مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

مسألة برونو

 

 

تراءت شيكاغو من السماء والثلوج تلفها أشبه بلوحة مجمدة من رقائق الكمبيوتر تتحرك عبرها السيارات في سكينة كتحرك الوحدات الإلكترونية بين الرقائق. بينما كانت الطائرة تدور، تعرضت لمطب هوائي، فوثب عصير البرتقال الذي كان برونيك يشربه من الكوب البلاستيكي وحط على سرواله البني الفاتح. لم يدرك برونيك أن العصير خلف بقعة ملونة بدرجة خفيفة من درجات البول إلا بمجرد أن هبطت الطائرة وفك حزام المقعد. كانت أندريا في انتظاره عند بوابة الخروج. أشار إلى البقعة مطلِقاً نكتة حول مثانته وما حوتها من نفاية قذرة. لم يند الضحك عن أندريا. قدّمت له وجنتها اليمنى ونصف جسدها العلوي المتصل بها في حين أبقت نصفها السفلي على بعد عدة أقدام وكأنما خشيت ما قد يطرأ إن لامس حوضها حوضه.

وقفا على الممشى المتحرك الذي انزلق عبر نفق مظلم فيما تهدج صوت أنثوي مصطنع يحذر من عدم الانتباه إلى الحقائب.

حاول برونيك أن يتحلى بشخصية جذابة. "لو أن ما يرفعك إلى أعلى يسمى مِصعداً، فهل هذا مِسطح؟" سأل.

"آه، صح،" أجابت أندريا وهي تنقب في أعماق حقيبتها لتستخرج موزة.

التقى برونيك بها الصيف الفائت في أوكرانيا. وقع هذا عام 1991، تجولا معاً في كييف وتغازلا إبان محاولة الانقلاب. وقفا ويدها في يده أمام البرلمان الأوكراني أثناء إعلانه الاستقلال بينما رفرفت أعلام الجميع حولهم وتوردت الخدود مفعمة بالإثارة الوطنية. صاحبت أندريا رفيقاً بريطانياً كان يرتدي طيلة الوقت عصابة وردية حول رأسه، أنفق كل ليلة يفتش متفائلاً عن حفلة ماجنة بكييف إلا أنه لم يعثر عليها أبداً. عمل مصوراً بهيئة الإذاعة البريطانية، وفي يوم إعلان الاستقلال كان – بارك الله فيه – في منتهى الانشغال. لذا سارت أندريا وبرونيك باتجاه نهر دنيبر وابتاعا بدولارين قبعة ضابط بالجيش الأحمر وحزاماً مشقوقاً من الجلد. أكلا بيتزا -- بحجم الطبق الطائر -- أضيف أعلاها الجزر والبنجر وتفرجا على النهر وهو يلتمع بنجوم متفرقة لم تكن سوى أسماك نافقة. تحسس برونيك باطن فخذيّ أندريا دون أن يجتاز قط خط سروالها الداخلي فيما اصطدم طرفا لسانيهما في حركات خرقاء. وفي نوبة من النشوة المستعصي تعليلها، شدا برونيك لاهثاً في أذنها بأغنية لسيناترا: "أتدرب كل يوم كي أجد بعض الجمل الذكية لأقولها، كي أجعل المراد حقيقة" كانت تلك واحدة من الأغاني التي عزفتها فرقة البلوز* خاصته المسماة ’جوزيف برونيك الأعمى & الأرواح الميتة‘ في سراييفو حيث – زعم – أنهم كانوا ذائعي الصيت. المعجز أنها وجدت الأغنية محببة إلى نفسها غير أنها رحلت في اليوم التالي إلى مدينة كاركيف برفقة المصور.

بعد أن عاد برونيك إلى سراييفو، خط لها خطابات غرامية حفلت بأوراق الخريف البنية الضاربة إلى الحمرة وبذكرياته حول الوقت الذي قضياه معاً (بلغ في مجموعه ثلاثاً وخمسين ساعة). قالت رداً عليه إنها مشتاقة إليه وإنها تود رؤيته ثانية – رغبة كان باعثها كما خال برونيك عدم احتمالية تحققها. طفقا يعيدان كتابة الوقت الذي أمضياه معاً: تذكرت أنها احتست نبيذاً حلو المذاق رغم أنهما لم يشربا في كييف غير الفودكا الكريهة. استرجع عطرها الفواح مع أنهما تفصدا عرقاً دائماً بمدينة انخفض ضغط مياهها طيلة العام إلى حد أعجز عن الاستحمام. دغدغت حواسهما بقوة ذكرى الرقص ملتصقي الوجنتين بينما الحقيقة أنهما هرولا في بلاهة على إيقاع الحانة الألمانية عتيقة الطراز والأوكرانيون كثيفو الشعر يحتشدون حول أندريا محاولين أن يحكوا أجسادهم العرقانة بجسدها. وما هي إلا أن لفقا عدداً كافياً من الذكريات المزيفة حتى وجهت إليه الدعوة للقدوم إلى شيكاغو، عل ما حثها على ذلك تقرير إخباري حول الحرب في كرواتيا و "التوترات" في البوسنة. كانت دعوة كريمة لم يتخيل أي منهما أن برونيك في استطاعته قبولها أبداً. بيد أنه تلقى دعوة رسمية لزيارة الولايات المتحدة بصفته كاتباً محباً للحرية مما حدا به إلى إضافة شيكاغو إلى خط رحلته.

 

لاحت مختلفة عما وعته ذاكرته من صورة عنها: ظهرت أشحب لوناً وقصر شعرها واغمق لونه كما ثقب أنفها خاتم فضي. إلا أنه لم يزل يتوق للمسها.

بينما اقتربا من المدينة، استوى الأفق على خلفية السماء الفارغة كقاعدة شاشة لعبة التتريس الإلكترونية. قادت أندريا سيارتها عبر ما أسمته باللوب* مشيرة إلى كل ناطحة سحاب ومعلنة عن وظيفتها. تناهى حديثها كله كالرطانة لأذنيّ برونيك: مجلس التجارة، أعلى مبنى في العالم، أضخم شيء، شيء آخر هو الأنشط. فتح النافذة وارتقى ببصره إلى أعلى غير أنه لم يتمكن من رؤية قمم المباني.

"هكذا يرى الصرصور أثاث الشقة،" قال.

"أكيد،" قالت أندريا وهي تشغل المذياع.

فتحت باب شقتها (عليه لافتة تحذر "الويل للمغتصبين")، فملأت منخريّ برونيك موجة نفاذة من الدخان والبطاطس المحمرة.

"زميلي في السكن قذر العادات،" أفضت إليه. جال برونيك بنظره في أرجاء الحجرة: أريكة يبرز حشو وسائدها وتسجيل مجسم الصوت وتلفزيون تتكوم عليه أقراص مدمجة وشرائط فيديو. ثمة مائدة صغيرة اندفن سطحها تحت أكياس ماكدونالدز وعلب سجائر مسحوقة ومنافض تغص بأعقاب السجائر ورمادها. كانت النافذة تشرف على جدار من الطوب. رمقت برونيك قطة سوداء كما الخنزير ثم أشاحت بعينيها. استقرت على مائدة المطبخ مجموعة كبيرة من زجاجات البيرة ممزقة العلامات، تجمعت معاً وكأنها في انتظار حكم الإعدام. امتلأ الحوض بأطباق غاصت في سائل قذر.

"مَن هو زميلك في السكن؟" سأل برونيك.

"إنه رفيقي،" ردت أندريا. "لكن لكل منا حجرة نوم مستقلة."

"منذ متى وأنتما معاً؟"

"من حوالي عشرة أعوام، بصورة متقطعة. لكني أكره هذا السافل. أظنني أريد الانفصال عنه."

"أيعلم عني؟"

"آه نعم، طبعاً. أبلغته أنك قادم. هو لا يعبأ في كثير أو قليل."

ناولته عبر المائدة فنجاناً من القهوة تغطيها طبقة رقيقة زيتية. ود لو يتحسس وجنتيها وما يكسو قفاها من قماش رقيق وامض. فتنته شفتاها اللتان بالكاد تلامستا وهي تفه بحروف الباء والميم وأسنانها التي لمعت وهي تنطق حروفها الاحتكاكية. حمل بعدها حقيبتيه إلى حجرة النوم حيث تدلت حمالات صدرها من مقابض الباب كجلود الأرانب.

تطارحا الغرام ليلتئذ. قبل أن يفعلا، بسطت أندريا لفة من العوازل وجعلته يرتدى واحداً. "هذه هي التسعينيات،" قالت. "لا يلمس الناس بعضهم بعضاً إلا وهم يرتدون قفازات مطاطية." عندما سحقا الملاءة بجسديهما وتعالى صرير السرير في حماسة، ما فتئت أندريا تقول، "أليس هذا ممتعاً؟ أيعجبك هذا؟ أليس هذا رائعاً؟" ثم مضت إلى الحمام. فاكتشف برونيك أن صورة جسدها المنعكسة على النور كانت رائعة.

عندما عادت وهي تضوع برائحة غسول الشعر بالموز، خلع العازل ونهض ثم قبّل شعرها المبلول وهو في طريقه إلى خارج الحجرة فيما تهدل العازل من يده. بيد أنه عندما هم بدخول الحمام، انفتح الباب عن رجل خارجاً منه. وقف برونيك مكانه أمام الرجل عارياً وواعياً فجأة كل الوعي بصدره الخالي من الشعر.

"أهلاً،" بادر برونيك بالقول.

"كيف حالك؟" أجاب الرجل.

"جيد."

"جيد."

خيم السكون.

"مَن أنت؟"

"أنا صديق أندريا."

"أنا كاروين،" قدّم نفسه. لم يكن حليق الذقن حسبما تقتضي الموضة وكان أشعث الرأس. ارتدى قميصاً غير مزرر من قماش الفانلة وقميصاً قطنياً عليه صورة ملاك أشقر مصلوب. "هل أنت روسي؟"

أحس برونيك بالبرودة تتسلل إلى قدميه فأراح أخمص قدمه اليسرى على ربلة ساقه اليمنى ووقف هناك كمحارب من قبيلة الماساي – عدا أنه أمسك بعازل مستعمل عوضاً عن الرمح.

"لا، أنا من سراييفو بالبوسنة،" أجاب. "لكننا تقابلنا في أوكرانيا."

"حسناً، يسعدني لقاؤك،" قال. "آمل ألا أرى أبداً وجهك الحقير ثانية." ثم انطلق صياحه موجهاً ناحية غرفة أندريا، "الآن تجلبين أجانب زبالة. ألا يكفيك الرجال الأمريكون أيتها العاهرة الوضيعة."

"تباً لك يا أنجلو ساكسوني يا خسيس!" صرخت رداً عليه.

انسل برونيك أخيراً إلى الحمام. أسقط العازل في المرحاض، لكنه كلما أهال عليه الماء، ارتفع ثانية متذبذباً في تحد. ألقى نظرة على المرآة فطالع بوجهه بثوراً حمراء وأسناناً صفراء ورأساً مربعاً كرؤوس السلافيين يعتليه شعر دهني ملتصق بجبهته المنخفضة. تعرّف على نفسه بوصفه أجنبياً – جسم غير متناسق يفتقر إلى الرشاقة وإلى المأوي. حلق ذقنه واغتسل وكأنه يحتفل بهويته الجديدة.

 

كانت أندريا فنانة. عرضت أحدث لوحاتها على برونيك، لوحة ذاتية يصحبها فيها خنزير وخنزيرة بعنوان "البيت." ظهر في اللوحة ذراعا أندريا وقد تدليا حول فخذيّ الخنزيرين. كانت الصور الثلاث تحدق في وجه برونيك. تلون الخنزيران باللون الوردي الخالص وتورمت حلمات الخنزيرة. قالت له أندريا إنها رسمتها منذ سنتين ولم تقم بصنع شيء من وقتها. "ثمة أشياء أحتاج إلى الوقوف عليها عن نفسي قبل أن يسعني مشاركة الآخرين فيها،" أطلعته.

كانت أندريا تعمل في محل الهدايا التابع للمعهد الفني بشيكاغو. كانت تستيقظ كل صباح عمودية بفراشها في حركة مباغتة مترنحة – مثلما تستيقظ النسوة في أفلام الرعب على كابوس قبيل دخول القاتل ليشرّطهن – ثم تشعل سيجارة. كانت تدخن بكثافة غير عادية: تستنشق أنفاساً قصيرة إنما مهتاجة لتزفر زفرات مصحوبة بتنهيدة خفيضة مثقلة بالهموم فيما تحتفظ بمرفقها الأيمن محشوراً في راحة يدها اليسرى، كانت السيجارة قريبة دوماً من فمها. ثم تشرع في الصفير. يسمع برونيك وهو بين النوم واليقظة ما تحدثه من جلبة وهي تنتقي ملابسها من الدولاب وحفيف جواربها المتدحرجة. يحاول تمييز الأغنية التي تصفر بها إلا أنه يغرق في النوم مجدداً قبل أن يستطيع.

عندما استيقظ برونيك أخيراً بعد مرور ساعتين، تتبع رائحتها حتى الحمام حيث ما زال حوض الاستحمام يُظهر آثار شعرها المجعدة. بعد أن قام بما يتوجب عمله بالحمام، أنقذ طبقاً من مستنقع الأطباق ليتناول بعض الجبن الإيطالي الطري مع البسكويت الناشف. رشف القهوة من فنجان انطبعت على حرفه آثار أحمر شفاه ثم حاول أن يكتب لوالديه في سراييفو. لم يكن بمقدوره على الإطلاق تجاوز المكان أو الزمان – الأمر الذي بدا في غير حاجة إلى تفسير. رغب في أن يتصل بهما بدلاً من مراسلتهما بيد أنه لم يملك نقوداً لدفع ثمن المكالمة. شاهد بنشرة الأخبار متاريس وأناساً يعدون في هلع وعربات مدرعة بيضاء تقف وسط أحد شوارع سراييفو.

كان في أغلب الأيام يلتقي بأندريا على الغداء، فكان يسير إلى المتحف بحذاء الطريق المسمى بالميل الرائع، حمله الطريق على التفكير في فلم السبعة الرائعون الذي ذكّره بدوره بفلم الساموراي السبعة، على أنه لم يستشعر أية روعة في تلك المباني التي تشبه المشارح أو في ذلك الميل الكئيب أو في هؤلاء الناس ذوي الوجوه الرخامية الذين ساروا على طول الشارع قابضين على حقائبهم ومحافظهم. بينما كان يخبط متثاقلاً فوق ثلوج إبريل نصف الذائبة، فطن بالضبط إلى مدى عدم جدواه، إذ أدرك أن كل شيء سيظل تماماً على حاله لو خلت في تلك اللحظة المساحة التي يحتلها جسمه. عندما شارك أندريا لاحقاً في هذه الفكرة، رددت وهي تقهقه قهقهة بغيضة، "أرض الحرية، موطن الشجعان."

انتظر برونيك أن تأخذ أندريا راحة الغداء ثم سارا معاً على مهل داخل أروقة المتحف، يتبعان كتيبة تضم أولاداً بالمرحلة الثانوية، أغلبهم شقر وبدناء ("متغذون بالذرة،" همست أندريا). بعث الأولاد بقهقهاتهم أمام صور لسيدات عاريات. حاول برونيك أن يبدو كلامه مثقفاً ومتحضراً مستغلاً أحسن استغلال الساعتين اللتين أمضاهما ذات مرة بمتحف اللوفر واللتين ضاع جُلهما في مشاهدة الجناح المروع الخاص بالقرن الثامن عشر.

كانت لوحة أندريا المفضلة ضخمة الحجم وسوداء بالكامل – تجاعيد سوداء ولطخ سوداء ودهان أسود متغضن. لم يقف برونيك على سبب إعجابه بها لكن هذا ما حدث. تفرسا فيها كالأبلهين لوهلة إلى أن قالت أندريا، "مَن نحن بين يديّ إله غاضب؟"

في إحدى الظهائر صحبت أندريا برونيك إلى حجرة حفظ المعاطف. "كيف يتأتى للمرء أبداً معرفة ما إذا كان قد أخذ السترة الصحيحة؟" سأل.

"لأن معك رقماً،" أجابت أندريا.

"لكني أظنهم قد يفتشون جيوب المرء كي يصوروا ما بها ويصنعوا نسخاً من المفاتيح ويبدلوا كل شيء وعليه عندما يخرج المرء ويضع سترته، تختلط عليه ذكرياته."

هزت أندريا منكبيها قائلة، "أنتم أيها القادمون من شرق أوروبا غريبو الأطوار."

عندما وصل برونيك إلى البيت، كان كاروين هناك يشاهد التلفزيون. قفز من فوق الأريكة – عله قوطع وهو يستمني – واتجه إلى غرفته. غيّر برونيك القناة من مسلسل "آل دوك في هازارد" إلى قناة سي إن إن فأبصر أمام مبنى البرلمان بسراييفو حشداً من الناس ينكمش خوفاً أو يركض بحثاً عن ملجأ. تبدت لقطة سريعة لزوجين من الأقدام، ارتدى أحدهما حذاء رياضياً خفيفاً والآخر حاف غير أن كليهما كانا ينتفضان. حجب البقية الباقية من جسميهما أشخاص يحاولون تقديم يد المعاونة، كان بعضهم يبكي مكفكفاً خديه بيدين تلطختا بالدماء.

 

عقد برونيك العزم على البقاء في الولايات المتحدة، ربما حتى نهاية حياته. وفي ليلة تساقطت فيها الثلوج، أسقط كاروين على الأرضية قِدراً به صلصة مكرونة وهتف "اللعنة!" فاستيقظ برونيك من كابوس راوده وقلبه يخفق بشدة. استطاع أن يرى عبر الباب المفتوح كاروين وهو يحاول تنظيف الصلصة إلا أنه بدلاً من ذلك كان ينشرها كالدهان الأحمر على الأرضية كلها. لاحت كالدماء فتخيل برونيك نفسه ممدداً على تلك الأرضية ودماغه يرتشح في بطء غير شاعر إلا بدوار واخز. حك كاروين متفكراً ما بين ساقيه وقرر أن يترك محاولة التنظيف مكرراً "اللعنة!" كي يختم قراره ثم سار بقدمين ثقيلتين نحو الأريكة ليتفرج على التلفزيون.

استيقظ برونيك صبيحة اليوم التالي متوعكاً وقد انتابت جبهته وقفاه نبضات عنيفة. كانت أندريا قد برحت الشقة. صك أذنيه صوت التلفزيون غير أنه لم يستطع القيام فأرخى جفنيه مرة ثانية وراح يطفو داخل أحلامه البليدة وخارجها. عادت أندريا إلى البيت بعد العمل فأعدت له بعض الشاي وأعطته سلطانية بها حبوب قمح تعوم فوق لبن متلألئ. لثمت جبهته الساخنة ثم غادرته متوجهة لافتتاح أحد المعارض الفنية. لم ترجع ليلتها وحين صحا برونيك في الصباح التالي، كان ما يزال يتصبب عرقاً وقد التصقت الملاءة بجسمه المحموم. لم يعرف المدة التي لزم فيها الفراش – قبلات متقطعة، فناجين شاي فاتر، الاستيقاظ على ملاءة باردة رطبة، جميعها اندمجت في حدث واحد طويل متكرر مثله مثل الإشارة المشحونة. بيد أن ذاكرته قد وعت حقاً الرياح وهي تضرب النافذة ضرباً عنيفاً نافذ الصبر وجوقة من الأصوات الإلكترونية تزعق "هدف!" أتته ذكرى مبهمة أنه اتصل بوالديه: نقل أبوه إليه أنه ليس من الحكمة أن يحضر الآن بينما أخبرته أمه أن إطلاق النار كان يومها دون اليوم الفائت.

استجمع برونيك قواه في آخر الأمر فألفى كاروين وأصحابه مجتمعين حول تلفزيون يعرض فلماً إباحياً. استغرق الأمر برهة من برونيك قبل أن يميز مهبلاً منفرجاً. بيد أنهم لم يكونوا يتفرجون؛ فقد انهمكوا في لعبة استلزمت رمي كرة هاكي ساك* على مروحة سقف تدور. أطلعه كاروين أن أندريا احتاجت إلى وقت للراحة فقصدت مدينة دي كالب لقضاء أسبوعين. بعد أن انتهى الفلم الإباحي في لحظة من النشوة الجماعية، أمسك برونيك بجهاز التحكم ووجد "موجز الأنباء." أبلغه الموجز أن الوحدات شبه العسكرية قد دخلت البوسنة من صربيا و "ارتكبت جرائم وحشية."

"ما دهاكم أيها الناس؟" سأل شخص يرتدي قبعة فريق البيسبول البيرز. "لم لا تهدؤون؟"

"ألن تعود؟" تساءل كاروين.

"المفروض أن أرجع خلال أسبوعين،" أجابه برونيك.

"لِمَ لا تبقى هنا؟" اقترح مرتدي القبعة.

"ماذا يسعني أن أفعل هنا؟" رد برونيك. "إن والديّ هناك."

"يا رجل، أرجو ألا أرى قط والديّ الحقيرين مرة أخرى،" قال كاروين.

"عليك أن تظل هنا وأن تُخرج أسرتك من هناك. دع هؤلاء الأوغاد يقتلون بعضهم بعضاً إذا لذ لهم هذا،" نصح رجل البيرز. "قصدي، تباً، إن الحرب محمودة. إنْ لم تنشب الحروب، سيكون هناك ناس زيادة عن اللزوم يا رجل. إن المسألة أشبه بقانون الانتقاء الطبيعي، مثلها مثل السوق الحرة. خيرهم مَن يعلو على السطح أما الحثالة فبالسلامة. أنا لا أعلم عنك الكثير أيها الروسي لكنك طالما وصلت هنا، فلا بد أن لك قيمة. مثل هؤلاء المهاجرين يا رجل، كانوا رعاعاً في بلادهم ولمّا جاءوا إلى هنا، أضحوا مليونيرات أوغاداً. لذا نحن أقوى دولة وسخة في العالم، لأن لا بقاء هنا إلا للأقوى."

كان كاروين يمص ماصة ماكدونالد وهو يشاهد أخبار فريق كرة السلة البولز. قال، "سوف نهزمهم شر هزيمة مجدداً هذه السنة."

 

عادت أندريا من دي كالب منتعشة المزاج. أنهت إلى برونيك أنهما سيمضيان إلى منزل والديها لتناول العشاء. كانت تصفر بأغنية "عزيزتي برودينس" وهما في سبيلهما إلى هناك. بعد أن أنصتا إلى فاصل إخباري حول الحرب الوشيكة بالبوسنة، قالت، "تعلم أن عليك البقاء."

"عارف،" أجاب برونيك.

سطعت أنوار الشارع سطوعاً أبهر البصر واكتنفتها الرياح الشمالية قارسة البرودة. طوت السيارة القلاع المظلمة لجامعة شيكاغو ودخلت متاهة من المباني المتطابقة المبنية بالطوب الأحمر.

شد أبو أندريا على يد برونيك بحرارة ورددت أمها، "لقد سمعنا عنك الكثير." عَرّفاه بعجوز تنحني على مشاية وتقبض على مقبضيها كمن يلقي خطبة من فوق منبر.

"يا نينة،" قالت أم أندريا، "أقدم لك صديق أندريا من البوسنة."

"ما وطأتْ قدماي بوسطن مطلقاً،" قالت الجدة.

"البوسنة يا نينة، البوسنة. إنها بالقرب من تشيكوسلوفاكيا،" قالت أم أندريا وهي تهز رأسها وتلوح بيديها وكأنها تدفع كرة سلة. وفي لحظة ساوره فيها الارتباك خلع برونيك حذاءه. لمحت أم أندريا قدميه فعلّقت، "نحن لا نخلع أخذيتنا هنا إنما لا بأس،" ثم أشارت يسراها داعية، "فلننتقل إلى الصالون."

جلسوا إلى مائدة مستديرة وملأ أبو أندريا كؤوسهم بالنبيذ. لاح فوق رأس برونيك حاملاً في يده الزجاجة الخضراء في انتظار أن يتذوق النبيذ. تناول برونيك رشفة توحي بالحذر وعلا رنين أحدثه ارتطام الكأس بأسنانه. ثم قال، "إنه لذيذ. حلو قليلاً."

"أجل، فهو نبيذ من نوعية شاردناي،" أخبره أبو أندريا بنبرة تشي بالابتهاج.

"أود بعض النبيذ،" قالت الجدة.

"تعلمين مضاره عليك يا نينة،" نبّهت أم أندريا.

"ما هي نوعيات النبيذ التي تحتسونها في بلدكم؟" تساءل أبو أندريا وهو يميل رأسه يساراً إشارة إلى اهتمام ما بعده اهتمام.

"لا علم لي،" رد برونيك. "أصنافاً محلية."

"أخبرتنا أندريا أنك كنت كاتباً،" قالت أم أندريا. كانت ترتدي نظارة وعقداً ضيقاً من اللؤلؤ وكانت أسنانها بيضاء منتظمة.

"كنتُ،" رد برونيك.

"نحن نحب الكتابات الجيدة،" قالت أم أندريا.

"هل سبق لك أن قرأت لريتشارد فورد؟" سأله أبو أندريا.

"هراء رجولي حساس عن الطبقة المتوسطة،" عاجلته أندريا في لهجة لاذعة.

"مكتوب بمهارة فائقة،" قال أبو أندريا وهو يهز رأسه. "مكتوب بمهارة فائقة."

قدمت أم أندريا سلسلة من الأطعمة المجهولة لبرونيك منتهية بكعكة جبن بثمار العليق خالية من الدسم ومعها زبادي مثلج بالكيوي قليل الدسم وكذا قهوة فرنسية بلا كافيين بطعم البندق والفانيليا. شعر برونيك بأن قدميه على وشك أن تفرزا رائحة نتنة فغطى أصابع قدمه اليسرى بقدمه اليمنى. كان على قناعة بأنه ينبغي أن يقلل حركته ما استطاع مخافة أن تطلق أية حركة غير ضرورية جزيئات من رائحة جسمه. اتخذت الجدة مجلسها إلى المائدة قبالته. كانت تمطق شفتيها وتهزهز فكها, وما من أحد إلا سمع طقم أسنانها يطقطق. حشت فمها وبدأت تمضغ في أناة وهي ترنو حولها بلا مبالاة تنم عن الضجر. ارتسمت على وجهها خريطة من الأودية والأخاديد فيما نتأت عظمتا الخدين كالجبلين. رُسم على ذراعها الأيمن وشم عبارة عن رقم أزرق اللون باهته.

"ما الذي يجري في تشيكوسلوفاكيا؟" سألت أم أندريا.

"يوغسلافيا يا أماه، يوغوسلافيا،" صححت أندريا.

"لقد قرأتُ عن الموضوع وحاولتُ أن أستوعب المسألة غير أني ببساطة لم أتمكن،" صرح أبو أندريا. "أخالها آلافاً من السنين الحافلة بالكراهية."

"إنها قصة طويلة قديمة الأزل تفطر القلوب،" رددت أم أندريا.

"وتحير العقول،" قال أبو أندريا. "أملي أن تنتهي قبل أن نضطر إلى التورط فيها."

"أين برونو؟" ارتفع صياح الجدة فجأة. "تعال هنا يا برونو!"

"هدئي من روعك يا نينة، لقد رحل برونو،" قالت أم أندريا.

"تعال هنا يا برونو!" صاحت الجدة باتجاه المطبخ. "كلْ معنا! فلدينا كل شيء هنا!"

"اهدئي يا نينة وإلا ستذهبين إلى حجرتك،" قال أبو أندريا بصرامة ثم التفت إلى برونيك. "أحياناً ما تكون حروناً بعض الشيء."

غاب عن برونيك معني كلمة "حرون". "لا بأس،" قال. "حصل خير."

كان برونيك يرتدي حذاءه بينما يحمل أبو أندريا معطفه.

"يجب أن تنظفه تنظيفاًً جافاً،" نصحه.

ضغطت أم أندريا خدها الناعم العابق برائحة جوز الهند على خد برونيك وقبّلت الهواء حول أذنه.

"هل أنت ذاهب لترى برونو؟" سألت الجدة.

"لا يا نينة،" رد برونيك. "آسف."

"نورت،" قال أبو أندريا وهو يصافحه. "أنا متأكد أنك ستوفق إن بقيت هنا. هذه هي أعظم دولة في العالم. كل ما عليك هو أن تجتهد في العمل."

 

كان برونيك يبغض العمل المضني لكنه كان في حاجة إلى وظيفة. نهض من فراشه ولبس أبهى زي لديه: قميص حريري رمادي هربه من الصين صديق لعائلته وتلطخ ببقعة دهنية على شكل حيوان الأميبة فوق الحلمة اليسرى بالضبط؛ سرواله البني الفاتح المبقع؛ رابطة عنق عليها صورة ميكي ماوس كانت لكاروين؛ استعار منه أيضاً سترة برتقالية لم يلبسها من سنين، كانت ضيقة عليه رغم أنها لكافة المقاسات.

أُطلقت على شوارع وسط المدينة بشيكاغو أسماء الرؤساء الراحلين فتخيل برونيك مَن بنى المدينة من الرؤساء وهم مجتمعون حول لوحة لعبة بنك الحظ في الجنة (أو النار). توجه غرباً نحو شارع جاكسون ثم شمالاً صوب شارع ماديسون حتى انتهى إلى المخبز المسمى بمخبز خميرة بودان.

كانت في انتظاره سيدة تضع بطاقة من الصلب تعلن عن اسمها، دون وايمان. تبدى جفناها زرقاوين تماماً وارتدت أقراطاً على شكل مقلتين تحملقان فيه.

"ما هو بلدك؟" سألت دون.

"البوسنة،" رد برونيك.

"أتلك في روسيا، صح؟"

"كانت في يوغوسلافيا."

"صح. طيب، أخبرني لِم تريد أن تعمل عندنا."

قبع بأحد الأركان رجل يضع قبعة بيضاء من قبعات رعاة البقر، كان يسكب في فمه بالملعقة ما يشبه الوحل بني اللون. جلس تحت صورة لمخبز بودان الأول الذي أنشئ بسان فرانسسكو في المنطقة التي عاش فيها السود والبيض.

"تروقني اللمسة الأوروبية هنا،" أجاب برونيك.

"صحيح،" قالت دون وثغرها يفتر عن ابتسامة. فبان أثر لأحمر الشفاه على أسنانها البيضاء. "يطيب لنا أن نوفر للزبون شيئاً مختلفاً لا يخلو من ذوق راق وخبرة عالمية."

"صحيح،" قال برونيك.

"ماذا بظنك تستطيع تقديمه لمخبز خميرة بودان؟"

"أنا دؤوب في العمل ويحلو لي العمل مع الناس. كنت صحفياً وتواصلت مع الكثيرين. يسعني تقديم خبرتي في الحياة،" قال.

"صحيح،" قالت دون متثائبة وهي ترسل طرفها إلى طلبه. "ما هو توقعك للأجر؟"

"لا أعلم. عشرة دولارات في الساعة."

"يمكننا إعطاؤك خمسة وربما تستطيع الترقي. يتسنى للكل الحصول على فرصة عادلة هنا."

"صحيح،" قال برونيك.

في اليوم الأول للعمل، كان يشق الشطائر الهلالية ليبسط داخلها خردلاً من نوعية ’ديجون‘ ثم يزحلقها إلى رجل الشطائر. ("هذا هو رجل الشطائر. هذا هو مساعد المطبخ" على هذا النحو عرّفتهما دون.) كاد يقطع إبهامه الأيسر ومرر سلسلة من الشطائر المُشرّبة بالدماء. ثم طفق يقطع الطماطم إلى شرائح رفيعة كي يُدخلها رجل الشطائر في جوف الشطائر الهلالية. كان ينثر فتات الجبن فوق مجموعة من دوائر البيتزا الصغيرة ويملأ سلطانيات من البلاستيك الرغوي بنوع منخفض الصوديوم خالي الدسم من حساء البامية المسمى بـ ’كيجن‘ ليمررها إلى رجل الحساء. (سلطانية صغيرة – بامية كبيرة. سلطانية كبيرة – بامية ضخمة" هكذا شرحت دون وضعية البامية.) كان يقطع رؤوس الأرغفة المختمرة وينزع حشوها ثم يرمي الأحشاء اللينة ورائحة الخميرة تتطاير منها في صفيحة الزبالة قبل أن يملأ التجويف باللحم منخفض الدسم المطهو بالفلفل الأحمر. أكل في اليوم الأول الكثير من العجين بدلاً من رميه فعاني عقاباً له من مغص حاد كاد يمزق أمعاءه.

أول مرة ذهب فيها إلى الثلاجة الضخمة التي تشبه الخزينة لإحضار رأس خس، انغلق الباب بطيئاً من خلفه فألفى نفسه بمفرده في جو شغله طنين ثابت متجمد وأضاءه مصباح وحيد ضعيف. راح يضرب تكراراً على الباب وهو يستغيث إلا أن أحداً لم يسمعه. ضغط برأسه على الباب كاليائس فالتصقت جبهته بالسطح الجليدي. حاول أن ينتزعها لكن آلمته المحاولة إيلاماً شديداً وطغى عليه إحساس بالاستسلام للقضاء والقدر. حين فتحت دون الباب، تعثر خارجه بعد أن سحبه الباب إلى الأمام. وقف أمامها وقد برزت ندبة حمراء على جبينه.

"ماذا تفعل؟" سألته.

"كنت محبوساً هناك،" رد برونيك.

"يمكنك فتح الباب من الداخل – الأمر وما فيه أن تدفعه قليلاً،" أعلمته.

"آه، عارف،" قال برونيك.

بحلول نهاية الأسبوع الأول، تولى برونيك مسؤولية التخلص من الزبالة. فكان يُفرغ صينيات تُركت بها أرغفة مجوفة وشطائر هلالية مشوهة وسلطانيات جافة تماماً ثم يسحب أكياس الزبالة المثقلة جاراً إياها كالجثث إلى ركن صغير من أركان المطبخ.

 

عاد برونيك إلى شقة أندريا راكباً عربة قطار تطفح بأشخاص مرهقين ينضحون بالعرق تدانوا معاً كسيقان نبات الهليون. كانت أندريا قد سافرت إلى أوكرانيا – "أحتاج إلى برهة للتدبر،" أنهت إلى برونيك، "لكن بمقدورك أن تمكث هنا" – كانت الشقة يتم تجديدها ليتمكن والدا أندريا من بيعها. انتقل كاروين للعيش في منطقة لينكولن بارك، لذا حينما رجع برونيك إلى البيت لم يجد في انتظاره سوى أربعة من عمال البناء البولنديين، كانوا يزيلون الدهان عن الجدران ويخلعون أعمدة الأبواب وينزعون بلاط الأرضية. أفضى ممر مفروش بقماش من النيلون إلى غرفة أندريا وحدته صفائح من الطلاء والأدوات الغامضة.

تراءت الغرفة كصومعة الراهب: بها سرير وبرج صغير من الكتب وحقائبه الفارغة والتلفزيون وركام من الملابس المتسخة البالية. دلف برونيك إلى الحجرة كما لو كان يستقل غواصة سوف تحمله صوب أرضية المحيط الرائق بينما تطفو في تؤدة عوالق وامضة وأوليات سرعان ما تتلاشى بجوار نافذته في حالة من الهدوء الآسر. استلقى هناك إلى أن برح العمال الشقة ثم علا صوته وهو يشرب حساء طماطم في السرير. كان يشاهد "موجز الأنباء": حوصرت سراييفو وعم عجز حاد في الطعام كما سرت شائعة بإقامة الصرب معسكرات للقتل الجماعي. كان يشاهد ليرى ما إذا كان سيتعرف على أي أحد. حسب في مرة من المرات أن عينيه وقعتا على أبيه وهو يعدو في الطريق المسمى بزقاق القناص ساتراً رأسه بجريدة.

 

يوم طُرد برونيك من عمله، التقت عيناه بصورة رجل في معسكر اعتقال صربي على غلاف مجلة تايم: كان الرجل يقف خلف ثلاثة خطوط من الأسلاك الشائكة وقد أطل كالهيكل العظمي. حرص على ألا ينظر مباشرة جهة الكاميرا وكأنما لا يدري ما إذا كانت ستنقذ حياته أم ستودي به. كان برونيك يغمغم في طريقه إلى خزانته بمخبز بودان في حين ضغطت موجة حارة على ما وراء عينيه. ارتدى مريلة مخبز بودان وقلنسوته – كانتا كالكرز في حمرته – ثم مضى ليخلي الصينيات.

بينما كان يكدسها فوق صفيحة النفاية، أشار إليه رجل يلبس قميصاً زيتياً مطبوعاً عليه لاعب جولف صغير يؤرجح مضرب جولف فوق قلبه.

سار برونيك باتجاه مائدة الرجل ووقف عندها. كان شعر الرجل أشقر ممشطاً بدقة بالغة وكان يضع بخنصره خاتماً ذهبياً هائل الحجم. أشار إلى الشطيرة الهلالية الموضوعة بطبقه.

"أريد خساً مِلعَقياً* على شطيرة الرومي بخردل الديجون. هذا خس جليدي*." لم يحر برونيك جواباً. "حسناً، ما الذي سترد به عليّ؟"

هَم برونيك بإطلاع رجل الشطائر على المشكلة إلا أنه ولسبب ما توقف محله وفاه، "لا شيء."

"أريد خساً ملعقياً على شطيرة الرومي بالديجون من فضلك،" قال الرجل.

"وما الفرق؟" تساءل برونيك.

"عفواً؟" علت نبرة الرجل فيما تجعد لغده في حركة دلت على الإنكار.

"خس ملعقي، خس جليدي، ما الفرق؟" قال برونيك.

"هل ممكن أن أتحدث مع شخص يتكلم الإنجليزية من فضلك؟" طلب الرجل دافعاً الصينية في تصميم. خامر برونيك ألم صعد إلى ربلتيه ليتجاوز حوضه مستقراً في معدته ليستحيل بعدها مغصاً موجعاً. أراد أن ينبس بشيء ما، شيء ذكي يصعق به الآخر لكنه لم يهتد إلى أية كلمات إنجليزية يمكنها نقل مبلغ العبثية سوى أن يلفظ "خس ملعقي، خس جليدي، ما الفرق؟" ما انفك يدمدم بالجملة فيما ارتجفت ساقاه وهو يبتعد مضمراً أملاً عقيماً أن الرجل قد يستسلم وحسب. غير أن الرجل لم يستسلم وعندما تقدمت دون نحوه والرجل يتبعها، اضطر برونيك إلى الاستماع إلى تعنيفه. ولمّا فرغ أخيراً، تذمر برونيك، "خس ملعقي، خس جليدي، كله واحد."

"آسفة،" أخبرته دون. "إنما أنت مفصول."

"أنا مفصول،" قال برونيك. "لا بأس. أنا مفصول."

 

في ربيع عام 1993، بعد سلسلة معقدة من الاتصالات تضمنت عاملاً بالصليب الأحمر بسراييفو وأحد مرسلي إشارات الراديو وابن عم يقطن بفرنسا وزبيزيك، اتفق أن رد أحد عمال البناء البولنديين على الهاتف، اكتشف برونيك أن والديه أضيفا إلى قائمة أشخاص سرعان ما سيغادرون المدينة في أحد المواكب.

"متى؟" سأل برونيك زبيزيك ذا العينين الزرقاوين اللتين أطرتهما شرايين دماء متفجرة دمعت دلالة على الشفقة السلافية.

"لم يقل،" أجاب زبيزيك.

بدأ برونيك في تلك اللحظة فقط يخشى على حياة والديه. أدرك بغتة أن الموت هو انقطاع عن الحياة. شاهد السي إن إن فأبصر أشخاصاً بوجوه مألوفة يزحفون وسط دمائهم ويتوسلون إلى الكاميرا طلباً للغوث فيما تدفقت الدماء مما تخلف من أعضائهم المبتورة. أحياناً ما كانت طلقات القناص تقتل مَن يحاول معاونتهم. فطن برونيك إلى أن ما كان يقوم به أولئك الناس قبل تلك اللحظة – أياً كان – لن يستمر البتة. بل إن معاناتهم نفسها سوف تنتهي.

كان يلتهم شوكولاتة سنيكرز وبيبي روث تلحق بها أكياس من حبوب شيريوز وبطاطس دوريتوز فازداد وزنه. تملكه الذعر وهو يمشي في الشارع حين اكتشف أنه لا يفقه أسماء ما أحاط به من أشجار وأزهار – فقد كانت صفحات خالية في ألبوم نُزعت منه الصور. أرغم نفسه على أن يغض الطرف نحو الأرض بدلاً من التطلع إلى ما حوله: شقوق في الأسمنت وأعقاب سجائر مسطحة وغصينات مكسورة. تمنى لو ابتلي بالعمى. قاسى لفترة طويلة من التهاب في الجيوب الأنفية. أنشأ يتمتم لروحه ويقهقه ويدمدم رداً على حديثه غير المسموع.

كان يخلد إلى النوم وسط صفائح الدهان في سديم ضار بصحته. بدا وكأن البولنديين خالوه قد فقد عقله فمنحوه ثلاثة وثلاثين دولاراً جمعوها فيما بينهم. اشتغل كعامل في موقف سيارات بالقرب من ملعب ’ريجلي‘، فكان يدير ذراعه كالطاحونة أيام المباريات إلى أن تجلت فجأة عبثية الوظيفة تجلياً مؤلماً بعثه على الاستقالة. شرع يتخيل نفسه شخصاً آخر تماماً – شخصية كرتونية أو كلباً أو مخبراً. كف عن اشتهاء النساء وكرس حياته الجنسية للاستمناء العاري من المشاعر بل إنه لم يكلف نفسه عناء التخيل. كان بعدها يستحم طويلاً في محاولة منه لتنظيف نفسه ثم إذا به يمتنع عن المواصلة عندما تنزع به ذاكرته إلى نقص المياه في سراييفو. كان على يقين بأن رائحته كريهة وأن الناس يستديرون من حوله بالشارع ويتحامون الجلوس إلى جانبه بالقطار.

 

ظهر أبو أندريا في سبتمبر وأفضى إلى برونيك في كلمات وقورة بأنه سيتحتم عليه مغادرة الشقة سريعاً لأنها بيعت لسمسار شهير ويجب أن ينتهوا منها بأكبر سرعة ممكنة. شاهد برونيك البولنديين يهزون أكتافهم في إشفاق من وراء ظهر أبي أندريا. تخدرت حواسه من فرط اليأس وجاهر بأنه عاطل في الوقت الحالي. نقل أبو أندريا إليه أن زوجته تدير وكالة تنظيف تدعى بيتي النظيف وعرض أن يساعده لإيجاد عمل هناك.

أمضى برونيك وقتاً بهيجاً في المقابلة مع أم أندريا. "أعلم أنك مجد في العمل،" قالت. "إن أمثالك هم الذين بنوا لنا هذا البلد العظيم." ربتت على ظهره وأرسلته إلى مشرف الوكالة ستيفين ري، جندي سابق بالبحرية. حذّر برونيك من توه ألا يمارس أية ألاعيب في العمل معه. كان شعره قصيراً للغاية ولديه شامة كثيفة على خده بدت من بعيد وكأنها جرح رصاصة صغير.

"إن الغبار هو عدونا اللدود والمكانس الكهربائية هي لنا بمثابة بنادق أك-47،" أعلن ري وهو يُري برونيك خزانته التي نفذت منها رائحة عرق شخص آخر.

ولأن برونيك مبتدئ، فقد أصبح عامل الحمام، "ولد البراز." كان ينظف في تأن ليطمس في غير رحمة كل أثر للحياة الإنسانية. أمسى بالتدريج يحب عمله؛ إذ حال دون التفكير فيما هو فيه. ركز بدلاً من ذلك على اللطخ وخصلات الشعر مستمتعاً باختفائها المطرد المحتوم. صَغُر عالمه فاستحال بقعة كالبثرة الصديدية على إحدى المرايا تُمسح في ثوان. عندما كان يتم التنظيف، كان يبزغ من الحمام البراق متطهراً كما لو أن روحه شهدت تبدلاً عميقاً وهي بعيدة عنه.

وعلى هذا المنوال، أضحى محترفاً حقيقياً فزاد أجره من ستة دولارات في الساعة إلى ستة دولارات ونصف. ما لبث أن كسب ما يكفي للانتقال إلى شقة من غرفة واحدة عاطلة من الأثاث بحي وست روجرز بارك. خاض برونيك كل هذا ونفسه تنطوي على انشداه مؤلم اعترضته بين الفينة والأخرى ذكريات لا إرادة له فيها. فقد استدعت رائحة الكلور أيام كان ينظف المراحيض بالجيش. وعندما حك الدهون المحترقة على أحد المواقد، تذكر سيره عبر حي بارسكارسيجا ومحلات الكباب تلفظ دخان الشواء. وأثناء استنشاقه ما أثارته مكنسته من تراب، عاودته أصداء أصباح السبت لمّا كانت أمه تجعله يزحف تحت السرير ليصل إلى مجموعات النسالة المتجمعة على الحائط. أما رائحتا الرصاص والخشب المتخلفتان عن بري أقلام الرصاص بسلال المهملات، فقد أعادتا إليه أقلام الرصاص التي شارك فيها ميرزا، صديقه الحميم بالمدرسة الإعدادية.

سمح له ري في النهاية بالانفراد ببعض المهام، فكان ينظف وحده الشقق بمنطقة لينكولن بارك وبحي جولد كوست. حلا له دخول تلك الشقق حيث تتخلف في الأجواء روائح سائل الاستحمام ومزيل العرق. طاب له أن ينفض التراب عن صور أنسل آدامز* التي تسجل الصحاري الرمادية المضجرة وصور أفراد العائلة وهم يعزفون البيانو. كان يكنس السجاجيد الممتدة عبر الأرضيات كالقطط الكسولة ويتصفح أرفف الكتب الزاخرة بعناوين مثل سبعة قوانين روحية للتطور وما بالباطن – دليل المستخدم للروح والاستثمار اليوم والعميل. كوّن مجموعة كبيرة من الزبائن الثابتين الذين ما رأوه إلا ونفحوه بنقود وضعوها بانتظام تحت سلطانية الفاكهة أو على مائدة القهوة.

بعد أن يتم التنظيف، كان أحياناً يتخذ مجلسه على كرسي بمسندين ويتصور حياته في تلك الشقة بالتحديد. تخيل نفسه يمرق من الباب وهو يفحص كومة وافرة من البريد؛ يتوجه إلى زجاجة الويسكي الطويلة ليصب لنفسه كأساً مترعة؛ يتفقد رسائل الهاتف – "أهلاً! مم، أنا أندريا أرد على مكالمتك... مم، أظنني أستطيع أن أحشر موعدك يوم الثلاثاء المقبل... أنا أحب الطعام الإيطالي، على ما أظن." يسير في خطى متئدة نحو دولابه ليعلق سترته الكحلية وهو لا يفتأ يرتشف شرابه؛ يشعل التلفزيون ليتفرج على نهاية مباراة كرة سلة يلعب فيها فريق البولز وذلك قبل أن يقرر أن يقصد قرية وايت بيجن بميتشيجين ليعود والديه وإن كان يعلم أنهما سيضايقانه أيما ضيق؛ ثم ينصت إلى موسيقى البلوز (أوثر أن أعمى على أن أراك تهجرني") ويحتسي في بطء إلى أن يفقد الوعي.

كان برونيك يقعد كل صباح على الكرسي الوحيد الذي يمتلكه ليتناول الحبوب من سلطانية ترقد على ركبتيه فيما يشاهد من النافذة أشعة الشمس وهي ترتقي شأنه شأن سنجاب يعتريه الفضول. ينصرف للعمل كل يوم في التوقيت نفسه آخذاً معه شطيرة من خبز ’وندر‘ داخلها سجق ’بولونيا‘ ثم يركب القطار المصلصل نفسه في طريقه إلى البيت. يدخل شقته كل مساء ثم يتمهل هنيهة قبل أن يشعل النور مهيئاً بذلك الفرصة للصراصير كي تبلغ زاوية مظلمة. يتفقد مصيدته المسماة بنُزُل الصرصور، يتدلى من سقفها الصرصور المجفف بالأمس وما يزال اليوم حياً ملتصقاً بغراء طازج. "حبيبي،" يردد، "أنا جئت."

انصرمت شهور كان يتطلع فيها إلى الصور ذاتها التي تناوبت الظهور مع إعلانات السيارات المتفائلة: لقطات لكاراديتش وهو يصافح ميلوسيفيتش؛ لقطات لرجال حليقي الرؤوس يسيرون في طوابير طويلة مكللة بالحزن يرافقهم رجال يضعون أقنعة تزلج سوداء ويحملون بنادق؛ لقطة لرجل يلوح لحافلة بينما تنحني امرأة على النافذة القذرة للحافلة وتلوح له بدورها. ينتهي الأمر ببرونيك إلى إغلاق التلفزيون ليضطجع مسدداً نظرات شاخصة نحو مروحة السقف وهي تدور متباطئة كحشرة اليعسوب المجهَدة.

ما دام كل يوم يتشابه مع أي يوم آخر، فحياته لم تنقطع. لم يزل والداه على قيد الحياة؛ كانا في انتظار أن يأخذهما الموكب الذي سيغادر المدينة قريباً ليتقدم بلا توقف ريثما يصل إلى وجهته.

 

 

 

* البلوز: موسيقى بطيئة حزينة طورها موسيقيون من أصل أفريقي بالجنوب الأمريكي.

* اللوب: مركز النشاط التجاري بشيكاغو

* هاكي ساك: ماركة كرة تُلعب بها رياضة تسمى "فوت باج" تقتضي قذف الكرة في الهواء دون أن تسقط وذلك باستخدام القدمين والركبتين فقط لا غير.

* الخس الملعقي: خس ذو أوراق طويلة ملعقية الشكل

* الخس الجليدي: خس ذو رأس مستديرة مضغوطة الأوراق سُمي نسبة للونه الأخضر الباهت

* أنسل آدامز (1902-1984): مصور فوتوغرافي أمريكي اشتهر بصوره الأبيض والأسود.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.