على حين تحَدق إلى انعكاسها على مرآة مشقوقة. كنتُ أَعلم أننا نفتقر إلى لمسة الشفاء.

كانت الظلمة تعم المنزل وصوتي يَخرج بالكاد حين سمِعتُ دقة على الباب الأمامي.

"آتية!" رددت بصوت خفيض أجش.

كانت ابنة عمي چويس، واقفة في الشرفة. وسعني أن أمد الطرف إلى فرس إيميري البنية الضاربة إلى الحمرة عند البوابة، ودينا جالسة على فرسي النحيل، فرس ذهبي الجسم أبيض الذيل والعُرف. لوَّحتُ لها بيدي.

فاتحتني چويس، "جئتُ لأخذ الزي." لم أع حديثها في البداية. أردفتْ، "الاحتفال الليلة في القاعة. كانت دينا تأمل أن يكون زيها جاهزاً لترتديه."

"تشاسك مريض جداً، وفي حاجة إلى طبيب. هل من الممكن أن تتوقفي عند منزل كيسلِر وتخبريه أن يأتي؟"

وعدَتْ چويس بإحضاره. ربتت ذراعي.

رجَعتُ إلى تشاسك وقلبي دافئ بالثقة. دندنتُ بصوت عاد قوياً واضحاً، "كل شيء سيصبح على ما يرام." هزهزتُ تشاسك في السرير النحاسي حاملة جسمه لِصْق جسمي وكأن بمقدوري امتصاص سعال يمزقه. ما لا يقل عن ساعة مرت. غُصت في الظلام وشعرتُ بالأمل يتلاشى. استطعت في الحقيقة أن أشعر به، سائل هزيل من الحرارة على يديّ.

كنت قد تخيلتُ چويس تقود الفرس كل هذا الوقت عبر ثلج مبتل علا ليصل إلى صدر الفرس. استطعت أن أبصر الفرس يعوم عبر حقول الثلج كي يَبلغ الطبيب كيسلِر. ولكن الصورة تبدلتْ. رأيت ابنة عمي وابنتها تشقان طريقهما عبر جدران الثلج، تسحقان رقائق الثلج لتستحيل نصف ذائبة أسفل حوافر الفرسين، ولكن وصولاً إلى قاعة الاحتفالات ليس إلا. كانتا داخل المبنى المسطح بوجنات وردية وأصابع دافئة في جيوب السترتين. رقَصتا معاً حول الطبلة وأقدامهما تتحرك بتناسق مثالي خليق بأم وابنتها. وها هي دينا، ترقص بمفردها وأمها تتفرج عليها من الخطوط الجانبية، تتتبع الفتاة بالعين التي تستطيع التحكم فيها. زمَّت شفتيها بما يشي بالرضا، تيبس جسمها واستقام ظهرها على كرسي خشبي قابل للطي، وكلها فخر. بهَرتْ الصورة عينيّ في مجلسي داخل الغرفة المعتمة، أحرقتْ نفْسها خلف جفنيّ. بل إني تخيلت أن بمقدوري سماع أغنية حرَّكتْ قدميّ برناردين. انجرفتْ عبر الثلج وأراقت نغماتها على نافذة غرفة النوم. علَت صرخة الزجاج.

أضأت في النهاية المصباح. ارتطم طرفاي بانعكاس صورتي على لوح النافذة الزجاجي، لاحظتُ تجاعيد جديدة محفورة على وجهي، مرسومة من الأنف إلى الذقن. رفَعتُ المصباح عالياً حتى أرمق بقية الغرفة ببصري. كاد يَسقط مني. تنقَّط الجدار القائم خلف سريري واللُحُف الحائلة برقع حمراء زاهية. تغطت يدي نفسها بالدماء من رئتيّ تشاسك. لاحت عيناه الآن شديدة البياض وكأن روحه -- ليس إلا -- هو ما أسبغ عليهما اللون. أدركتُ أني خسِرته. ولكن قبل أن أتحرك لأغسل جسمه أقحمتُ إصبعي في ثغره، عميقاً في بِركة من الدماء السوداء. ابتلعتُ السائل، رغِبتُ في اللحاق به من كثب، أياً كانت وجهته.

 

حمَلوا تابوت ابني إلى البلدة ثم حفَظوه في مبنى لخزن الثلج. كانت الأرض متجمدة، لذا لم نستطع دفنه بعد. قدِمتْ چويس بلو كيتِل إلى بابي بأسطال صغيرة من الطعام وعينين دامعتين. أنهت إليّ بأن دينا في منتهى الضيق لدرجة أنها عاجزة عن مغادرة الفراش. لم أسمح لها بدخول المنزل.

"ابتعدي." رفضتُ فتح الباب مسافة أوسع من بوصة.

"إني مشمئزة مما جرى. لم أدرِ مدى سوء حالته."

"كنتِ ترقصين، أليس كذلك؟ كنتِ ترقصين."

أرسلتْ عيناها شرراً والتمعتا مثلهما مثل نيران خاطفة. "مَن تحسبين نفسك؟ لو أن دينا مريضة، تَعرفين أن الطبيب لن يَرفع إصبعاً للمجيء إلى هنا. كان ليأمرني بإحضارها إليه. لِم تظنين أنه سيأتي من أجل ابنك؟ هل ابنك أحسن من ابنتي؟"

تركتُ الباب موارباً وذهبتُ إلى غرفتي. انتزعتُ كل الفساتين من الدولاب، بل إني خلَعت فستاناً أزرق من القطن المطبوع كنت أرتديه. هَرعتُ نازلة السلالم في لباسي القطني.

"إليكِ!" رميت الفساتين في وجه ابنة عمي المنتظِرة والفضول يلم بها في شرفتي الأمامية. "لقد أردتِها دائماً. خذيها! خذيها!"

تقهقرتْ چويس هابطة السلالم وحثت الخطى مبتعدة. كادت تتعثر بحاشية أحد الفساتين، فستان زفافي. رصدتُها وهي تركض في الفناء المتجمد بينما تقْبض على فساتيني الخمسة الباقية لِصْق صدرها.

كنت في مثل تجمد الأرض، صقيع على شفتي العلوية، لساني قطعة سميكة من الثلج. طال الخَدَر عقلي بيد أن أصابعي لم تزل تتحرك. أخرجتُ الخرز الأحمر هدية كليفورد لي. كنت قد نويت في البداية العثور أيضاً على خرز أزرق غامق واعتزمت تزيين حذاء دينا باللونين المتضاربين. ولكني لم أرغب الآن إلا في الانتهاء من الحذاء.

استغرقتْ توشية الحذاء بالخرز ثلاثة أيام كاملة. خرَّزتُ النصف العلوي والجانبين واللسان الجلدي، بل والنعلين، مستخدمة كل الخرز عدا حفنة منه. نصَع الحذاء باللون الأحمر. لم أتناول في تلك الأيام الثلاثة لقمة طعام واحدة. ملأتُ معدتي بالماء. كانت المضخة قد تجمدت، وعليه اضطررت إلى احتساء ثلج ذائب يختلط به الرمل. تركتُ ماكس تقضم وجبات طبخها من أجلي أفراد القبيلة.

أتذكر ليلة أكملتُ فيها تزيين حذاء دينا بالخرز مثلما أتذكر قصصاً قرأتُها في الكتب -- من بعيد، من وراء حاجز، عله لوح من الثلج. طويت زي دينا ووضعتُ فوقه الحذاء ثم لففت كيس مخدة على الصرة. ارتديت ملابسي لأَخرج وفي قدميّ جزمة إيميري. ثبَّت شخشيخة تشاسك في ضفيرتي بسير من الجلد. ألقيت الضفيرة على كتفي فأتاني صوتها الخشن المحذِّر. تجاوزتْ الساعة منتصف الليل إلا أني لم آخذ مصباحاً؛ كان القمر ونَّاسة تبعث على القشعريرة. تناولتُ الرزمة وهممت بالرحيل عندما أوقفني شيء، وخزة حارة مباغتة في أعماق جسمي. جذب الثلج عينيّ الشاخصتين أثناء وقوفي في الممر. بدا نظيفاً وكأن بمقدوره إخماد الشرر. لذا غطيت به رأسي وذراعيّ، صنعتُ منه قوالب على فخذيّ. ما أحسست بالبرودة ولا الرطوبة. سِرت كملكة من ملكات الثلج.

لا يزال بإمكاني سماع خطواتي تطقطق عبر أكداس الثلج. أحجمتْ قدماي عن الحركة على بعد عدة أقدام من منزل بلو كيتِل.

توسلتُ، "ساعديني الآن يا كوويجناكا سا." انحنيت على الثلج.

 

برناردين، ناديت في عقلي. برناردين. لم أرفع صوتي إلا أن رأسي طن باسمها وغص حلْقي بمقاطعه. طقطقتْ أسناني باسمها، برناردين.

ظهَرتْ حافية القدمين في منامة من القطن الخفيف أهديتها إليها في عيد الميلاد المجيد. أقبلتْ إليّ مباشرة. لا بد أن نكسوك، قلت ولم أزل صامتة. أطاعتني. كانت عيناها منتفختين من فرط البكاء، لا تنمان عن انفعال. رفَعتْ ذراعيها لأتمكن من خلع المنامة. ذبَل جلدها في البرد غير أنها لم ترتجف. عندئذ ألبستُها الفستان الصوفي والبنطال. ربطتُ الحزام حول خصرها ثم وضعتُ العباءة على رأسها. ملَّستُ ضفائرها السميكة. وفي النهاية جثوت أمامها لأضبط الحذاء الموشى بالخرز على قدميها. عقَدتُ الأربطة.

قلت همساً، "ارقصي." كانت الكلمات دخاناً أبيض في الهواء.

 

 لن يدري أحد أبداً كم ساعة قضتها برناردين راقصة على الثلج. فقد انتقلتْ إلى عالَم آخر بالرقص. عثر عليها كليفورد في اليوم التالي على بعد نحو ميل من منزلهم، عند طرف مجاز دائري أبْلَته بين أكوام عالية من الثلج. قال الناس إنها كانت متجمدة لِصْق شجرة مَيْس صغيرة، تحتضنها وكأنما فقدتْ إيمانها بخطوات رقصتها الهندية وجعلتْ ترقص الڤالس.

بلَغني أن چويس أرادت أن تزيل إحداهن قطع الجلد والخرز، كل ما تبقى من حذاء دينا الأحمر. ولكن القطع التحمت بجلد ابنتها. أخذتْ عجوز تَفصلها وهي تُشرح اللحم، لحظتها اضطربتْ چويس فاقدة عقلها. وهكذا تركوها في قدميّ دينا.

رقدتْ هي وابني جنباً إلى جنب شهرين في مبنى الثلج. تحاشاني -- أنا وابنة عمي -- الناس بعد جولة أولية من الزيارات، ولكن حضَر الجميع الدفن المشترك.

وقَفتُ مع چويس وكليفورد بالقرب من القبرين المفتوحين. لاحظتُ انسحاب الجميع. لا أتذكر كلمة واحدة مما لفظ به القسيس الكاثوليكي. بل إني لا أتذكر سيري إلى المقبرة الصغيرة الواقعة خلف الكنيسة. ولكني استطعت أن أَسمع صوت ضحكة چويس. تعالت قهقهتها في منديل أبيض والدموع تتدحرج على وجنتيها المسطحتين. بدا شعرها القصير مرقَّعاً شائطاً في عدة مواضع، أظن أن كليفورد حاول تسويته بمكواة شعر. لاحت أصغر من عمرها بسنوات، بوجه ناعم خالٍ، مختلف تمام الاختلاف عن وجهي، وجْه لم أعد أميزه إلا بالكاد. ساد بشرتي الجفاف الشديد والتجاعيد شأن قاع جدول يابس.

اكتشفتُ عقب دفن الطفلين في ذلك الربيع أن السحر الطليق يمْكنه اتخاذ حياة مستقلة. لقد بعَثتُ ابنة أختي على الرقص، ولم يكن هناك مَن يأمرها بالتوقف. لم تزل برناردين بلو كيتِل ترقص، هذه المرة حول منزلي الجميل المكسو بالألواح الخشبية. الحق أني لم أرها؛ فقد استحوذ عليّ خوف شديد من التطلع إليها، خوفٌ من رؤية تشاسك يَركب على كتفيها. ولكني سمِعت ضربات خطواتها المتثاقلة. ما زارتني في نفس الوقت مطلقاً، كانت تغيظني بتصرفات يتعذر التنبؤ بها، وقد خلا التراب من أي آثار أقدام. ولكن كلما كفت الضوضاء ووجدتُ الشجاعة للخروج إلى الشرفة، مددت ناظريّ إلى وميض الخرز الأحمر الساقط على الأرض. لم ألمسه. رفستُ التراب لأواري لمعانه.

لاحظتُ أن حتى طيور العقاعق -- الشرهة دائماً إلى الأشياء البراقة -- فتشت عن الطعام في فناء آخر. لم تشته الخرز الأحمر المتلألئ المنثور خارج منزلي.

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.