مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرمت ماري يوكاري وترز بالموافقة على نشر قصتيّ "حصص الطعام" و"وجه البيضة" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا تقديم كل آيات الشكر لها.

Ms. Waters was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Rationing" and "Egg-Face" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Ms. Waters a great debt of gratitude for her kind permission.

Copyright © Mary Yukari Waters. Reprinted by kind permission of Joy Harris Literary Agency, Inc. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Adam Reed from Joy Harris Literary Agency, Inc.

 

 

 

 

حصص الطعام

وجه البيضة

ماري يوكاري وترز

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

قوانين المساء

 

 

كان أبو سابيرو ينتمي إلى ذلك الجيل الذي نجا من الحرب، جيل أعاد بناء اليابان من الرماد، استخلص من الهزيمة والخسارة بؤرة لا تحيد عن هدفها تنهض بالمدن والصناعات وحيوات الناس. شب سابيرو عن الطوق وطاف بتأملاته فأحس بأن الحرب مسؤولة عن رواقية أبيه مسؤولية جزئية على الأقل. لا مراء أن ذلك كان تخميناً من جانبه. فعند استلام اليابان، لم يكن قد تخطى السادسة، أصغر من أن يتذكر حال أبيه في وقت السلم.

وعت ذاكرة سابيرو من بين ما وعته خاله كوتاي محمولاً إلى البيت قادماً من جزر مايكرونيزيا وهو يهذي من حمى التهاب الكبد. لم يعش بعدها سوى بضعة أسابيع قطعها طيلة الوقت لا يدري شيئاً مما حوله، يُمرضه والدا سابيرو ليلاً نهاراً. كان من بين عُواد بيتهم حبيبة الخال كوتاي، فتاة مليحة في التاسعة عشر ربيعاً أضمر لها سابيرو افتتاناً. كفكفت دموعها بمنديل تزينه زهرات الكرز وأعلنت بنبرات كسيرة أن حياتها قد انتهت. ألقت كلماتها في نفس سابيرو انبهاراً. "العمة تحب خالي حقاً، أليس كذلك؟" قال لوالديه في وقت لاحق من ذلك اليوم وهم جالسون إلى مائدة العشاء.

"لم ينل الحزن من شهيتها،" قالت أمه بنبرات جافة. كانت تشير إلى شاي الحصص الذي قدّمته بوجبة الغداء وفطيرة سمك ابتاعتها بعد أن انتظرت في الصف ساعتين كي تتناولها الأسرة على العشاء.

شرح أبو سابيرو بلهجة خلت من أي انفعال أن كمية الطاقة داخلك محدودة شأنها في ذلك شأن طعامك. وعندما تحب شخصاً داهمه المرض، عليك أن تختار بين إهدار تلك الطاقة في إسالة الدموع أو توفيرها لما هو بناء مثل تغيير مباوله وإطعامه بالملعقة وتحميمه بالإسفنجة. "ماذا سينفع خالك أكثر على المدى الطويل؟" سأله.

افترض سابيرو أن الأفعال البناءة ستعود عليه بنفع أكبر.

"ذلك صحيح،" أكد أبوه.

لم يشترك أبو سابيرو في الحرب. فقد حال مرضه بالمياه الزرقاء دون الخدمة العسكرية، مرض اكتشفه أول ما اكتشفه أثناء امتحان الالتحاق بالجيش. هكذا لزم بيته فيما حصدت الحرب أرواح صديقه الصدوق ثم ابن عمه وأخيراً أخي زوجته، كوتاي. خلال سنوات نضج سابيرو لم يكن يعلم عن المياه الزرقاء سوى أنها نوع من ضغط العين المرتفع. "لا بد أن يظل أبوك هادئاً" داومت أمه على تكرار تلك اللازمة. "إياك وإغضابه وإلا سيرتفع ضغط عينيه." تراءت هذه الحالة لسابيرو الصغير عاقبة من عواقب الحرب تختلس الأذى على عكس السموم المشعة التي تنبض داخل أجسام الناجين من هيروشيما.

اتفق أن سمع سابيرو بجنازة الخال كوتاي سيدة تقول، "على الأقل لم يكابد لحظة إحباط خلال حياته القصيرة." فهِم بعدها أن خاله، الابن الأصغر المدلل لعائلة ثرية، لم يمتهن أية مهنة خلا كونه بطلاً في الفنون القتالية وفي الغندرة. كان يسكر كثيراً ويضحك عالياً ويبالغ في وضع الكريمات على شعره. لم يلتصق بذاكرة سابيرو سوى أقل القليل عنه وعن ثروتهم السابقة التي ضاعت بقصف منطقة تينكان مما أجبر أسرة سابيرو على الانتقال إلى المنطقة التجارية. لكنه استحضر في الواقع أن أنفه نزف دماً ذات مرة وهو ولد صغير، فأوقف الخال كوتاي النزيف من فوره بأن سدد ضربة قوية من جانب يده إلى فقرة معينة بقفاه. "آه، احذر!" تعالت صيحة أم سابيرو وهي ترقبهما ويداها الاثنتان تضغطان على ثغرها. لجأ الخال كوتاي إلى حيلة أخرى لمّا حاول سابيرو التطفل على واحدة من نزهاته. "دعني أجئ معك؛ أريد أن أذهب أنا الآخر!" قال بلهجة آمرة وهو يتربع عند قدميّ خاله وقبضتاه تتشبثان بالكيمونو الطويل. أغرق الخال كوتاي في ضحك لم ينقطع فيما أخفض يده ليضغط على عصب سري بين الإبهام والسبابة فارتخت بعدئذ قبضتا سابيرو في حركة أشبه بالمعجزة.

امتد بصر سابيرو إليه عبر ما فصل بينهما من هوة الحرب، فشكّل هذا الخال الفقيد بالنسبة لسابيرو الصغير كل السحر الكامن في عهد مفقود، سحر انبثق من تفاصيل مهمَلة: صورة للخال يصحبه فيها أصدقاؤه المتأنقون وهم يحيطون بمأدبة محملة بما لذ وطاب ورؤوسهم مرمية إلى الخلف من الضحك؛ أو حكايات أمه المغرقة في الحنين عما كان الخال يُقدم عليه من مقالب جامحة. طالما سرت حوله هالة من البحبوحة رخية البال، كانت باهتة يكسوها الضباب مثلها مثل البخور. إلا أن هذا الانشداه تخلله خيط لا سبيل إلى إنكاره من الاستهجان الأخلاقي. لقد جلب الخال الموت على نفسه. تصادف أن نمى إلى مسامع سابيرو أمه تقول لإحدى الجارات أن الخال سابيرو مولود في عام الديك. والديوك، كما علِم سابيرو، تفرغ من صياحها مع الصباح الباكر.

 

عندما التحق سابيرو بفريق ألعاب القوى بسنته الأولى من مدرسة بوكيو الثانوية، كان الجري يستأثر بشعبية لم يعرفها قبل الحرب. فأكثرية المدارس لم تقدر وقتذاك على شراء مضارب البيسبول أو الأجهزة الرياضية. كما أن ثمة شيئاً ما في بساطة الرياضة – الطريق المستقيم المفضي إلى الهدف، خط النهاية المشحون بالدراما – أثار في الجمهور الصرخات بل والدموع في كثير من الأحيان. أقبلت عائلات بأكملها إلى الهواء الطلق في أيام الآحاد كي ترسل الهتافات بينما تتدلى على صدورهم ترامس باردة تحوي شاياً بالقمح. اتخذوا مجالسهم فوق حصائر منسوجة وندت عن أفواههم أصوات مرتفعة وهم يلوكون كرات الأرز والبطاطا المشوية والبيض تام السلق والسيقان المخللة لأعشاب الفوكي المحصودة من فوق التلال.

"كم ستعدو من مسافة؟" سأل أبو سابيرو وهم يجلسون إلى مائدة العشاء.

"ثمانمائة متر،" أجابه سابيرو. كان يفضل أن يجري مسافة أطول، فهي تحظى باحترام أعظم. إلا أنه رصد هؤلاء العداءين وهم يترنحون نحو خط النهاية وقد التفت أعينهم في محاجرها، بل إن منهم مَن كان يتقيأ بعدها فوق العشب، فركبه الخوف. تراجعت السباقات القصيرة إلى المركز الثاني من حيث الشعبية بيد أن سابيرو لم يكن سريعاً كالريح في ركضه. لاحت له دورتان حول المضمار المسافة الأنسب.

" ثمانمائة متر؟ فقط؟"

"كل ما في الأمر هو أني أريد التركيز على مسافة معينة،" فسّر سابيرو، "وأتقنها."

"أومأ أبوه إيماءة نمت عن موافقته.

كان أبو سابيرو عجوزاً يفوق أمه سناً بكثير. كان الشيب يلوحه وعظمتا وجنتيه تشيان بزهده. كان يبدى لياقة خليقة بعالم (عمل أستاذاً في الفلك بجامعة نانجيو) فأسبغ عليه مظهره احتراماً وتحفظاً. عندما كان يجلس بجانب أبيه إلى مائدة العشاء المنخفضة، كان يمر بلحظات من التكيف تشبه في طبيعتها ما يساوره عندما يدخل معبداً عقب اجتياز شارع يغص بالسابلة. غالباً ما كانت حوارات العشاء حديثاً طويلاً من طرف واحد يدور حول أقمار المشترى ومجرة أندروميدا ونظريات الفلك المتباينة. كان سابيرو يمضغ طعامه ببطء – عادة اكتسبها من أيام الحصص عندما أملت القاعدة أن يكرر المضغ مائة مرة – فيما تتناهى الكلمات الأكاديمية إلى أذنيه، أذن من طين وأخرى من عجين. لم يلتقط سوى صوت أبيه: صوت كما الكون، منتظم يستعصي على الإدراك، يتجلد على ما يدور في أفلاك منعزلة لانهائية من كواكب صامتة.

لا بد وأن الركض قد مس وتراً حساساً في نفس أبيه رغم أنه على حد علم سابيرو لم يكن يمارس في شبابه أية رياضة من رياضات المضمار. على كلٍ، أذاع أبوه الليلة التالية على العشاء إعلاناً.

"في الأيام الخالية من التدريبات،" أبلغ سابيرو، "سوف آخذك إلى محطة كيجين كي أقيس سرعتك."

ارتقت عينا أم سابيرو وهي تغرف أرزاً في سلطانية. "ياه، فكرة رائعة يا بابا!" قالت مثنية أشد الثناء. انصرفت بعد ذاك إلى ابنها وآيات الاندهاش والسرور لا تفارق وجهها. "اشكر أباك يا سابيرو،" قالت. لم يطر سابيرو من الفرحة لهذا الترتيب؛ فإخلاصه للعدو لم يكن قوياً إلى هذه الدرجة. راوده مع ذلك زهو رجولي هادئ حاول أن يخفيه عن الأعين بتعبير موح بعدم الاكتراث. "رائع، أليس كذلك؟ – أب وابنه ينفقان وقتهما معاً!" تغنت أم سابيرو. لم تتوقع رد فعل ولم تحصل عليه عدا كلمة ندية بالود من زوجها "صحيح." ساد شعور طاغ بأن عشاء تلك الليلة كان طقساً من طقوس اكتمال النضج. قدّمت أم سابيرو سمك الماكريل بشيء من الوقار، وقار لم يبدر منها سوى عند تقديم سمك النهاش في المناسبات الخاصة.

لم يسبق لوالد سابيرو حضور سباقات المضمار؛ إذ خلف تلك المهمة لزوجته. غير أنه لم يفته مرة أن يسأل عن النتائج أثناء وجبة العشاء. كان اهتمامه بما يسجله ابنه من وقت يتعدى اهتمامه بترتيبه – أمر محمود بما أن سابيرو لم يحتل أبداً المراكز المتقدمة. لم يفكر الولد مطلقاً في الاستفهام حول غياب أبيه ولم يفكر في التذمر. الأمر وما فيه هو أن أباه مختلف. كان عجوزاً وكان أكاديمياً، أما آباء أصدقاء سابيرو فقد اشتغلوا في البقالة والتجارة. لو حدث ولحق به انفعال، سوف يرتفع ضغط عينيه.

لكن بدءاً من تلك الأمسية وما تلتها من أمسيات، كل مرة يدلف فيها سابيرو إلى البيت في يوم خال من التدريب، يلفي أباه في انتظاره وهو لا ينفك يرتدي زي المحاضرات الغربي: قميصاً أبيض قصير الكمين وبنطلوناً رمادياً، كانت ملابسه مجعدة تظهر عليها علامات التنشية. جلسا جنباً إلى جنب بالترام في حذر بلغ أقصاه. كان الترام يتخبط مقعقعاً عبر منطقة تضج ببائعي السمك بينما تتدفق من النوافذ الروائح وصيحات الباعة الجشاء. خيم ارتباك يقترن بالصمت داخل الترام، فقد كانا معاً بلا رفيق ثالث. كانت أم سابيرو في الغالب تلطف الجو بينهما بثرثرتها البهيجة. استرق سابيرو نظرة إلى أبيه فوجد يده تمسك في حرص بتذكرتيهما استعداداً رغم أنه لا يزال أمامهما مسافة من دستة مواقف. تمنى لو كان أبيه مثل آباء أصدقائه: ملوحي البشرة من الشمس، يرسلون القهقهات وينكشون شعور الأطفال براحة تمتلئ حناناً.

راح الترام يصلصل إلى أن طوى السوق الواقع في العراء منتهياً إلى طريق إسفلتي يقطع الكيلومتر بعد الكيلومتر من حقول الأرز. كانت محطة كيجين آخر موقف بالطريق. عملوا بعد الحرب على تخفيض الإنفاق، فلم يعد القطار يفد الآن سوى مرة واحدة فقط يومياً، وهكذا خلت المحطة مساء من المسافرين.

هنا ولا مكان غيره، والسكون ينبسط فوق حقول مفتوحة وكأنه امتداد لأبيه، هنا فقط داخل سابيرو انسجام تام مع أبيه.

تمركز سابيرو في مكانه عند خط بداية مؤقت يقع جنوب الرصيف بـ 800 متر بالضبط (كانا قد قاسا المسافة في اليوم الأول باستخدام كرة من الخيط طولها 100 متر). انتظر والده في المؤخرة عند الرصيف، فتبدى نحيلاً هزيلاً قرب لوحة الإعلانات المعدنية. حدق في ساعة معصمه وقد قبض عليها بكلتيّ يديه ثم ركض سابيرو نحوه على الإسفلت. تموج على جانبيه بحر من نباتات الأرز صبغها المغيب باللون الأحمر. فاحت من النباتات في تلك الأمسيات الربيعية رائحة نضرة نفاذة وخزت منخريّ سابيرو عند استنشاقها وثقبت رئتيه وكأنها هواء مثلج. جرى ظله الممدود إلى جواره بخطوات واسعة لا جهد فيها وكأنه شبح طويل القامة رشيق الحركة. لو حدث وامتنع فجأة عن الجري، قد يتابع ظله المسيرة.

"اثنتان وتسع وأربعون،" أعلن أبوه. ارتفع لهاث سابيرو ويداه تعتمدان على ركبتيه في انتظار أن يسترد أنفاسه حتى يقوى على معاودة الركض. علا نقيق الضفادع من مكان ما بحقول الأرز.

"هل تحسب خطواتك؟" سأل أبوه. "تذَكر، ليس مهماً مَن يتقدمك. كل ما يهم هو أن تتغلب على سرعتك أنت. يمكنك تحقيق ذلك من خلال التدريب. لذا لا تتأثر بأولئك العداءين الآخرين. كل ما عليك هو أن تواصل التحسن تحسناً بطيئاً مطرداً." تميز كل ما قام به أبوه بالبطء والاطراد. تخيل سابيرو أباه وهو يعدو: يقتصد في كل نفس، يحدد وقتاً لكل خطوة، لا يشيح يمنة أو يسرة إلى أي شيء حوله.

 

ترك سابيرو الفريق بعد سنة واحدة حتى يكرس سنتيه الثانية والثالثة لأخذ دروس خصوصية يجتاز بها امتحانات الالتحاق بالكلية. قال أبوه بنبرات رزينة إنها فكرة جيدة. وبرغم ما تملك سابيرو من ارتياح – فالعدو لم يرقه كلية قط ولا ما صاحبه من ضغوط – لسعه الذنب لأنه أنهى لقاءات لمس استمتاع أبيه بها ورغبته في متابعتها. ران عليه هاجس حزين بأنهما لن ينعما البتة بتجربة مشابهة. لكن اتضح أن لقاءاتهما لم يكن ليُكتب لها الاستمرار على أية حال؛ فقد تزايد نشاط محطة كيجين خلال سنة مع تحسن اقتصاد اليابان وأفسحت الحقول المحيطة المجال لمواقع شُيدت عليها مباني المستقبل.

ما انفك الازدهار يتواصل خلال ما تلا من سنوات قليلة فاصطحب معه ازدياداً في عدد الدراجات البخارية والسيارات – فباتت أخطاراً داخل أزقة المنطقة التجارية الفوضوية العاجة بالناس. ذهبت أم سابيرو ضحية لواحدة من تلك الدراجات وهي تنعطف فجأة حول زاوية قريبة من متجر للأعشاب البحرية. انقضت ساعات فاضت بعدها روحها على طاولة العمليات بالمستشفى.

كان سابيرو عندئذ في التاسعة عشر عاماً، كان قد رجع من الجامعة لتمضية عطلة رأس السنة. استقل وأبوه سيارة أجرة إلى مستشفى ’شين-جين‘ المحلي ما إن اتصل بهما خبر الحادثة. انتظرا كالأبكمين على مقعد بالمدخل والشحوب يريم على وجهيهما بفعل النور الأزرق المنبعث من مصابيح الفلوريسينت. أتى الطبيب أخيراً وكاشفهما، "البقية في حياتكما." تريث الطبيب هنيهة احتراماً لمشاعرهما ثم سارع لقضاء عمله.

التفت سابيرو إلى والده. كان ظهره محنياً ومرفقاه يستندان إلى ركبتيه. أخذ يحملق في يديه المتدليتين وما اعتلاهما من بوادر بقع الشيخوخة. بدا وكأنه قد نسي وجود ابنه. "أبي..." قال سابيرو. لم يظفر بجواب. قفزت إلى ذهنه رحلات الترام المرتبكة، وفي تلك اللحظة المعبأة بالذعر أدرك أنه يكاد يلامس ما كان عقله الباطن يفزع منه طيلة حياته. رفع سابيرو يداً وأراحها فوق منتصف ظهر أبيه. وبرغم خطورة الموقف، خيم إحساس بأن إيماءته جاءت في غير وقتها ولاحت مشحونة بالميلودراما. لم تند أية حركة عن سترة أبيه خشنة الصوف. أخفض سابيرو يده إلى جانبه.

عندما عاودا إلى البيت من المستشفى، توقف أبو سابيرو أمام التقويم المعلق فوق طاولة المطبخ. استقرت تحت التقويم سلطانية مياه لا تزال شرائح أعشاب البحر تنتقع بها من أجل عشاء تلك الليلة. تناول أبوه قلم حبر أسود ورسم بيد صارمة حرف X كبيراً على المربع الحاوي لليوم الثامن والعشرين. "الثامن والعشرون من ديسمبر،" قال وهو يعيد كتابة الحرف مراراً وتكراراً بقوة متزايدة. "يوم سيئ، يوم سيئ." كلما مر سابيرو بالتقويم، قفز حرف الإكس الأسود ذلك في وجهه من شهر آخر خال، فقد غارت رؤوس المثلثات الأربعة المحكَمة عندما شرّح قلم الحبر الورق.

انتاب سابيرو في الأسابيع التالية حلم متكرر عن مضمار المدرسة الثانوية. رأى في منامه عداءين يسبقانه بمسافة لم تكن بالطويلة. كانوا لا يزالون في اللفة الأولى فقط؛ كان يجري في الموضع الذي يريده. لكن لا! هلل الجمهور تهليلاً أشد مما تستدعيه اللفة الأولى. ثم تنبه، مثلما يتنبه المرء في الحلم، على أنه ارتكب خطأ. ليس هذا سباق 800 متر، إنما سباق 400 متر.

لكن أنقذته في نهاية الأمر ذكرى بعيدة ليوم من أيام عيد الأم حين أهدى أمه عقداً صنعه من نبات الجُلبان العَطر والبرسيم. هتفت من شدة الفرحة ثم أردفت، "لكن خير هدية تقدمها إليّ هي الدرجات المرتفعة حتى يأتي يوم تتفوق فيه بالجامعة وترفع رأس بلدك عالياً." كم كانت خيبة أمله عظيمة وقتئذ. بيد أن كلماتها توهجت الآن متقدة في عقله، وللمرة الأولى استوعب سابيرو كيف يمكن للخسارة أن تتبدل من خلال تحولات عاطفية معقدة. رجع إلى الدراسة، استولى عليه صمت حزين غير أنه استعان بالتركيز واستغرق في دراسة الهندسة.

في غضون ذلك بدّل أبوه من عاداته بالمنزل: كان يتمشى في السادسة من كل ليلة إلى مطعم ’أو-دين‘ حيث يلوك عشاءه لوكاً هادئاً منضبطاً كما هو دأبه؛ وفي أمسيات الجمعة كان يوَصل ملابسه إلى المغسلة. أوحى تواتر هذا الجدول الجديد بسنوات من الألفة وكأنه لم يعش عيشة مخالفة في الماضي. استحضر سابيرو – وقد نالت منه غصة – تماسك أبيه وهو يبدل لقاءات العدو بالأعمال الكتابية. عندما كان سابيرو يحضر إلى البيت خلال الشهور القليلة التالية في زيارات ازداد قصرها المرة تلو الأخرى، كان يلاحظ الاختفاء التدريجي لأغراض أمه – عدا صورة واحدة يطوقها إطار إلى جانب مذبح العائلة – فتراءى المنزل كما لو كان منزل راهب متقشف، مرآة لأبيه.

كانت عائلتا والديه قد رتبتا زواجهما، حقيقة شغلت فكر سابيرو. هل قلل ذلك من حسرته؟ في مرة من المرات علت من المذياع إحدى أغنيات أوبرا ’مدام باترفلاي‘فما كان من أبيه إلا أن أخفض الصوت (لم تعجبه الأوبرا الإيطالية، إذ كانت "متخمة غروراً") وهو يتمتم، "الحب الحقيقي، الحب الحقيقي... مَن حتى يفقه معناه؟" غاب عن سابيرو ما إذا كان أبوه يتوقع رداً منه أم لا.

انصرمت أعوام علها ساهمت في أن تخبو زوجته من الذاكرة إلا أن أبا سابيرو كان ينوه بها، وإن عرضاً، في كل زيارة من زيارات ابنه: "كان سيحلو لأمك في يوم مثل هذا أن تجلس هنا بالحديقة." تفكر سابيرو في مدى سهولة الحياة لو أن مشاعرهما – مشاعره ومشاعر أبيه – قد تم استيعابها وتقاسمها واستهلاكها كلية أثناء حياة أمه.

 

حقق سابيرو في الثلاثين من عمره نجاحاً لا بأس به. شغل منصباً محترماً بشركة للهندسة المدنية واشترى بعد سنوات من الادخار شقة على الطراز الغربي بمنطقة كيجي الواعدة، مشيدة فوق تلك الحقول التي ركض عليها في يوم ما. كان يتحلى بوسامة الطلعة، يداخله شيء من شخصية خاله كوتاي يكمن وراء شفتيه. كان يجتذب النساء بسهولة لم يقف عليها تماماً، استلزم منه الأمر جهداً يسيراً: بعض المزاح المرح الذي أتقنه بسهوله مع نضجه ومن حين لآخر ابتسامة عريضة تحمل عبثاً مقصوداً. أشبع هذا إحساسه بذاته مع الوضع في الاعتبار تواضع ماضيه. "يشبه الأستاذ كوتاي،" أشارت عجوز تسكن بحيه القديم. لكن على عكس خاله، لم يغال سابيرو في أي من أفعاله ولا حتى في المزاح. عل هذا التحفظ هو سر اجتذابه للنساء. على كل، لم يتعجل سابيرو الزواج؛ فلا يزال لديه متسع من الوقت. عمت البهجة حياة تحَكم في تفاصيلها. كان يمضي عطلات نهاية الأسبوع وهو يسبح بضربات واثقة متأنية.

في أثناء هذه الفترة تقريباً، طفقت المياه الزرقاء تسبب لأبيه المتاعب. فبرغم الأدوية، تزايد ضغط عينيه تزايداً مطرداً عبر العقود، وأصيب منذ عدة سنوات بصداع نصفي حاد اقتضى استبدال عينه اليمنى بعين زجاجية اقتربت درجتها الكستنائية من اللون البني الباهت لعينه اليسرى وإن لم تطابقها كل التطابق. الآن تلاشى النظر المحيطي بالعين المتبقية حتى إنه لم يستطع أن يبصر سوى ما تواجد أمامه مباشرة وكأنه يرنو إلى العالم من خلال أنبوب ضيق. شهد سابيرو في واحدة من زياراته المتقطعة كيف كان أبوه يضرب الهواء حوله كالعميان. فاقترح عليه – بنفس اللهجة الهادئة التي أعلن بها أبوه لقاءات العدو ذات يوم – أن يزوره أيام الآحاد حتى يتكفل بشراء البقالة وأداء المشاوير الخارجية. بعد ذاك سيرافق أباه في تمشية بشوارع الحي، تمشية صارت شديدة الخطورة الآن بالنسبة لرجل هزيل شبه أعمى في العقد الثامن. دلت موافقة أبيه الفورية – في تناقض لما درج عليه من الاكتفاء بذاته – على خطورة الموقف.

وهكذا شرعا في اكتساب عادات جديدة. كانا يتمشيان في الظهائر عبر الأزقة الضيقة حيث تتهدل فوق شعريات الخيرزان القديمة كرمة ’نجمة الصباح‘ وقد تقلصت زهراتها لتبدو تحت شمس الظهيرة وكأنها عيدان ثقاب أرجوانية اللون. اعتاد سابيرو أن يسبقه بخطوتين وهما يسيران فوق الأسطح المستوية؛ وإلا سيفقد أبوه – ببصر لا يقع سوى على ما أمامه – أثره تماماً. وبين الفينة والأخرى كانا يقابلان إحدى ربات البيوت في الزقاق، تمسك عن الكنس لتنحني بكل يقظة فيما يعبر الاثنان: يتقدم الرجل الشاب بخطوات وئيدة صغيرة وفي إثره يتثاقل السيد العجوز بهيئة مشوبة بالجلال.

أما وقد أصبح سابيرو الآن رجلاً ناضجاً، لم تعد محادثاتهما داعية للارتباك. كان من المحتم أن يفضي أي استهلال للحديث إلى محاضرة عن الفلك؛ وهكذا لم يتطلب الحوار الكثير من جانب سابيرو. تولته راحة تختلط بالثقة لعلمه بكل ما يصنعه من أجل أبيه. كان يبدي تعليقات غير مباشرة عند وقفات مناسبة ("يصعب استيعاب تلك الدرجة من اللمعان") أو يطرح سؤالاً ("وكيف استقبل المجتمع العلمي ذلك الاكتشاف؟") اكتشف أن لأبيه جانباً انفعالياً. ففي مرات نادرة، حينما ينهمك في الكلام حول أحد التفاصيل العويصة، ينطلق صوت العجوز متحمساً ويتوقف تماماً كي يشرح وجهة نظره. ارتسم في مخيلة سابيرو أبوه وهو طالب يجلس بمقهى إحدى الجامعات، يرتدي ملابس من الحرير الفاخر ويناقش بلسان متقد العلم والمثل العليا ومستقبل العالَم. كانت نفحة وجيزة عطرة من عالم ما قبل الحرب، عالم لم يشغل سابيرو جزءاً منه قط.

أحياناً ما كان يناقش عمله الخاص – خط السكة الحديد الجديد الذي ينشئونه حالياً عبر طريق ’هيي‘ – أو يستعلم عن عادات أبيه التي تألفت في الأغلب من قراءات علمية تتخللها تمارين للعين والاستماع إلى البرامج الأخبارية في المذياع وجلسات طويلة بالحديقة. لكن بمرور الوقت قل إسهاب سابيرو في تلك الموضوعات الدنيوية. جعل يتطلع إلى ما انفرد به أبوه من أحاديث طويلة احتملها في البدء من قبيل إحساسه بالواجب تجاه أبيه. بيد أنها أفعمته الآن بإحساس بالدهشة، بامتدادات فسيحة من الزمان والمكان والمساعي الإنسانية والإمكانيات العقلية. ذكّرته على نحو ما بتلك الحقول المفتوحة من أيام طفولته. كان يتوجه إلى منزله بعد زيارة أبيه، يستقل حافلة تمرق عبر السوق الواقع في العراء المائج ساعتها بالصخب والاهتياج، يكلله الوهج الأحمر الدافئ للمشكاوات الورقية. كان سابيرو واعياً كل الوعي – وقد أعياه التعبير – بالسماء المترامية وهي تمسي أرجوانية فيما تسدل الظلمة ستائرها.

طرأ استثناء لهذه العادات الأنيسة بعد عدة أيام من فحص فصلي للعين. انخفض مجال بصر أبيه نقطتين وربع وليس نصف نقطة أو نقطة حسبما هو متوقع. "لو اُبتليتُ بالعمى الآن في سني هذا،" قال بصوت يغلفه الوقار وهما يجران أقدامهما بالزقاق، "سوف أنهي حياتي بيدي."

تجمد الدم في عروق سابيرو. لو كان برفقة أي شخص آخر، لكان قد تفوه بكل الكلمات المناسبة: "لا تتساخف! هناك دوماً ما يستحق الحياة من أجله! أنا أحبك وسأؤازرك!" لم تكن لنقصه المهارة لأداء تلك اللفتات وبخاصة مع النساء إلا أن رجلاً كأبيه لا ينبغي أن يهان بمثل تلك الجمل المبتذلة. فتلك لم تكن صرخة لاستدرار الشفقة إنما قرار لا يقبل التفاوض قيل من باب الكياسة. كان سابيرو يعلم أن أباه لا بد وقد تدبر الخطوة وحده لمدة شهور مقلباً فكره في فوائدها وأضرارها بأسلوبه الأكاديمي.

سأل سابيرو بعد بضع دقائق، "وكيف ستفعلها؟"

"بمسدس. سهل جداً، ما عليّ سوى أن أصوبه نحو أذني وأسحب الزناد."

"أليس هناك طرق أسهل،" تساءل بلسان متردد، "كالغاز أو الحبوب المنومة؟"

"تلك لا تؤثر في الحال. سيجدك شخص ما وأنت في منتصف الطريق إلى الموت ثم يذهب بك إلى المستشفى وستثار جلبة لا أول لها ولا آخر. وستخرج من الحكاية نصف مشلول بدماغ مدمر."

لم تنفرج شفتا سابيرو عن حرف. سارا والصمت يشملهما. كان الزقاق مقفراً وشمس بداية الخريف تميل بضوئها الأحمر من زاوية منخفضة. اقتربا من شجرة الزيتون بمنزل آل سانيموراس؛ اعتمدت أغصانها على جدار الحديقة القديم المشيد من الطوب فألقت بظلالها على الزقاق. تمهل سابيرو حتى حاذاه أبوه ثم وضع يده تحت مرفقه ليشقا طريقهما تحت أغصان الزيتون، كان يوجهه لتفادي اللب الأسود الزلق لما سقط على الأسمنت من زيتون متهرئ. كان يكرر ذلك في كل مرة يقطعان فيها شجرة الزيتون رغم رفض أبيه الاتكاء عليه والاعتراف جسدياً بالمساندة على أي وجه. كان سابيرو يزيح يده بمجرد أن يصبح الطريق سالكاً.

"تلك هي الحياة يا سابيرو." طغى على صوته الانضباط والرزانة كما هي العادة. "عندها سيخلو وقتك. لا غضاضة عليك. فأنت في حاجة إلى أكثر من مهنة مشحونة وأب عليل."

ما فتئا يسيران. هبت عليهما من مكان بعيد رائحة خفيفة لأوراق أشجار تحترق.

ثم سرعان ما طفق أبوه يستهجن بكلمات ملتبسة برنامج عن المريخ سمعه هذا الأسبوع في المذياع. "الحياة... فوق... المريخ!" قال بصوت جاف وهو يقلد نبرة المذيع المسرحية. "هأ، إنهم حتى لا يستطيعون تقديم الحقائق البسيطة دون أن يضفوا عليها دراما تخل بها."

لم ينتبه سابيرو إلا لحظتها إلى أن إبطيّ قميصه الكتان المستورد يتصببان عرقاً. خال الزمن قد حرره مما خامره من رعب يوم موت أمه عندما مد يده ليلمس ظهر أبيه. كانت أمه ستعرف ماذا تفعل. أمه... ذات مرة عندما كان في السنة الأولى من المدرسة، حوت وجهه براحتيها وأمطرت قمة رأسه الحليق بقبلات سريعة متقدة مدفوعة بعاطفة مشبوبة كتمتها سراً.

استقل سابيرو الحافلة في طريقه إلى البيت عقب زيارة أبيه. أنشأ يعيد النظر في الموقف بحس واقعي. سوف يغمض حديثهما على الغرباء. سوف يتصورون أن تفكير أبيه، البعيد كل البعد عن استجداء الشفقة، لا يتناسب مع الموقف. الحقيقة هي أن ثمة تفاهماً بينهما؛ لا حاجة بهما إلى العروض المحرجة. جال ببال سابيرو الخط الحديدي الذي يضعون له المسودات بالعمل، يمتد قضيباه المتوازيان بلا تلامس وإن تزامنا تزامناً لا إخلال فيه، يتعهدان بالانفصال وهما ينعطفان عبر التل والوادي. ذلك ما ارتاح له، ذلك ما وسعه الوفاء به.

 بعدها بسنة نزل سرطان أبيه عليه كالصاعقة. فاحتمالية إصابته بمرض آخر لم تطرق بال سابيرو على الإطلاق؛ فالحياة ببساطة قد ضاقت عن أي مرض ثان. كانت البداية عندما اتصل به أبوه في ساعة مبكرة من صبيحة أحد الأيام. ترامى صوته أخفت من المعتاد وإن لبث متماسكاً تماسكاً يدعو إلى الإعجاب. أنبأه بأنه يعاني مغصاً رهيباً بمعدته وسأل لو في استطاعته اصطحابه إلى قسم الطوارئ. لم يحدث من قبل أن اتصل به أبوه في البيت. "لا داع لإزعاجك،" داوم على القول. "ممكن الانتظار إلى يوم الأحد."

أعطى الأطباء أباه مسكنات تريحه حتى نهاية اليوم؛ التقطوا صوراً بالأشعة السينية ثم أنهوا إلى سابيرو أن ورماً ضخماً يسد قولونه. أجروا له عملية طارئة لتفميم القولون. "بشع!" علق طبيب في سن سابيرو وهو يهز رأسه الأهلب وينزع قفازيه المطاطين. "تفشى السرطان في كل مكان. ياه، عدد الخلايا البيضاء هائل! لِم لم تكتشفوا المرض من قبل؟"

"أبي لا يرتاح للأطباء،" أفضى سابيرو.

التوت قسمات الطبيب الشاب بما يدل على علمه بمثل تلك الحالات. "ذلك الجيل، طيب،" قال.

انتظر سابيرو حتى يفيق أبوه من العملية، كان يقف أمام نافذة الحجرة الصغيرة بالمستشفى. ترددت تحديقته من فوق كتفيه إلى سرير أبيه ثم أمامه إلى المدينة الممتدة بالأسفل. تبدلت المناظر منذ كان هنا آخر مرة. كان الغسق أيام صباه يجعل تلك التلال النائية تضمحل إلى خطوط ناعمة أشبه بالأجنحة المطوية. أما الليلة، فقد عج شبح التلال الأسود الحاد بأعمدة الهاتف التي التوت على خلفية من سماء باهتة تتلون بالوردي والرمادي. تناثرت بالتلال نفسها أنوار عاطلة من أي تناسق. إنها ضريبة التقدم، تذكر قول شخص ما بمكان ما.

"ماذا جرى؟" غمغم أبوه خلال الدقائق القليلة الأولى لإفاقته. اضطر سابيرو إلى الانحناء ليتمكن من سماعه. كان متصلاً بأنبوب أكسجين وآخر ينفذ إلى وريده وجهاز قديم يظهر الاتساخ على مفاتيح مؤشره. ملأ الجهاز الحجرة بطنين خافت متواصل.

"أنت بخير يا بابا،" طمأنه سابيرو ثم شرح له عملية تفميم القولون.

"أنا لن أضطر إلى استخدام هذا الكيس بقية حياتي، أليس كذلك؟"

الحقيقة أن أباه لن يعيش أكثر من عدة أشهر. يمكن لذلك الخبر أن ينتظر حتى الغد. "للأسف يا بابا،" كشف سابيرو.

"سسس..." انطلقت منه تنهيدة كبالون يُفرغ هواءه ثم غشي السكون.

لم تتسن لسابيرو فرصة في اليوم التالي لنقل النبأ؛ فقد كان الأخصائيون يجرون عليه التحاليل أغلب اليوم. تناول سابيرو غداءه، طبقاً من الأرز بالبهارات، بمطعم المستشفى. كان يرصد الممرضات عبر الجدار الزجاجي وهن يذرعن الردهة وألواح الكتابة تنضغط إلى صدورهن. أثار منظرهن – مجرد رائحة هذا المكان – ذكريات وفاة أمه؛ كان واعياً الآن، مثلما كان وقتذاك، بعجزه المطبق. من الآن فصاعداً سوف يضطلع الأطباء والممرضات وحدهم بكل شيء، لن يسأل أبوه غيرهم عوناً. ماذا سينفع خالك أكثر؟ استدعى كلمات أبيه.

"أخبرني أحدهم بالنتيجة،" باح أبوه ليلتها. "شخص هادئ، غاية في اللطف." كان أبوه يرشف حساء الميسو* من فنجان بلاستيكي وهو يسرد تفاصيل السرطان الذي انبث بالفعل في معدته وعقده الليمفاوية ورئتيه. "يوصي الأطباء،" قال أبوه، "بمكان صغير في ’فوجي-نو‘ يشتمل على رعاية طبية على مدار الساعة..." حل به الإعياء فتخللت كلماته أنفاس قصيرة ضحلة. "... وأخصائيي تغذية. سيخدم ذلك الوضع الجميع. لن يطول الحال."

ليته أطلع أباه بنفسه. ليته التقط رد فعله العفوي مهما بلغت دقته! رأى كيف سيموت أبوه في المستقبل، أبصره في ساعاته الأخيرة بمثل ما عهده بحياته من دماثة وانضباط. غير أن سابيرو كان يترقب المزيد: أن تُطلق نار تشب في الدغل بالغامض الجاثم من مخبئه. استبد به الفزع من اقتراب عاطفة عارية فدفعها نحو المستقبل حين يكون أفضل استعداداً لكنه أدرك الآن أنه لم يعتقد أبداً أنها لن تعتريه.

حلم سابيرو ليلتذاك بأنه صادف أمه في الزقاق، كانت ترتدي مريلة وتنط الحبل مع بعض الفتيات من الجيران. انحلت الخصلات من كعكتها وتخضبت وجنتاها بالاحمرار من الضحك. التقت عيناها به فقالت مبتهجة، "آه، آه! هل حان الوقت؟"

"أمي! ها أنتِ ذا!" صاح سابيرو. اجتاحته راحة كاسحة أيقظته من منامه. رقد مستيقظاً والظلمة تشمله، مضت بضع لحظات قبل أن يعي أن أمه قد رحلت من سنين.

 

كان سابيرو يفعل ما بوسعه. اعتنى بغذائه، فكان يتناول ثلاث وجبات يومياً. اختصر ساعات عمله كثيراً وقلص حياته الاجتماعية وإن كان أحياناً يروح عن نفسه بدعوة فتاة إلى السينما. اختار الأفلام الكوميدية عن عمد: أفلام ’تيبان-جومي‘ أو أفلام أجنبية لتشارلي شابلن.

رغم ذلك لم تسلم نفسه من المعاناة. عاودته كوابيس المضمار القديمة. عجز سابيرو عن الرجوع إلى النوم فتقلب على فراشه وهو يطالع عين أبيه الزجاجية يغطيها مخاط أصفر، كما تبدت ذات مرة لمّا نسيت الممرضة غسلها بمحلول العين، أو يشاهده يرخي جفنيه وقد نال منه التعب كل منال ليهمس "شكراً" بعد أن تغير الممرضة كيس القولون.

كان أبوه بحلول ذلك الوقت قد استقر بمستشفى ’فوجي-نو‘ الموصى بها للمرضى المحتضرين. لم يتخلف له سوى أقل القليل من القوة، فهو لم يتعاف تماماً من العملية. كان يجاهد لكي يجلس بل ولكي يتقلب على سريره. حاول مع ذلك بكياسته تجاذب أطراف الحديث. "كيف حالك يا سابيرو؟" سأل كل ليلة وكأن ابنه هو المريض. نهض سابيرو بأكثرية الكلام توفيراً لطاقة أبيه. وبعد أن يأتي على كل المواضيع، كان يشرع في قراءة تاريخ الكون، كتاب ألفاه على مكتب أبيه بالبيت. ثمة شيء مهدئ في القراءة بصوت عال؛ كل المعاني تتساقط فيما ينقاد هو وراء إيقاع يجتر ذكريات الصبا عندما كان صوت أبيه يغمره بمائدة العشاء.

هودت القراءة أباه في إحدى الأمسيات فراح في النوم. تفرس سابيرو في وجه يعلوه الإنهاك وآي الهزال. لف الهدوء المستشفى – عله كان منتصف الليل وليست السابعة. لو حدق سابيرو بما يكفي تحت أنوار الفلوريسينت المخيفة الواقعة فوق رأسيهما، لاستحال الوجه الشاحب ذا المحجرين الغائرين وجه جثة.

انتفضت يد أبيه النائم فوق الملاءة. كانت غرابة هذه اللحظة – لِما داخَل عدم وعى أبيه من ترقب طفيف والغياب المؤقت لممرضات الليل وما تبقى من آثار القراءة عن الكون المجرد – هي ما حدت بسابيرو إلى أن يمد إصبعاً ليجس يد أبيه. استشعر برودة في ثناياها وساوره الاندهاش لرخاوة كانت في مثل رخاوة خيار البحر الذي وخزه وهو ولد بسوق العراء. كان ساعده أدفأ إنما أصغر بكثير، بلغ منتهى الضعف بين أطراف أصابع سابيرو، ضعف لم يهيئه البصر للتنبؤ به. أخذ سابيرو يتحسس ما نتأ من عظم كتفه في ردائه. كان انتهاكاً لعب بأعصابه: هل كان أبوه نائماً بحق؟ عله كان واعياً وراء ما أسدل من جفنين. ربما ألقى اللمس ضيقاً في نفسه إلا أن أدبه أو ضعفه منعاه من أن يجيء بشيء. بيد أن سابيرو لم يسعه الكف، فلم يملك أن يمنع نفسه.

ألغى الاتصال الجسدي مركز المنطق داخل عقل سابيرو. فتساءل بإلحاح مفاجئ ما إذا كان أبوه بالفعل رجلاً مكتفياً بذاته حسبما افترض على الدوام. أليس من الممكن أن أباه تمنى رد فعل مخالفاً يوم تحدث عن الانتحار؟ هل ربما تاق إلى القرب لكنه لم يعلم كيف يبادر إليه؟ غير محتمل غير أنها لم تزل... أفكاراً تنطوي على خطورة.

أقدم سابيرو ما استطاع على أفضل القرارات شأنه في ذلك بالقطع شأن أبيه بكل ما خالج أساليبه من حرص ما بعده حرص. لكن حاصرته الظروف والعوالم المتحولة، بالإضافة إلى عوادي الزمن والعادة، فلم توف النتائج بالمراد. لا محالة: كلما طالت حياة المرء، زادت مساحة ما يرتكبه من أخطاء ناجمة عن سوء التقدير.

لو كان الحال مختلفاً، لأسر إلى أبيه كما ولا شك يفعل الأبناء الآخرون، "أكن لك إعجاباً يفوق ما أكنه لأي شخص قابلتُه في حياتي، لِما تتمتع به من عقل راجح وما تنعم به من مهابة طاغية." لو تيسرت له مثل تلك الكلمات، لَما ألّمت به سوى سهام الألم، سهام نصلها حاد لا تشوبه شائبة؛ لاستقام إحساسه بالوضع؛ لصار كمالاً تمتزج حلاوته بالألم كالشمس الغاربة. إلا أن سابيرو يشعر الآن بغثيان محدق طالما بث في صدره رعباً. لم يكن قد تقيأ غير مرة أو ثلاث وهو طفل لكنه لا يزال يذكر لحظة الهلع تلك عندما يرتفع كل ما بمعدته ارتفاعاً لا سبيل إلى إيقافه.

فتح أبوه عينيه. "سابيرو؟" همس.

"أنا هنا يا بابا،" قال سابيرو. أبقى يده فوق يد أبيه الباردة كما الثلج. خطر بباله أن أباه قد لا يحس بيده. أعلمته الممرضة أن ضعف الدورة الدموية بالأطراف يسبب الخدر.

"آه، أنت هنا..." قال أبوه.

"بابا،" أنشأ سابيرو يقول ثم غلبه الصمت. تقلصت في حلقه تفاحة آدم، اخترقها ألم الدموع الوشيكة، ألم منس لكنه مألوف. انتظر سابيرو إلى أن هبطت.

"بابا،" قال متعجلاً. "لا أجيد الكلام المزوق." انسد حلقه ثانية فما كان منه إلا أن جلس كالعاجز.

استدارت عين أبيه السليمة نحو صوت ابنه، تضاءل بؤبؤ العين بفعل أدوية المياه الزرقاء حتى إنه تبدى كالنقطة. اعتمل داخل سابيرو وجع صامت عظيم يتفاقم في صدره. نزعت به ذاكرته إلى أيام المضمار: ألم مبرح لا قِبل باحتماله يتصاعد في رئتين محرومتين من الأكسجين، الأعمى يسارع إلى خط النهاية بساقين لا تعرفان السرعة.

 

 

* حساء الميسو: حساء مخمر غليظ القوام من فول الصويا والشعير والأرز يعده اليابانيون.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.