مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

albawtaka@albawtaka.com                تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الرابع والعشرون، يناير 2010

 

 

 

 

 

تكرمت هنرييتا روز-إينِس بالموافقة على نشر قصة "سُم" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Rose-Innes was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Poison" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Rose-Innes a great debt of gratitude for her kind permission.

Poison" by Henrietta Rose-Innes. Copyright © 2007 by Henrietta Rose-Innes. Originally published in African Pens: New Writing from Southern Africa 2007, 2007. Published by kind permission of Blake Friedmann Literary, TV and Film Agency Ltd. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Turid Weingartz from Blake Friedmann Literary, TV and Film Agency Ltd.

 

 

 

 

 

 

سُم

هنرييتا روز-إينِس

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: 01-Jan-2010

Photo: Olivia Rose-Innes

 

 

 

 

 

كتاب المختارات القصصية أقلام أفريقية: كتابات جديدة من جنوب أفريقيا 2007

 

 

 

 

 

كادت لين تصل إلى محطة البنزين عندما جفت سيارتها القديمة ماركة تويوتا من البنزين على الطريق السريع. يا لحظي, حدَّثت نفسها وهي تركن على الحافة المُعْشِبة للطريق والبصر يسبقها إلى الأعلام الحمراء والصفراء أمامها, الشعار على الواجهة الطويلة للمبنى. ولكنها أدركت انعدام الأمل بمجرد أن وقعت عيناها على أكداس السيارات المتوقفة في الساحة. لَفَت انتباهها رجل يرتدي رداء العمال الأزرق. حين تقدمت إليه, حرَّك الرجل جانب يده على حلْقه كمن يشقه: خلَت المحطة أيضاً من البنزين.

ثمة ما يزيد على عشرين شخصاً متروكين واليأس يحيق بهم, يجلسون داخل سياراتهم أو يتكئون عليها. سددوا إليها لمحات عارية من التعابير قبل أن يُحولوا أعينهم مجدداً إلى المدينة النائية. جلَس بضعة مسافرين متيبسين وحقائبهم فوق حُجورهم داخل حافلة أجرة صغيرة تقف في أحد الجوانب. لاذ الجميع بالسكوت, وشخصوا بأبصارهم إلى الطريق السريع, إلى الوراء حيث كَمَنَ ما قادوا جميعاً سيارتهم هرباً منه.

تعلقت سحابة زيتية فوق كيب تاون حاجبة قمة ديفِلز بيك. عل سببها حريق من حرائق الصيف غير أنها اتسمت بسواد أي سواد وضخامة أي ضخامة. بينما كانوا يرصدونها, فارت عالياً عالياً في السماء, سحابة أعلى مرتين من الجبل, تميل نحوهم كما ينبغي لجِني شرير. وفيما كانت فترة ما بعد الظهر تدنو, خَفَّت حركة المرور. ومتى توقفت إحدى السيارات, توالى الطقس الموجَز: أعين الحشد تنصرف إلى الوافد الجديد, ذو رداء العمال يُشرح حلْقه, لحظة انعدام التعابير ثم الاستيعاب, الأعين تتحول. ما كان من بعض السائقين إلا أن وقفوا هناك راشقين مضخات البنزين بنظرات الاتهام؛ عاد آخرون إلى سياراتهم وقعَدوا هنيهة وأياديهم على عجلات القيادة, في انتظار أن يأتيهم شيء. أعاد أحد الرجال تشغيل محرك سيارته في الحال ثم انطلق بها, ولكنها انجرفت بلا طاقة حتى توقفت في السِّكة على بعد عدة مئات من الأمتار. بل إنه لم يكلف نفسه عناء ركنها عند حافة الطريق. قدِمت سيارة أخرى, يدفعها ثلاثة رجال سود يتصبب منهم العرق. تركوا المَرْكَبة واقفة في الطريق واقتربوا ليتبادلوا كلمات مختصرَة مع عمال المحطة. انتفخت سواعدهم من فرط الإجهاد ووقفوا برهة قصيرة وأياديهم تتهدل بجوار أجنابهم. لم تتوجه أية سيارات على الإطلاق إلى المدينة.

كانت نشرات الأخبار بالتلفزيون تَعرض طوال اليومين السابقين لقطات لطريقيّ إن1 وإن2 وهما يغصان غصاً بالسيارات لمسافة خمسين كيلومتراً خروجاً من المدينة. استغرق أغلب الناس يوماً حتى وعوا خطورة الانفجار؛ وبعدها خرَج كل مَن وسعه الخروج. افترضت لين الآن أن نقص البنزين قد حبَس الناس في المدينة. هي نفسها غادرتها في وقت متأخر للغاية, على الرغم من كل التحذيرات. تأخُر خليق بها؛ فقد وجدت مشقة في ترتيب أمورها. سكِرت بصحبة أصدقائها في الليلة الأولى. سهِروا منتشين قدام التلفزيون وتفرجوا على تطور الأخبار. وفي الليلة الثانية صنَعت نفس الشيء, بمفردها. وفي صبيحة هذا اليوم, اليوم الثالث, صَحَت على حُرْقة في مؤخرة حلْقها, حُرْقة موجعة إيجاعاً حتى إنها وعت أن الإسراف في الخمر ليس السبب فيها, وأنها لا بد أن تتحرك. كان جميع معارفها قد رحلوا بالفعل وقتذاك.

تَحَزَّب الناس وانقسموا إلى عشائر. قام عمال المحطة ودافعو السيارة حول السيارة الأجرة. أوحت قسمات أوجه العمال وإيماءاتهم بجلاء بأنهم فرَغوا من عملهم: فقد تجاهلوا الحشد وانكبوا على ما خَصَّهم من طوارئ. حَنَت إحدى النساء رأسها داخل مقدمة التاكسي لتخاطب السائق بصوت خافت. لم تَظهر آي الاسترخاء إلا على السائق والمُحَصِّل؛ إذ ترهلت جلستهما هما الاثنين هابطين في المقعدين الأماميين فيما أمال السائق على عينيه قبعة بيسبول. قامت على الجهة الأخرى من الساحة عائلة أفريقانية* كبيرة بدت كالمسافرة في موكب: أُم, أب, عمتان وعَمَّان ضخام البنية, نصف دستة أطفال شُقْر من جميع الأحجام. نصبوا معسكراً لتحيط بهم حقائب مخصَّصة لحفظ الأغذية وكراسٍ قابلة للطي. استطاعت لين أن تبصر نقاطاً من السخام الأسود على جلودهم؛ التقط كل الوافدين من المدينة طبقة من الوَسَخ بيد أنها ظهرت بصورة أسوأ على جلود البِيض. جلست مجموعة تَبدى أفرادها كالتلاميذ – وشوم, شعور مُصَفَّفَة كالحبال الطويلة – في طابور استعان بالصمت على طول المنصة الإسمنتية الداعمة لمضخات البنزين. ظلت واحدة منهم – فتاة سمراء حافية ذات شعر أسود أشعث ينسدل على ظهرها – تهب واقفة وتسير صوب الطريق, تُدير نصفها العلوي يميناً ويساراً ويداها مثبتتان بإحكام تحت أبطيها ثم تعود واسعة الخطى. ذكَّرت لين بنفسها قليلاً, منذ عشرة أعوام مضت. نحيفة القد, نافدة الصبر. لاحت علامات اللياقة البدنية على رَجل يرتدي بذلة رياضية, قفز خارجاً من شاحنة ضخمة لامعة على بابها عبارة 'مَنجم ثراء آديل لتكنولوجيا المعلومات.' طفق الرَجل يَذْرَع المكان جيئة وذهاباً بأعين متيقظة. وفي النهاية أقبل الرجل – آديل نفسه؟ – على التجمع العائلي وقرفص على مَقْعَدَته وأخذ يتشاور معهم.

وقَفت لين وحدها, مستندة إلى الحائط الزجاجي لمتجر محطة البنزين. انغمست الشمس في سديم كبريتي. تفقدت هاتفها المحمول إلا أن الخدمة انقطعت أمس الأول. من فرط الضغط. الحق أنها لم ترغب في الاتصال بأحد. لم ينفك الرجل ذو رداء العمال الأزرق يتفرس فيها. بانت بشرته بلون الصلصال الرطب وملمسه, أطلق شارباً رفيعاً جديراً بشوارب الأوغاد. أشاحت بصرها عنه. نطت الفتاة ذات الشعر الأسود ثانية وانطلقت نحو الطريق. أسرعت في اتجاههم سيارة حمراء صغيرة تحوي راكباً واحداً وتمرق من أفق يطفح دخاناً. ركض آخرون وغرضهم الانضمام إلى صديقهم, امتدوا خطاً واحداً عبر الطريق السريع ليعيقوا سبيل السيارة. وحين فكرت لين في الانضمام إليهم, كان الأوان قد فات – كان الشبان قد تكدسوا بالداخل وواصلت السيارة سيرها المتخبط وكل نافذة تعج بالأيدي والأوجه. رفَعت الفتاة إبهاماً مشجعاً والحشد يمر بها.

احتشد جمع من الناس حول إحدى السيارات. أنعمت لين النظر من فوق كتف امرأة فالتقي طرفها بأحد العَمّين الضخمين يقرفص في بطاله القصير ويمسك بيد بارعة خبيرة قطعة خرطوم تَخرج من خزان الوقود. جوَّف خديه ثم انتزع الخرطوم بعيداً عن فمه برَجَّة أجادها بالممارسة. أوقف تدفق البنزين بإبهامه ثم دس الطرف الآخر من الخرطوم في صفيحة بنزين. ارتقى رأسه بعينين تعكسان توتراً وشحوباً.

'أمِن مزيد؟' سأل بصوت عال زيادة عن اللزوم.

هزت لين رأسها. انتقل الجمع إلى السيارة التالية.

ذهبت لتَجلس في الداخل, في كافيتريا تطير منها رائحة البَيض المقلي إلى الأنوف. صُنعت الكراسي من بلاستيك أحمر اللون, وأسطح الموائد من رخام أصفر, تماماً كما تذكرتها من رحلات قامت بها في طفولتها على طول الطريق. شَكَّلت صلصتا الطماطم والخردل قشرة حول فوهات زجاجات بلاستيكية قابلة للضغط. انفردت بنفسها في عتمة المكان. نهضت فوق الطاولة حوامل من رقائق البطاطس, رفوف من الحلوى, ثلاجات لعرض الأغذية. أنزلت كيسين من رقائق البطاطس وأحضرت زجاجة كوكاكولا بنفسها ثم قصدت مائدة تجاور النافذة. تمنت كل ما تمنت احتساء زجاجة بيرة. تسربت أشعة الشمس من زجاج مشوب بدرجة خفيفة من درجات معدن البيوتر, درجة تليق بنهاية العالَم, إلا أن المشهد لم يأت بجديد؛ هكذا لاح لون الضوء دوماً في مثل هذه الأماكن.

شاهدت بذهن مشتَت عبْر الحائط الزجاجي سارقي البنزين وهم يملأون خزان الوقود بشاحنة 'مَنجم ثراء آديل لتكنولوجيا المعلومات.' خلَعوا غطاء الشاحنة البراقة ليسمحوا بصعود المزيد من الناس. جلَس العَمَّان والعمتان على الحرف وقد ولوا ظهورهم العريضة لمن تركوهم خلفهم فيما تكوم في المنتصف الأطفال الصغار والحقائب ووقف طفلان أكبر سناً متشبثين بمقدمة الشاحنة. ما خالتها جماعة انقسمت على نفسها: تَخَلَّف جانب من العائلة البيضاء على القطران كاشفاً عن زوجين شابين برفقتهما طفل يَدْرُج على حين استقل الشاحنة أحد دافعي السيارة العرقى وركِب ذو رداء العمال الأزرق في المقدمة بجوار آديل. لشد ما أخطأت إذن في تفسير التحالفات. ربما تمكنت من إحراز مكان لو زاحمت. رشفت الكوكاكولا في تأمل والشاحنة تَشرع في الحركة.

كوكاكولا دافئة: الظاهر أن الكهرباء انقطعت أيضاً الآن.

راحت لين في شرودها تشد تكراراً شريطاً من الألومنيوم يحد حافة المائدة. يُمْكن استعماله لغرض ما. في حالة طوارئ. فتَحت كيساً من رقائق البطاطس بمذاقيّ الجبن والبصل وقد عرتها الدهشة من درجة جوعها. فطنت لين إلى أن سعادة تستولي عليها, سعادة سرية سالمة من الهموم. شأنها شأن تلميذة تغيبت عن مَدرستها: الجلوس هنا حيث لا يلم أحد بهويتها, حيث لا يستطيع أحد العثور عليها, في يوم مُقْتَطَع من السير الطبيعي للأيام. لا شيء مطلوب منها عدا الانتظار. وما أرادت هي إلا أن تَجلس ساعة أخرى, ثم ساعة بعدها, ولحظتها قد تستلقي على الكرسي اللزِج المكسو بمادة الفينيل تحت أشعة شمس لم تبرأ من التلوث وتَخلد إلى النوم. لم تأكل كيساً من رقائق البطاطس منذ سنوات. كانت في منتهى اللذة. طحنتها بأسنانها فأحست بالملح والزيت يداويان صداعها. دفَعت لين حذاءها ذا الكعب العالي وخلعته, كان يؤلم قدمها, ثم رحرحت بلوزتها المنطبقة على جسمها. لم ترتد ملابس عملية تلائم هذا الإجلاء الجماعي.

دفَعت عاملة البنزين الباب الزجاجي لينفتح بصوت كالرنين. رفَعت حاجز الطاولة الخشبي بحدة صاخبة ومضت خلف دُرج النقود. شابة ريانة الجسم جميلة المُحيا ضفَرت شعرها ضفائر معقدة. لاحظت لين أن بشرتها تتلون بلون بني رائق, خالية من سخام ظهَر كالنقاط على جلود رُكاب السيارات. أخرجت من صدرها مفتاحاً صغيراً يتعلق بسلسلة وفتَحت دُرج النقود بعد أن خَبَطته بجنب قبضتها ليقفز إلى الخارج. خطفت لمحة إلى لين ثم جذبت من الدُرج حفنة أوراق من فئة خمسين رانداً ثم من فئة مائة.

'التاكسي ماشٍ.' أنهت إليها.

'صحيح؟ ومِن أين له بالبنزين؟'

'معه بنزين. كان في انتظار ملء المقاعد فحسب. اتفقنا على سعر – لكِ أنت أيضاً لو شئتِ.'

أتَمزحين؟ كان ينتظر فلوس الناس ليس إلا؟ كان بمقدوره أخذنا في أي وقت؟'

هزت المرأة كتفيها وكأنما تقول 'سواقو التاكسي.' مررت إبهامها بخفة على طرف لفة النقود. 'قادمة؟'

هزت لين كتفيها رداً عليها.

'لا تريدين ركوب تاكسي؟'

'لا, ليست تلك هي المسألة – الأمر وما فيه, إلى أين سنذهب؟ أنا متأكدة أن أحداً سيجيء قريباً. سوف تجيء الشرطة, قوات الإنقاذ.'

فرت من فم المرأة شخرة ثم ارتطم وركها بالباب فاتحاً إياه لتَخرج من المتجر. انغلق الباب بطيئاً وكأن شيئاً يمصه ثم عم الصمت من جديد.

مدت لين بصرها إليها عبر النافذة الملونة وهي تُسَلم النقود التي بثت فيما يبدو نشاطاً في المُحَصِّل خامل الحواس. إذ استقام وجعَل يَذْرَع المكان ذهاباً وإياباً وهو يُصفق بيديه ويَزعق بأعلى صوت متحركاً بكل حيوية كالواقف في طريق 'مين رود' وقت الذروة. وفي داخل التاكسي تزحزح الجالسون فوق مقاعدهم على حين طفق الآخرون يتدافعون جميعاً إلى الداخل. التقط ناظرا السائق لين عبر النافذة فرفَع حاجبيه وأشار بسبابتيه إليها أولاً ثم إلى الشاحنة ثم إليها من جديد: قادمة؟ وعندما لم يند عنها إلا ابتسامة, طقطق أصبعيه وصرَف اهتمامه إلى مكان آخر. أُرغم الناس على ترك حقائبهم وصُرَرهم على القطران. اكتشفت لين أنها تَقبض على حرف المائدة بإحكام. نزَل ألم بمعدتها. الاستيقاظ هذا الصباح وحزْم متعلقاتها القليلة وقيادة السيارة كل هذه المسافة ... بدا لها من المستحيل أن تبدأ كل هذا مرة أخرى. القرار, الفعل, الحركة. ودت أن تُقوس جسمها على المقعد وتحط رأسها. إلا أن السيارة الأجرة كانت تمتلئ بالناس.

أنقذها جسمها من اتخاذ القرار. إذ تسارعت عملية الهضم تسارعاً مفاجئاً. ارتفع أنين من أمعائها فهرولت إلى الحمَّام.

كان قد انتظم في السابق طابور أمام الحمَّام إلا أن المراحيض باتت الآن شاغرة. اسْوَّد وجه لين من السخام اسوداداً مفزعاً في مرآة الحوض. ظهَر شعرها الأسود متباين الطول دهنياً وعيناها وردية كالباكية. التلوث. جلست على مقعد المرحاض الأسود البلاستيكي وأحست بالسموم تندفع خارجة منها. مسحت وجهها بورقة من ورق المرحاض ثم دققت النظر في بقع سوداء لطخت المنديل. كانت بشرتها تنضح بها. قرَّبت قطعة المنديل المتغضنة من أنفها. رائحة نحاس طفيفة. ما هذا الخراء؟ وقَع الانفجار في مصنع كيماويات, إنما أي كيماويات؟ لم تستطع استحضار ما أعلنوه في نشرات الأخبار.

تنبهت إلى الهدوء. كان سكوناً تداخله أصداء خفيفة كما هو حري بمكان غادره الناس لتوِّهم.

لم يتبق أحد في الساحة. كانت السيارة الأجرة البيضاء البالية تَرحل مكتظة بالجميع داخلها. انفتح الباب المنزلِق وتدلى من الجانب ثلاثة رجال عقفوا أصابعهم متشبثين بحافة السقف. عَدَت لين خلفها على الطريق السريع إلا أن أحداً لم يرها خلا الرضيع الأشقر المحشور وراء الزجاج الخلفي وإحدى يديه مبسوطة لِصْق الزجاج. قابل تحديقها بمثله والسيارة تزيد سرعتها.

كانت السحابة تزحف عالياً وراء ظهرها طارحة عتمة باهتة ليست مصمتة بما يكفي لتُشكل ظلاً. وسعها أن ترى سُتُراً من مطر قذر ينزف من حافتها الدانية. ترامت إلى أذنيها في وقت سابق بالمدينة صفارات إنذار, مروحيات في السماء؛ ولكنها لم تجد مثلها هنا. لقد هيمن الصمت. توترت أعصابها لوقوفها بمفردها في الطريق السريع. فالطريق مُفْرَد للسيارات. ليس الغرض من سطح الطريق أن يلمسه البشر بالأيدي أو الأقدام, أن يتفحصوه عن كثب أو في سكون. تراءت الحارات الأربعة عريضة للغاية. بل إن الخطوط البيضاء والفجوات بينها بدت أطول بكثير مما بدت عليه من مجلسها بالسيارة: بطُول جسمها بالكامل لو رقَدت على الطريق. تَعَيَّن عليها أن تمنع نفسها عن أفكارها لتسترق نظرة فوق كتفها والإجفال يحيق بها من سيارات خفية قادمة من الخلف.

أعملت فكرها فيمن رأتهم العديد والعديد من المرات على جانب الطريق السريع, يسيرون, يسيرون على طول الحواف المُعْشِبة, حواف غير مُعَدَّة لسير البشر, يَقطعون مسافات لا حد لها, يشُقون سُبُلاً عويصة, من بقعة قصية إلى أخرى, برؤوس مُغَبَّرة تطأطأت بعد أن رَوَّعتها حَلْقَة الأفق الحديدية. وفي خلال كل ما قضته من سنوات وهي تطوي الطرق بسرعة ما بعدها سرعة, كيب تاون, جوهانسبرج, ديربان, لم تتوقف مرة قط عند موضع عشوائي لتسير في المَرْج. ولِم تَصنع ذلك؟ كانت الطرق السريعة دروباً تخترق تضاريس بُنية ورمادية يتعذر سبر غورها, صورة ضبابية زائلة لا يَلمح منها المرء إلا عيوناً نعسانة لأناس يقفون على طرفها. إن مغادرة السيارة بمثابة تَفَسُّخ, اندماج في ذلك العالم المتبدل. إلى أي مدى تقوى على المشي, بأية حال, قبل أن يُزل الضعف قدمها؟ قبل أن يَغْلُظ الهواء ويستحيل إلى چيل عجيب مخيف, يستحيل الخوض فيه, التنفس فيه؟

حل منتصف الظهيرة وإن بدا الوقت متأخراً عن ذلك بكثير. وفي اتجاه المدينة كانت السماء مُثْقلَة بضوء دامٍ. تيسر التحديق مباشرة إلى الشمس – قرص وردي اللون حائله مثله مثل قمر كوكب مختلف. كانت السحابة تتعاظم. وبينما كانت تراقب المنظر, امتدت نحوها جبهة من سحب منخفضة ذات لون وردي غامق ساحبة معها عبر السماء موجة من الظلمة. صاحبتها أمطار أفقية غريبة الشكل فحنت لين رأسها لا إرادياً ووضعت يديها على شعرها. إلا أن القطرات كانت مفرطة في حجمها ووضوحها فاكتشفت أنها في الحقيقة طيور, آلاف من الطيور, تتسابق بأقصى سرعة مبتعدة عن الجبل. طارت فوق رأسها وحول أذنيها: زرازير خفيفة الطيران, إوز متثاقل الحركة. ارتمت بعض الطيور الصغيرة السريعة عالياً إزاء خلفية السماء, دقائق من السخام تنبعث من كِتاب يحترق.

وفيما كانت تمر فوق رأسها, استبد الخوف لأول مرة بقلب لين.

نحو خمسين كيساً من رقائق البطاطس, تشكيلة من الطعوم. ثمانون قطعة شوكولاتة تقريباً, أنواع مختلفة منها. حلوى بطعم عِرْق السُّوس, حلوى الجيلاتين, أقراص من الحلوى ماركة سمارتيز. ربما ثلاثون زجاجة كوكاكولا وفانتا في الثلاجات, متنوعة الأحجام. مياه, فوارة وعادية: خمس عشرة زجاجة كبيرة, عشر صغيرة. لا كحوليات من أي نوع. ما هي كمية السوائل التي تحتاج إلى شربها يومياً؟ نصحت مجلات المرأة بلترين. لطرد السموم. هل شُرب الكوكاكولا كافٍ؟ بالتأكيد. إذن: أسبوعان, ربما ثلاثة. سَهُل عليها حساب حسبة البقاء على قيد الحياة. أسبوعان فترة تكفي وتزيد؛ سوف يأتي الإنقاذ قبل انقضائهما بوقت طويل. ساورها شعور بالثقة والاستعداد.

اندفعت بخطوات جريئة عبر الحاجز الخشبي متجهة وراء الطاولة. كان دُرج النقود مفتوحاً. قام خلفها بابان متأرجحان بنوافذ في مستوى الرأس, ومن خلالهما انتهى الداخل إلى مطبخ مُعَقَّم يضم خزانات فولاذية مثبتة في الحائط, مظلم عارٍ من إضاءة علوية. ترك أحدهم قُرْصين نصف مطبوخين من لحم البقر على صفيحة مسطحة من الفولاذ تعتلي المشواة, واستقر ملء كيس من رقائق البطاطس في وعاء ضخم يحوي زيتاً يفتقر إلى الشفافية. نهض على اليمين باب خلفي يتصدره قضيب معدني عريض يَدفعه الداخل عند الدخول. دفَعته دفعة لا يعوزها العنف.

انفتح الباب متأرجحاً فباغتتها رقعة تشي بألفة خليقة ببيت: ثلاثة صناديق سوداء أو أربعة, صندوق معدني كبير للنفاية, ضوء الشمس, بعض أشجار الأوكالبتوس رثة الأوراق, سياج قديم مؤلَّف من سِلْكين بأعمدة خشبية تَحجز المَرْج. مالت سقيفة ذات سقف مائل من الحديد المتموج معتمدة على الجدار الخلفي. أوقع فيها تغير المسافات والجو إجفالاً. لم تتخيل لين أن محطات البنزين الكبيرة التابعة للتوكيلات تخفي مساكن متواضعة. فقد تولاها شعور مبهم بأنها مُرَكَّبة من وحدات قياسية, منقولة قطعة قطعة, كل شيء بالألوان الأصلية للشركة. أمَّا العناصر الدخيلة – العُمال – فمن المفترض أنهم يتوارون خلسة في مكان مريح محجوب عند نهاية نوباتهم. لكن من الواضح أن هذا المكان فناء خلفي لمنزل أحد الأشخاص. إذ فاحت منه رائحة دخان وعَرق ومياه غسيل الأطباق, روائح غَطَّت رائحة الدهن المحروق المنبعثة من المطبخ. استطاعت أن ترى عبر مدخل السقيفة طرفيّ سرير حديدي وحَشِية. ألْفت على الأرضية وعاء بلاستيكياً أحمر من تلك النوعية التي ينغسل فيها الرضع أو الأطباق. كرسيان بلاستيكيان من كراسي الحدائق, أحدهما ينقصه رِجل. سيارة صدئة تقف على قرميد.

تصاعدت من لين ضحكة. سيارتها! سيارتها هي, لمدة عشرين سنة متتالية: نفس طراز التويوتا الزرقاء غير أنها انقلبت هيكلاً. شَحَبت الرقع المتبقية من الدهان المتشقق لتصبح بلون سماء صيفية غابت منذ زمن. ران الصدأ التام على بعض الأجزاء وتهرأت الحواف السفلية للأبواب بفعل التأكل. تراكمت سجاجيد قديمة على المقعد الخلفي وانفتحت كل الأبواب. سَبَّب منظر الطبقة الأخيرة الناعمة وقد غطتها القشور وتجردت من الدهان وخزاً في خلفية أسنان لين.

سارت بحذاء السيارة. تراءت على الجانب الآخر من السياج بقرة عجفاء, جِلدها كوحل طيَّن به أحدهم العضلات. أقبلت معزاة إلى السلك في نَهَم لترصدها بعينين أشبه بشَقين ضيقين. مدت ذراعاً عبر السياج وحَكَّت ما بين قرنيها. ونحوها تلكأت البقرة هي الأخرى في اهتمام. استنشقت لين نفَسها العَبِق بالعشب فاستحوذت عليها رجفة مغامرة. احتمال أن تلبث هنا أياماً. ما خامرها خوف من المشهد العام: لا أحد هنا غيرها, لا أحد لمسافة أميال (مع أنها أبصرت ثانيةً للحظات: اليد وهي تنزلق عبر الحلْق.)

بدت السماء صافية كل الصفاء هنا في الخلفية وكأن محطة البنزين عيَّنت حدود نطاق التلوث. سددت أصابعها إلى المعزاة وطقطقت اثنين منها مثلما فعل سائق السيارة الأجرة ثم دارت في دائرة وهي تدندن. أخذت نفَساً حاداً متقهقرة بعنف لِصْق السلك. 'يا يسوع.' هناك شخص في السيارة. أعادت كومة السجاد تشكيل نفسها لتتحول إلى سيدة عجوز جالسة على المقعد الخلفي كمن تنتظر أن يقودها سائق إلى وجهتها.

أطلقت لين ضحكة شبيهة بالكحة وهي تضرب صدرها. 'يا ربي, آسفة,' اعتذرت. 'لقد فاجأتِني.' حرَّكت السيدة العجوز لثتها مُحَدقة أمامها مباشرة. كانت ترتدي فستاناً باهتاً أخضر اللون مزرر الأزرار وسترة من صوف محبوك يدوياً وجوربين ممطوطين فوق الركبة وخُفين. انعقد شعرها الأشيب في كعكة هزيلة.

دنت لين. 'مم,' ابتدأت كلامها. 'هالو؟' أفريقاني؟* كانت لغة لين الأفريقانية رديئة رداءة محرجة. 'هاالو؟' أعادت لفظ الكلمة بطبقة صوت مختلفة. عبثية.

لا جواب. المسكينة – دار ببالها – تركها أحدهم هنا. بل وهل تدري السيدة العجوز بالانفجار؟ 'آسفة... يا عمة؟' حاولت من جديد. لم يسبق لها قط أن نادت أحداً جدياً بكلمة 'عمة'. لكن البادي أن الكلمة خلفت أثراً: إذ رمقتها السيدة العجوز بشيء من الفضول. عينان ضيقتان تغشاهما غشاوة سوداء تكاد لا تُظهر بياض العين. وجه مُجَعَّد انكمش ليغدو عظاماً دقيقة. فأر عتيق.

'أهلاً. أنا لين. آسفة على الإزعاج. مم, لا أَعرف إن أطلعك أحد – على الحادثة؟ في كيب تاون.'

تَحرك ثغر المرأة وكأنما تتلعثم في الكلام. انحنت لين مقتربة منها لتسمع.

'حفيدي,' نطقت السيدة العجوز ببطء إنما بوضوح. ثم رسَمت ابتسامة خفيفة وعطفت عنها وجهها لتختم حديثاً مقتضباً لا غنى عنه.

'أخبرك به؟'

لا رد.

إذن. هناك الآن شخص آخر لوضعه في الاعتبار, شخص عجوز واهن, شخص في حاجة إلى معاونتها. أحست لين بالثِّقل يعاودها. 'عمتي,' قالت – بما أنها بدأت بها, فمن الأفضل أن تتابع بها – 'حصَلتْ حادثة, انفجار. هناك كيماويات في الهواء. سُم, جف*. قد تَهُب في اتجاهنا. أظننا يجب أن نَخرج إلى الواجهة. قد يَعبر أشخاص يمكنهم مساعدتنا. سيارات. عربات إسعاف.'

لم تُبْدِ السيدة العجوز نفوراً من الفكرة وسمحت للين بأخذ ذراعها ورفعها من المقعد. وعلى خفتها الشديدة, اتكلت عليها اتكالاً جعل لين تشعر بأنها تجر ثِقل المرأة بأكمله بذراع واحدة جرْها لحقيبة سفر. وبدلاً من الاجتياز الشاق لسلسلة معقدة من الأبواب كي يعودا إلى المحطة, سلكا الطريق الأطول. حول المبنى في اتجاه عقارب الساعة عبر مجاز ضيق انحشر بين الركن الخلفي للمرأب وسلك السياج. مرا بحمَّام السيدات, حمَّام الرجال, المقهى. وبينما كانتا تسيران, بدأ المطر يهطل, مفاجئاً غزيراً. سدت الأمطار الأفق عن العيان؛ لم يختلف صوتها على سقف الساحة عن صوت التشوش العالي الصادر عن الراديو. تساءلت لين في قرارة نفسها عن مدى تلوث المياه المنهمرة. أجلست السيدة العجوز على مقعد تعلوه ظُلَّة خارج المتجر, ثم جلبت من الداخل بعض زجاجات المياه وأكياساً من رقائق البطاطس. وبعدها اضطرت إلى استخدام الحمَّام مرة ثانية على عجل.

امتنع المرحاض عن صرف الفضلات. أحست بأن أحشاءها الفارغة مائعة, ومع ذلك أجهدتها لإخراج أي شيء. عاودها الصداع. حين رجعت إلى الخارج, كان المطر قد كف مرة أخرى, على بغتة مثلما بَغَتَها بانهماره, مخلفاً في الهواء رائحة صدأ نفاذة. اختفت السيدة العجوز. انتبهت لين بعدئذ إلى حركة على الطريق: كان باب سيارتها مفتوحاً. اقتربت فرأت المرأة تأكل هادئة رقائق البطاطس في المقعد الخلفي. بعد أن نقَلت نفسها من حطام الفناء الخلفي إلى مركبة أرفع مقاماً تقف في الواجهة, كانت حينئذ في انتظار أن تستهل الرحلة. لاحظت لين أنها عجوز نظيفة المسلك: لا فُتات على صدر فستانها. الظاهر أن البطاطس ردت لها عافيتها. إذ التمعت عيناها وهي تنتزع من جيبها مشطاً بلاستيكياً صغيراً بلون ظهر السلحفاة وتنتر خصل شعرها إلى الوراء ثم تعيد تثبيت الكعكة في مكانها بدبابيس شعر سوداء ملوية على شكل حرف U, دبابيس لم تقع عينا لين عليها منذ وفاة جدتها. وعلى العكس منها, تَمَلَّك لين إحساس بأنها شعثاء الشعر وانتابها شعور بالإحراج من مقلب القمامة سيارتها: زجاجات جعة هاينكِن الفارغة الملقاة على الأرضية, المناديل المرمية في جيب السيارة. كان من الواجب أن تحافظ على نظافة السيارة وتوليها مزيداً من العناية.

'حفيدي,' خاطبت المرأة لين بإيماءة تعيد توكيد كلامها.

'مفهوم,' ردت لين.

كان المساء على الأبواب. تراجعت السحب بعض الشيء وجاشت مكفهرة فوق الجبل. نَشَّط المطر الوجيز رائحة بشعة: كما البلاستيك المحروق إنما بلسعة معدنية, وكذا بنَفْحَة حموضة أشبه برائحة اللحم النتن. جلست لين في المقعد الأمامي ووضعت مفتاح التشغيل ثم قبضت على عجلة القيادة. عطِل ذهنها من أية خطة. كانت السماء تُظلم قبالتها متخضبة بلون أزرق نَيِّر. حضَرت المرأة الضئيلة الصامتة حضوراً متوقعاً في مرآتها الأمامية. ألَّم بلين شعور بالقهر حثها على الترجل ثانية من السيارة. وقفت ويداها على وركيها محملقة شرقاً وغرباً, صفارات إنذار على أهبة الاستعداد, أنوار وامضة. حنت رأسها واستقلت السيارة مرة أخرى. 'سأرجع بعد ثانية. ماشٍ؟ ستكونين بخير هنا؟'

تطلعت إليها المرأة العجوز بنظرة توحي بعدم فهم مهذب.

كان غاية مرادها أن تتجول قليلاً في المكان. اتجهت صوب الشمس التي كانت تنصهر بلا ترتيب في لُطَخ حمراء وأرجوانية. احتجب الجبل عن الأنظار. طال التلطخ الطريق, إذ انتثرت عليه كتل من رواسب سوداء مثل القطران. عَدَّت خمسة أجسام صغيرة لطيور ميتة ريشها رَطْب ملتصق بعضه بعضاً. لاحت خطوط سوداء فوق نِصال الأعشاب النابتة على جانب الطريق, وتراءت الأرض كما لو كانت تدخن, إذ تعالت حول كاحليها طبقة من الدخان كريه الرائحة. ساء الأمر كلما سارت, لذا استدارت راجعة.

هناك شخص يقف بجوار سيارتها. مَيَّزَت في الحال الشارب ورداء العمال الأزرق.

دبت فيها أول ما دبت رغبة في الاختباء. وقَفت دون حراك, ترصد. لم يرها.

كان الرجل ذو الوجه الشبيه بالصلصال يمسك بشيء... صندوق. لا, صفيحة. كان يَحمل بين يديه صفيحة بنزين بيضاء ويملأ سيارتها بنزيناً. اضطربت معدتها فجأة فجثمت على الأرض إلى جانب الطريق وتقيأت على العشب نَتِن الرائحة كمية بسيطة من مِهَاد بمذاقيّ الجبن والبصل. عندما رفَعت ذقنها, وجدت الرجل واقفاً يرمي بصره خلفه إلى محطة البنزين.

اتخذت القرار وبعثت نفسها على النهوض رافعة يدها لتُلوح – ولكنه في تلك اللحظة فتَح الباب وركَب؛ اشتغل المحرك على الفور ودارت العجلات بسلاسة قدماً. وسعها أن تبصر خلفية رأس العجوز, خلفية انكشفت فضية للحظات قبل أن تُغَيِّب الحارة السيارة, قبل أن يحجب انعكاس الغروب لوح الزجاج الخلفي. انطلقت التويوتا صوب المساء الصحو.

جلست لين في المقعد الخلفي للسيارة الصدئة وراقبت السماء وهي تتحول إلى اللون الكحلي والنجوم وهي تبزغ. راقها عدم وجود بِنْية تتخلل المسافات بين النجوم, أنعم من المياه؛ كانت عمقاً خالصاً. جلست على تجويف بالمقعد أحدثته جلسة السيدة العجوز, ووضعت كاحلاً فوق الآخر في مسافة شغَلتها فيما مضى فرملة اليد. رشفت كوكاكولا؛ فقد ساعدت على تخفيف الغثيان.

مكثت هنا ثلاثة أيام وذاق ذهنها الصفاء. وعلى حين انفجرت أمطار غريبة بضع مرات, لم تتوغل العاصفة الكيميائية في الطريق السريع. البادي أن التلوث أحدث نظاماً جوياً خاصاً به فوق الجبل, عقدة من سحابة قبيحة الشكل. خيم عليها شعور بأنها قد انجرفت عند طرفها, تُريح أجنحتها المتخثرة بالزيت فوق شاطئ يلفه الهدوء.

عاجلاً أو آجلاً, سوف تَحضر النجدة. سيارات الإسعاف ذات الأنوار الوامضة, الرجال في سترات منيرة يَحملون المعدات والتجهيزات. أو ربما تيار من الناس يقودون سياراتهم عائدين إلى بيوتهم. لكن لو تأخرت النجدة, لن يُعْجِزها أبداً استخدام دراجة سوداء عثرت عليها مستندة إلى مضخة البنزين. لا بد أن حفيد المرأة ركِبها إلى هنا – ومعه صفيحة البنزين – من مكان ما غير بعيد على الطريق. كانت عَجلة ساعي بريد قديمة, ثقيلة الوزن إنما شديدة الاحتمال. لو كان قد قدَر على قطع المسافة بالدراجة, فهي متأكدة أنها لن تقل عنه قدرة. ربما غداً أو بعد غد. وعندما ينتهي كل هذا, ستَخضع بلا ريب لنظام غذائي سليم لإزالة السموم. سوف تُقلع عن كل الوجبات السريعة والكحوليات. في وقت ما قريب.

فتَحت لين بحركة خاطفة كيساً من رقائق البطاطس بطعميّ الملح والخل. ومن خلفها تريثت البقية الباقية من أشعة المغيب, السُم بنفسجي وأحمر داكن, بيد أنها لم تلتفت لترنو إليها. خالجتها رغبة في أن تواجه سماوات لا غيم فيها, مَرْجاً ذكي الرائحة. لو أغلقت عينيها, قد يتناهى إليها صوت ضفدع, ضفدع واحد فقط, يستهل أغنيته المسائية وراء السياج.

 

 

 


* أفريقاني: مُواطن من دولة جنوب أفريقا أوروبي الأصل.

* اللغة الأفريقانية: اللغة الرسمية لدولة جنوب أفريقيا, وقد تطورت من الهولندية في القرن السابع عشر.

* جف: سُم باللغة الأفريقانية.

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.