مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم كارل يانْيما بالموافقة على نشر قصة "حلم عالِم فراسة الدماغ" في مجلة البوتقة.

Mr. Iagnemma was so generous to permit the publication of the Arabic text of “The Phrenologist's Dream” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Iagnemma a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

 

حلم عالِم فراسة الدماغ

كارل يانْيما

ترجمة: هالة صلاح الدين

http://www.karliagnemma.com

 

 

 

حول طبيعة التفاعل البشري الرومانسي

 

 

استيقظ في ذلك الصباح عند مطلع الشمس وارتدى بنطالاً وحذاء متيناً في ضوء بلون الشاي. عطِلت الغرفة من الحوض، لذا مسح وجهه في ذيل قميصه وأجرى إصبعاً على أسنانه الأمامية اللزجة. وضع على المائدة الجانبية زجاجة مقو للشعر وقفازين بيضاوين من الأطلس وعملات قليلة مبعثرة عدها بالجس وهو يُسقطها في جيب صدرته: عشرة دولارات وخمسة سنتات ونصف. وعلى الرغم من كِبر المبلغ، خيمت على جيرامايا سحابة إحباط: أربعة وعشرون فحصاً، نصفها لنساء، ولا جمجمة واحدة أنعشت قلبه.

خرج إلى نهار لا رياح فيه شكته البرودة. أخذ يتناول رشفات صغيرة من زجاجة ويسكي تزن باينتاً بينما كان السائس الناعس يشد الفرس إلى عربته. ربت عرف فرسه ثم صعد على العربة، وبهزة منه للعنان، شق الطريق الخالي. نيو بافالو: في عرْض شارعين وطول ستة، ونيم على الخريطة. دار عَجل العربة ليجتاز مطبعة وكنيسة منهجية وسمكرياً. كان يدنو من بنك منخفض عريض مشيد بالآجر عندما وقعت عيناه على الفتاة وهي واقفة على الرصيف بحقيبة سفر عند قدميها، تُلوح لجيرامايا وكأنه من الواجب أن يتوقف.

كبح الفرس ثم راقب الفتاة وهي تمشي عبر الطريق الوحِل بخطى ثقيلة. توقفت إلى جانب العربة وارتقى طرفها. "أود أن أركب معك. من فضلك."

طوت ذراعيها أمام صدرها في وقاحة بيد أن جبهتها العالية وعينيها الزرقاوين الدامعتين جعلتها تبدو حلوة وصغيرة كطفلة ترتدي ملابس امرأة. وسَمت حاجبها ندبة بيضاء متهرئة. تدلى شعرها في ضفائر بنية ينقصها البريق، ترقطها حبات من الرمال وقطع صغيرة من الشوك وكأن أحدهم جرجرها عبر الأعشاب الضارة. قال، "آسف، أنا لا أعرفك."

"لقد فحصتَني أمس،" أنهت إليه. "عندي وقار وصداقة رائعان، وأنعم بحدس رفيع لاكتشاف الحقيقة. قلتَ إن مزاجي العقلي متطور غاية التطور. اسمي سارة بينيت."

"يا آنسة، لقد فحصتُ أربعة وعشرين شخصاً أمس. ولم أوجه إلى أي منهم دعوة للترحال معي."

تشبثت عينا الفتاة بتحديقته إلا أن ثغرها لم يفه بكلمة.

"إنكِ حتى لا تعرفين مقصدي!"

"أنا في حاجة إلى الوصول إلى ديترويت لكن لا بأس بأي مكان شمالاً." نقلت إليه عابسة. "لا أقدر على دفع أي شيء. فقد سرق أحد الزنوج حقيبتي في الأسبوع الماضي."

عرج كلب قمحي اللون نحوهما بحذاء البلاعة ثم توقف ليدفع بأنفه كتلة من فضلات الطعام. "يؤسفني ضياع حقيبتك. الآن، بعد إذنِك."

وكز جيرامايا الفرس إلى الأمام عدة خطوات. لم تتزحزح الفتاة. الآن تذكر: كانت الضفائر باروكة تحركت تحت أصابعه خلال فحصها. إلى جانب رأسها المفتقر إلى الشعر، تجردت الفتاة من الحواجب والرموش، بلا زغب أملس باهت على وجنتها. اتصفت بشرتها بالنعومة واللمعان شأنها شأن سلطانية صقلها أحدهم مؤخراً. يا للأسف: عد افتقارها للشعر، تمتعت الفتاة بجمال المحيا.

"زوجي محموم في ديترويت،" صرخت. "لو كنتَ رجلاً به ذرة من النبل، لعرَضتَ عليّ الركوب معك. لن أقول المزيد."

وشى صوتها بآثار من يأس فاستثارت في نفس جيرامايا هيمانه بشوارع نيو بافالو الليلة الفائتة سكراناً ببراندي التفاح ومفتشاً عن نور ضارب إلى الحمرة يتوهج من إحدى النوافذ العلوية. بيد أنه لم يلف سوى كلاب ضالة وواجهات متاجر مظلمة وخطوات أقدامه المكتومة. خر بكل ثقله على عمود إنارة ليمنع الشارع من الدوران. يا للبلدة الملعونة، تفكر في قرارة نفسه، حيث لا يمكن للرجل أن يشتري رفقة الليل. ثم المسيرة عائداً إلى النُزل، قبضتاه تندسان في جيبيه ومعطفه الثقيل ينتفخ في النسيم البارد. تصاعد الضحك من الظلال وانصفقت الأبواب وتفجرت الموسيقى من نوافذ الخمارات المفتوحة، كل صوت انعكاس لشخص آخر.

لحقت بجيرامايا رعدة ولعق شفتيه ثم قال، "اركبي."

 

~

 

قادا العربة شمالاً من نيو بافالو على طريق رئيس تلوح به آثار العجل. تحكم جيرامايا في العنان بيد واحدة على حين أنصت إلى الفتاة وهي تتحدث: عن مهارة زوجها كصياد سناجب، عما تنعم به من صحة سابغة لا يطولها المرض، عن عظة في الكنيسة حول شرور الكاثوليكية. صلصلت العربة وارتجت لتصر سيورها الجلدية؛ شعرا وكأنهما يركبان فوق سبيل من الضلوع. مرا مع اقتراب الظهيرة بمرج ترتفع فيه سلاسل شجر القيقب وتتوهج أوراقها القرمزية. لاذت الفتاة بالصمت هنيهة ثم تحركت في مقعدها وصعدت عنها تنهيدة عالية.

"قد يصبح هذا الطريق مُرضياً لو تغطى ببعض الحصى. سافرتُ في مرة من المرات من كولسون إلى ديتون. خشيت أن تهتز أسناني حتى التقلقل، كانت رحلة في منتهى الوعورة."

"على الأقل المنظر مقبول بما يكفي،" قال جيرامايا. "أغلب أوهايو مملة مملاً لا حد له. لو سقتِ فترة طويلة بما يكفي وأمامك منظر بائس، فسوف يؤثر على عقلكِ."

"زوجي يقول إن المناظر في هذا البلد واحدة لا تتغير: مؤخرة فرس."

فرت من جيرامايا ضحكة خفيضة ووجّه إلى الفتاة نظرة جانبية ليقيس جديتها. ظهرت أكبر مما حسب في البداية: من تجاعيد يديها وآثار الشمس حول عينيها، خمن أنها ربما في الخامسة والعشرين. ركبت العربة بشال لم تغلق أزراره في مواجهة برودة سبتمبر.

"هل تمانعين أن أسالك كيف فقدتِ شعرك؟"

"لم ينبت لي شعر أبداً. إنه عبء فريد أتحمله." سددت إلى جيرامايا عينين نصف مغمضتين. "لا بد أنكَ تنظر إلى رأسي نظرتك إلى كتاب مفتوح، أليس كذلك؟ لم تكن في حاجة إلى أن تعبأ بلمسه حين فحصتَني. ما كان عليّ سوى أن أخلع باروكتي.

"لقد فحصتُ الكثير من الرجال الصلع،" أعلمها جيرامايا. "إن فقدان الشعر يزودني ببصيرة أنفذ للإحاطة بشخصياتهم."

ارتفعت منها شخرة. "لقد أخبرتَني بكَم لا بأس به من الكلام الفارغ. قلتَ إني ماهرة في الأرقام لكني فاشلة فيها. قلتَ إن عندي نزعة قوية للشِعر لكني لا أتهبب آبه له."

"امسكي لسانك. لا يجب أن تنتقدي ما لا تفهمينه."

لفَّت الفتاة حدقتيّ عينيها استهجاناً ثم تفرست في الطريق الممتد أمامها.

رجع بذاكرته إلى فحصها: أبرزت جمجمتها وقاراً وفطنة تشكلتا تشكلاً جيداً بيد أن الواهن لديها كان ميلها إلى الحب وتماسكها وعلاقتها الزوجية؛ جمجمة خليقة بنادلة في خمارة أو غسالة. لا عجب أنها لم تسعد بالتقييم.

إلا أن شكوكاً اكتنفت جيرامايا نفسه في الفراسة التي جسها وهزها شأن الأسنان المتقلقلة. لو أصيبت جمجمة رجل في غضون حادثة من الحوادث، هل بالضرورة سيتغير مزاجه؟ لو بينت جمجمته ملَكة السرقة أو قول الأكاذيب، هل مكتوب عليه أن يصبح لصاً أو كذاباً؟ أوقعت الأسئلة في نفسه اضطراباً، وعلى الرغم من تأمله فيها ساعات، ما توصل إلى نتيجة واحدة مُرضية قط. أوحت جمجمة جيرامايا ببراعة في اللغة والذاكرة، وصداقة وإحسان قويين – صفات يعلم زيفها – وذكاء متوسط. مَن هو إذن؟ ما رآه في نفسه من رجل ألمعي متكتم أم رجل غبي كريم ادعته جمجمته؟

"أنا شخصياً أعتبر نفسي خبيرة ممتازة في شخصيات الناس،" أردفت الفتاة. "لا حاجة لي بأن أدْعك رأس رجل، بمقدوري أن أُقيمه عن بعد ميل."

"هل تمانعين أن أسأل كيف تقيمينني؟"

"حسناً، لديكَ مسحة من الطيبة، أنا عارفة ذلك عن تجربة، ومن الواضح أنك شخص ذكي. وإن يبدو لي أن بك مقداراً ضاراً من الكآبة."

ساد التورد عنق جيرامايا. "وماذا عنكِ؟ أتمنى أن تنال شخصيتك نصيباً من بصيرتك."

"إنني كما قلتَ تماماً: عندي وقار وصداقة رائعان. أحسن الصفات كلها." علت ضحكتها، قهقهة موسيقية. "يا ربي، أنا مجرد امرأة ساذجة. يجب أن تنسى كل ما قلتُه."

فاه جيرامايا، "لقد نسيتُه بالفعل."

هبت نسمة بينما تلاشى ظِل العربة في الغسق. دثَّر ذقنه بوشاح وضرب فرسه ضربة سريعة خفيفة فخب الفرس، وقبيل اختفاء الطريق في العتمة، أبصرا النُزل: منزلاً من طابقين يقع إلى جانب دستة صفوف من أشجار التفاح تثبت حافة أحد حقول الذرة.

دفع جيرامايا ستين سنتاً للمالك مقابل غرفتين ثم تتبع الفتاة على سلم ضيق وألواح البلوط تصر تحت أقدامهما. أسقط صندوق الثياب في أحد أركان غرفته ثم استرق السمع إلى الباب: سمع خطوات الفتاة وهي تخبو ثم تتوقف؛ ثم صريف الباب وهو ينفتح وينغلق.

اتكأ بالقرب من مرآة المكتب المشقوقة، ومحيط وجهه يبدو مألوفاً ألفة تثبط الهمة. تغطى جلد جيرامايا بالغبار، وحين فرك جبهته، شعر بأنها هشة ناعمة كالصلصال المحمص. فتح حقيبته وسحب زجاجة باينت الويسكي. فقط التقط أنفاسك اللعينة، حدَّث نفسه. افتح الباب اللعين. ود لو معه باقة من الأزهار البرية.

وقف بلا حراك طويلاً، منصتاً إلى الريح العاصفة، ثم تقدم في الممر بخطوات متمهلة ونقر باب الفتاة. انفتح بطيئاً. كانت تقف عند النافذة، قلنسوتها مفكوكة وباروكتها مائلة وحقيبة سفرها مفتوحة على السرير. "لا بأس،" قالت. "بإمكانك الدخول."

بدا أن قلب جيرامايا يبطئ وكأنه يضخ دبس السكر. تحرك خلف الفتاة، وعندما لمس كتفها، ألَّم بها الإجفال وكأن لادغاً لدغها. "أنا عصبية،" قالت، "آسفة. لستُ معتادة السفر. أظنه أخل بتوازن مزاجي."

أمال جيرامايا الزجاجة نحوها لكنها هزت رأسها. ابتلع جرعة طويلة. "يا إلهي العظيم الذي في السماوات،" لهث بالقول، "هذا شراب قوي." تناول جرعة أخرى.

"قل لي شيئاً عن نفسك،" طلبت الفتاة. "أي شيء. قل لي اسم أمك."

"ليتِس."

"قل لي محل ميلاد أبيك."

"أولباني، نيويورك." تحرك فستانها فتوقد قوس أبيض من جلدها عند قاعدة جِيد ألهبته الرياح. تَقدم جيرامايا صوبها إلا أن قدميها خطتا نحو الباب. لاحت عليها أمارات الجرأة والرعب في آن واحد شأن قطة تجابه حيواناً غريباً.

نبس، "تقولين إذن إن زوجك في ديترويت؟ يبدو ترتيباً غير معتاد."

"زوجي رجل غير معتاد. ألِف عند الغضب أن يأخذ شعري ويرميه فوق السطح. كنتُ أنتظر حتى يغلبه النوم ثم أحضره بسلم. وأحياناً ما كانت الغربان تسبقني إليه."

استعان جيرامايا بالصمت لحظة. "ماذا ستفعلين لمّا تجدينه؟"

"سأبوسه حتى الموت أو أرميه برصاصة، لا أعلم أيهما." أخذت زجاجة الويسكي ورشفت منها رشفة التوت معها قسماتها. "لستُ معتادة على حدوث هذا. أريد منك أن تفهم ذلك." زلَّقت بعدها الباروكة عن رأسها لتطرحها على السرير.

سفَعت جيرامايا صدمة حامية. ومض العرق على الجلدة العارية لرأس الفتاة، جلدة حريرية شاحبة وكأنها لم تتعرض للشمس قط. ملَّست رأسها براحتيها ثم فكت أزرار فستانها ولفت كتفيها إلى الوراء لتدع الملابس تنزلق إلى كاحليها. رمقته الفتاة بنظرة وخداها يتوردان خجلاً. أطرق جيرامايا رأسه. حل الارتجاف بمعدته موشكاً على الغثيان. تناهى إليه الصوت الخافت لملابس داخلية تستقر على الأرضية ثم الحفيف المتيبس الصادر عن الفراش. قالت، "حسناً يا سيد سايمون. الآن،" ثم لمست أصابعه.

همس، "إلهي العظيم الذي في السماوات."

 

~

 

حلِم بأنها سترفل في الجمال، الفتاة صاحبة الجمجمة المثالية. ارتدت في أحلامه فستاناً أزرق من الأطلس ومعه شال أحمر اللون قاتمه، أو عباءة وردية من الحرير، أو تنورة منتفخة بيضاء اللون. تدلى شعرها في حلقات شقراء مشدودة أو رجع إلى الوراء في كعكة بنية ضاربة إلى الاحمرار. تلونت عيناها بلون البندق أو بزرقة زهرة الحقول أو باللون الرمادي. كان جيرامايا يستيقظ في بعض الأصباح وهو يتصبب عرقاً، يثيره وجع لا يهدئه شيء عدا يدين نال منهما الخزي؛ وفي أصباح أخرى يستيقظ على طعم حاد مر فطن إلى أنه مذاق الوحدة. كان في التاسعة والعشرين، يطوي السبل منذ سبع سنوات لينتهي إلى كراهية الريف وفراغه الباهر.

أولباني، فرانكلين، هاريسبيرج، كلير ليك، ستانتون، شيروود كروسينج، مورهيد، راسيل: قاد العربة من نيويورك وصولاً إلى بنسيفانيا، ثم جنوباً نحو فيرجينيا وكينتاكي، والآن شمالاً إلى غابة أوهايو اللانهائية. كان يلبس كل صباح قفازين بيضاوين من الأطلس بأزرار من عرق اللؤلؤ على المعصمين، وبحلول الظهيرة يتلطخان بالقذارة وزيت ’ماكاسِر‘ والقمل المسحوق. حمَل جيرامايا في جيب صدرته دفتراً مجلداً؛ ولكل امرأة فحصها، خط ثلاثة أرقام: ميلهن إلى الحب وتماسكهن وعلاقتهن الزوجية، مقَّيماً الخصال من واحد إلى سبعة. وليلاً بغرفة الفندق، ينتزع قفازيه في الحوض ثم يقلَب الصفحة تلو الصفحة من البيانات، أرقام في مثل تباين السيدات أنفسهن وتحييرهن.

أثبت ناجِل أن حجم الجمجمة يحدده العِرق؛ برهن لايفيلد على العلاقة بين الولع بالقتال والمناخ. طالع جيرامايا دراستيهما لأول مرة بجوار وهج انبعث من عقِب شمعة من الودَك، في بيت أبيه بأولباني. كان صبياً في الثانية والعشرين – رجلاً من المفترض – أخرق السلوك طويل الشعر قذره؛ ما غازل فتاة قط، ما قبّل فتاة متمنياً لها ليلة هانئة. اهتز طرباً لِما داخَل الفراسة من حكمة مندفعة – فما هو الهدف الأعظم للعلم إن لم يكن تفسير الإنسان لنفسه؟ وبينما كان يقرأ، جس جمجمته بيد حذرة سانداً الكتاب المفتوح بمرفقيه. تفكر بالمنطق أن قدرة المرأة على الحب لا يمكن ولا ريب أن تكون جزافاً.

لا بد أنها تتعلق بإخلاصها، تدبر جيرامايا، أو تعليمها أو مهنة أبيها – شيء ما. تكتلت فكرة في عقله ثم قدَّمت نفسها ذات صباح كاملة كبيضة بيضاء طازجة: إن قدرة المرأة على الحب لا بد أن تنكشف باعتبارها مجموع ميلها إلى الحب وتماسكها وعلاقتها الزوجية. كان قد هب من السرير وارتدى ملابسه بصعوبة ثم حث الخطى عبر الحقول الشاغرة متجهاً صوب المطبعة. ابتاع نصوصاً لفاولر وجال ودفتراً مجلَداً صغيراً صفحاته في مثل بياض الثلج الجديد ونظافته.

انطلق في ذلك الاثنين التالي ليتوقف أولاً في بافالو ثم يسلك الطريق الرئيس جنوباً، وصفحات دفتره تمتلئ بالأرقام. أطلق سبلته ليبدو أنضج بيد أن مظهره لاح في المرآة كغريب كالح الوجه. حلق ذقنه حتى آخر شعره. وفي ديسمبر استهل في سكرانتون دراسة عنوانها أعضاء العشق عند السيدات الأمريكيات المحترمات. كتب عشر صفحات ثم مزقها قطعاً قطعاً.

كانت جمله عقداً. بياناته عديمة الشكل مثلها مثل الحساء. لا شك في خلو منهجه في الفحص من الأخطاء لكن ربما تضارب حكمه على حجم العضو أم أنه أساء تفسير النتائج؟ ولسبب ما، بدا أن الأقيسة الوحيدة الجديرة بالملاحظة آتية من جماجم البغايا. وفي الليل تمدد جيرامايا صاحياً بحجرات لم تخفق رثاثتها أبداً في تثبيط همته. تفكر بائساً في أن حياة العالِم أشبه بمسيرة عبر حقل غير مألوف عند منتصف الليل، بدون فانوس بل وبدون وهج القمر الخافت ليرشده.

انصرم عام ثم آخر. أعاد كتابة مقدمة الدِّراسة في هوبويل، وعلى الرغم أنه طالع بعينين متمعنتين ما يفوق تسعين صفحة من البيانات، لم يتمكن من إثبات فرض واحد. استيقظ مجفلاً في أحد الأصباح بلويفيل. لقد كان يوم ميلاده – استوقفه الإدراك كنكتة فاترة. فماذا حقق خلال السنوات السابقة إلى جانب التجول في بلاد صغيرة لا قيمة لها؟ لم يعد شاباً لكنه لم يؤت الحكمة بعد؛ طور نظرية عن الحُب إلا أن امرأة لم تحبه قط؛ قرأ الكثير لكن البادي أنه استوعب أقل القليل. ومؤخراً راودته تلك الأحلام عن سيدات جميلات ليخالجه شعور بأن نفسه النائمة تسخر منه سخرية مهينة. لقد خلَفته وحيداً إنما بجذوة أمل: إذ عثر في أحلامه على الفتاة صاحبة الجمجمة المثالية وغازلها وجعل منها زوجته.

 

~

 

أيقظته نقرة على الباب وفيض من ضوء الشمس وخز جبهته في ألم. تكرر النقر يليه صوت مكتوم لامرأة: "افتح من فضلك. أريد أن أرتب الحجرة."

تقلب جيرامايا على مرفقه وقد خامره اضطراب بليد مألوف. ثم أدرك: كان في حجرة الفتاة، حجرة سارة بينيت. تدفق ضياء الشمس عبر الستائر الرقيقة ليُظهر الأُزر الخشبية والأرضية وقد تنقطت بلعاب بني من فرط مضغ التبغ. لبس بنطاله على عجل وربت جيوبه: عملات، ساعة، لفة أوراق نقدية. قامت على الأرضية إلى جانب السرير زجاجة ويسكي فرغ نصفها. اختفت حقيبة سفر الفتاة عن العيان.

هرع في الممر نحو حجرته: ما تبعثر الفراش، وفي الركن القريب من النافذة استقرت حقيبة سفره المغلقة. غابت حقيبة الجماجم. دار جيرامايا حول السرير ثم رفع اللحاف ليحدق إلى ما تحت هيكل السرير. حقيبته المبطنة باللباد، ومعها نصوص فاولر وجال والإعلانات اليدوية وجماجم الشرح الخزفية – مشى واسع الخطى صوب حجرة الفتاة ونظر أسفل السرير. لم يجد الحقيبة.

"يا نهار أسود،" نطق بصوت كالفحيح ورفس إطار الباب. شعر بجبهته تنعصر وكأن أعضاءه الإدراكية تتقلص. حك جيرامايا صدغيه بيد أنه ما أضاف إلى الألم إلا الحدة. كان صاحب النُزل يجلس بالطابق السفلي على كرسي هزاز إلى جانب مدفأة باردة، يطالع جريدة. "أستميحك عذراً يا سيدي: الفتاة الصلعاء التي كنتُ معها، هل انصرفتْ؟"

كان صاحب النُزل رجلاً طويل القامة تتراءى عليه آيات الضجر، ببنطال متفسخ الخيوط ولحية شعثاء نبتت من ذقنه. تفرس في وجه جيرامايا من فوق الجريدة. "لم تكن صلعاء على الإطلاق."

"كانت صلعاء، لابسة باروكة. أظن أنها سرقت جماجمي." علا صوت جيرامايا إلى طبقة متوترة. "هل مرت عربة مسافرين بالمكان؟"

أومأ الرجل برأسه. "أتت الليلة الماضية إنما لم تتوقف طويلاً. في اتجاه مينتونفيل."

حاول جيرامايا تركيز أفكاره لكنه أحس وكأن رأسه متخم ضباباً. استفسر المالك، "كيف سرقتْ جمجمتك؟"

"جماجم. إنها أدوات علمية،" أنهى جيرامايا إليه. "إنها قَيمة. أنا عالِم في فراسة الدماغ."

حط المالك الجريدة على حجره ودقق النظر في وجه جيرامايا. بقميص كرمشه النوم وشعر أشعث، تصور جيرامايا أن يدعو منظره إلى الرثاء. "أريد أن أعرف مستقبلي،" أعلن الرجل. "سأدفع عشرة سنتات."

"لا وقت عندي، آسف." رفع جيرامايا معطفه وحقيبة السفر ثم توقف عند الباب. "وحتى لو عندي وقت، لن أعمل مقابل عشرة سنتات حقيرة."

وبالخارج شد الفرس إلى عربته على حين راقبه المالك من المدخل. "إلى مينتونفيل،" قال الرجل مشيراً بجريدته إلى الطريق الوحيد الممتد على مرأى منهما. "خط مستقيم، لا يمين ولا شمال."

فرقع جيرامايا العنان فارتجت العربة إلى الأمام. اعتراه شعور غامض بالخجل، شعور مَن أساء فهم حقيقة ما بسيطة. حاول أن يصفي ذهنه إلا أن كل أفكاره الشاردة أفضت إلى قمر حجبته سحب الليلة الماضية، وهمس القيل والقال لسيقان الذرة، وصوت الفتاة الموحي بالتوتر. بشرتها اللينة، المسكة المحكمة لقبضتها. الندبة الناعمة على حاجبها.

حانت منه لمحة إلى الوراء فأبصر المالك في الأفق، واقفاً في الطريق. رفع الرجل يداً إلا أن جيرامايا لم يرد تحية الوداع. أريد أن أعرف مستقبلي، قال، ولكن جيرامايا كان يعلم أنه لا يسعه التنبؤ بمستقبل الرجل مثلما لا يسعه التنبؤ بمستقبله هو.

 

II

 

قايض جيرامايا في أكتوبر عربته بأخرى مغطاة متآكلة وعملات بقيمة سبعين دولاراً. حل عليه الإفلاس: فحص في مينتونفيل وكارلو دستة من الأشخاص لا غير. نمى إليه في صبيحة مغادرته لكارلو أن قسيساً معمدانياً متجولاً جاهر بمعارضته لفراسة الدماغ، رامياً إياها بالشعوذة وبعداوة الدين المسيحي. ما كسب جيرامايا إلا ما يكفي من أموال لشراء الطعام.

قاد العربة إلى إسيكس حيث فحص صاحب مطبعة وابنته في مقابل دفعة إعلانات بسيطة: السيد جيه. سايمون، عالم في فراسة الدماغ العملية. وبيده أضاف، "سوف يفحص الرجال والنساء والأطفال بفندق وين حتى يوم الخميس، 12 أكتوبر." هام على وجهه في شوارع البلدة لاصقاً الإعلانات على الجُدر وقارعاً أبواب كل الأنزال ليسأل إذا ما كانوا قد رأوا فتاة شعرها بلون البندق وحواجبها غائبة. لم تخرج الإجابة قط عن النفي.

اشتغل ثلاثة أيام في إسيكس لكنه سار في الصباح الرابع من فندق وين ليتخذ مقعداً في الركن الخلفي من خمارة جون سوليفان. احتسى الكأس تلو الكأس من البيرة حتى بلغ حالة من هدوء فائق يغلفه الوميض. "البغي الصغيرة العزيزة، زوجتي، هربتْ مع محاربين هنود،" كرر موجهاً الخطاب إلى رجل يحتسي الخمر بالمائدة المجاورة إلى أن دق الخَمار الحائط بمفاصل أصابعه. أسقط جيرامايا دولاراً على الأرضية ثم ترنح إلى الشارع ليمشي صوب منزل يعمه النور وتقطر من نافذته المفتوحة موسيقى بيانو.

فتحت الباب امرأة قصيرة القامة سمينة الجسم ذات وجه طالعه بأحمر خدود وأسنان أمامية نتنة. "لا بد أنك هنا للرقص،" ابتدأت وهي تقود جيرامايا إلى الداخل. عزفت عجوز سوداء في ركن الردهة "آه! يا سوزانا" على بيانو عمودي الأوتار حت من كثرة الاستخدام.

فاحت من غرفة نوم الدور العلوي روائح نبات الخزامى والبول واللعاب كريه الرائحة لماضغي التبغ. "العادي بدولار،" أعلمته المرأة. "أي حاجة ثانية تكلف زيادة." أزالت عنها فستانها الأسود وسروالها الداخلي وكومتهما على الأرضية. جسَّد صدرها وخصرها ووركيها جذعاً واحداً يتكدس لحماً، وظهر ثدياها كزوجيّ حجارة سقطا في جوربين حريريين.

"لا بأس بالعادي،" أبلغها جيرامايا. "شكراً يا آنسة."

"اسمي كونستانس." اندفعت إلى الفراش وتركت رجليها تهبطان مفتوحتين. "حاوِل من فضلك ألا تشعث شعري."

فك جيرامايا أزرار بنطاله وصعد فوق المرأة شاعراً في حالته السكرانة وكأنه يستقل مركباً يتمايل برقة. تعالى أنين هيكل السرير. اتقد داخل معدته مثيراً حاراً كمن ابتلع ملء جاروف من الجمر؛ أغلق عينيه وقبض على رأس المرأة لتتتبع أصابعه أحاسيسها ثم تنزل إلى نزعاتها. من الممكن أن تصير أُماً محترمة، تفكر، أو حاضنة. زوجة محترمة. يا إلهي.

"كُف." نترت يديه ليَنزلا إلى كتفيها. "شَعري."

استيقظ في الصباح التالي بسعال مصحوب برشح. قاد عربته إلى آندرو وترجل ليلصق الإعلانات على الجُدر ثم عاود أدراجه إلى الفندق وغاص في الفراش. اضطجع ليلتها في عرق محموم وهو يتصفح كتاب فاولر الحياة، عواملها وتحسنها:

 

أيها الرجل، اعرف نفسك! إن هذا العمل يتضمن دراسة عن الينابيع العقلية التي تنبثق منها كل المشاعر والأفعال بحكم كونها هبة شخصية منقطعة النظير لا يسع أحد تجاهلها.

 

أصابت ثقة الفقرة المتعجرفة نفس جيرامايا بشوكة ضيق. فتح دفتره المجلد لأول مرة من شهور ليقرأ فقرة مكتوبة بإتقان:

 

يروم كل الرجال اجتذاب نساء مخلصات حنونات عاشقات كما يقضي قانون الطبيعة الأعلى. لكن لا قدرة لجميع النساء على تقديم نفس الدرجة من العاطفة الملائمة بسبب هزال تطور أعضاء الميل إلى الحب والتماسك والعلاقة الزوجية. ومن خلال ملاحظات المؤلف خلال رحلاته واسعة النطاق، يمكننا الخروج بعدة استنتاجات، الأول يتعلق

 

انتهت الجملة بصفحة خالية. قلّب الصفحات ليجد أمام عينيه معطيات من نيو بافالو بأوهايو. في مكان ما بحشود الأرقام يقبع تقييمه للفتاة.

رآها كثيراً في الأسابيع السابقة: في الصباح وهو يشحذ الموسى، في المساء وهو يعصر قفازيه المصنوعين من الأطلس لتنزل منهما المياه القذرة. سارة بينيت: أثاره الاسم، كما اللعنة. حاول أن يدفع مشاعره نحو الغضب لكن تريث ذهنه عند قهقهتها الموسيقية، ونفَسها العابق برائحة الويسكي، وعينيها المسبلتين مع انهيار فستانها على الأرضية. حاجبها الرقيق ذو الندبة، جلدة رأسها العارية من الشعر. لم تخلُ الذكريات من فحش، من إثارة. إنها ولا حاجة، خبَّر جيرامايا نفسه، مجرد مومس ولصة لعينة، بجمجمة عادية كجماجم الباعة المتجولين. لكنها حين جالت بخاطره، تبددت وحدته شأن الجوع بعد وجبة دسمة.

جلس بعربته في الصباح التالي عند الطرف الشمالي لآندرو. أشارت علامات الطريق الزرقاء إلى كاريير وجالتينز بريري. وجد كلا الاسمين مألوفين على نحو غامض وكأنه اجتازهما من شهر أو سنة خلت. تسكع على الطوار عتال بصق لعاباً بنياً من التبغ على حَجر مسطح. لوَّح جيرامايا له ثم أشار إلى الطريق الشمالي الغربي. "ممكن أن تخبرني إلى أين يؤدي؟"

"كاريير ثم إلى روز. مسح شفتيه الرطبتين. "وبعدها يتفرع في اتجاه ديترويت على ما أظن."

"أنتَ غير متأكد؟"

هز الرجل منكبه. "لم أذهب أبداً شمال روز. لم يكن عندي أبداً سبب."

تجمعت السحب في رمث رمادي، واستقرت الآن بضع ندف من الثلج لتلسع خدين حلقهما جيرامايا حديثاً. رفع ياقته وأومأ للعتال، وبهزة منه للعنان شق سبيله ببطء صوب الشمال الغربي.

 

~

 

قاد إلى كاريير في وقت متأخر من الظهيرة، الشمس مح منخفض والنسيم المنعش يحرك نبات السمار كالريش على جانبيّ الطريق. صلصلت بحذائه العربات الخفيفة ذات العجلتين وتلك ذات النوابض. سار صبي متمهلاً على الرصيف، بين جلبة الرجال والنساء، وهو يصيح قائلاً، "تفاح! تفاح طازج هنا!" التمعت النوافذ بضوء الشمس فتوهجت برتقالية كأعين الحيوانات الليلية. أوقف جيرامايا عربته خارج أحد الفنادق ونزل برجلين مرتجفتين متألمتين وكأنه كان يبحر في خضم أمواج متلاطمة. كان يرفع حقيبته فوق الرصيف حين اصطدم ناظراه بإعلان تسمر على لوحة إعلانات: السيد جيه. سايمون، عالِم في فراسة الدماغ العملية.

ترك الحقيبة تسقط على أحد جانبيها. "يسعدنا أن نُبلغ العامة بكل احترام بحضور السيد جيه. سايمون، عالم في فراسة الدماغ والأسارير، بفندق ثري فلاجز، من أكتوبر 24-27." لم يُطل القراءة؛ فقد ألَّف الكلمات بنفسه وبمقدوره تلاوتها من الذاكرة. انكتب المكان والتواريخ بخط طفولي تشق قراءته. انتزع الإشعار من اللوحة وأمسكه بيديه الاثنتين. "انظر أيضاً إلى الرسم البياني الواقعي لفراسة الدماغ، تحفة استثنائية مدهشة." دس جيرامايا الإعلان في جيب صدرته ثم أوقف بائع جرائد وسأل عن كيفية الوصول لفندق ثري فلاجز.

ثمة إشعار مسمَر إلى جانب باب الفندق: "السيد جيه. سايمون مريض وليس متاحاً للقيام بفحوصات. انظر إلى الرسم البياني لفراسة الدماغ، رسم الدخول 25 سنتاً." وطأت قدماه ردهة مفتوحة تضم زمرة متفرقة من الرجال والنساء. وفي الجانب المقابل من الغرفة، خلف مائدة منخفضة، وقفت سارة بينيت.

كانت ترتدي فستاناً أسود من القطن وقفازين أسودين من الأطلس، بلا قلنسوة أو باروكة: لاحت جلدة رأسها مثل شبكة عنكبوت أو مرآة قديمة مشقوقة. تجمد جيرامايا في مكانه. تقاطعت فوق رأسها خطوط رفيعة سوداء جزأت جمجمتها إلى أعضائها الخمسة والثلاثين فيما انقسم الولع بالقتال والدهشة وحب التملك والفطنة إلى أجزاء متقنة. استقرت جماجم جيرامايا الخزفية أمامها على المائدة – عامل أبيض وهندي من قبيلة تشيبيوا وأفريقي – تراءت هي كواحدة من تلك الجماجم وقد عادت إلى الحياة، شيء من حلم أو كابوس. وإلى جانب جيرامايا تشبث صبي بحاشية رداء أمه باكياً وعيناه مسلطتان على جلدة رأس الفتاة المطلية.

ارتطم جيرامايا بمناكب الحشد وهو يشق طريقه. كانت الفتاة تخاطب رجلاً يلبس معطفاً كمعاطف البحارة وتشير إلى أعضاء الإدراك لديه. خطفت عيناها الشاخصتان لمحة إلى جيرامايا. سدد ثغرها ابتسامة إلى الرجل ثم كلل وجهها تورد قرمزي اللون. التفتت إلى جيرامايا وحاولت رسم ابتسامة. "أرجوك لا تخلق جلبة لا داع لها،" لفظت بصوت هامس. "أنا آسفة من كل قلبي."

"لا أستطيع أن أقرر إذا ما أطلب الشرطة،" قال جيرامايا، "أم أجلدكِ بنفسي. أم الاثنين معاً."

كسا عرق لامع جبهتها المطلية بيد أنها تمسكت بابتسامة واسعة سمتها الضراوة. "سأدفع ثمن الجماجم والإعلانات، أعدكَ. أرجوك، اخفض صوتك. أتوسل إليك."

"تسرقينني ثم تأمرينني بالهدوء؟" علا صوت جيرامايا ليستحيل إلى صياح. "وجمجمتك – لقد أخطأتِ في رسم الأعضاء، هل تعرفين ذلك؟ هل تعرفين أن رأسك يخيف الأطفال؟"

"كنتُ مريضة ليلتها،" أسرعت في القول. "معدتي. صحوتُ وظننتُ – خشيتُ أن تسقط أحشائي خارج جسمي. وكأن شخصاً كان يدسر مسعاراً حامياً فيّ ثم يلويه بعنف إلى الخارج. سالت مني الدماء. كنتُ محتاجة إلى طبيب." جش صوتها بالخوف وبما بدا صدقاً.

"كان يجب إذن أن توقظيني. كنتُ لأذهب بك إلى طبيب."

أشارت إلى قمة جمجمة جيرامايا، إلى عضو الوقار، كمن يستجيب إلى سؤال مهذب. "تملكني الغضب منكَ لأنك تسببت في أن أشعر بهذا الشعور الفظيع. لذا رحلت."

"لكنكِ أخذت حقيبتي أولاً. لماذا لم تسرقي عربتي اللعينة بالمرة؟"

شخَصت ببصرها إلى جيرامايا، وفمها مثبت على شكل خط رفيع.

"وماذا عن زوجك العزيز المريض؟ هل مضيت إلى ديترويت ثم رجعت؟"

"لم تكن تلك كذبة. أنا متجهة إلى ديترويت." ضغطت على صدغيّ جيرامايا بأصابع كساها قفازان من الأطلس. "دعني أنتهي من هؤلاء الناس، أرجوك. لقد دفع الفرد منهم خمسة وعشرين سنتاً."

أنزلت به لمستها فورة من السخونة الغاضبة وجذباً عميقاً سلساً. نتر رأسه بعيداً. "وأنتِ، تتظاهرين بفهم الفراسة، بحق السماء. تأخذين الأموال من هؤلاء الفقراء لتعطيهم مشهداً مسلياً وبضع أكاذيب ليس إلا. إنها جريمة في حق العلم." انصرف وجهه إلى الجمع الهادئ. "هذه المرأة دجالة ومحتالة لعينة!"

"أنا أَعرفكَ يا سيد سايمون." أمسكت بيده، وعندما حاول شدها، قبضت عليها بإلحاح. "أنتَ صبور ومراع لمشاعر الآخرين. وتضمر عطفاً عميقاً."

"يجب أن تدعي الله أن أتعطف عليك،" قال جيرامايا.

 

~

 

ألفى خمارة في الجهة المقابلة من الفندق فاحتسى البراندي عند النافذة الأمامية فيما أظلم الأصيل. ظهرت الفتاة على الطوار في الغسق، يحضن صدرها حقيبة الجماجم. كانت تلبس قلنسوة سوداء لتلاءم فستانها وقفازيها؛ بدت لعينيّ جيرامايا ككليشيه أبصره ذات مرة لروح قلقة في موطن حُرمت أرواحه الجنة بغير ذنب. رصدها بصبر منتش.

بك مقدار ضار من الكآبة، أنهت إليه في ذلك الصباح وهما في الطريق من نيو بافالو. كان جيرامايا يعلم أنها على صواب. بل إنه شعر الآن بملنخوليا تظلله وكأن أي مجهود سيجيء به سوف ينتهي إلى الفشل. كان يعي أن العلم مشحون بالفشل – فروض فاشلة، تجارب فاشلة، نظريات فاشلة – وخطرت بباله فكرة هجر فراسة الدماغ. بإمكاني بيع كتبي، طرأ على باله، لأصبح عامل مطبعة أو نجاراً، شيئاً بسيطاً. كيف يتأتى له أبداً التنبؤ بقدرة امرأة على الحب؟ وجد السؤال هائلاً أكثر مما ينبغي؛ الأفضل أن يتركه للعلماء الحقيقيين كويلز وفاولر. راقب جيرامايا الفتاة وهي تخطو داخل فندق متداع ثم لعق آخر القطرات من كأسه وجذب نفْسه على قدميه.

أرهف السمع خارج بابها: صمت؛ كحة مكتومة. أدار المقبض فدار الباب إلى الداخل. كانت تقف عند الحوض، تمسح لطخاً سوداء عن جلدة رأسها. رقدت حقيبة الجماجم الخاصة بجيرامايا أسفل النافذة.

قال، "كيف تستمتعين بالادعاء بأنك مساعدتي؟"

بدرت منها قهقهة خفيضة دون أن تتحول إليه بناظريها. "لم تكن جائزة عظيمة. أَسرة مقملة والعديد والعديد من الأميال داخل تلك العربات اللعينة. أحسستُ وكأن فكي سيقعقع من مفصلاته."

"حاجة مسلية. تسرقين رجلاً ثم تشتكين مما صاحب نجاتك من رفاهية." شاهدها وهي تتفحص انعكاس صورتها في مرآة يدوية. "تبدين كامرأة لا تعتمل فيها الكثير من الهموم."

"لو كنتَ تنوي عمل شيء، لعملتَه بالفعل على ما أعتقد." تناولت باروكتها من عمود السرير وثبتتها على رأسها. حدجت جيرامايا بعينين هادئتين.

"أنتِ فتاة حمقاء. يجب أن تقلقي من أن أرميك في السجن أو أطردك من البلدة. بوسعي أن آتي بأي من هذين الفعلين في لحظة."

صفقت بيديها لكنها لم تنبس بحرف.

دس جيرامايا قبضتيه في جيبيه ليخفي ارتجافهما. تمنى لو معه كأس من الويسكي. "هذا الموقف بأكمله جنوني. ألا يقدر هؤلاء المغفلون المساكين أن يدركوا أنك لا تفقهين أي حاجة عن الفراسة؟"

"لقد قرأتُ الكتب السخيفة؛ وألفق ما لا تسعفني به الذاكرة. أنا لا تهمني تلك الفراسة الخراء في شيء."

"حسناً،" قال جيرامايا،" "هذا الموقف بأكمله جنوني."

كانت الفتاة قد مشَّطت باروكتها فتبدت بَراقة ناعمة، ودهنت خديها بلون بني محمر؛ وفيما كان جيرامايا يحملق إلى وجهها، لاحت على شفتيها ابتسامة خفيفة. دفع المنظر أنفاسه من صدره.

"لا بد أن أعترف،" أفشت إليه، "أنا مستمتعة بالدراما – فهي تجعلني أشعر بأني ممثلة مسرحية. سوف أدفع ثمن الجماجم."

"أنا ناو أن أسترجعها، شكراً."

"لا يبدو لي أنكَ تريدها. إن كنتَ تريدها، لاستبدلتَها بأخرى بحلول هذا الوقت."

إنها على حق، حدَّث جيرامايا نفسه. كان بمقدوري ابتياع جماجم من الجص في آندرو. "مائتا دولار. إنها من الخزف، من لندن."

حاولت دون أن تفلح مداراة دهشتها. "سأمنحكَ أربعين دولاراً."

"وهو ما توقعتُه." ثم رفع حقيبة الجماجم.

تعقبت تحديقة الفتاة الحقيبة ثم ارتفعت متلهفة إلى جيرامايا. توانت فكرة غامضة عند هوامش عقله ثم قدَّمت نفسها من حيث لا يدري. "ربما سأدَعكِ تبتاعينها." وضع الحقيبة على الأرضية ثم فرك فكه متظاهراً باللامبالاة. "ربما سأبقيك في المتناول حتى تقدري على دفع المائتيّ دولار."

"وكيف تعتزم إبقائي في المتناول؟"

سار نحو التسريحة بخطى موزونة وتناول مفتاح الغرفة ثم أغلق الباب بطقطقة خفيضة.

انقلب تعبير وجهها من الحيرة إلى السرور الطفيف. "آه، يا سيد سايمون،" قالت مقهقهة. "أتمنى ألا تكون جاداً."

"أنا جاد." أوقع المفتاح في جيب بنطاله. "مائتا دولار."

علقت عيناها بتحديقة جيرامايا حتى أشاح عنهما. "وأنا التي ظننتك تنوي طردي من البلدة."

"لا زلت قد أفعلها. انتظري وستري."

انتقلت إلى جوار جيرامايا ودست يدها في جيبه. تصلب جسده؛ قاوم رغبة قوية في القبض على كتفيها وهزها، في سحق فمه بشفتيها الملونتين. قالت، "أنتَ رجل غريب،" وأخذت المفتاح من جيبه.

شد معصمها إلى صدره بعنف فقعقع المفتاح على ألواح الأرضية.

"يا إلهي." خبت ابتسامة الفتاة لتصبح تكشيرة مضطربة. "ما حلمتُ قط أني سأكون مدينة لرجل غريب مثلك."

 

~

 

سار جيرامايا إلى المتجر العام في الصباح التالي ليشتري فرشاة من عرف الفرس وتنكة من الدهان الأسود للجِزم. رجع إلى الفندق فركعت الفتاة مغلقة العينين أمام النافذة. لمس ذقنها ليُثَبت نفسه ثم حرك الفرشاة فوق جلدة رأسها العارية، كل خط رعشة طفيفة شأن من يرسم خريطة لدولة لم يكتشفها بعد المكتشفون. وعندما فرَغ، قدَّم المرآة اليدوية إلى الفتاة: ندت عنها ابتسامة عريضة بما يدل على الموافقة.

وقف جيرامايا في تلك الظهيرة خلف كرسي الفاحص على حين شقت الفتاة سبيلاً متلوياً عبر الخمارة المزدحمة. "إن المعرفة التي ننشرها متواضعين لا تقدر بثمن بالنسبة لكل الرجال والنساء والأطفال،" صرحت، "دعني أسألكم، ما هي تلك المعرفة التي تساوي قيمتها عُشر قيمة معرفة الأنفس؟" ادعت أنها درَست نصوصه بيد أن جيرامايا تصور أنها لم تقرأ سوى خمسين صفحة؛ فتفسيراتها تبدأ كحقائق ثم تشرد لتستحيل إلى نصف حقائق أو محض خيالات. تساءل إذا ما كان من الواجب أن يصحح معلوماتها غير أن أهل البلدة لم يكترثوا على ما يبدو. ترك جيرامايا صوتها الأشبه بالفلوت يَشغل عقله. أتم الفحص مرتين ليكتشف أنه لا يدري شيئاً عن الجمجمة الكائنة أمامه، وعليه ابتدع حكايات مطرية بما يكفي ليُدخل السرور إلى نفس أرملة ذاقت المرارة.

وفي ذلك المساء قفل جيرامايا باب غرفة الفندق وألقى حصيلة اليوم على الفراش: أربعة عشر دولاراً، ستون سنتاً.

رمت رأسها إلى الوراء وارتفع منها ضحك كالنباح. تلطخت الخطوط المرسومة على جمجمتها لتمسي ضبابية سوداء. "ما هو أكبر مبلغ كسبتَه في اليوم، قبل اليوم؟"

"أحد عشر دولاراً."

"يا ربي، رائع." قبضت على حفنة من العملات ثم تركتها تقطر بين أصابعها. "استمع إلى ذلك الصوت. أحلى موسيقى سمعتُها في حياتي."

"وهكذا تتابع الحال في كاريير: أربعة أيام في خمارة غاصة بالناس بفندق ثري فلاجز، صار صوت الفتاة أجشاً من زعيق غطت به على الضجيج. مشيا بعد العشاء في جولة بالبلدة الفاترة. كان جيرامايا يرشف البراندي من القارورة بينما تنعم الفتاة النظر إلى النوافذ المعتمة للمحلات وتتطلع بعين الإعجاب إلى الشوارع العريضة المقفرة. وبعد أن آبا إلى الفندق، راقبها وهي تخلع ملابسها في الركن. تجرع غصة محبِطة من التردد – وكأنها قد تستنكف منه أو تُذكره بأنهما غريبان – ثم تحرك في اتجاه الفتاة.

عندما مسها، لهثت لبرودة أصابعه. حبس جيرامايا أنفاسه في نفس اللحظة التي سحبت فيها رأسه بعنف إلى حلْقها الأبيض. لم يسعه أن يتبين إذا ما كانت تتألم. أرسل صدرها صوتاً خفيضاً معجزاً كصوت نقرة على وتر، كخرخرة قطة، فانتابت جيرامايا رعدة من الابتهاج الممزوج بالعصبية. أجرى شفتيه على ندبتها الناعمة. رام أن يتحرك داخل الفتاة، أن يرتديها كجلد ثان.

وخلال ليلتهما الأخيرة في كاريير، وهما راقدان تحت ملاءة ترطبت بالعرق، لمس معصمها وسأل عن زوجها: مَن كان، وأين، ولماذا.

"أنتَ تتساءل عن الرجل الخليع الذي تزوجني؟"

"أنا أتساءل كيف انتهى به الوضع في ديترويت، وأنتِ في أوهايو؟ إنه ترتيب غير معتاد."

ما فارقها الصمت لحظات ثم ارتفع صوتها من الظلمة: لم يكن زوجها رجلاً طيباً. تزوجت صغيرة بصبي حَذاء ذي قدم حنفاء وضحكة تشي بالعصبية، اسمه إفرِام بينيت. كان شخصاً كسولاً وملاكماً هاوياً، لاعب قمار لا يسعفه الحظ، ينفعل بسهولة مع الخسارة. سعِدا شهراً ثم بدا أن إحساساً بطيئاً بالاشمئزاز يتزايد داخله: حينما كان ينتهي من إبراحها ضرباً بقضيب من خشب الجوزية، يدفعها إلى الخارج ويقفل باب الكابينة. خبأت فراشاً من القش في السقيفة وجرة من الزبد المُبرَد لآثار الضرب.

عاشا في ييرمان بجنوب أوهايو حتى عازهما ما يمكن مقايضته ولم يقدرا على أخذ لفة تبغ على الحساب. أوقظها إفرِام بعدها في منتصف الليل وعبأ عربتهما ليقود من البلدة بفوانيس مغلقة المصاريع. غنى أغنية "روزين العجوز العاشق" وعانق الفتاة وكأنها عروس جديدة. وبعد ثلاثة أميال من خروجه من البلدة أوقف العربة عند مفترق طرق وبال على العلامة المشيرة إلى ييرمان.

كانا قد مكثا في كولسون خمسة أشهر حين صحَت في فراش شاغر. راح مسدس إفرِام وقبعة يلبسها يوم الأحد؛ عراها فجأة باعث مروِع على السعادة. انصرم أسبوع ثم شهر والفتاة تتعلم الخياطة، لم تجد بأساً فيها إن كانت تعني التخلص من الضربات. باعت بندقية ماركة وينتشيستِر خلَفها زوجها ثم باعت الأواني البيوترية. وبعد مضي سبعة شهور تلقت رسالة شابها الاتساخ: أنا في ديترويت، مريض جداً. هذه البلدة شاقة. تعالي إلى 153 شارع بوباين، منزل السيدة لاسوكس.

 

وهكذا مضت. استقلت عربة مسافرين إلى أورورا، أول مرة تركب فيها عربة كونكورد، وقد استشعرت شيئاً مثيراً في التحرك، في دخول بلاد غريبة وقت الغروب بدون معرفة نفْس واحدة. ساورها شعور رائع بأنها غير جلية للأنظار، وكأن باستطاعتها صنع ما تشاء. سافرت أسبوعين قبل أن تلتقي عيناها بإعلان جيرامايا خارج الفندق في نيو بافالو.

"أنا مختلف معك،" أسر جيرامايا إليها، "في أن الوحدة مفيدة بأي حال من الأحوال."

"تلك جملة شاذة حين تصدر عن رجل يمتهن مهنتك. ألهذا تتجول مثلك مثل محقق وفيات يركبه الغم؟ لأنك وحيد؟"

رد جيرامايا بضغطة منه على كتفها العاري ثم سأل، "قولي لي: "هل سافرتِ بعربة المسافرين حتى نيو بافالو؟ أم أنك وجدت من تركبين معه كما فعلت معي؟"

سرى التوتر في كتفيها. "تلك حادثة استثنائية. فقد بدوتَ في منتهى الوسامة في الفندق، بشعرك الجميل وقفازيك البيضاوين. تساءلتُ ما هي نوعية الرجل الذي يلبس قفازين بيضاوين من أجل تلك المهنة. أردتُ أن أعرف من أنت."

قبضت على يده، وللحظة مس جيرامايا إحساس مثير بالتحرر من القيود، كالمنجرف عبر سماء لا نهاية لها. ثم، وكأن ضباباً بارداً يترامى فوقه، بزغ الإدراك بأن وجوده كان صدفة: كان مجرد رجل بعربة تتجه شمالاً. أحمق يحلم بامرأة لا وجود لها، يرقد بجانب فتاة ذات جمجمة عادية.

اللعنة على كل هذا، تفكر. البركة فيه واللعنة عليه. أغلق عينيه وجذب الفتاة ليقربها منه أكثر، ثم ترك أنفاسها الجشاء تهدئه حتى النوم.

 

~

 

عبرا إلى ميشيجان في يوم اثنين ممطر، الأفق سديم أبيض بياض اللؤلؤ والطريق ردغة من الوحل والروث. نزع جيرامايا سدادة زجاجة ويسكي ماركة بلاك آسيز ليخفف من وقع الرحلة. تدحرج عَجل العربة صوب كيللر وهما يصيحان من السكْر.

كان هناك صقيع على هيئة سعف يستقر على النوافذ حين استيقظا. اشتغلا أربعة أيام في كيللر ثم قادا شمالاً إلى جروس فيرت ثم إلى بولستون. كانت الفتاة تقود العربة وهي تغني أغاني زنجية لا تتذكر إلا نصفها بينما يستلقي جيرامايا على المقعد الخلفي، يضحك بينه وبين نفسه لِما تلفقه من لازمات موسيقية. تنامي داخله سرور هادئ يعادله شعور بعدم الراحة: ألفى نفسه يرصدها منقباً عن دليل على ما توقعته جمجمتها – الوقار والفطنة القويين، التماسك والإحسان الواهنين، المثالية الغائبة. بيد أن الفتاة كانت في مثل حيوية الجو وتقلبه. لم يكن جيرامايا موقناً إذا ما بث ذلك في نفسه سعادة أم تعاسة.

حجز جيرامايا غرفة بفندق إمبيريال هوتيل خلال ليلتهما الأخيرة ببولستون، وعندما فتح الباب، انهارت سارة على الفراش المحشو بالريش. "سأموت هنا،" قالت، "ولن يكون الفردوس مريحاً تلك الراحة أبداً، أُقسم لكَ." أغلق الباب ثم دس المفتاح في جوربه. كان يدري أنها مجرد حركة إلا أن المفتاح البارد الملامس لكاحله طفق يُشعره بالروتين مما أسبغ على الغرفة لمحة من الدوام.

قالت، "آسفة على سرقة حقيبتك. رأيتك تجس رؤوس هؤلاء الناس وتأخذ فلوسهم، ففكرتُ، حسناً أي أحد ممكن أن يعمل ما تعمله. وهكذا حصل ما حصل."

استولى الذهول والصمت على جيرامايا. وبالخارج نقر الجمَد على لوح النافذة الزجاجي.

"فكرتُ فيك بعدها. كنتُ عارفة أنك ستبحث عني."

"ومِن أين لكِ بتلك المعرفة؟"

"كنتَ وحيداً. رنوتَ إلى كل امرأة كجائع على شفير الموت."

"كنتُ أقوم بأبحاث،" رد متورد الوجه. "أنا أَدرس خصائص فراسة الدماغ عند المرأة. أنا أؤلف كتاباً."

"أنتَ رجل طيب." أومأت برأسها وهي تغضن شفتيها. "تعاملني معاملة جيدة جداً. أكثر بكثير مما أستأهله، أنا عارفة."

قال جيرامايا، "اسمعي،" غير أن سارة أسكتته وجذبته إلى الفراش.

حلِم ليلتئذ. حلِم بنفسه وبسارة يتمشيان متشابكي الأيدي في شارع كيللر الرئيسي. كان الموسم صيفاً؛ جيرامايا يرتدي بذلة سوداء عليها طبقة من الغبار وسارة ترتدي تنورة منتفخة لبثت ناصعة البياض. كانا يحضران محاضرة يلقيها الدكتور شبورتسهايم حول "القوانين الجنسية للطبيعة،" وقد غمرت البهجة جيرامايا. إن الأمر غاية في البساطة، دار بعقله، التنبؤ برغبات المرأة واستيعابها ومقابلتها بمثلها. انتهى الشارع بمقصورة من الرخام، وارتفع من الأرضية صوت هادر لا جسد له. أين يقع عضو الميل إلى الحب؟ صرخ جيرامايا، "عند قاعدة الجمجمة، الجزء الخارجي حيواني بينما الداخلي أفلاطوني!" سأل الصوت، لماذا يعبد الرجال الشكل الأنثوي بالغريزة؟ سنحت من جيرامايا نظرة إلى سارة: تميز وجهها بالرزانة كالواقفة عند مذبح كنيسة. بأي الطرق ينجح تحليل فراسة الدماغ لأعضاء العشق؟ دوى الصوت. وبأي الطرق يفشل؟

 

III

 

قادا إلى ديترويت في اليوم الأول من ديسمبر. ظهرت في بداية المدينة بيوت متفرقة من الألواح الخشبية ثم تراصت صفوف من منازل متماثلة شُيدت بالقرميد البني وواجهات محال ساطعة ومبان حجرية ترفعها أعمدة رفيعة. غص الشارع بالعربات والحافلات ليعج بأصوات الحوافر وصريف العَجل ورائحة الروث الكثيفة الحادة. رقد الثلج في أشرطة رمادية على الأسطح والمصاريع وأحرف الرصيف. ساق جيرامايا بطيئاً في طريق ودوورد أفينو بينما اتكأت سارة على جانب العربة.

"الصوت عال جداً،" صاحت. "لا بد أنه من المستحيل أن يتوخى الناس سلوكاً مهذباً في هذه المدينة."

"لن تشعري بالغربة إذن." حاول جيرامايا أن يرسل ضحكة واهنة. استحوذ عليه انقباض عندما لمحا الإيماءات الأولى من المدينة، والآن توحل مزاجه بالندم. كان لا بد أن ألزم جهة الغرب، جال بباله، أن أتظاهر بأني تائه أو أرفض القدوم إلى هنا من الأساس.

"قف هنا،" هتفت سارة فوجه جيرامايا الفرس إلى حافة الطريق. شاهدها وهي تعبر الشارع صوب مبنى أصفر: بنك القديس كلير. ثمة ساعة مثبتة في مثلث أعلى واجهة البنك تشير إلى الخامسة إلا عشر دقائق.

بزغت في الخامسة وخمس عشرة دقيقة وهي تتشبث بعباءتها أمام صدرها. "عملات بعشرة دولارات وأخرى بخمسين دولاراً، لا توجد أوراق نقدية." قدَّمت إلى جيرامايا قبضتيها المطبقتين. "خذها، مائتيّ دولار."

بدا ثقل العملات كالساقط في حفرة بصدر جيرامايا. "يمكنكِ الاحتفاظ بها. فقد أديت ما عليك من دين منذ وقت طويل."

"لم أنو أن يكون أي من ذلك تسديداً للدين."

"لا، يا إلهي، لم أقصد ذلك." ضغط بالعملات على يديها. "لسنا مضطران إلى المكوث هنا. فاهمة؟ بمقدورنا أن نستقل القارب من البحيرة لنعود إلى أوهايو، إلى كليفلاند ثم إلى بافالو." تفكر في قرارة نفسه، يمكنني أن أنشر دراسة عنها وأجعلنا نحن الاثنين مشهورين. أجعلنا غنيين كيلا نضطر إلى العمل، نحن الاثنان بمفردنا، في منزل بحقل خصب، وشرفة في واجهته.

"تُنزل بي القوارب الغثيان."

"سنقصد إذن الشمال ونزور الهنود." رسم ابتسامة واسعة لم تبرأ من التيبس. "لن تقلقي من سلخ جلدة رأسك. أنتِ في الأمان."

"جيرامايا." عصرت يديه وفمها مثبت على ابتسامة توحي بالألم. "ثمة فندق بجانب البنك. ممكن أن نتوقف عنده؟ أشعر بإنهاك ما بعده إنهاك."

جلس جيرامايا ليلتها على سلالم البنك مراقباً الثلج وهو ينحدر عبر هالة بيضاء تحف بمصباح غازي. كان قد ابتاع نصف باينت من شراب الرام، ورغم أن الزجاجة قد فرغت، لم يسكر بما فيه الكفاية: أراد أن يمحو أفكاره، أن يطمسها. جثم في معطفه الثقيل شاعراً بالعمود الجاسئ لدفتره المجلد. أخرجه ليقلب الصفحة تلو الصفحة حتى تراءت الأرقام لطخات متناهية الصغر. أرقام كثيرة زيادة عن اللازم، فكر، ألْف زيادة عن اللازم، مائة ألف زيادة عن اللازم. ركع ووضع الدفتر وزجاجة الرام في البلاعة ثم كدس عليهما وحلاً حتى شكَّل كومة أشبه بالقبر الحديث. أوقع المنظر في نفسه الرضا لكنه لم يرفع معنوياته.

سار في ودوورد حتى استشعر في النهاية آثار الرام المشوِشة، ثم سأل أحد السابلة عن كيفية الوصول إلى شارع بوبيان. أسرع جيرامايا في جراند ريفِر ثم بطول ميكانيك ستريت ليجتاز خمارات مضاءة وكنائس مظلمة ومصنع حديد ضخماً تشمله الظلال. سمُكت طبقة الثلج ولكن تصبب العرق من جيرامايا؛ فك أزرار معطفه ليدع الرياح تشق طريقها في مواجهة صدره.

توقف خارج رقم 153: منزل مشيد بألواح خشبية ذي مصاريع مائلة ودرابزين تهشم وتسطح وكأن كراجة ارتطمت به ثم انطلقت هاربة. طرق جيرامايا الباب. وبعد بضع لحظات انفتح الباب شيئاً فشيئاً لتحدق منه امرأة نحيلة تعلو وجهها التجاعيد.

"السيدة لاسوكس؟"

"هذه ليست ساعة لائقة للزيارة."

"أنا آسف. أود الحديث مع إفرِام بينيت لو بالإمكان."

صوبت المرأة إليه عينين نصف مغمضتين.

"وصل منذ عدة شهور،" قدَّم جيرامايا المعلومة. "أعتقد أنه حَذاء."

"إنه مدين لي باثنى عشر دولاراً." فتحت الباب بوصة أخرى. "هل أنت قريبه؟"

أقحم جيرامايا يده في جيبه ثم عد اثنى عشر دولاراً في يد مليئة بالنتوءات بسطتها السيدة. "أنا ابن عمه،" قال. "هل لديكِ أية فكرة عن مكانه؟"

"إنه ميت،" نطقت. "مات من الملاريا، في غرفته. لم أكن لأعلم لولا انبعاث رائحة كريهة خبيثة."

وثب قلب جيرامايا ثم كبحه على الفور شعور بالخجل. أنا مسرور لموت رجل آخر، تدبر. اللهم سامحني.

"اضطررتُ إلى كسر الباب حتى أخرجه،" أعلمته فاتحة الباب فتحة أوسع. "كلفني إصلاح القفل عشرة دولارات."

ارتعدت يداه وهو يُسلم للمرأة ورقة نقدية. "أنا آسف جداً على تعبك،" اعتذر وهو يتراجع نازلاً السلالم. "أتمنى أن تدعي لروح إفرِام."

"ترك بضعة أشياء،" قالت صائحة غير أن جيرامايا كان بالفعل يعبر الشارع. وفجأة راح يهرول والهواء القارس يثقب رئتيه. عدا في شارع ميكانيك إلى أن احترق صدره ثم ترنح لتمسك قدماه وترتفع صرخته، عواء بلا كلمات. تجمع صوته في سحابة مكسوة صقيعاً ثم انجاب في السماء السوداء.

وقف عند باب غرفة الفندق حتى استقرت دقات قلبه. كانت سارة نائمة، نفَسها كالتيار البطيء. رقدت جمجمتها عارية على الوسادة فاستبدت بجيرامايا رغبة قوية في لمسها كي يحفظ مواهبها ومخاوفها، رغباتها وغرائزها ونقائصها. وبدلاً من لمسها ركع بجانب السرير ليشاهد عينيها وهما تنتفضان تحت الجفنين. دعا بأن يكون قد عرفها على نحو أفضل مما يمكن لأية لمسة الكشف عنه.

 

~

 

استيقظ وحيداً في الصباح التالي. نام حتى ساعة متأخرة نوماً ثملاً معدم الأحلام، وصحا في غرفة باردة ساطعة تضوعت منها رائحة القهوة ولحم الخنزير المقلي. نخست جيرامايا غصة خفيفة؛ ارتدى ملابسه ومشَّط شعره ثم أزاح الستارة: كان الثلج يهطل في دوامات على ودوورد أفينو ليطلي العربات وباعة الشارع والسابلة في مشهد فوضوي يرين عليه المرح. وعلى عتبة النافذة رقد قفازا جيرامايا البيضاوان منبسطين بالقرب من قفازيّ سارة السوداوين.

أمسك قبعته ومعطفه الثقيل ونزل مندفعاً إلى الشارع المتجمد. عثر على بقال فاشترى دستة من المحار المدخن وإسفين جبن معتدل التوابل وزجاجة شمبانيا وتفاحة حمراء وامضة ثم دس الرزمة داخل معطفه وسارع عائداً إلى الفندق. فرش الطعام على المائدة الجانبية. لم يحو طقم السفرة بالغرفة فناجين لذا حسا جيرامايا الشمبانيا من الزجاجة مباشرة.

كان يؤتي على الجبن حين فتحت سارة الباب وقد غبَّر الثلج عباءتها. "لم تنتظر طويلاً حتى تحتفل،" أنهت إليه. "بل إنني لم أرحل بعد، وأنتَ تقِيم وليمة."

مسح جيرامايا فمه بكم القميص. تبعثر صدف المحار عند قدميه. "هل رأيتِه؟"

"قصدتُ منزل السيدة لاسوكس بشارع بوبيان. أظن ما كان عليّ أن أنتظر من إفرِام الإقامة في مكان محترم." شدت قلنسوتها لتحلها. "إنه مريض جداً. حسبتُها في البداية الكوليرا لكن وجهه أصفر كالمصاب بالحمى. لم يقدر على النهوض حين دلفتُ إلى الحجرة، وما كان منه إلا أن تمدد على الفراش وأنينه يرتفع. أطعمتُه حساء لحم البقر. كان أول غذاء يتناوله منذ أربعة أيام."

جاءه كلامها وكأنه آت من مسافة بعيدة عظيمة البعد. لم يقو على إرغام شفتيه على تكوين كلمة.

"ناداني بـ ’محبوبتي.‘ فبوسعه أن يكون رقيقاً وهو في حاجة – كدتُ أن أنسى ذلك." تناولت قفازيها المصنوعين من الأطلس من عتبة النافذة ودستهما في جيبها. "لحسن الحظ أننا لم نصل بعد أسبوع. ما كنتُ لأسامح نفسي أبداً."

"لستِ مضطرة إلى الذهاب إليه."

"طبعاً مضطرة."

"لستِ مضطرة،" لفظ جيرامايا. "أنا عارف أنكِ لست مضطرة! ثقي بي الآن – أنتِ مجرد فتاة ساذجة."

تراءت عليها علامات التصلب. حاول جيرامايا أن تتلاقى أعينهما لكنها لم ترفع طرفيها عن يديها المتشابكتين.

"لقد مضيتُ إلى شارع بوبيان، الليلة الفائتة. إنه ميت يا سارة! دفعتُ دينه، اثنى عشر دولاراً. وتحدثتُ مع السيدة لاسوكس."

شاع التورد بغتة في خديها. "لا تستطيع أن تبقيني معك. لن أسمح لك." طفح صوتها بالعند. "لو أبقيتَني، لن أمكث. أنا عارفة ذلك من صميم قلبي."

احتضن جيرامايا خصرها لكنها تلوت عنه وأظافرها تنغرز في معصميه. نتر يديها إلى أسفل ودفن رأسه في شعرها. علت صرخة سارة كسكين يحك بالفولاذ. بدت معدة جيرامايا وكأنها تسقط. خفف من قبضته فدارت حول نفسها صوب الركن وعيناها تلمعان من الخوف.

"سامحيني،" قال جيرامايا. "أرجوكِ. أنا آسف."

هزت رأسها بضراوة وصدرها يجيش. ثم أقحمت رأسها في قلنسوتها وتناولت حقيبة السفر.

وقفا على الطوار تحت مظلة الفندق والثلج يهطل من حولهما. أعطاها جيرامايا حقيبة الجماجم. "لكِ أن تحتفظي بها أو تبيعيها. لا أحفل أيهما."

أخذت الحقيبة دون أن تبدر منها نظرة إليه. "يركبني الجزع من كل الأشياء. يا إلهي، إني أرتعد."

لم يفه جيرامايا بحرف.

"سوف تبقين هنا إذن؟"

سدد لمحة إلى ما ورائها، إلى العربات الضبابية واندفاع الناس الصاخب. لاحت المدينة رحبة حافلة بالنشاط لا يحدها حد. "ربما أجد عملاً."

"ربما أراك إذن في البلدة." قبَّلته على خده بشفتين أشبه بحجرين باردين ثم استدارت لتمشي على الطوار. وبعد عدة خطوات التفتت إلى الوراء. "أتمنى بحق أن أراكَ،" هتفت. ثم اختفت في الزحام المتدافع.

هام جيرامايا على وجهه في ودوورد أفينو ريثما بلغ ضفة النهر ثم قعد ليراقب الأمواج المُزبدة وهي تنقذف قصيرة متلاطمة في مياه سوداء سواد الفحم. حينما تيبست ركبتاه من البرد، خطا إلى خمارة واحتسى كأساً من الويسكي ثم مضى إلى متجر عام ليبتاع مقصاً. آب إلى الفندق وقص من رأسه عموداً طويلاً من الشعر رصده وهو يسقط في الحوض الأبيض مثله مثل حزمة قمح. وعندما جز شعر رأسه، رغى الصابون على جمجمة ذات شعر كالآجام الصغيرة ثم شحذ موساه. تبدت في جلدة رأسه ممرات لامعة، وتراءت أضلع جمجمته وأخاديدها في مثل ألفة حقول أبيه. هذا أنت، دار بعقله. هذا هو أنت.

وحين أتم ما يفعله، قام أمام النافذة في الضوء وجعل يحملق إلى انعكاسه في مرآة لا تعرف الصفاء.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.