مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الثالث والعشرون، أكتوبر 2009

 

 

 

 

لا تحتاج مجلة البوتقة إلى الحصول على الحق في ترجمة قصة "فدية زعيم الهنود الحمر" ونشرها نظراً لأن أو. هنري توفي في 5 يونيه 1910.

ومع ذلك، كل الشكر له على كتابة هذه القصة الجميلة!

"The Ransom of Red Chief" is published with no prior permission as O. Henry passed away in June 5, 1910.

 

 

"فدية زعيم الهنود الحمر"

قصة للأطفال والكبار!

أو. هنري

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: 01-Oct-2009

 

 

مجلة زويتروب: أول ستوري، صيف 2001.

للاستماع إلى قصة "فدية زعيم الهنود الحمر" كاملة بصوت روي ترامبِل (26:33 دقيقة).

المجموعة القصصية دوامات الخيل

 

 

 

تبدت وكأنها مهمة لا بأس بها: لكن مهلاً حتى أحكي لك. كنا جنوباً، في ألاباما – بيل دريسكول وأنا – حين وردت في أذهاننا هذه الفكرة، فكرة الاختطاف. برَقتْ – كما عبَّر عنها بيل بعدئذ – "خلال لحظة من التوهم العقلي المؤقت" بيد أننا لم نكتشف تلك الحقيقة إلا لاحقاً.

كانت هناك بلدة تقبع في الجنوب، أرضها منبسطة انبساط كعكة مخيض اللبن والبيض، واسمها كما هو متوقع ’صَمِت.‘ ضمت سُكاناً من أكثر الطبقات الريفية المتجمعة حول سارية احتفالات الربيع مسالمةً ورضا على الإطلاق.

كنت أنا وبيل نمتلك رأس مال مشتركاً قدْره زهاء ستمائة دولار، وما كنا في حاجة إلا إلى ألفيّ دولار إضافيتين لإنجاح مؤامرة احتيال في غرب إلينوي، سوف نبيع للناس أراضي قسَّمتْها الحكومة وعرَضتْها للبيع لإنشاء بلدة جديدة. بحثنا تفاصيلها على سلالم الفندق الأمامية. قلنا إن حب الأهل لأولادهم شعور راسخ في المجتمعات شبه القروية؛ ولذلك، ولأسباب أخرى، من المتوقع أن يصبح مشروع الاختطاف أكثر ملائمة هناك من المنطقة المحيطة بالجرائد، جرائد توزع مراسلين متخفين في ملابس غير رسمية لإثارة القيل والقال حول هذه الحوادث. كنا نَعلم أن بلدة ’صَمِت‘ لن تقوى على مطاردتنا بما هو أقوى من موظفي الأمن وربما بعض الكلاب البوليسية فاترة الهمة ومقالة أو مقالتين غاضبتين تطفحان شجباً في نشرة ميزانية المزارعين الأسبوعية. وهكذا بدت الخطة مبشرة.

اخترنا ضحيتنا: الطفل الوحيد لمواطن بارز يدعى إبينيزر دورسِت. كان الأب محترماً بين الناس حريصاً على أمواله. يهوى الرهونات ويُمرر – هو الرَجل صارم المسلك مستقيم الأخلاق – طبق الإعانات في الكنيسة ويَحبس الرهونات. كان الولد صبياً في العاشرة ذا وجه يعلوه نمش بارز قليلاً بروز النقوش وشَعر بلون غلاف المجلات التي تشتريها من كشك الجرائد حين تريد اللحاق بالقطار. خمنتُ أنا وبيل أن إبينيزر سوف يَرِق له ويدفع فدية قيمتها ألفا دولار حتى آخر سنت. لكن مهلاً حتى أحكي لك.

قام على بعد ميلين من بلدة ’صَمِت‘ جبل صغير تغطيه أجمة كثيفة من أشجار الأرْز. توارى كهف في الجانب الخلفي من هذا الجبل. وهناك خزَّنا المؤن.

قدنا عربة يجرها حصان قبالة منزل دورسِت العجوز بعد غروب شمس إحدى الأمسيات. كان الطفل يقف في الشارع، يقذف هُريرة عند السور المقابل بالحجارة.

"أهلاً يا ولد يا صغير!" يقول بيل، "هل تحب أن تأخذ كيس حلوى وتستمتع بالركوب معنا؟"

يرشق الصبي أم عين بيل بقطعة من الطوب.

"سوف تُكلف تلك الفعلة أباه خمسمائة دولار إضافية،" يعلن بيل وهو يرتفع فوق العجَل.

أبدى ذلك الصبي مقاومة خليقة بدب بلون القرفة ووزن ملاكم من الوزن الخفيف المتوسط؛ غير أننا أنزلناه أخيراً في قاع العربة وقدنا بعيداً عن المكان. حمَلناه إلى الكهف ثم شدَدتُ الحصان إلى إحدى أشجار أجمة الأرْز. وبعد أن أرخى الليل سدوله، قدتُ العربة مسافة ثلاثة أميال متجهاً إلى قرية صغيرة استأجرنا منها العربة ثم رجعتُ أدراجي إلى الجبل.

ألفيت بيل يلزق لصوقاً على خدوش وجهه وكدماته. اشتعلت النيران خلف الصخرة الكبيرة القائمة عند مدخل الكهف، وكان الصبي يراقب قِدراً من القهوة المغلية وقد انغرزت في شعره الأحمر ريشتان من ذيل صقر حَوَّام. حين أقترب منه، يسدد إليّ عصاه قائلاً:

"ها! أيها الأبيض اللعين، هل تجرؤ على دخول معسكر زعيم الهنود الحمر، مُروِّع السهول؟"

"لا خوف منه الآن،" ينبئني بيل وهو يُشمر بنطاله ليدقق النظر في بعض الكدمات الظاهرة على قصبتيّ ساقيه. "نتظاهر بأننا هنديان. نجعل عرْض الممثل بافالو بيل يبدو وكأنه مناظر فلسطينية تَعرضها آلة الفانوس السحري* في دار البلدية. أنا هانك العجوز، ناصب الفخاخ، أسير زعيم الهنود الحمر، سوف تنسلخ فروة رأسي عند بزوغ الفجر. بحق جيرانيمو زعيم الهنود! باستطاعة ذلك الطفل أن يرفس رفساً."

لاح ذلك الصبي ولا مراء كمن يمضي أسعد أوقات حياته. أنسته متعة العسكرة داخل الكهف أنه هو نفسه أسير. أطلق عليّ من فوره اسم عين الثعبان، الجاسوس، مجاهراً بأني سوف أنشوى على الخازوق مع شروق الشمس حين يؤوب محاربوه من الهنود الحمر من طريق الحرب.

تناولنا بعدئذ العشاء؛ اكتظ فمه عن آخره بلحم الخنزير المقدد والخبز والمرق ثم طفق يتكلم. بدرت منه أثناء العشاء خطبة من قبيل:

"أنا مبسوط. لم أعسكر في الخارج أبداً من قبل؛ لكني ربيت أبوسوماً ذات مرة، وأكملتُ التاسعة في عيد ميلادي الأخير. أكره الذهاب إلى المَدرسة. أكلتْ الفئران الست عشرة بيضة كلها، بيضاً منقطاً من فرخة عمة جيمي تولبوت. هل هناك أي هنود حقيقيين في هذه الغابة؟ أود المزيد من المرق. هل تَحمل حركة الأشجار الرياح على الهبوب؟ كان عندنا خمسة جِراء. ما الذي يجعل أنفك أحمر كل هذا الاحمرار يا هانك؟ لدى أبي الكثير من النقود. هل النجوم ساخنة؟ ضرَبتُ إد ووكر بالسوط مرتين يوم السبت. لا أحب البنات. لا يُمْكنك مسك العلاجيم إلا بسلك. هل تُصْدر الثيران ضوضاء؟ لِم البرتقال مستدير؟ هل لديكما أَسرة لتناما عليها في هذا الكهف؟ آمِس موري عنده ستة أصابع. يستطيع الببغاء أن يتكلم لكن القرد والسمكة لا يَقدران. كم عدد ما يتطلب لعمل اثني عشر؟"

وكل بضع دقائق يتذكر أنه هندي أحمر مزعج فيلتقط عصا حوَّلها إلى بندقية ويمشي على أطراف أصابعه نحو فم الكهف كي يمد عنقه رانياً إلى الكشافة البيض الكريهين. ومن حين لآخر يبعث صيحة من صيحات الهنود إيذاناً بالحرب، صيحة ثبت رعدة في قلب هانك العجوز ناصب الفخاخ. لقد أوقع ذلك الصبي الرعب في نفْس بيل منذ اللحظة الأولى.

"يا زعيم الهنود،" أُوجه الخطاب إلى الطفل، "هل تحب أن تعود إلى بيتك؟"

"يووه، لماذا؟" يسأل. "أنا لا ألهو أبداً في البيت. أكره الذهاب إلى المَدرسة. تعجبني العسكرة في الخلاء. لن ترجعني إلى البيت من جديد، أليس كذلك يا عين الثعبان؟"

"ليس في الحال،" أنهيت إليه. "سوف نمكث هنا في الكهف قليلاً."

"ماشٍ!" رد عليّ. "موافق. لم أستمتع هكذا أبداً طيلة حياتي."

توجهنا إلى الفراش في الحادية عشرة تقريباً. فرَشنا بعض البطانيات واللُحُف العريضة ووضعنا زعيم الهنود الحمر بيننا. ما ساورنا خوف أن يفر. أبقانا مستيقظين ثلاث ساعات، كان يقفز ويمد يده إلى بندقيته صارخاً في أذني وأذن بيل "صه يا صاحبي!" عندما توحي طقطقة غصن وهمية أو خشخشة ورقة شجر إلى مخيلته الصغيرة بالدنو المختلَس للعصابة طريدة العدالة. أدركني في النهاية نوم لم يَسلم من القلق، وحلمتُ أن قرصاناً ضارياً ذا شعر أحمر اختطفني وسلسلني في شجرة.

صحوت عند الفجر بالضبط على سلسلة من الولولات الرهيبة يرسلها بيل. لم تكن صيحات أو زعقات أو هتافات أو عواء مثلما تتوقع من طقم رجولي من الأعضاء الصوتية – ما كانت إلا صرخات مخيفة مهينة غير لائقة كتلك الصادرة من نساء يَبصرن أشباحاً أو يرقاناً. لشد شناعة أن يتناهى إلى المرء صوت رَجل قوي البنيان يائس النفس سمين الجسم وهو يصرخ عاجزاً عن كبح روحه داخل أحد الكهوف في الفجر.

وثَبْتُ لأتبين ما يجري. كان زعيم الهنود الحمر يَجلس على صدر بيل وإحدى يديه تندس ملتوية في شَعر بيل، والأخرى تُمسك مطواة حادة استخدمناها في تشريح لحم الخنزير المقدد. كان يحاول محاولة جادة واقعية أن يقتلع فروة بيل وفقاً للحكم الصادر ضده في الأمسية الفائتة.

انتزعتُ المطواة من الطفل ثم دفعتُه إلى الاستلقاء مرة أخرى. غير أن روح بيل انكسرتْ منذ لحظتها. رقَد على جانبه من الفراش إلا أن جفناً لم يغمض له على الإطلاق مجدداً ما دام ذلك الصبي بصحبتنا. غلَبني النعاس هنيهة، ولكني افتكرتُ مع اقتراب طلوع الشمس أن زعيم الهنود الحمر صرح بأن مصيري الحرق على الخازوق عند الشروق. لم تدب فيّ العصبية أو الخوف؛ غير أني اعتدلتُ جالساً وأشعلتُ غليوني ثم اتكأتُ على إحدى الصخور.

"لِم صحوتَ يا سام في هذه الساعة المبكرة؟" يسألني بيل.

"أنا؟" أرد. "آه، ينتابني ألم في كتفي، وحسِبتُ أن الجلوس سيريحه."

"كذاب!" يرميني بيل. "أنت خائف. مصيرك الحرق عند شروق الشمس، وقد ركَبك الخوف من أن يفعلها. وسوف يفعلها أيضاً لو تسنى له العثور على عود كبريت. يا للبشاعة يا سام. هل تظن أن أحداً سيدفع نقوداً لإعادة عفريت صغير مثله إلى بيته؟"

"طبعاً،" أجيبه. "إن طفلاً مشاكساً من عينته هو بالضبط محل شغف الوالدين. انهضا أنت والزعيم الآن لتجهزا الفطور بينما أصعد قمة هذا الجبل وأستكشف المنطقة."

ارتقيتُ ذروة الجبل الصغير وأجلتُ الطرف في الجوار المتاخم. وفي اتجاه ’صَمِت‘ توقعتُ أن أرى أصحاب الأراضي، فلاحي القرية الأشداء، وهم يتسلحون بالمناجل والمذاري ويَشُقون طرق الريف بحثاً عن الخاطفين الأخسة. غير أن ناظريّ لم يلتقيا إلا بمشهد طبيعي تشمله السكينة وتتخلله نقطة واحدة كانت في الحقيقة رَجلاً يفلح الأرض ببغل بني ضارب إلى الرمادي. لا أحد ينقب بالشِباك في قاع النهير؛ لا رُسل يندفعون هنا وهناك ليجلبوا أخباراً لا جديد فيها لوالدين حل بهما الذهول. ثمة آجام مثقَلة بوَسَن نعسان سادت ذلك الجزء من السطح الخارجي الظاهري لولاية ألاباما، جزء ترامى مكشوفاً على مرأى مني. حدَّثتُ نفسي، "ربما لم يكتشفوا بعد أن الذئاب حمَلت الحمَل الصغير الغض من الحظيرة. فلتعاوِن السماء الذئاب!" نبستُ وأنا أهبط الجبل لتناول الإفطار.

حين بلَغتُ الكهف، ألفيت بيل لاهث الأنفاس متقهقراً لِصْق أحد جوانب الكهف والصبي يهدد بتهشيمه بحَجَر في حجم نصف جوزة هند.

"حَطَّ حبة بطاطس حامية مغلية في ظهري،" شرح بيل، "ثم هرسها بقدمه؛ فلكمتُ أذنيه. معك مسدس يا سام؟"

أخذتُ الحجَر من الصبي وسويتُ الخلاف قليلاً. "سوف أنتقم منك،" توعد الطفل بيل. "لم يسبق لرَجل البتة أن ضرب زعيم الهنود الحمر إلا ودفع الثمن. خيرٌ لك أن تحترس!"

نفرغ من الإفطار ثم يُخرج الطفل من جيبه قطعة جلد تلتف حولها الأوتار ويمضي إلى خارج الكهف وهو يحلها.

"ماذا ينوي الآن؟" يسأل بيل بلهجة تشي بقلق لا يعادله قلق. "ألا تظنه سيهرب، أليس كذلك يا سام؟"

"لا خوف من هذا،" أُعْلمه. "لا يبدو كطفل يحب قعدة البيت. إنما يجب أن نرتب خطة للفدية. الظاهر أن اختفاءه لم يُحْدث اهتياجاً كبيراً في أرجاء ’صَمِت؛‘ علهم لم يكتشفوا غيابه بعد. ربما يظن أهله أنه يقضي الليلة مع العمة جين أو أحد الجيران. على أي حال سوف يلاحظون غيابه اليوم. لا بد أن ننقل الليلة رسالة إلى أبيه مطالبين بالألفين دولار لقاء عودته."

ورَد إلينا في تلك اللحظة صوت أشبه بصيحة حرب، مثلها مثل صيحة ربما تعالت من النبي داود عندما صرَع المحارب جليات بحَجَره. كان مقلاعاً جذبه زعيم الهنود الحمر من جيبه وشرَع يلفه حول رأسه.

سارعتُ بخفض رأسي ثم سمَعتُ ضربة مكتومة ثقيلة وصوتاً أقرب إلى التنهيدة يرتفع من بيل، كتلك المنبعثة من حصان تَرْفع عنه السرج. أصاب حجَر مستدير أسود في حجم البيضة بيل خلف أذنه اليسرى تماماً. أرخى جسمه بالكامل وسقط في النار على مقلاة تحمير تحوي مياه ساخنة لغسيل الأطباق. جررتُه إلى الخارج ورحت أصب على رأسه مياه باردة لمدة نصف ساعة.

سرعان ما يَجلس بيل ويتحسس خلف أذنه قائلاً: "هل تَعلم يا سام الشخصية المفضلة لديّ في الإنجيل؟"

"هوِّن على نفسك،" أقول. "سوف تسترد وعيك بعد لحظات."

"الملك هيرودس" يبوح إليّ. "لن تذهب وتتركني هنا وحدي، أليس كذلك يا سام؟"

خرجتُ لأقبض على ذلك الصبي ورحت أهزه حتى قعقع نمشه.

"إن لم تُحسن سلوكك،" هددتُه، "سوف أُرجعك إلى البيت مباشرة. هل ستتأدب الآن أم لا؟"

"كنتُ فقط أمزح معه،" قال مقطب الجبين. "لم أقصد أن أؤذي هانك العجوز. لكن لِم ضربني؟ سأتأدب يا عين الثعبان إن لم ترسلني إلى البيت، وإن تركتني ألعب اليوم لعبة ’الكشاف الأسود.‘"

"لا أعرف اللعبة،" أُخبره. "اختيار اللعبة متروك لك وللسيد بيل. فهو رفيقك في اللعب اليوم. سوف أغادر لبرهة قصيرة حتى أقضي بعض الأعمال. ادخل الآن وصالحه واعتذر عن جرحه، وإلا ستعود إلى بيتك فوراً."

جعلتُه هو وبيل يتصافحان ثم انفردتُ ببيل وأبلغتُه أني في سبيلي إلى بابيولِر جروف – قرية صغيرة على بعد ثلاثة أميال من الكهف – لأقف ما وسعني على رد فعل ’صَمِت‘ على عملية الاختطاف. كذلك خلتُه من الأفضل أن أبعث يومئذ برسالة قاطعة النبرة إلى الأب دورسِت مطالباً بالفدية ومملياً عليه طريقة دفعها.

"تَعْرِف يا سام؟" يقول بيل، "لقد وقفتُ إلى جانبك دون أن تطرف لي عين في أثناء الزلازل والنيران والفيضانات، خلال مباريات البوكر وهجمات الديناميت وغارات الشرطة وسرقات القطارات والزوابع. لم أفقد أعصابي قط إلا لمَّا خطفنا ذلك الطفل الشبيه بصاروخ يتحرك على ساقين. لقد نال مني. لن تتركني معه طويلاً، أليس كذلك يا سام؟"

"سأعود في ساعة من هذا الأصيل،" أخبرتُه. "لا بد أن تسلي الصبي وتهدئه إلى أن أرجع. والآن سنكتب الخطاب إلى دورسِت العجوز."

أحضرتُ أنا وبيل ورقة وقلم رصاص وانشغلنا بكتابة الخطاب على حين اختال زعيم الهنود الحمر ذهاباً وإياباً ببطانية ملفوفة حوله وهو يحرس فم الكهف. توسَّل بيل إليّ دامع العينين كي أجعل الفدية ألف وخمسمائة دولار بدلاً من ألفين. قال، "إنني لا أحاول الانتقاص من الوجه المعنوي المعروف لعاطفة الأبوة لكننا نتعامل مع بشر، وليس من طباع البشر أن يتخلى أي شخص عن ألفين من الدولارات من أجل قطعة سِنور بري منمَّش يزن أربعين رطلاً. أنا مستعد للمخاطرة عند ألف وخمسمائة دولار. بإمكانك أن تُقيد الفرق على حسابي."

وهكذا، رغبة في إراحة بيل، وافقتُ على طلبه، وتعاونا على كتابة خطاب جرى على هذا النحو:

 

إبينيزر دورسِت المحترم،

ابنك في حوزتنا، أخفيناه في مكان ناء عن ’صَمِت.‘ لا جدوى من أن تحاول أنت أو أمهر المخبرين إيجاده. الشروط الوحيدة على الإطلاق لإرجاعه إليك هي التالية: نطالب بألف وخمسمائة دولار ذات فئة كبيرة في مقابل عودته؛ ينبغي ترك الأموال الليلة عند منتصف الليل في نفس البقعة ونفس العلبة المتضمنة ردك – كما سيتم شرحه فيما يلي. لو وافقتَ على هذه الشروط، أرْسِل ردك كتابةً مع رسول منفرد في الثامنة والنصف الليلة. بعد جسر أوِلْ كريك، في الطريق إلى بابيولِر جروف، تنهض ثلاث أشجار ضخمة تَبعد الواحدة عن الأخرى نحو مائة ياردة بالقرب من سياج حقل القمح على الجانب الأيمن. سوف يجد أسفل عمود السياج، أمام الشجرة الثالثة، علبة صغيرة من الكرتون.

سوف يضع الرسول الرد في هذه العلبة ثم يعود أدراجه تواً إلى ’صَمِت.‘

لو حاولتَ الإقدام على أية حركة خيانة أو قصَّرتَ في الإذعان إلى طلبنا كما هو منصوص عليه، لن ترى ابنك بعينيك مرة ثانية.

وإن دفعتَ الأموال مثلما طولبتَ، سوف يرجع إليك سالماً معافى في غضون ثلاث ساعات. إن هذه الشروط نهائية، وإذا لم تَقبلها، لن تتم أية محاولة أخرى للاتصال بك.

 

رَجلان يائسان

 

عنونتُ هذا الخطاب إلى دورسِت ووضعتُه في جيبي. وفيما كنت أهم بالانصراف، يُقْبل إليّ الطفل قائلاً:

"يووه يا عين الثعبان، قلتَ إني أَقدر أن ألعب لعبة ’الكشاف الأسود‘ أثناء غيابك."

"العبها طبعاً،" أؤكد. "سوف يلعب السيد بيل معك. ما هي تلك اللعبة؟"

"أنا الكشاف الأسود،" يخبرني زعيم الهنود الحمر، "ولا بد أن أمتطي حصاني إلى الحاجز الدفاعي حتى أُحذر المستعمرين من مجيء الهنود الحمر. مَلِلتُ لعب دور الهندي بنفسي. أريد أن أكون الكشاف الأسود."

"حسناً،" أوافق. "تبدو لي لعبة غير مؤذية. أظن أن السيد بيل سيعاونك على صد الهمج المزعجين."

"ماذا سأفعل؟" يستفسر بيل وهو يرمق الطفل بعين تنم عن ريبة.

"أنت الحصان،" يفوه الكشاف الأسود. "انزل على يديك وركبتيك. كيف لي أن أقصد الحاجز الدفاعي بدون حصان؟"

"من الأفضل أن تَشغل انتباهه،" أقول، "إلى أن تسير الخطة. فُكَّهَا."

يهبط بيل على أطرافه الأربعة كلها، وتتراءى في عينيه نظرة أرنب واقع في الفخ.

"ما هي المسافة حتى الحاجز الدفاعي يا فتى؟" يسأل بصوت أجش النبرة.

"تسعون ميلاً،" يجيب الكشاف الأسود. "ولا بد أن تُقطع روحك حتى تصل هناك في الوقت المحدد. شييييي هيا!"

ينط الكشاف الأسود على ظهر بيل ويكز جنبه بكعبيه.

"بحق السماء،" ينطق بيل، "عُد سريعاً يا سام، في أسرع وقت ممكن. ليتنا لم نزد الفدية عن ألف. اسمع، كُف عن رفسي وإلا سأَقوم وأُمَوِّتك من الضرب."

سِرت إلى قرية بابيولِر جروف وتسكعتُ حول مكتب البريد والمتجر متبادلاً أطراف الحديث مع ريفيين أجلاف وفَدوا لمقايضة بضائعهم. أخبرني رَجل أطال سبلة كثيفة أنه سمع أن ’صَمِت‘ تموج بانزعاج لا حد له بعد أن تاه صبي إبينيزر دورسِت الأكبر أو اُختطف. ذلك كل ما رغبتُ في الإلمام به. ابتعتُ بعض التبغ لتدخينه وندت عني إشارة عابرة إلى سعر اللوبياء ثم وضعتُ خطابي خفية في صندوق البريد لأرحل عن المكان. قال مدير مكتب البريد إن الساعي سيعرج على المكتب في خلال ساعة لكي يأخذ الخطابات إلى ’صَمِت.‘

عندما رجعتُ إلى الكهف، لم أعثر على بيل ولا الصبي. فتشتُ في المنطقة المُحْدقة بالكهف، وخاطرتُ بإطلاق نداء أو اثنين بصوت تردد بين العادي والمرتفع لكني لم أحظ بجواب.

وهكذا أشعلتُ غليوني واتخذتُ مجلسي على منحدَر تكسوه الطحالب في انتظار التطورات.

انقضت نحو نصف ساعة ثم نمى إلى أذنيّ حفيف الشجيرات وترنَح بيل صوب الخلاء الصغير الواقع أمام الكهف. ومن خلفه جاء الطفل وهو يطأ بقدميه في رفق كما يليق بكشاف، وقد حسَر وجهه عن ابتسامة واسعة. توقف بيل وخلع قبعته ثم مسح وجهه بمنديل أحمر. توقف الطفل قرابة ثماني أقدام ورائه.

"سام،" يبادرني بيل، "أظنك ستحسبني خائناً غير أني لم أتمالك نفسي. إنني شخص بالغ ذو نزعات رجولية وعادات للدفاع عن النفس، لكن يأتي وقت تخفق فيه كل أنظمة الأنانية والغلبة. لقد راح الصبي. أرسلتُه إلى بيته. كل شيء لاغ. شهِدتْ الأيام الخالية شهداء عانوا الموت بدلاً من النزول عن الكسب الحرام متعتهم. لم يَخضع أحدهم إطلاقاً لمثل ما خضعتُ له من تعذيب خارق للطبيعة. لقد حاولتُ أن أظل مخلصاً لِما وضعناه من بنود للسلب؛ إنما لكل شيء حد."

"ماذا جرى يا بيل؟" أسأله.

"لقد ركبني،" يكاشفني بيل، "التسعين ميلاً حتى الحاجز الدفاعي دون أن يستثني بوصة واحدة. وبعد إنقاذ المستعمرين، أعطاني شوفاناً. الرمل ليس بديلاً سائغاً عنه. أرغمتُ بعدئذ لمدة ساعة على أن أحاول أن أشرح له سبب خلو الثقوب من أي شيء، كيف يمكن للطريق أن يمتد في كلا الاتجاهين، ما الذي يجعل العشب أخضر اللون. صدقني يا سام، لا طاقة للبشر باحتمال كل هذا. أخذتُ بتلابيبه وجررتُه هابطاً الجبل. ركل ساقيّ في الطريق فاسودتا وازرقتا من الركبتين حتى أسفلهما؛ سوف أضطر إلى أن أكوي عضتين أو ثلاثاً على إبهامي ويدي."

"لكنه راح" – يستأنف بيل – "راح إلى بيته. أريته الطريق إلى ’صَمِت‘ ورفستُه رفسة قرَّبتْه منها نحو ثماني أقدام. آسف على ضياع الفدية؛ ولكن إما أن تضيع وإما أن ينتهي بيل دريسكِل إلى مستشفى المجاذيب."

يلهث بيل سريعاً بأنفاس منقطعة، ومع ذلك تطل من عينيه نظرة دالة على طمأنينة يتعذر وصفها ورضا يتنامى على ملامحه الوردية.

"لَم يَمرض أحد من أفراد عائلتك بالقلب، أليس كذلك يا بيل؟" أسأله.

"لا،" يرد بيل، "لا شيء عضال عدا الملاريا والحوادث. لماذا؟"

"اِستدِر إذن وتطلع خلفك،" أقول.

يتلفت بيل وترتطم عيناه بالصبي فيَصفر وجهه وإذا به ينحط على الأرض ليبدأ باقتلاع العشب والعيدان الصغيرة دون أدنى هدف. ولمدة ساعة خشيت أن يَذهب عقله. ثم أبلغتُه بأن خطتي تقضي بتنفيذ المهمة بأكملها على الفور وأننا سنحصل على الفدية ونرحل بها بحلول منتصف الليل لو وافق دورسِت العجوز على عَرْضنا. وهكذا استجمع بيل قواه بما يكفي ليمنح الطفل ما يشبه الابتسامة الباهتة ووعداً بأن يلعب معه دور الروسي في حرب يابانية بمجرد أن يشعر بالقليل من التحسن.

وضعتُ خطة لقبض تلك الفدية بدون التعرض لخطر القبض عليّ بفعل مكائد مضادة من المتوقع أن يستحسنها المختطفون المحترفون. استقرت بالقرب من سياج الطريق الشجرة مكان ترك الرد – والأموال في وقت لاحق. طوقتْها من كل الجوانب حقول شاسعة جرداء. لو أن زمرة من موظفي الأمن ترصد حضور أي شخص من أجل الرسالة، فبمقدورهم إبصاره من مسافة بعيدة وهو يجتاز الحقول أو يسير في الطريق. لكن لا وألف لا! حانت الثامنة والنصف فاعتليت تلك الشجرة واختبأتُ كعلجوم الشجر في انتظار قدوم الرسول.

وفي الوقت المحدد تماماً، يطوي صبي ناقص النمو الطريق بدراجة. يُحدد موضع العلبة الكرتون أسفل عمود السياج ثم يدس فيها بيد حذرة قطعة ورق مطوية. يَركب الدراجة ثانية ليبتعد راجعاً إلى ’صَمِت.‘

انتظرتُ ساعة ثم استنتجتُ أن الموقف لا تشوبه الخيانة. انزلقتُ على الشجرة وأخذتُ الرسالة. تسللتُ بحذاء السياج حتى انتهيت إلى الغابة وعدت إلى الكهف في غضون نصف ساعة أخرى. فضضتُ الرسالة ودنوت من المشكاة لأقرأها على مسمعيّ بيل. انكتبتْ بقلم حبر وخط يد يستعصي على القراءة، وخلاصتها هي التالي:

 

إلى الرَجلين اليائسين.

 

أيها السيدان: لقد تلقيتُ خطابكما اليوم بالبريد فيما يتعلق بالفدية مطلبكما مقابل عودة ابني. وأظن أنكما تغاليان قليلاً في طلباتكما، وأنا بموجب هذه الرسالة أَعرض عليكما مقترَحاً مضاداً أميل إلى الاعتقاد أنكما ستبديان موافقتكما عليه. أحضِرا جوني إلى البيت وادفعا لي مائتيّ وخمسين دولاراً نقداً، وسوف أَقبل أن آخذه من بين أياديكما. خيرٌ لكما أن تجيئا ليلاً، فالجيران يعتقدون أنه تائه، ولا يسعني أن أتحمل مسؤولية ما سيفعلونه بأي شخص يرونه وهو يعيده. مع وافر الاحترام،

 

                            إبينيزر دورسِت

 

"بحق قراصنة ميناء بينزانز العظماء!" أنبس؛ "مِن بين كل الوقحين – "

غير أني ألقيت لمحة إلى بيل وخامرني التردد. نطقتْ عيناه بنظرة استغاثة لم أشهدها قط على وجه أبكم أو همجي ناطق.

"سام،" يخاطبني، "ما هي قيمة مائتا وخمسون دولاراً في النهاية؟ لدينا المال. ليلة واحدة أخرى مع هذا الطفل ستقذف بي إلى سرير في بيمارستان المجانين. وعلاوة على أن السيد دورسِت رَجل مهذب بكل ما في الكلمة من معنى، أخاله مبذراً لتقديمه مثل هذا العرض السخي. لن تدع الفرصة تفوتنا، أليس كذلك؟"

"أقولك الحقيقة يا بيل،" أصارحه، "إن هذا الحَمَل العزيز الصغير أثار أعصابي أنا الآخر. سوف نأخذه إلى بيته وندفع الفدية ثم نلوذ بالفرار."

صحبناه ليلتئذ إلى بيته. أقنعناه بالذهاب بعد أن أخبرناه بأن أباه ابتاع له بندقية بدعامة فضية وزوجين من أحذية ناعمة الجلد كأحذية الهنود الحمر، وأننا سنصطاد الدببة في اليوم التالي.

طرقنا باب إبينيزر الأمامي في تمام الثانية عشرة. وفي نفس اللحظة التي كان يجب أن أسرق فيها ألف وخمسمائة دولار من العلبة الراقدة أسفل الشجرة وفقاً للعرْض الأصلي، كان بيل يعد مائتيّ وخمسين دولاراً في يد دورسِت.

عندما اكتشف الطفل أننا سنتركه في البيت، أطلق فجأة ولولة خليقة بالأرغن البخاري وتشبث بساق بيل بإحكام شأنه شأن العَلَقَة. نزَعه أبوه بالتدريج كمن ينزع لزقة مليئة بالمسام.

"حتام تستطيع الإمساك به؟" يسأله بيل.

"لم أعد قوياً كما كنتُ،" يرد دورسِت العجوز، "لكن أظنني أستطيع أن أعِدك بعشر دقائق."

"كافية،" يقول بيل. "في خلال عشر دقائق سأَعبر الولايات المركزية والجنوبية والغربية الوسطى وأركض بمنتهى الخفة في اتجاه الحدود الكندية."

ورغم الظلمة المخيمة، ورغم بدانة بيل، ورغم مهارتي في العدو، سبَقني بمسافة ميل ونصف لا ينقصها شبر خارجاً من ’صَمِت‘ قبل أن أقوى على اللحاق به.

 

 

                                                                       

 

* الفانوس السحري: آلة بصرية كانت تستخدم قديماً في إسقاط صورة مكبرَّة على شاشة أو حائط أبيضين.

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.