مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

albawtaka@albawtaka.com                تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الخامس عشر، أكتوبر 2007

 

 

 

تكرمت إيميلي راب بالموافقة على نشر قصة "الإرث" في مجلة البوتقة.

Ms. Rapp was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Legacy" in Albawtaka Review.

Albawtaka owes Ms. Rapp a great debt of gratitude for her kind permission.

“Legacy” by Emily Rapp. Copyright © 2002 by Emily Rapp. Originally published in StoryQuarterly, Fall 2002. Published by kind permission of International Creative Management. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Clay Ezell from International Creative Management.

 

 

 

 

إيميلي راب

الإرث

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

http://www.emilyrapp.com/index.html

 

 

ولدت إيميلي راب في ولاية نبراسكا 1974 ونشأت في ولايتيّ وايومينج وكولورادو. ولدت بعيب خلقي فتم بتر قدمها اليسرى في سن الرابعة. أمضت أربع سنوات بعدها في إجراء دستة من العمليات الجراحية وانتهى بها الأمر إلى بتر ساقها اليسرى بالكامل أسفل الركبة وتركيب ساق ترقيعية.

 

 

 

 

 

 أصدرت راب سيرتها الذاتية طفلة الإعلان: سيرة ذاتية في 26 ديسمبر 2006. كانت راب في طفولتها فتاة الإعلان لملصق مؤسسة مارش أوف دايمز، مؤسسة خيرية لمحاربة شلل الأطفال في الولايات المتحدة لذا أمضت معظم طفولتها متنقلة في منطقة الغرب الأوسط، تظهر في المناسبات وتوجه كلمات التشجيع للمرضى من الأطفال فيما تجاهد لتقبل إعاقتها.

 

حصلت راب على ليسانس الآداب في الدراسات الدينية والنسوية من كلية سانت أولاف في مينيسوتا وماجستير الدراسات اللاهوتية في المسيحية والثقافة من كلية اللاهوت بجامعة هارفارد. نالت في خريف 2001 منحة من مركز جيمز إيه. ميتشينير للكُتاب في جامعة تكساس بمدينة أوستين لتحصل على ماجستير الفنون الجميلة في النثر والشعر.

 

 

ظهرت قصة "ضربات أجنحة الحشرات والطيور" في ربيع 2001 بمجلة سربنتين. فازت القصة بمسابقة مجلة سربنتين للقصة القصيرة عام 2000.

 

 

 

 

 

 

نشرت قصة "نسج جين" لأول مرة بمجلة ذا كلاكاماس ليتيريري ريفيو، ربيع-صيف 2001.

 

 

 

 

 

 

ظهرت قصة "إيميت حتى 1955" عام 2006 بمجلة ريد ماونتين ريفيو.

 

 

 

 

 

 

 

ظهرت قصة "فرانسسكا ودمان تستعد" في ربيع 2006 بمجلة سايلنت فويسيز.

 

 

 

 

 

 

 

ظهرت قصيدة "تأبين الأربعاء" في ربيع 2006 بمجلة تيرمينيس.

 

 

 

 

 

 

 

ظهرت قصيدة "معرفة اللون" في صيف 2006 بمجلة سيمارون ريفيو.

 

 

 

 

 

 

 

نشرت قصيدة "عبور الطريق" بموقع مجلة سيجويه.

 

http://www.mid.muohio.edu/segue/3.1/rapp.htm

 

 

 

نالت راب منحة من مؤسسة فولبرايت لتسافر إلى كوريا في بعثة ومنحتين من مؤسستيّ ماري روبيرتس راينهارت وجينتيل للفنون. فازت بمنحة في الكتابة الإبداعية من مركز الفنون الجميلة في بلدة بروفينستاون كما حازت حديثاً منحة مؤسسة رونا جيف للكاتبات الصاعدات. حصلت على الجائزة الأولى للنثر غير القصصي في مسابقة مجلة أتلانتيك مانثلي للطلاب عام 2003 كما فازت بجائزة روبي ماكولي للأدب. رشحت إحدى قصصها لتصدر ضمن أفضل الأصوات الأمريكية الجديدة 2003.         

 

درّست راب الأدب والسيرة الذاتية في مركز جون هوبكنز للشباب الموهوبين والبرنامج التعليمي للكبار في بروفينستاون. عملت كاتبة مقيمة في مقر منظمة يادو وكاتبة مقيمة بمقر ’فيليب روث‘ التابع لجامعة باكنيل قبل أن تباشر عملها الحالي كأستاذة في الكتابة الإبداعية ببرنامج ماجستير الفنون الجميلة في جامعة أنتيوك بجنوب كاليفورنيا. تعيش راب حالياً في لوس أنجلوس وتكتب روايتين: سَنة النحال والمدينة الثانية.

 

 

 

 

 

نشرت إيميلي راب قصة "الإرث" في مجلة ستوريكورتيرلي عام 2002. راب من أب وأم أيرلنديين. حضرت دروساً في سياسة أيرلندا الحديثة بكلية ترينيتي بدبلن عاميّ 1994 و1995. ’مايكل‘ أحد أبطال قصة "الإرث" شخصية حقيقية زاملها في الدرس.

 

 

 

 

 

نشرت إيميلي راب المقالة التالية في 15 مارس 2002 بمجلة ذا تكساس أوبزرفر تحت عنوان "أسئلة وأجوبة: رؤية جديدة لقصة الوطني". تسرد في المقالة تجربتها في أيرلندا الشمالية، التجربة التي ألهمت قصة "الإرث."

 

                                                                                                          

                                                                                                                                                                

 

 

أسئلة وأجوبة: رؤية جديدة لقصة الوطني

بقلم: إيميلي راب

 

أرض جميلة قال الوطني

وغسلها بدمائه

وأشرقت الشمس

وجاش النهر. مالت الأرض

نحوه: طالت الظلال. امتدت حمراء.

 

– إيفان بولند، مِن قصيدة "لمن؟"

 

عندما كنتُ طالبة في كلية ترينيتي بدبلن، لم أترك شبراً في عاصمة أيرلندا إلا وعاينته وأسبغت عليه الاحترام. استقللت حافلات متسخة متجهة إلى ضواحي وافرة بالأشجار. اتخذتُ مجلسي عند منحنى خليج دبلن، أراقب المداخن وهي تلطخ السماء بجروح زيتية. قطعتُ ساعات طويلة أتحدث بلا كلفة في الحانات. استأجرتُ شقة عاطلة من وسائل التدفئة بمنطقة نورثسايد، أرضياتها مائلة وسقفها مدمر بفعل المياه. كنتُ أستيقظ سعيدة على صوت الشاحنات وهي تقعقع بحذاء نهر ليفي. حضَرتُ منهجاً تحت عنوان "سياسة أيرلندا الحديثة" وبدأتُ أعيد تأمل فهمي لتاريخ أيرلندا ومعنى أن يكون الفرد أيرلندياً.

 

ثمة هدفان من المنهج: أن نتعلم أجزاء من التاريخ الأيرلندي أثناء المحاضرات المعتادة فيما نعمق فهمنا للموقف السياسي المعاصر بالشمال خلال مناقشات أسبوعية يقودها مايكل، طالب من زملائنا عمِل في السابق جندي مشاة بالجيش الجمهوري الأيرلندي. كان من الجلي أن مايكل مختلف عن بقيتنا. فقد تعدى الأربعين من عمره على حين اجتاز العديد منا للتو الحُلُم. ألفيناه واثقاً من أفكاره السياسية ثقة لا تعدم الصراحة المطلقة في حين كافح أغلبنا لصياغة بعض الأفكار. لكن الأهم من هذا وذاك أنه ألّم مباشرة بعنف مستعص على العلاج بات مرادفاً لأيرلندا الشمالية بينما لم نلق نحن الحروب سوى في الكتب والأفلام. وقد وعدنا أستاذنا بأنه سيكون خير مَن يُدرس لنا "الاضطرابات،" وقد كان.

 

تملكنا الفضول فانتهزنا من فورنا فرصة التفاعل مع شخص عاش فصلاً حقيقياً من تاريخ أيرلندا وظل على قيد الحياة ليتحدث عنه. وفي كل أسبوع كان مايكل يجيب صابراً على الأسئلة: متى غادر الجيش الجمهوري الأيرلندي؟ (منذ بضعة سنوات)؛ مسقط رأسه؟ (غرب بلفاست)؛ رأيه في إيان بيزلي؟ (كم من اللعنات لك أن ترميه بها خلال خمس ثوان؟)؛ كم معركة فعلية انخرط فيها؟ (بما فيه الكفاية). خاطبهم مايكل بنبرات بطيئة وذراعين متشابكتين فيما ترددت أصداء لهجته الأيرلندية بحروفها المشددة وتلك المخففة في حجرة مجردة من النوافذ.

 

لم يكن لاعباً أساسياً في نشاطات الجيش الجمهوري الأيرلندي. فمنذ منتصف العقد الثامن من القرن العشرين وحتى بداية العقد التاسع منه كان مجرد شخص يقصده الآخرون لتسليم الأسلحة الصغيرة والرسائل التي تتطلب توصيلاً سريعاً. قطع جل الوقت جاثماً في الطين برفقة فتية مراهقين يرتجفون كلهم من الذعر. وقفنا على تدريبه في مواقف سيارات مهجورة ببلفاست والحقول الواقعة خارج مدينة ليميريك. رسم بيد متعجلة تشكيلات من الأعمدة على السبورة وعضلات ذراعيه تنقبض، كان يُعلمنا تكنيكاً يستخدمه الجيش الجمهوري الأيرلندي بكثرة في حرب العصابات.

 

لقد نظرتُ إلى مايكل نظرتي إلى رجل جسّد روح القومية الأيرلندية التي تربيت على احترامها. وكما هو الحال مع الكثير من الأمريكيين من ذوي الآباء الأيرلنديين، أدركتُ منذ نعومة أظافري أني أرتبط بالدماء والثقافة إلى مجتمع خيالي من الوطنيين، وطنيين اختاروا القيام بثورة حقة ضد الطغيان حتى لو كانت تعني الموت. كان رجال عائلتي يضربون كؤوسهم بعضها بعضاً نخب الجيش الجمهوري الأيرلندي قائلين "فليحيا جيش الشعب." تعلقت في منزلي كلمات "إعلان الجمهورية الأيرلندية لشعب أيرلندا" عام 1916. لقد كان الإعلان – لحظة فاصلة في تاريخ أيرلندا الحديث – دعوة إلى المواطنين الأيرلنديين للتمرد. "مِن خلالنا" (أي الاتحادات الثورية السرية والتنظيمات العسكرية المفتوحة التي أصبحت في وقت لاحق الجيش الجمهوري الأيرلندي) "تستدعي أيرلندا أطفالها إلى عَلَمها وتقاتل من أجل حريتها." يتعلق إعلان عيد الفصح على حيطان الكثير من البيوت الأيرلندية والحانات الأيرلندية حول العالم، علامة على أن المنشأة بحق أيرلندية، أي جمهورية، أي معارضة لبريطانيا، أي – في بعض الحالات – مؤيدة للجيش الجمهوري الأيرلندي.

 

أفضت "انتفاضة الفصح" عام 1916 إلى تقسيم أيرلندا في النهاية. تم إعدام جميع كاتبي الإعلان عدا واحداً بُعيد ساعات قليلة من قراءة باتريك بيرسي الكلمات عالياً: إنه أول شهداء أيرلندا. لقد كان مصيرهم في ذلك اليوم من التاريخ فلماً عن أيرلندا عرضه عقلي بلا انقطاع وأنا أشب عن الطوق. شعب مقهور ووعد وتضحية – كل المكونات السليمة لخلق حرب مقدسة. وحين سألتُ مايكل، "ماذا كان شعورك وأنتَ فار هارب؟" كنتُ أتفكر في باتريك بيرسي منقوعاً في المطر والرصاص الإنجليزي، يقرأ كلمات سوف تكون آخر ما ينطق به لسانه. رنوت إلى مايكل وإلى نفسي رنوة بعيدة تحفل بالفخر شأن سليلين مباشرين لهؤلاء الرجال الشجعان.

 

لكن بينما كان الفصل الدراسي يمر بطيئاً، أصبح الانزعاج يتولاه أكثر فأكثر من أسئلتنا وبات أقل استعداداً لتزويدنا بما هو أكثر من كلمتين رداً على كل سؤال ثم انتهى به الحال إلى الصمت المطبق. لم يرد أن يبوح إلينا بعدد مَن أودى بهم أو رآهم يُقتلون بالرصاص؛ لم يرد أن يفشي أية تفاصيل عن عملية اختطاف روجت الإشاعات انخراطه فيها. رفض مناقشة سِير الرجال في عائلته. وعلى حين كان بصري يتتبعه بعد الدرس وهو يسير في الممر بخطوات سريعة تعكس القوة فيما تصلصل السلاسل الفضية بسترته الجلدية، أثقل عليّ إحساس بالغضب والشك في صدق ادعاءاته – فقبل كل شيء لا يوجد دليل مكتوب يبرهن على صحة رواياته. لِم لا يطلعنا على ما حدث؟

 

ولكني عندما أتطلع إلى الماضي، أفطن إلى السبب. لقد عاملناه كما لو كان عينة لنا أن نسبرها للفوز بالمعلومات. كان من الواجب أن نسأله عن حياته الحالية: لماذا جاء إلى ترينيتي – أحسن جامعة بأيرلندا – وكيف؟ أين يقيم؟ متى رأي أسرته؟ لا شك في أن مايكل وقع ضحية لتاريخ معقَد ولّد الكراهية والفقر وخيبة الأمل والموت وفقدان عائلات وأجيال بأسرها من جراء الحرب. كما أنه خلّد ذلك العنف. بيد أننا بجلناه تبجيل الأبطال وكأنه تمثال من الجرانيت يقف بشارع أوكونيل. وهناك أخرسناه.

 

تأملتُ حاله طويلاً بقية العام. جعلتُ أقرأ المزيد عن الحرب في الشمال متتبعة الاتفاقيات والمعاهدات. وكلما طالعتُ وعرفتُ كلما قل أملي في تسوية النزاع. لقد اتضح أمام عينيّ الفخ الذي خلقتْه الحرب لمايكل، لكل الشمال، لأيرلندا. أستحضر بكل جلاء واحدة من قصصه التي روى فيها حكاية جندي قتل أخته من غير قصد لأنه أساء تصويب أحد المسدسات في المطبخ، فهو لم يتعلم قط كيفية استخدامه قبل أن يضعه أحدهم بين يديه. لم تنسجم تلك القصة مع فكرتي عن جنود الجيش الجمهوري الأيرلندي وهم يموتون خلال عروض مجيدة للوطنية كما وعد إعلان 1916. وها هو مايكل: جندي سابق لم ينل حظاً وافراً من التعليم يتكل على الإعانة الحكومية؛ رجل يقصد ليفربول أو لندن وحده بين الفينة والأخرى كي يشتغل بمهن هزيلة الراتب في الفنادق أو المصانع، يرسل نقوداً إلى موطنه، إلى أم أرملة معدِمة لم تزل تقطن في بلفاست بشقة إيجار في عمارة لم تنج من دمار الحرب. لقد خَلت كل الكتب من روايته عن التاريخ – إذ تضمنت روايته قصصاً لم أفكر فيها البتة ولا وردت على خيالي. ما معنى أني تصورت عمليات مثيرة لتهريب الأسلحة والذخيرة والهروب من السجون أو فتية صغاراً يعلو وجوههم النمش يركضون نحو أحد منازل المخابئ للحصول على العشاء والذخيرة باسم – كما صرح الإعلان – "الرب والأجيال المتوفاة في أيرلندا"؟ ما معنى أني تخيلت مايكل يهرب خلسة عند منتصف الليل إلى طريق يضيئه قمر نَيِّر، يؤدي دوره الصغير ضد المضطهدين البريطانيين؟ ماذا عنى لي أن أسبغ الرومانسية على الحرب بأعين تربت تربية أمريكية آمنة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة وباستيعاب نظري للقومية؟ في النهاية لم أكترث إذا ما كان مايكل قد ذُكر في كتب لا عد لها انكتبت عن الاضطرابات أو إذا ما كان بالفعل مثلما ادعى أم أنه مجرد كذاب ماهر واسع الخيال. إن رفضه مسايرة أسئلة متطفلة لا نهاية لها دفعني إلى تأمل قيمتها وجذورها في مفاهيمي الخاطئة عن الحرب.

 

وفي آخر يوم قضيته في دبلن، استقللت القطار المتجه إلى البحر ليعبر بيوتاً من القرميد تلوح بها مطابخ براقة وغسيل نظيف ينتفخ من الحبال. وبينما راقبتُ أنوار دبلن وهي تخفق في الأفق، نزع عقلي إلى مايكل. شاهدتُه ذات ظهيرة جالساً في ميدان كوليدج جرين وقد تدلت سيجارته من أصابعه المكتنزة. كان يتفرج على عمال يتحركون داخل سقالات أحاطت بالجانب الغربي من مبان تتخذ شكل ربع دائرة. كل عشر سنوات أو نحوها تستلزم المباني تنظيفاً، فالرياح الهابة على نهر ليفي تمتص ما به من تلوث فينتهي الأمر بالسخام إلى ملاقاة المباني حيث ينفذ بعمق إلى الحجر الجيري.

                                       

إن الضوء رفاهية خلال أشتية أيرلندا، ففي أقل من ساعة تلونت سماء دبلن بالسواد القاتم. شاهدنا معاً العمال يتحركون بعجلة وهم يكشطون وينزعون. وفي كل مرة يأخذ فيها نفساً من سيجارته، يتمدد وشم تنين ويجأر حول مرفقه ليرفرف العلَم الأيرلندي ثلاثي الألوان من فمه. طَوق الكلية عشب لم يعدم الخضرة ولا النضارة. جلس معي هكذا للحظات معدودة يلفها الصمت، تكللنا سماء تسود اسوداداً سريعاً على حين تثير الرياح الدافئة الهواء.

 

كتب إيفان بولند ذات مرة، "لو أن المستعمرة جرح، فما هو الدواء؟ بعد كل هذا الأذى كيف اختلفتْ مشاعرنا؟" وفي حين جلستُ أنا ومايكل نشاهد صيانة المباني – مشروعاً سوف يقتضي شهوراً وطقماً من عمال عديدين لإزالة بقع بلون الفحم – استوقفتني مدى صعوبة نزع الطبقات السوداء؛ عملية وئيدة لا تخلو من ممل. لقد ساورتني أنا الأخرى نفس الصعوبة في التعامل مع ما انتقل إليّ من معانٍ، معانٍ أشبه بحقيقة فظيعة جميلة عن جذوري، عن أيرلندا. لشد فظاعة العيش مع تلك الجروح كما فعل هو.

 

لحق التغيير بدبلن منذ عام 1994. إذ تبدلتْ لصالح الاستهلاك السياحي، بنفس المحال ومشاكل المرور وأنظمة شبكات النطاق العريض، فيشعر المرء بأنها كأي مدينة عالمية. وبدلاً من الحانات خفيضة الإضاءة ذات الأرضيات اللزجة، ظهرتْ "منشآت ترفيهية" مزودة بأنوار متحركة لامعة ومشروبات استوائية خصوصية. ذهب عجائز دأبوا الاندساس في الأركان المظلمة من الحانات لتغص موائدهم برجال أعمال كلهم أناقة يتحادثون بلا كلفة أثناء تناولهم كؤوس من النبيذ المستورد. طرد جوتشي وأرماني متاجر غريبة كانت تبيع الكتان الأيرلندي الغالي إلى جانب المظلات المهلهلة والأطباق الطائرة. أضحى مكتب البريد العام – حيث قرأ باتريك بيرسي الإعلان عالياً – جزءاً من جولة معمارية يخوضها السياح على الأقدام في دبلن. طُرد من الشوارع الكثير من الشحاذين. باتت مباني كلية ترينيتي خالية من البقع بل إن حافلات دبلن أمست نظيفة.

 

وتستمر الحرب في الشمال.

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.