مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد التاسع والثلاثون، يوليو 2013        Thirty-ninth issue, July 2013

 

تكرم أنتوني چيمز بالموافقة على نشر قصة "القسيس والرياح" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. James was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Priest and the Wind" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. James a great debt of gratitude for his kind permission.

The Priest and the Wind” by Anthony James. Copyright © by Anthony James. Published in Mama's Baby (Papa's Maybe), 1999. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

القسيس والرياح

أنتوني چيمز

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يوليو-2013

 

 

 

 

كتاب المختارات القصصية رضيع ماما، ربما ابن بابا، 1999

 

 

 

 

 

 

 

رصَدته أعينهما تكاد لا تطْرف، لا تعكس وداً ولا عدوانية، وقد أدرك أنهما لاحظا صامتين رَفعة رأسه الخرقاء. خامره الانبهار بسكون جليل غريب داخَل سلوكهما، وبفطنتهما، حادة وإنما محايدة.

"ما جئتُ إلا لأُعبر عن أسفي على ما جرى. يخجلني أني أعيش في هذا المجتمع. أريدكما أن تصدقا أن الجميع هنا ليسوا سواء. الكثير منا... يتولاهم الاشمئزاز مما حدَث لكما."

رد الرجل، "كرمٌ منك أن تجئ يا جناب القسيس." اندهش يوچين من لغة إنجليزية مثالية مهذَّبة تحَدث بها الرجل ثم شعر في الحال بالخجل من دهشته. امتدت حول عينيّ الرجل تجاعيد رفيعة خفيفة، أعطت مع شيبه انطباعاً بالإنهاك والحُنْكَة. وأسفل العين شابَ البشرة البنية الغامقة جرح عميق بارز يضمه أربع غُرَز. لاحت على شفتيّ المرأة ابتسامة وإن امتزجت بالألم؛ فقد تورم الجانب الأيسر من وجهها ليستحيل إلى ضعف حجمه الطبيعي. حسب يوچين أن لونه تبدى زاهياً كألوان ساري ترتديه مع أن مساحيق التجميل خففت من ازرقاقه. أدرك أنها تراقب ما ألمَّ برقبته ورأسه من التواء خفيف.

شعر بدوران مفاجئ كما الأُنْشوطة عند باب المتجر خلفه. أقبل صبي في السابعة إلى الطاولة، رفَع عليها نصف جسمه مستعيناً بمرفقيه ثم أشار إلى بعض قطع الشوكولاتة. مررت المرأة القطعة ثم أخذت النقود بحركة واحدة ناعمة وهي ترنو إلى يوچين.

"مِن كَرَمَك أنك جئت. سوف نتذكر،" قالت بإنجليزية ليست في مثالية إنجليزية زوجها. صاحت أم الصبي الصغير به فظة النبرات، التقطها مجرى بصر يوچين, فخلفت في نفسه انطباعاً غامضاً بالذعر. كانت ترتدي جينزاً حائلاً للغاية، وشعرها قصير، ولكن شعرها الفاتح ووجهها الشاحب وعينيها الممتقعتين بدت كلها بنفس درجة بنطالها، تكاد تفتقر إلى أي لون.

وبخطى مصمِمة اتجه نحو الطاولة رجل برقبة قصيرة غليظة وسترة قطنية خشنة بدون أزرار، يَحمل جريدة صفراء تنطبع على غلافها صورة ملونة لشابة التقطها المصور من الخلف، عارية إلا من لباس أبيض صغير حول ركبتيها، وأسفل الصورة عنوان: محنة عذراء لمدة خمس ساعات مع مدمن على الجنس.

قال، "لو بمقدوري فعل شيء، أي شيء على الإطلاق، الرجاء إخباري."

"شكراً،" نبس الاثنان بالصوت نفسه، صوت عارٍ من أي دفء أو فظاظة.

غادر يوچين المتجر وسار مسافة قصيرة هابطاً التل. لم تبدُ الريح قاسية بقدر ما بدت نافدة الصبر، تتدفق من جهة الغرب، عالياً من البحر وفوق الجبال، ريح مارس قلِقة مترعة بعوامل مختلطة تشي بالشتاء والربيع، تُواصل التمزيق، تُبدل العالَم، تُغَير السماء والأرض.

قامت هذه المنطقة فوق أعلى الأراضي على امتداد أميال عديدة، ولمسافة ميل بعد ميل أمكن رؤية المشهد الصناعي بأسره - وكذلك المدينة ذاتها في منتصفه بالضبط - صامتاً، شِبْه مُبْرَأ، هادئاً هدوءاً غريباً في عصر غياب الصناعة الثقيلة.

حين أقبل يوچين إليها لأول مرة منذ خمس سنوات، دار في باله أنها مدينة مربكة. كادت منحدرات شجر الصنوبر المتموجة - بأراضيها الكتوم مقطوعة الأشجار وسياراتها المحترقة وأحصنتها الشاردة - تَبلغ وسط المدينة. جرجرت الرياح حواشي السحب الرمادية الطليقة فوق منحدرات الغابات، ولكن الجو خلا غرباً من الغيوم وتلونت السحب بالقرمزي والوردي والمشمشي بفعل السماء الغاربة.

وقَف شرطي بجوار أطلال مبنى ضخم يعلو منه الدخان. تصدع الأسمنت من جراء الحرارة وتلوت القضبان، علا السواد الزجاج المهشَّم. اتسم الشرطي بطول وصلابة استثنائيين ووجه قوي حسن الملامح، إنما المدهش أن عينيه كانتا ضيقتين مبهمتين، مرسومتين بالكاد.

"مساء الخير يا جناب القسيس."

ابتسم يوچين ثم رمق الأطلال قائلاً، "هذا المجتمع في غنى عن ضرب صاحبيّ المتجر هذين، وبعدها هذا الحادث في خلال أربع وعشرين ساعة."

"أظن أن الرجل وزوجته في غنى عن الضرب في أي وقت،" قال الشرطي ضاحكاً.

"الحادثة ليست مضحكة يا أليك. لقد ذهبتُ لتوي لأراهما. هل رأيتَ وجهيهما؟"

"آه، رأيتهما. ورأيت أيضاً ما هو أسوأ."

لاحظ يوچين حدة بغيضة تساور صوته, فوقَع في نفسه شعور بالسخط.

"لا أجد المسألة مسلية."

"صحيح يا جناب القسيس؟ حسناً، ليلة السبت الماضي كان لدينا سيارة واحدة وشرطيان ورقيب بمكتب المراقبة لتغطية المنطقة الشرقية بأكملها. لا تحرمنا إذن من ضحكنا يا جناب القسيس وإلا سيلم بنا الجنون ويأخذوننا إلى المصحة، وعندها سيتمكن الجميع من مواصلة قتل بعضهم بعضاً في سلام."

"معذرةً."

"حسناً، لقد نجحوا في تشييد مركزهم الاجتماعي الجديد تماماً، مركز أنت وكل الطيبين الآخرين اشتركتم في حملة لتشييده طيلة كل هذه السنوات. وفي خلال ثلاثة شهور تسببوا في حرقه. حسناً، ماذا بمقدورنا بعد ذاك أن نعطيه إياهم؟"

"لقد لاقوا إهمالاً ونسياناً سنوات كافية، والكبار من إخوتهم وأخواتهم، وآباؤهم من قبلهم. قد يجدون التعبير عن الامتنان أصعب قليلاً، وبخاصة لأنهم تغذوا على أفلام تخبرهم بأن العنف والتدمير صائبان. لديك إحباطك، ولديهم إحباطهم."

"طبعاً، طبعاً يا جناب القسيس. لقد تربيتُ تربية كاثوليكية صالحة. ألا تَحْضر الزوجة القداس كل أحد؟ لا أَقدر عن نفسي أن أُكْثِر في الحضور. تقول إنه ليس قداساً بقدر ما هو أحد اجتماعات أبيها النقابية. لا شك في أني قرأت آراءك في الجرائد. حسناً، عندما نلقي القبض على مَن حرقوه ومَن ضربوا الآسيويين في الطريق، أثق أنك ستكون حاضِراً لتنهي إليهم أن خطيئتهم مغفورة. وأثق أن المحاكم ستنظر إليهم بعين التفهم. حسناً، من الأفضل أن أذهب الآن."

 

لم ينطق يوچين بكلمة والشرطي يسير نحو سيارته. راقب السيارة تنصرف ثم رسَم على صدره صليباً، وبدون أن يَقدر على إسباغ أي معنى أو إحساس على الكلمات، صلى ألا ينفصم التفاهم والتواصل كل الانفصام بين الأعراق، بين الأجيال، بين الأفراد. ولكن الكلمات بدت لمسمعيه عارية من الحماسة، تُشْبه أكثر ما تُشْبه تعليقات مبتذلة في فقرة دينية مدتها خمس دقائق ببرنامج إذاعي صباحي. اضطر إلى إرغام نفسه على إنهاء الصلاة.

باغته في الطريق إلى البيت شعور بسعادة جامحة. فقد زايله هنيهة ذلك الضجر الذي لازَم لحظات يقظته منذ سن الثانية عشرة. خالجه دوماً شعور مَن لم يفعل ما يكفي، مَن لم يحقق ما يكفي، شعور بأن الوقت ينساب بين أصابعه؛ خاف دوماً من الفوضى لأنه لم يستطع مجاراة كل ما يُفترض أن يكْمله. ما اعتاد يوچين الصلاة من أجل أي شيء لنفسه، ولكنه لو فعلها، لصلى كي يتخلص من هذا الإحساس. ولكنه فطن أيضاً أنه المحرك الدافع إلى حياة مثمرة مفعمة بالنشاط.

حثه غروب الشمس على التفكير في طفولته وأمه. انخفض وابل هائل من الغِدْفان والغربان عبر السماء هناك، وكذلك انخفض هنا والتلال والمستنقع والشوارع التي تخترق منازل المجلس المحلي تلمس بعضها بعضاً. كان طفلاً ضعيف البنية، حين ألمَّ به المرض، تذكر أمه وهي تمنحه بطاطس متبقية من عشاء طبخته لأبيه في الأمسية الفائتة. استدعى سعادته المتناهية حين كان يَجلس في الفراش ويأكل البطاطس ويتفرج على الغِدْفان والغربان تَعبر سماء المساء في سحابة. كان يقول إنه أحب دوماً الله وأراد دوماً منذ نعومة أظافره أن يغدو قسيساً؛ شدَّته الكلمات والصور والمناظر والأصوات والروائح وقصص الكنيسة. ولكنه تساءل مؤخراً إن كان ذلك صحيحاً حقاً. احتفظ بذكرى مبكرة للغاية لنفْسه جالساً على العشب النضر في ضوء الشمس والرياح بالقرب من المنزل وإحساس قوي يراوده بأن هناك... عاملاً ما، حضوراً ما حميداً لا يَعدم القوة في بقعة وراء الأشجار والسحب والرياح، وراء الهواء نفسه، هواء عهِده عن قرب وألفة. كان متيقناً أن هذا الإحساس اعتراه قبل أن يتناهى إلى أذنيه مطلقاً اسم يسوع. تاهت بعدها منه الكلمات لوصف إحساسه، واستطاع الآن بالكاد العثور عليها حين اختبر مجدداً تلك اللحظة.

 

كان يعمل حتى ساعة متأخرة جالساً أمام برنامج النصوص بالكمبيوتر عندما اتصلت به مارلين. الحق أنه توقع اتصالها بعض التوقع، وبادره مزيج من السرور والخوف مما قد يُحْضرها هنا. فتح الباب ثم رنا بعينين ضيقتين إلى الظلام والريح منصتاً إلى حفيف الشجيرات بحذاء السبيل. ساورها التردد والعتمة تلفها؛ كانت تبدأ زياراتها دائماً بهذا الشك والخجل. قال "تفضلي" بمجرد أن وقَعت عليها عيناه.

اتخذت مجلسها فوراً وهي ترسل أنفاساً متسارعة. توردت وجنتاها وغشى عينيها بريق.

همست، "دعني فقط صامتة قليلاً." جلس في مواجهتها في حال من الصمت.

وبعد بضع دقائق فاه، "مارلين..."

"دخَل المنزل من جديد."

"ألا توجد أية طريقة..."

"بالله عليك، لقد كان أحد مغاوير البحرية لمدة سنوات. في واحدة من الوحدات الخاصة. لا يشق عليه دخول منزل من منازل المجلس المحلي."

"ماذا جرى؟"

"ضرب رأسي بالحائط قليلاً. ضلوعي مصابة ببعض الكدمات. هل تريد أن تراها؟" سألته مبتسمة فجأة بذلك التألق، تألق جامح يكاد يكون محموماً جعل الرجال يشيحون بأوجههم. لم يشح يوچين بوجهه، وإنما فرت منه ابتسامة رداً عليها، "لا داع. سأتصل بطبيب لو تودين."

هزت رأسها وقد داخَلها الآن الاسترخاء، لاحظ من جديد كيف تبدت دائماً كالفتاة الصغيرة رغم أنها تشرف ولا بد على الأربعين. أياً كان ما حدَث منذ برهة، فقد ظهَرت ملابسها بلا شائبة، وارتدَت كعادتها التنورة القصيرة نفسها، ومن تحتها أظهرت بلا مبالاة لمحات من جورب وحمَّالة. كانت قد وضعت في زيارتها الثانية ساقاً أعلى قليلاً على الأخرى ثم سألت، "ألا تشعر بالوحدة لعملك قسيساً؟" وبعدها انطبعت الابتسامة، ابتسامة على نار لا هوادة فيها ارتدَّت دائماً إليها دون أن تغيب قط طويلاً. ابتسامة أعلنت: بمقدوري أن أَنفذ مباشرة إلى روحك. والآن اِضحك، بحق السماء، اِضحك من الحياة، وبعدها سنخلد إلى الفراش.

 

ابتسم يوچين إلى هاتين العينين مباشرة، عينين خضراوين متلألئتين سادهما تعبير ضاحك، انثنتا قليلاً عند الركنين الداخليين. كان قد عاش حياة الأعزب، ولأنه لم يضطر إلى التفكير في مظهره كعادة معظم الناس، كان موضوعياً غير مبال به. أدرك أن مظهره لا يبدو خليقاً بالقساوسة كما يراهم أي شخص. تراءى كبحار أيرلندي طويل القامة أو سائق شاحنة؛ أو لعله أقرب إلى بطل سينمائي محبوب يلعب دور بحار أو سائق شاحنة. أحياناً ما فاده مظهره الجذاب لِما خلفه من انطباع.

كان قد قال، "مارلين، إنك امرأة فائقة الجمال. لو أن التحدث إليّ يفيد بأية طريقة، سوف أسعد به. تروقني ولا ريب صحبتك. أَعلم أن الالتزام بعهد العزوبية يتعسر على بعض القساوسة. ولكن من بين كل عهودي لم أستصعب الحفاظ عليه."

"وكيف ذلك؟" سألت يَغلبها الابتسام شأنها دوماً.

"لا أَعلم. يعتبرها بعض القساوسة الحياة الملائمة، الحياة الوحيدة."

رمت ناظريها إلى رف المدفأة، تستقر عليه صورة في إطار ليوچين وشاب آخر. يكاد يماثله في الوسامة، كلاهما في العشرين تقريباً.

"برنارد. صديق. صديق العمر. لا أشتهي الرجال أيضاً،" أنبأها ضاحكاً.

سألها، "هل أنت متأكدة أنك لا تريدين أن آتيك بطبيب في هذا المساء؟"

"لا."

"إنما ليسجل الإصابات ليس إلا. لقد قلتِ فعلاً أنه ضربك."

"نعم. وفعَل شيئاً آخر يمتعه."

"ولكنه لو اغتصبك..."

"ينبغي أن أبلغ الشرطة؟ ولكن ابني الأكبر يعشقه. هل أرمي أباه في السجن؟ ثم ما هو الاغتصاب بالضبط؟ المسألة تتوقف على ما تعنيه بالاغتصاب."

"لا أحد غيرك بمقدوره الإجابة. ولكن لا ينبغي لأية امرأة أن تسأل نفسها ذلك السؤال. لو أن هناك أي مجال للشك، فهي غلطته، لا غلطتك."

"عارفة. عارفة. أنت رجل طيب. الأمر وما فيه أننا كنا زوجين لمدة عشر سنوات، وبعضها كانت سعيدة."

"أين أطفالك؟"

"عند أختي. كانوا عند أختي لمَّا دخَل المنزل. كنتُ بمفردي – هذه المرة."

"هل أمضي لأقابله يا مارلين؟"

"لا. ليس الآن على أي حال. سأخبرك متى."

"شاي؟ قهوة؟"

"هل لديك أي ويسكي؟"

"أجل،" رد مبتسماً. "تصيبني نوبات برد كثيرة في الشتاء."

"ماذا جرى لرقبتك؟ تبدو متألماً."

"آه، رقبة متيبسة لا غير. السن."

جلسا هنيهة والسكون يكتنفهما. احتست مارلين كأساً من الويسكي على عجل ثم كأساً ثانية على مهل فيما احتسى يوچين فنجاناً من القهوة. أشرق شعرها الأحمر الطويل الغزير من أثر ضوء مصباح على المائدة محل عمله.

"علَّموه هذه المهارات ليتمكن من القتال من أجل ربه وملِكته وبلاده، وهو الآن يستخدمها ضدي. يصنع ما يحلو له. يأتي ويذهب على هواه."

"هناك مهارات يمْكنك الاستعانة بها. مهاراتي مثلاً. سوف أمضي لأقابله. يجب أن تفعلي شيئاً قبل أن..."

"سأفكر في الموضوع،" قالت وقد استعادت الآن فيما يبدو كامل حيويتها. "المشكلة أني لا أقوى أبداً على الرفض. لم أقو قط في شبابي، والمسألة ليست أسهل الآن. فلنر، لقد تربيتُ تربية كاثوليكية صالحة والتحقتُ بمدرسة راهبات. سوف تخبرني أن الإغراء لـ ..."

"سوف أخبرك – إنني أخبرك – أني أتمنى لو جعلك الجنس سعيدة بدلاً من تعيسة للغاية. قد يتعذر عليك الرفض، ولكنك لو رفضتِ حقاً، ليس من حق أي رجل تجاهلك. ليتك نعِمتِ بحياة جنسية سعيدة لو أنها مرادك."

"ولكني فقَدت إيماني. تطلقتُ. نبذتُ الكنيسة."

"بمقدورك العودة حين تريدين. الكنيسة في الانتظار لو أنها مرادك."

أدرك أنها تبينت الحزن، اليأس، وكذلك ألمه الجسدي، مع أنه حاول إخفاء عواطفه بصب المزيد من القهوة من براد طويل عازل للحرارة، براد بمقبض مزخرَف على شكل ثعبان.

"لا أريد أن أعود. لا تعني لي أي شيء."

"أمرٌ مؤسف."

"لقد أنجبتُ أربعة أطفال. عاش منهم ثلاثة. وحالتا إجهاض. ما رأيك يا جناب القسيس؟ أليست تلك خطيئة؟"

"أظنه أمراً بشعاً أن تُجبر الظروف الناس على نبذ الأطفال، تُجبر الناس على الشعور بأنهم مرغمون على نبذ الحياة."

"وابني الصغير؟ المتوفى؟ أتصور أني يجب أن أقول لنفسي إنه في انتظاري وإن كلينا سنُبعث معاً في الحياة الأبدية. حسناً، لا يعني لي ذلك أي طين على الإطلاق. لقد راح. لِم لا أستطيع أن ألمسه الآن؟ أحضنه الآن؟ لِم مات؟" حطَّت كأس الويسكي على الأرضية دون أن تنتبه فيما يبدو إلى ما تفعله. كانت الابتسامة قد غاضت الآن على شفتيها، وتراءت مثلما وصَلت – أسوأ.

"أؤمن بالمغفرة وأؤمن بأن الموت ليس النهاية. أؤمن بأن هناك نهاية للأسى والفراق والفقدان وأننا سنجتمع بعد افتراق. ذلك إيماني. ليتك تصدقينه أنت الأخرى."

فطن إلى أن صوته خرَج مرتبكاً – لا مفتقر إلى الإيمان، ولكن مندهشاً، محتاراً.

"كلامك ليس سليماً،" قالت والابتسامة تعاود ثغرها، ولكنها أثقل يشوبها شيء أبرد. "تنص العقيدة الكاثوليكية على أن هناك أموراً صحيحة وأموراً خاطئة. تنص المسيحية على أن هناك أموراً صحيحة وأموراً خاطئة. أنت مراوغ قليلاً بالنسبة إلى قسيس – أو مسيحي."

"آسف."

"عرَفتُ أثناء إقامتي في لندن أناساً انخرطوا انخراطاً في السحر الأسود وانتهوا والرعب يَركبهم. عرفت أيضاً أناساً مارسوا العِرافة، أعني الإيمان بالآلهة الوثنية القديمة، وهو ما بدا أكثر ازدهاراً بكثير من المسيحية. والآن، تأمرنا العقيدة، 'لا تدع ساحرة تعيش' ما رأيك؟ هل يجب قتل أولئك الناس أم لا؟"

"أعتقد أن المجتمع فاسد قاسي القلب، يُقَدم إلى الناس أقل القليل، وأن الكنيسة خذلتهم كثيراً. يؤسفني أن يولي بعض الناس وجوههم إلى الشر في تشوشهم. هناك العديد من الأديان، بالطبع، وبعضها ينطوي على الكثير من الحقيقة والجمال، ومن المتوقع أن يلجأ إليها أناس آخرون."

"ولكن ما معنى ذلك؟ قتل الساحرات؟"

"لستُ المسيح. إنني قسيس – ولستُ ماهراً كل المهارة." استحوذ عليه ارتياح ما بعده ارتياح حين أضاف هذه الكلمات. "لو أردتِ السؤال عن قصد ربنا، اُعْبُرْي الطريق وادخلي الكنيسة وسَلْيه. قد يجيب وإن لن يجيبك على الأرجح فوراً أو بطريقة تتوقعينها."

"إنك وغد ماكر يا جناب القسيس."

"جزءٌ من المهنة."

 

تساءل بضع دقائق إن كانت تعذبه عن قصد، تهزأ به عن قصد. ولكن وجهها برئ من القسوة أو الشهوة للقسوة. اكتشف أنها فطنت أنه هو وإيمانه يرتحلان في طريق ارتحلت فيه بالفعل. قبعت أسفل الكلمات رقة ورغبة في مشاركته تلك التجربة، إحساس بالصحبة، الرفقة. أدرك كذلك أن لو أي شخص آخر زاره – كما كان الناس يفعلون بين الفينة والأخرى – كان سيَصبر عليه ويزوده قدر استطاعته بخير الأجوبة وخير النصائح والعزاء دون أن يشعر طيلة الوقت إلا بالسأم والنفور. "سوف يأتي برنارد ليزورني غداً،" أبلغها يوچين متفكراً وهو يومئ برأسه إلى رف المدفأة والصورة ذات الإطار.

"وسيم."

"لم يعد. صار في منتهى البدانة، ووقَع شعره."

"هل هو واحد آخر مثلك؟"

"ماذا تعنين؟"

"لستَ أبداً من النوع المعتاد أو التقليدي من القساوسة، أليس كذلك؟ لو كنتَ منهم، ما كنتُ لأكون هنا. على أي حال، كل سكان هذه المدينة سمِعوا عن تلك العظات ثم ذلك الكلام في الجرائد والتلفزيون، فتساءلتُ فحسب إن كان مثلك."

"لا، لا يشْبهني كثيراً. أخاله فريداً بما يكفي بطريقته الخاصة."

 

كان يوچين قد أقام القداس بدون أي إحساس في الصباح التالي، صباح الأربعاء. انتابه شديد الحزن لشعوره بأن الكنيسة نفْسها عبارة عن مبنى متقلقل ضعيف الأركان، يطفو على الهامش، مثله مثل دمية منفوخة منسية من مدينة ملاه عبر هذه الشوارع المليئة بالحفر والحوائط، حوائط شرَّطوها بالرسوم. ذهَب عنه إحساسه طيلة حياته بأن الكنيسة أثناء القداس سفينة للأبدية في عالَم أثيم وأن بوسع الرجال والنساء هنا أن يجتمعوا هنيهة في عالَم آخر في حضرة الله. وأياً كان شعور أبرشيته الصغيرة، عري قلب يوچين من أي إحساس بالقدسية أو وجود الله. ما حماه شيء وهو يؤدي هذه المجموعة الآلية من الكلمات والأفعال من قذارة الحياة اليومية وقلقها البالغ، وأحس أن القداس واحد من أكثر النشاطات عبثية في الحياة اليومية. نال من وجهه الوجع وهو يجاهد لكبح دموعه، وبينما تفوه بكلمات أخرى، رفَع في قرارة نفسه صلاة لاسترجاع كل ما خسره، إحساسه بالدهشة والبهجة.

حضَر في ذلك الأصيل اجتماعاً طويلاً مع بعض أعضاء المجلس المحلي لبحث ما يمْكن القيام به بعد احتراق المركز الاجتماعي الجديد. كان في انتظاره بعدها مراسل من الجريدة المحلية. ألقى أحد أعضاء المجلس – عضو يميني مشهور خسِر مؤخراً مقعده – خطبة تلوم يوچين شخصياً على الهجمات العنصرية الأخيرة في المنطقة. كان الرجل قد أعلن أن التصريحات المتطرفة كتصريحات يوچين قوضت احترام القانون وقوضت مركز الشرطة وحولت اللوم على العنف من السفاحين المرتكبين إياه إلى المجتمع. قال يوچين إنه لن يُعَلِّق على تلك السخافة الصارخة وإنه من المؤسف أن اختار الرجل أن يجعل من نفسه أضحوكة علانية.

 

كان يسير إلى بيته والرياح لا تزال تعصف من الغرب دافعة السحب إلى الدوران أمامها. وفي كل مكان ومضت رقصة من اللون الأصفر والأخضر الفاتح وخبَت. بدا أن النرجس البري والبراعم وأوراق الشجر النضرة تنمو بطريقة ما في كل بقعة. انثالت عليه من جديد ذكريات طفولته المبكرة ومَسْكَبَة سميكة من النرجس البري بالقرب من منزله فشعر بالسعادة لبرهة من الوقت.

 

كان بعض الشباب يقفون في مدخل أحد المباني السكنية، يشربون من عِلَب ويلتصق بعضهم ببعض مختبئين من الرياح، ومن فقدان الثقة بأنفسهم، وخوفهم.

"يا عَرْص يا شخَّة! رُحْ واِكْوِ فستانك ليوم الأحد! يا عَرْص! قل لربك أن يقتلني لو يَقدر! طظ في الله! ارجع إلى كنيستك يا طيز!" نمَّت صيحاتهم عن تلهف لا يَسلم من غرابة.

استدار يوچين متجهاً إليهم بخطوات وئيدة تشي بالتروي. كان ذات يوم قادراً دوماً على التعامل مع هذا النوع من المواقف، نال قبول شباب المنطقة واحترامهم وثقتهم، والكثير منهم أكنوا له بحق إعجاباً. كان يبدأ دائماً بالحديث إليهم رداً على عدوانيتهم، بل إنه حمَل علبة سجائر مع أنه لم يدخن قط كي يعرضها على مَن تحدَّث إليهم من الشباب على حنق بعض الآباء والمدرسين. تحدث إليهم حديث الند إلى الند، بنبرة يخيم عليها الهدوء. سألهم عن مواقفهم رافضاً الإشارة إلى إيمانه أو توجيه أصابع اللوم إليهم. الآن تَغَيَّر كل شيء. ركض الشباب عدة ياردات ثم توقفوا وطفقوا يصيحون بالسباب نفسه؛ واصل التقدم غير أنهم ركضوا إلى مسافة أبعد قليلاً. لم تلن صيحاتهم مما حال دون أن يَسمعوا حتى صوته، وبخاصة من تلك المسافة. قذفه أحدهم بعلبة فارغة. سار نحوهم مرة أخرى بقدمين ثابتتين، ومرة أخرى ركضوا مبتعدين، ومرة أخرى.

وفي النهاية انصرف عنهم يعتريه إحساس بالإنهاك والبرودة، وقبل كل شيء الضجر. أراد أيضاً أن يذهب إلى البيت لأن برنارد قادم لزيارته.

 

عندما وصل القسيس برنارد ديجنام، قدَّر يوچين أن جسمه في حال أسوأ من آخر مرة رآه. عانق يوچين في لحظة من البهجة الخالصة. عرَف كلاهما الآخر طيلة حياتهما. خلا وجه برنارد ورأسه المجرَّد من الشَعر من أي تناسق. ولكن هناك العينين. تلونت عيناه بلون رمادي أفتح ما يكون، كاد تعبيرهما يتبدى تجريدياً، تحديقتهما صامتة مباشرة، عدستان مثبَّتتان في كتلة من معجون. كشَف الغَضَن الغريب بشفة برنارد السفلية عن عَطْف أصيل وحال دون أن يتراءى في مظهر مخيف أو غير بشري. أعلمه برنارد "أتيت لتوي من عند الأسقف" وهو يخفض جسماً - لا يَختلف في عدم تناسقه - على أريكة كانت مجلس مارلين في الليلة الماضية.

"صحيح؟ شاي؟"

"من فضلك. شاي كثير. لا أحد يعد شاياً كشايك." فرك برنارد يداً بيد. "الرياح! متى أجيء إلى هنا، تُذكرني بتلك الرحلة إلى جرينلاند، لا تكف الرياح قط عن الهبوب في مستوطنة نارسارسواك أيضاً، تماماً مثل هذا المكان."

"أرض عالية. هل تحب شاي دارجيلينج؟"

"أحب... الأسقف قلِق بعض الشيء من كل الدعاية. العظات والتصريحات الإعلامية."

"أُبَشِّر بالعقيدة وأهاجم الخطيئة والشر حيث أراهما. بعد إذنك، أريد فقط أن أَحضر الغلاية، كل شيء جاهز على المائدة هنا."

غادر يوچين الغرفة يطوي في صدره أثراً من سخط.

"لا أوجه نقداً،" بادره برنارد عند عودته. "كل ما ذكَرتُه هو أن الأسقف قلِق. إنك لا تكتفي بقول إن هناك شراً في المجتمع، وإنما تقول على صفحات الجرائد وشاشة التليفزيون وكذلك في الكنيسة إنها مسؤولية بعض الزعماء السياسيين وبعض السياسات في المقام الأول."

"وهي الحقيقة."

"أجل، حسناً، الأسقف قلِق، هذا كل ما هنالك. – آه، أنت تَعرفني، لا تجرؤ أن تفسد ذلك المشروب اللذيذ بإضافة اللبن. شكراً. – إنه قلِق قليلاً، طبيعي لمن هو في موقعه."

"يريد أن يخرسني."

"لم أقل ذلك. ولكنه سيكتب إليك اليوم."

"سوف أُبَشِّر بالعقيدة ما أمكنني. لا أحد يكترث على أي حال لِما يقوله قسيس محلي."

 

طرأ تغيير على برنارد، قشعريرة مباغتة توحي بالتوتر والحزن؛ رنا لحظات إلى سطح شايه، سائل كرماني جميل التقط الضوء من مصباح المائدة. كان يكيِّف عقله طارحاً أي احتمال لزيارة سعيدة إلى صديقه. وعى حدسه المتآلف تآلفاً وصفاء ذهنه الشديد شيئاً رهيباً في هذا المنزل، شيئاً يكاد يلمسه مثل كتلة صلبة ضخمة الحجم.

"ماذا نزَل بعنقك يا يوچين؟"

"عله روماتزم خفيف. عانته أمي في الرقبة. لا شيء يدعو إلى القلق."

"هل رأيت طبيباً؟"

"لا، ولكنك نسيت أني تمرنت على الطب لمدة سنة."

"اذهب إلى طبيب. لا تعجبني رَفعة رأسك."

"بلا وجع دماغ."

"ما خطبك يا يوچين؟ ماذا جرى؟ ولا أعني حالتك الجسدية," لفظ برنارد بنبرة خشنة تكاد تَبلغ الفظاظة.

 

حملق يوچين إلى السجادة. لم يلذ له الشاي كثيراً، وما كان يحتسيه إلا ليشارك في متعة أشبه بمتعة العيد تستغرق برنارد خلال الطقس. ارتقى بناظريه إلى برنارد سائلاً، "بعض الصِبية صاحوا عليّ بالإهانات والشتائم في طريقي إلى البيت. وهو المعتاد. ولكني لم أَقدر حتى أن أدنو منهم بما يكفي لأتكلم معهم، ظلوا يركضون بعيداً... ماذا تقول لامرأة كاثوليكية خسِرتْ إيمانها، ضحية زوج سابق عنيف، أُجهضتْ مرتين وفقدتْ طفلاً وهو لا يزال رضيعاً؟ ماذا ستقول رداً على شكوكها، تساؤلاتها، أساها؟ تستشهد بمنشور البابا الأخير؟"

"إنني على يقين أنك أسمعتها أجوبتك الخاصة. لِم تسأل عن أجوبتي؟"

"تساءلتُ فقط لا غير."

"ارحل عن هنا يا يوچين."

"إلى أين؟"

"إلى مكان يحتضر فيه الناس ويموتون جوعاً، هناك يحتاجون إليك، يحتاجون إلى ما قد تُقَدِّمه من عزاء. سوف يتطلب وقتاً وجهداً، ولكن قابِل الأسقف كخطوة أولى."

"إن الحال يسوء، يصير أعفن مع كل يوم، أهذا وقت تأمر فيه الراعي بهجر رعيته؟"

"الأحوال ليست عفِنة عفناً تستطيع معه إصلاحها – ليس أنت، لا هنا. لم تعُد طاقاتك مستغَلة. ارحل. ينبغي أن تقف في الجبهة الأمامية. إن هذا المجتمع الذي تهاجمه يسممك ويسمم إيمانك."

"حسناً، سوف يرضي ذلك الأسقف تمام الرضا. ولن يكون هناك داع إلى قلقه،" قال يوچين ثم وضع في النهاية الفنجان نصف ممتلئ بعيداً عنه.

"ربما. هل تعتقد حقاً أنه سبب نصحي إياك؟"

رد يوچين بعد امتناع طويل، "لا."

"ارحل إذن. أو على الأقل ابدأ التخطيط للرحيل. ليس سهلاً أن تتبع عقيدة المسيح. لم يكن سهلاً منذ ألفيّ عام مضى، وليس سهلاً الآن. بل إن الأصعب أن تكون قسيساً. ولكن الإيمان لا يحيا في الفراغ، إنه يحيا في سياق محدَّد، في إطار أسلوب حياة معيَّن. ينبغي أن تنظر إلى وجه مَن يتفرس فيك. ينبغي أن تختار خير السبل لخدمة الله واستغلال ذكائك الحاد. لو اخترتَ السبيل الخاطئ، سوف يَذبل إيمانك. ولو ذبَل، لُمْ نفسك، لا إيمانك."

"ممكن أن تَسمع اعترافي؟"

نهض برنارد. "لا تطلب مني. لا تطلب مني مجدداً. عندما تُقابل الأسقف، عندما تخطو الخطوة الأولى، سوف أسمعه بكل سرور."

 

الليل. مرَّت ثلاثة أيام منذ زاره برنارد، كان يوچين جالساً إلى مكتبه. لديه ثلاثة أعمال لم ينجزها: عظة، ومقالة لمجلة كاثوليكية مقرها باريس تَصدر بالإنجليزية، وخطاب إلى رجل عرَفه يوچين منذ كان طالباً شاباً. كان الرجل باحثاً ألَّف عدة كتب عن اليونان وروما في العصر القديم وشاعراً مستحَق المكانة. لم يكن تام الإلحاد طيلة حياته، وإنما شخص اعتقد أن الآلهة قاسية والحياة مأساوية لا يمْكن الأخذ بأسبابها إلا بجرأة – هكذا هو الوجود، وهكذا سيظل على الدوام. لم يَكفر بالرسالة المسيحية بقدر ما كرِه رب المسيحية كراهية شخصية. وبعد أن صار الآن يحتضر ببطء وألم، تمسَّك بمعتقداته أكثر من ذي قبل.

 

عندما حاول يوچين أن يعمل، وجد عقله فارغاً أو ألفى كلمات مفكَّكة لا جدوى منها مثلما تبدو مجموعة من قطع الشطرنج لو لم يَسمع البتة عن الشطرنج. أخذ الغضب يتصاعد داخله كتيار من سائل ثخين بالغ الحرارة يندفع قوياً من طرف جسمه إلى الطرف الآخر. قام من مجلسه ثم سدد قبضته إلى الصليب المعلَّق على الحائط فوق مكتبه. انفلق نصفين، انقصف الخشب والتمثال العاجي الصغير الممثِّل لجسد المسيح. جلَس يوچين شارعاً في البكاء، مد يده ليضع قطعتيّ الصليب على مكتبه. سالت من يده دماء تقطرت على أوراقه ونصفيّ الصليب. لو اعتقد يوچين أن ناراً إلهية ستشب فيه، لسهُلت عليه، ولكنه لم يحس إلا بوجع كليل أثار غثيانه. اختفى من حياته بدون تبرير أو كلمة عزاء واحدة صديق ثِقَة، وما تبقى إلا قطعتان مكسورتان من الخشب والعاج.

 

مرَّت ثلاثة أسابيع ثم أقام يوچين القداس مرة ثانية. همَّ بمناولة العشاء الرباني، خطا قُدُماً نحو حاجز المذبح. كان غائباً خلال الأيام القليلة الفائتة، يَحضر مؤتمراً قومياً عن التمييز العنصري صوَّره التليفزيون وعرَضه. وبحلول صباح اليوم التالي اكتشف يوچين أن عضو البرلمان المحلي الممثِّل للمنطقة محل إقامته يلعب معه لعبة متقَنة. كانت تلك اللعبة جزءاً من لعبة أكبر لعِبها حزب العضو في البرلمان اعتماداً على ما اعتقدوا أنه واجب من الناحية الإستراتيجية لمعارضة الحكومة وما ينبغي على الجانب الآخر أن يصمت عنه الحزب. ومنذ تلك اللحظة رفض يوچين مخاطبة الصحافة ورفض توجيه ما يَزيد على 'أهلاً' إلى عضو البرلمان أو مشاركته أية منصة، وما تحدث إلا خلال جلسات المؤتمر.

 

اشترى جريدة قبل عدة محطات من وصول القطار إلى محطة تَبعد ميلاً فقط عن كنيسته، أسفلها بالضبط في الوادي. وحين قرأ أنهم عثروا على جثة مارلين مضروبة ومخنوقة في بيتها وأن الشرطة تفتش عن زوجها السابق، حاقت به الدهشة, فلم يكن حزنه بقوة اشمئزازه من علمه بموتها من جريدة في قطار بسبب شيء عقيم وفاسد كمؤتمر التمييز العنصري. جثا في عربة القطار بالرغم من قهقهات بعض الركاب ورفَع لروحها صلاة. تراءت بقية الصلاة بعيدة عنه، جوفاء لا تتجرد من العبث، ولكنه حين أشار إلى مارلين "بأختنا"، حمَلته الكلمة فجأة على البكاء، بثت فيه السلوى.

 

اعتزم اليوم أن يَرفع الصلاة لمارلين في الكنيسة ويكرس عظة الأحد لها ولوفاتها. راح أول اثنين بالأبرشية – امرأة وابنها عانا متلازمة داون – يسيران قُدُماً من أجل التناول. مد يوچين يداً وذراعاً في إيماءة بدرت منه منذ أقام قداسه الأول؛ إيماءة غير رسمية، تكاد تكون عرَضية، ولكنها ترحِّب دون أن تخلو في الوقت نفسه من هزة كتف طفيفة تنم عن عجز وخضوع: ها أنا أقف، مِثلكم، جميعاً في حضرة هذا اللغز، لا يسعنا أن نفهم، لا يسعنا إلا أن نحب ونشارك...

 

خطا خطوة أخرى صوب الحاجز، أخذ يحس بسائل الصَّفراء يتعالى في حلْقه وهدير عجيب الوقع كالقادم من أسفل الكنيسة. استبد به إحساس رهيب بأن شخصاً يقف وراءه على وشك أن يضرب رأسه، إحساس بغيض لا يطاق وكأن ذراعه مثنية بعيداً خلفه. حاول أن يستدير، ولكن كل شيء انقلب ضبابياً ولاح نائياً. وبعدها لسَعت الصَّفراء حلْقه وشملته الظلمة. ومن مسافة كبيرة تناهى إلى إحساسه وسمْعه ارتطام جسمه بالأرضية.

 

عمَّت من غير ريب ظلمة، محيطات منها، صمتٌ شامل تعلَّق منه لمدة هائلة تعلُّق نقطة ساكنة، وجود مجرَّد من العاطفة عارٍ من الإحساس. بدأ بعدئذ يعي حالته، يفكر ويتذكر، وببطء أدرك الأصوات خافتةً والمشاهد زائلةً في العالَم من حوله. وبتمهل وصفاء أعظم وأعظم طفق يفكر. فطن إلى أنه في المستشفى، وتحلى سمعه أحياناً بحدة تفُوق الطبيعي. سرَت همسات مكتومة من خلف الأبواب بالضبط، تعليمات، أسماء أدوية. بدت ذاكرته حادة ومعرفته الطبية سليمة. تفكر الآن محلِلاً ما رفضه في الماضي، ما لم يرغب في تدبره من قبل. هل أراد هذا وقتذاك؟ علِم برنارد أو خمن. ورمٌ يضغط، يضغط على قاع الدماغ بالقرب من الحبل الشوكي... وبعده النزيف والشلل. لو استطاع أن يفكر بذهن صاف الآن، لماذا لم يستطع من قبل؟ ولكن الوهن والذبول حلَّا على تركيزه.

 

وسعه أن يرى الغرفة بقدر من الوضوح، كان برنارد هناك غير أنه بدا غاية في الصغر والبعد وكأنما يرنو إليه من الطرف الخاطئ لتليسكوب. استطاع أن يبصر برنارد وهو يستعد لإقامة الشعائر الأخيرة له. قد تعني أنه سيموت، ولكنه لم يستشعر قرب الموت. تناول برنارد يده فألفى يوچين أن سمْعه – الحاد جداً منذ هنيهة – فارقه في تلك اللحظة. أدرك على أية حال ما يتلوه برنارد من كلمات عن ظهر قلب، وأدرك أسئلة كان برنارد – الفاطن إلى أنه واعٍ – يحاول أن يحثه على الرد عليها، أسئلة عن أي الأبديتين سينتهي إليها يوچين لو توفى هنا في هذه اللحظة. ولكن إحساساً بالراحة والرضا والطمأنينة خامر يوچين لأول مرة منذ سنوات، وفجأة لم تبدُ الكلمات التي تفوه بها برنارد ذات بال. فكَّر بدلاً منها في الجلوس طفلاً صغيراً على العشب في الرياح وضوء الشمس بينما كان الوجود الحميد يقبع في مكان ما وراء الأشجار والسحب والرياح. ألفى على بغتة أن باستطاعته تحريك سبابتيه اليمنى واليسرى والشعور بيد برنارد بإصبع واحدة. كان بإمكانه الضغط على اليد مجيباً على أسئلة برنارد غير أنه ربت اليد مرة واحدة. أدرك أنه لو عاش - مشلولاً أم غير مشلول - لاختلف بعدها كل شيء. ولو أنه مات، لاختلف كل شيء ولا حاجة إلى فعل أي شيء. كفَاه أن يربت يد برنارد مرة اعترافاً بصداقة دامت منذ الطفولة.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.