المترجمة المصرية هالة صلاح الدين قصة "الناس من أمثالهم هم الوحيدون هنا" للكاتبة الأمريكية لوري مور

     

 

مشروع الكتاب المسموع: هذا ليس أدباً للفتيات فقط: قصص بأقلام نساء عاديات في اضطراب وما بعده

بدعم من الصندوق الدولي لتعزيز الثقافة - اليونسكو & المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة

Project 'This is Not Chick Lit: Stories by Ordinary Women in and Beyond Turmoil'

Supported by The International Fund for the Promotion of Culture & The British Council in Cairo

This project is dedicated to the name of the late Doris Lessing    هذا المشروع مُهْدى إلى روح الكاتبة البريطانية دوريس ليسينج

Albawtaka Review and its editor, Hala Salah Eldin, are responsible for the choice and the presentation of the facts and opinions in this website, which are not necessarily those of the International Fund for the Promotion of Culture and do not commit the Organization.

مجلة البوتقة ومحررتها، هالة صلاح الدين، مسؤولتان عن اختيار الحقائق والآراء الواردة في هذا الموقع وتقديمها، وهي ليست بالضرورة آراء اليونسكو ولا تلزم المنظمة.

مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني اليونسكو

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

كتاب تماس مع القدر

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الرابع والأربعون، أكتوبر 2014          Forty-fourth issue, October 2014

 

 

 

 

تكرمت لوري مور بالموافقة على نشر قصتيّ "النزول" و"الناس من أمثالهم هم الوحيدون هنا" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا تقديم كل آيات الشكر لها.

Ms. Moore was so generous to permit the publication of the Arabic texts of "Debarking" and  "People Like That Are the Only People Here" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Moore a great debt of gratitude for her kind permission.

Copyright © 2003 by Lorrie Moore. First appeared in The New Yorker.  Reprinted by kind permission of Melanie Jackson Agency, L.L.C.

Special thanks go to Ms. Caitlin McKenna from Melanie Jackson Agency.

 

"People Like That Are the Only People Here" Copyright © 1997 by Lorrie Moore. First published in The New Yorker. From Birds of America (Knopf). Reprinted with kind permission by Melanie Jackson Agency, LLC.

Special thanks go to Ms. Katherine J. Chen from Melanie Jackson Agency.

 

 

 

 

الناس من أمثالهم هم الوحيدون هنا

لوري مور

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: Oct.-01-2014

 

 

 

 

المجموعة القصصية طيور أمريكا (1998)

 

 

 

 

بداية، نهاية: البادي أن لا وجود لكليهما. المسألة كلُها أشبه بسحابة تحُط فحسب على اليابسة وكل بقعة داخِلها تعج بالمطر. بداية: تجد الأم جَلطة دموية في حِفَاض الرضيع. ما الحكاية؟ مَن وضع هذه هنا؟ إنها كبيرة وزاهية، تحوي وريداً مقطوعاً بلون بني مُصْفَر. بدا الرضيع طيلة العطلة الأسبوعية هامداً مشدوهاً، مُطيَّن الوجه متجهمَه. ولكنه يبدو اليوم بخير - ما هذا الشيء إذن، المُرَوِّع على الحِفَاض الأبيض مثل قلب فأر صغير محشور في الثلج؟ ربما يخص شخصاً آخر. ربما له صلة بالطمث، طمث الأم أو جليسة الرضيع، شيء وجده الرضيع في سلة المهملات، ولأسباب مخبولة تتعلق به كرضيع أودعه هنا. (الرضع: إنهم مجانين! ما باليد حيلة) وفي خيالِها تزيله الأم من جسمه وتلصقه بجسم شخص آخر. هاك. أليس بذلك منطق أكبر؟

ومع ذلك تتصل بالعيادة في مستشفى الأطفال. تقول، "دم في الحِفَاض،" وبصوت مذعور مرتبك تأمرها المرأة على الطرف الآخر، "تعالي حالاً."

يا لها من خدمة فورية مُرْضية! ما عليكَ إلا أن تنطق بكلمة "دم." ما عليكَ إلا أن تنطق بكلمة "حِفَاض." وها هو ما ستنالَه!

تضم غرفة الفحص طبيب أطفال، ممرضة، كبير الأطباء المقيمين - وكلُهم يبدون أقل فزعاً وارتباكاً من مرتبكين بحق. وهو ما يهدئ الأم في البداية - ويا لغبائها. ولكن إلى جانب التحديق والنبس ب "مممم"، سرعان ما يَزُم طبيب الأطفال والممرضة وكبير الأطباء المقيمين جميعاً أفواهَهم، مُزْرَقة ومشدودة وكأنها نباتات 'مَجْد الصباح' تستشعر الظهيرة. يَشبِكون أذرعَهم على صدور تكسوها المعاطف البيضاء، يبسطونها من جديد، وعلى عجل يدونون الملاحظات. يطلبون أشعةً بالموجات فوق الصوتية. المثانة والكُلْيتان. "ها هي البطاقة. انزلي إلى الطابق السفليّ؛ استديري يساراً."

وفي قسم الأشعة يقف الرضيع على الطاولة والتوتر يسوده، يقف عارياً قُبالة الأم وهي تثَبته أمام رجليها وخصرِها، يتحرك على ظهر الرضيع قرص طبيب الأشعة، قرص المسح البارد. يرسل الرضيع أنيناً ثم يرتقي طرفُه إلى الأم. تتوسل عيناه، فلنخرج من هنا. احمليني! يكف طبيب الأشعة، يُجَمِّد واحدة من الدوامات العديدة الشبيهة بالمحيط الرمادي ثم ينقر عليها تكراراً، لحظة متفردة ضِمن خريطة جو طويلة متكهِّفة، وما هي إلا أحشاء الرضيع.

تسأل الأم، "هل تجد شيئاً؟" استأصل عمُها لاري كُلْيةً في العام الماضي بسبب شيء اتضح أنه حميد. ماكينات التصوير هذه! إنها مثل الكلاب أو أجهزة الكشف عن المعادن: تعثر على كل شيء بَيْدَ أنها لا تفقه ماهية المعثور عليه. وهنا يتدخل الجراحون. إنهم مثل مالكي الكلاب. يأمرون الكلب، "أَعْطِني ذلك. أية مصيبة تلك؟"

يُبلغها طبيب الأشعة، "سوف يتحدث الجراح إليك."

تعيد السؤال، "هل تجد شيئاً؟"

يكرر طبيب الأشعة، "سوف يتحدث الجراح إليك. يبدو أن هناك شيئاً، ولكن الجراح سيتحدث إليك عنه."

تخبره الأم، "أصيب عمي يوماً بشيء على كليتِه. لذا استأصلوا الكلية ثم اتضح أن الشيء حميد."

يبتسم طبيب الأشعة ابتسامة عريضة تنذر بالسوء ثم يقول، "هكذا الحال دوماً. لا تَعلمين ماهيتَه بالضبط إلا حين يحُط في الدلو."

تكرر الأم، "في الدلو."

تتسع ابتسامة طبيب الأشعة العريضة بصورة مخيفة - أذلك الاتساع ممكن أبداً؟ يخبرها، "إنها لغة الأطباء."

ترد الأم، "جذابة جداً. طريقة جذابة جداً للحديث." دوامات من سائل الصَّفْراء والدماء، لون الخَرْدل والأحمر الداكن في سَطْل، ألوان علم أفريقي أو رُكْن سَلطات وافر: في الدلو - جال كلُ شيء في خيالها.

يُبلغها من جديد، "سوف يلتقي بك الجراح بعد قليل." يُشَعِّث شعر الرضيع المجعد قائلاً، "طفل سُكرة."

يقول الجراح في إحدى غرف الفحص، "فلنر الآن." كان قد دخل ثم خرج ثم عاد مرة أخرى. يَنعم بملامح نضِرة عابسة وعظام حادة وسُمْرة مَن يلعب التنس في برمودا. يضع رجلاً فوق الأخرى يكسوهما قطنٌ أزرق. يرتدي قَبقاباً.

تَعلم الأم أن وجهَها عبارة عن زلابية بيضاء كبيرة طافحة بالقلق. لا تزال ترتدي سترتَها الطويلة الغامقة وهي تحمل الرضيع، كان قد جذب القلنسوة المخيطة من الفراء عالياً فوق رأسها لأنه يجد الحركة مضحكة دائماً. ومع أنها يروقها في بعض الأصباح العاصفة الاعتقاد أنها قد تبدو رومانسية غامضة كامرأة الملازم الفرنسي في البراري، تدرك في كل أعقل لحظاتها أن لا تشابُه بينهما. على الإطلاق. تعلم أن شكلَها مضحك - مثل حيوان مكوَّن من بالونات الحفلات الملتوية. تُخفض القلنسوة ثم تُخرج ذراعاً من الكم. يريد الرضيع أن ينهض ويلعب بالمفتاح الكهربائي. يتململ ويُحدث ضجة مشيراً بأصابعه.

تشرح الأم، "إنه مولع بالأضواء في هذه الأيام."

يجيبها الجراح وهو يومئ نحو المفتاح الكهربائي، "لا بأس. دعيه يلعب به." تمضي الأم لتقف بجانبه، فيبدأ الرضيع يطفئ النور ويشعله، يشعله ويطفئه.

يصارحها الجراح، "ما لدينا هنا هو ورم ولمز،" وفجأة يغمره الظلام. يلفظ بكلمة "ورم" وكأنه أكثر شيء طبيعي في العالم.

تكرر الأم، "ولمز؟" وبسرعة تشتعل الحجرة بالضَوء من جديد ثم تَطْمِسها الظلمة مرة أخرى. يشمل صمتٌ طويل بين ثلاثتِهم هنا وكأن منتصف الليل حلَّ على بغتة. تسأل الأم في النهاية، "أهو حرف ذال أم زاي؟" تمتهن الكتابة والتدريس. قد يكون الهجاء مهماً - حتى في مثل هذا الوقت وإن لم تختبر أبداً مثل هذا الوقت، لذا من السهل أن تقع في الرَطانة دون أن تدري.

تضاء الأضواء: العالم مغمور ومكشوف.

يرد الجراح، "زاي على ما أظن." تنطفئ الأضواء مجدداً إلا أن الجراح يستأنف الحديث في الظلام، "ورم خبيث على الكلية اليسرى."

اِنْتَظِر لحظة. توقف هنا. الرضيع ما هو إلا رضيع، تغذى على هريسة التفاح العضوية ولبن الصويا - أميرٌ صغير! - وقد كان يقف قريباً منها للغاية خلال إجراء الأشعة. كيف له أن يصاب بهذا الشيء الفظيع؟ لا بد أنها كليتُها. كلية في العقد السادس من العمر. كلية مبيد الحشرات. تتنحنح الأم، "هل من الممكن أن تكون كليتي هي التي ظهرت في المسح؟ أعني، لم أسمع أبداً عن رضيع يصاب بورم، وقد كنتُ بصراحة أقف قريبة منه للغاية." سوف تجعل الدماء دماءها والورم ورمَها؛ سوف يصير الأمر كلُه غلطة غادرة هَزْلية.

يرد الجراح، "لا، ليس ممكناً." يعود الضوء من جديد.

تكرر الأم، "ليس ممكناً؟" يدور في بالها، اِنْتَظِر حتى يحُط في الدلو. لا تتأكد كل هذا التأكد. هل يجب أن ننتظر حتى يحُط في الدلو كي نكتشف وقوع الغلطة؟

يُعلمها الجراح، "سوف نبدأ باستئصال جذري للكلية،" وعلى الفور ينطرح مجدداً في الظلمة. يأتيها صوتُه من لا مكان وكل مكان في الوقت ذاته، "وبعدها سنبدأ العلاج الكيماوي. غالباً ما تستجيب هذه الأورام استجابة جيدة جداً للكيماوي."

تنبِس الأم، "لم أسمع أبداً عن رضيع عالجوه بالكيماوي." يطرأ في بالها، رضيع و كيماوي: بل إنهما لا ينبغي قط أن يظهرا معاً في الجملة نفسها ناهيك من الحياة نفسِها. كانت في حياتها الأخرى، حياتها قبل هذا اليوم، تؤمن بالطب البديل. علاج كيماوي؟ لم يرد ببالها قط. والآن، يبدو الطب البديل فجأة كما العمة العانس المجنونة مقارنةً بالوالد اللطيف الكبير الممثل للعلاج التقليديّ. يا لها من سرعة تفْقد بها الفتاة العجوز وعيَها وتنهار لتترك واحداً فقط يقف هناك. كيماوي؟ بالطبع: الكيماوي! بأي ثمن: الكيماوي. بالقطع! الكيماوي!

وبخفة يشعل الرضيع الضوء مرة أخرى فتعود الحوائط إلى الظهور، أوتاد كبيرة من الضوء ملونة برسوم مائية صغيرة مؤطَّرة من البحيرة المحلية. راحت الأم تبكي: أفضت بها الحياة بأسرها إلى هنا، إلى هذه اللحظة. وبعدها لا وجود لحياةٍ أخرى. هناك شيء آخر، شيء يتعثر ولا يَصلح للعيش، شيء أوتوماتيكي، شيء من أجل الإنسان الآليّ، ولكنه ليس الحياة. لقد سُلبت منها الحياة وانكسرت، بسرعة انكسار العصا. تخيم الظلمة على الغرفة مرة أخرى، وهكذا تتمكن الأم من البكاء بحرية أكبر. كيف يمْكن أن يُسلَب جسم رضيع بهذه السرعة؟ إلى أي مدى يتحمل طفلٌ مرسَل من عِند الله لا يعي الخطر؟ لم لم يُعفَ من هذا المصير العصي على التخيَّل؟

يدور في ذهنها، ربما تنال عقاباً: العديد والعديد من جليسات الأطفال في مرحلة مبكرة جداً. (اعتادت أن تقول، "تعالي لماما! تعالي لماما أيتها الجليسة!" ولكنها كانت تمزح!) لعل حياتها حملت بصراحة مطلقة علامات أعمق أنفاس الدخان وشعور المثليين المستعارة. لقد لوحظت كل أفكارها غير الخليقة بالأمهات: أملٌ مذعور أن تستمر قيلولتُه وقتاً أطول مما استغرقته؛ رغبة تخامرها من حين لآخر في تقبيل فمه قبُلات عاطفية (تغازل رضيعَها!)؛ شكواها المتواصلة من مفردات الأمومة ذاتها، كيف أنها أحطت من قدْر المتكلم (كانت تقول له، "هل هذه بافته الكاكا! آه، إنها بافته الكاكا خالص!") استخدمت كذلك زجاجات اللبن البديل ثلاث مرات كزَهْرِيات. تركت أذنيّ الرضيع تمتلئان مرتين بشمع أشبه بالكعك. وفي بضعة آصال من الشهر الماضي، أثناء وقت التصبيرة، وضعت سلطانية من حبوب التشيريوز على الأرضية كي يأكل منها، مثل الكلب. تركته يلعب بالمكنسة الكهربائية. وقبل مولدِه قالت مرة واحدة ليس إلا، "مُعَافى؟ لا أريد إلا أن يصير الصبي غنياً." مَزحة بالله عليك! وبعد أن أنجبته أعلنت أن حياتَها صارت سلسلة يومية من الواجبات الروتينية المحطمة للعقل، الواجبات نفسُها مراراً وتكراراً شأن رواية بقلم السيدة كامو. مزحة أخرى! هذا المزاح سوف يقتلك! وكثيراً ما حكَت باستمتاع مبالغ فيه كيف حيَّى الرضيع كرسيه العالي بكلمة "أهلاً"، لوَّح بيده إلى أمواج البحيرة، صاح بلهجة بدت روسية بكلمات "حلو-حلو-حلو"، أشار إلى عينه قائلاً، "إيين". وكل كلام الرضع التافه ذلك: ألا يهلك من الضَحِك؟ أطلق عليه خبراء اللغة، "الهذيان المكرَّر". وبه سرد قصصاً كاملة - استطاعت أن تدرك أنها مُخْتَلقة تمام الاختلاق. طرَّز؛ اصطاد؛ بالغ. يا لظرفه! وإلى الأصدقاء تحدثت عن عاداته الغذائية (جزر، نعم؛ تونة، لا). ذكَرت قهقهتَه المهلكة من الضحك مرات أكثر مما ينبغي. هل تعين عليها أن تكون مملة إلى هذه الدرجة؟ هل عدِمت أية مراعاة للآخرين، لمتطلبات المجتمع الإنساني الفكرية وآدابه؟ ألن تحاول حتى أن تتحلى بالمزيد من التشويق؟ إنها جريمة ضد العقل البشريّ ألا تحاول حتى.

والآن ولكل هذه الأسباب - افتقارِها إلى امتنان الأم، تمييز الأم، اتساق الأم - سوف يضيع منها رضيعُها.

تتوهج الغرفة بأنوار النيون مجدداً. تفتش الأم في جَيب سترتها لتُخرج منديلاً. إنه قديم ومهلهل كزهرة مهروسة أنقذها أحدهم من حفلة راقصة؛ تُرَبِّت به عينيها وأنفَها.

يقول الجراح، "لن يعاني الرضيع معاناتَك."

ومَن يستطيع معارضتَه؟ لا الرضيع، فبصوته السلاڤي الشبيه بصوت الشخصية الكارتونية 'بيتي بوب' لا يستطيع إلا أن ينبس بماما، بابا، جبنة، أيين، باي-باي، بره، بوجي-بوجي، حلو-حلو، إيدي-إيدي، عربية. (مَن هو إيدي؟ لا علم لديهما.) لن يكفي هذا للتعبير عن معاناته مع الفناء. مَن بوسعه أن يزعم كيف يتعامل الرضع مع أساهم وصدمتهم؟ ليس بوسعهم هم. (حديث الرضع: ألا يهلك من الضحك؟) يضعون كل شيء في مكان لا يقوى أحد على رؤيته حقاً. إنهم أشبه بعِرق مختلف، نوع أحيائي مختلف: يبدو أنهم لا يختبرون الألم مثلما نختبره نحن. آه، تلك هي المسألة: إن أجهزتَهم العصبية ليست ناضجة تمام النضج، وهم ببساطة لا يختبرون الألم مثلما نختبره. لحنٌ يظل المرء يدندنه طوال الحرب. يقول الجراح، "سوف تجتازين المسألة."

تسأله الأم، "كيف؟ كيف يمْكن للمرء أن يجتازها؟"

يجيبها الجراح، "فقط تركزين وتمضين في طريقك." يتناول ملف الأوراق. إنه عاملٌ يدويّ ماهر. لا تعجبه المسائل العاطفية الدقيقة. الرضع. الرضع! ما الذي يمْكن قولُه لمواساة الآباء لما يحل برضعِهم؟ يطلعها، "سوف أذهب للاتصال بطبيب الأورام المناوِب كي أنبئه" ثم يغادر الغرفة.

تخاطب الأم الرضيع، "تعال هنا يا حبيبي"، وكان قد درَج نحو غلاف لبانة على الأرضية. "لا بد أن ترتدي سترتَك." تَرفعه فيمد يدَه مرة أخرى إلى المفتاح الكهربائي. نور، ظلام. استغماية: أين الرضيع؟ أين ذهب الرضيع؟

وفي البيت تترك رسالة للزوج على بريده الصوتي، "الأمر عاجل! اتصل بي!" وبعدها تأخذ الرضيع إلى الطابق العلويّ من أجل قيلولته، تهزهزه في السرير الهزار. يُلوح الرضيع ليودع دببَه الصغيرة ثم يرنو إلى النافذة قائلاً، "باي-باي بره." اكتسب مؤخراً عادة التلويح موَدِّعاً كل شيء، ويبدو الآن كمن يستشعر رحيلاً وشيكاً، ينفطر قلبُها حين تسمعه. باي-باي! تغني بصوت خفيض رتيب مثل جهاز صغير، هكذا يحب غناءها. إنه ناعس، نصف نائم، ينساق إلى الوَسَن. نمى كثيراً في العام الماضي، ما عاد يتسع حجرُها له إلا بالكاد؛ تتدلى أطرافُه فتتراءى كالعذراء تنتحب فوق جثمان المسيح. يلتف رأسُه قليلاً داخل باطن ذراعِها. تستطيع أن تشعر به يَسقط نائماً إلى الوراء، فمُه مُدَوَّر ومفتوح مثل أحلى زهور الخشخاش. صارت لها الآن كلُ تهويدة في العالَم، كلُ لحن يمتزج بانقباض الأم - قد تجد الأم هِجراناً من رجال يعملون ورضع يقيلون - صارت لها أغاني تعكس أسى قاسياً كل القسوة. تجلس هناك، تحني رأسَها وتهزه، تشعر الأم بأن حبَها بأكملِه استحال قلقاً وحسرة. خيمياء سريعة يتعذر تغييرُها: ما تبقت ذرةٌ واحدة لم يمسها القلق من أجل السعادة. تنخفض على رقبته الملساء كالصابون ثم تندب بالقرب من لفة أذنِه الشبيهة بنبات الحَوْذان، "لو ذهبتَ، سوف نذهب معك. إننا لا شيء من غيرك. من غيرك ما نحن إلا كَومة من الصخور. إننا حصى وعفن. من غيرك، نحن جِذْلان، بلا شيء بعد الآن في قلبينا. أينما ستمضي، سوف نتبعك. سوف نكون هناك. لا تخف. سوف نذهب أيضاً. وتلك كلمتنا الأخيرة."

"اكتبي ملاحظاتك،" يقول الزوج بعد أن رجع إلى البيت مباشرة من العمل في منتصف الأصيل وبعد أن سمع الأخبار ورفع صوتَه بكل الكلمات - جراحة، انبثاث، غسيل كُلَى، زرع أعضاء - انهار على كرسي باكياً. "اكتبي ملاحظاتك. سوف نحتاج إلى الأموال."

تصيح الأم، "يا إلهي." وفجأة يَشرع كلُ شيء داخلها في الانكماش خوفاً والتضاؤل فزعاً، تهِن عظامُها. عله تأهب الجندي إلا أن نفحةً من الموت والهزيمة تشوبه. تحس وكأنها نوبة قلبية، إفلاس الإرادة والشجاعة، قصور كهربائي: فشل كل شيء. حين تلمح وجهَها في المرآة، تجده بارداً منتفخاً من جراء الصدمة، عيناها قرمزيتان متقلصتان. بدأت بالفعل ترتدي نظارة شمسية داخل المباني مثل أرملة من المشاهير. من أين ستأتي قوتُها؟ من فلسفة ما؟ من فلسفة تافهة لا مبالية؟ لا تتصف بالشجاعة ولا الواقعية، ولا تقْبل الأفكار الأساسية مثل تلك القائلة إن الأحداث تتحرك في اتجاه واحد فحسب ولا تقفز أو تنعطف أو تَرجع.

يستهل الزوج عدداً كبيراً من جمله بكلمتيّ، "ماذا لو." يحاول أن يَجْمع كلَ شيء معاً كمن يجمع حطام قطار. يحاول أن يصل بالقطار إلى البلدة.

يقول، "لن يبدر منا إلا الإقدام على كل الخطوات وقطْع كل المراحل. سوف نذهب إلى أي مكان نضطر إليه. سوف نفتش؛ سوف نجد؛ سوف ندفع أي مبلغ أياً كان. ماذا لو عجزنا عن الدفع؟"

ترد، "يبدو وكأنك تتسوق."

يقول، "لا أصدق أن هذا يَحدث لصبينا الصغير،" وبعدها يبدأ يَنْشِج من جديد. "لم لم يصب واحدٌ منا؟ إنه ظلمٌ أي ظلم. في الأسبوع الماضي ليس إلا أعلن طبيبي أن صحتي مثالية: بروستاتا شخص في العشرين، قلب صبي في العاشرة، دماغ حشرة - أو أياً كان ما قاله. يا له من كابوس."

ما الذي يمْكن التفوه به؟ تلتفت التفاتة بسيطة لا غير، وها هو: موت طفلك. جانبٌ منه رمزيّ وجانب منه شيطانيّ، وفي نقطة خفية يقبع طيلة الوقت إلى أن يهجم عليه هجماً لو ساء حظُك. وبعدها تختطفك بلدٌ صغيرة شرسة؛ تسجنك داخل نفسِها مباشرة وكأنك قَبْو - خير حدودك هي حدودُها. هل هناك نوافذ؟ ألا توجد نوافذ أحياناً؟

ليس التسوق من عادات الأم. تكره التسوق، ولا تجيده بوجه عام، وإن راقتها حقاً التخفيضات الرابحة. لا يسعها أن تتجول بما يشي بأي مغزى بين الغضب والإنكار والحسرة والقبول. تمضي مباشرة إلى المساومة وتمكث هناك. كم الثمن؟ تصيح بالسقف، ببناء بديل عن القداسة ركَّبته - بيأس وإن بإبداع - في عقلها وصلَّت له؛ هي الشكاكة لم تعتد أبداً الدعاء، وعليها الآن أن تحصد ما غرسته؛ يجب أن تُركِّب مِن لا شيء مِذبحاً كاملاً من العبادة والتوسل. تحاول بلوغ أفكار تجريدية نبيلة، دون إفراط في الصفات البشرية، بعض الأخلاق العليا فحسب، مع أن لو هذه القداسة ذاتها تبدو كمدير متجر مارشال فيلد وهو يمص حلوى فرانجو بالنعناع، فليكن. آمين. تطلب الأم، فقط أطلعني على مرادك. وكيف تريده؟ المزيد من الأعمال الخيرية؟ بليون منها تبدأ الآن. أفكار خيرية؟ أصعب، ولكن بالتأكيد! بالتأكيد! سوف أتولى الطهي يا حبيبي؛ سوف أدفع الإيجار. فقط أطلعني. عفواً؟ حسناً، إن لم يكن إليك، إلى من أتحدث؟ رد عليّ؟ إلى من ينبغي أن أتحدث في هذا المكان؟ موظف كبير؟ سلطة عليا؟ أنتظر؟ أستطيع الانتظار. لديّ اليوم بطولِه. لديّ اليوم الملعون بطولِه.

يَرقد الزوج الآن بجوارها في الفراش، يرسل تنهيدة. يقول، "قد ينجو الفتى الصغير المسكين من كل هذا، ولكن حادثة سيارة قد تودي به في السادسة عشر عاماً."

تتدبر الزوجة هذه الفكرة أثناء المساومة فتعلن، "سوف نتقبل حادثة السيارة."

يسألها، "ماذا؟"

ترد، "فلنعقد صفقة! ستة عشر عاماً حياة كاملة! سوف نتقبل حادثة السيارة. سوف نتقبل حادثة سيارة تقف أمامها الآن كارول ميريل موديل برنامج 'فلنعقد صفقة'."

يعود الآن مدير مارشال فيلد إلى الظهور لينهي إليها، "إن حذف المفاجآت أشبه بحذف الحياة من الحياة."

يرن الهاتف. ينهض الزوج تاركاً الغرفة.

تعترض الأم قائلة، "ولكن لا رغبة لي في هذه المفاجآت. هاك! خذ هذه المفاجآت!"

يستأنف المدير، "إن معرفة الحكاية مقدماً أشبه بإدارة نفسِك في ماكينة. وما يجعل البشر بشراً هو تحديداً جهلُهم بالمستقبل. لذلك يُقْدمون على ما يقدمون عليه من أفعال مشئومة مسلية: مَن بوسعه الزعم بنهاية أي شيء؟ فيها يكمن الأملُ الوحيد في الخلاص والاكتشاف، و - فلنكن صرحاء - اللهو، اللهو، اللهو! قد يفلت الناسُ بفَعْلات دون عقاب. لا مناشف الفنادق فحسب. علها قصص حب عظيمة محرَّمة، بهجة باقية، حوادث مزعزِعة للإيمان من جراء ماكينات المزارع. ولكنك ينبغي أن تظلي جاهلة كي تشهدي ما قد تجلبه مساعي حياتك من قصص. إن الغموض هو كل شيء."

صارت الأم، على خجلِها، عدوانية. "أهذا هو الهُراء المزيف العشوائي الذي يُدرسونه في كلية التجارة؟ نود مفاجآت أقل، مساع وألغاز أقل، شكراً. الرَوضة وحتى الإعدادية؛ هل لنا فقط أن ننال الروضة وحتى الإعدادية؟" تبدو الآن لأذنيها أحلى وأكثر العبارات حظاً وموسيقية التي سمعتها على الإطلاق: الروضة وحتى الإعدادية. الإيقاع ذاتُه. الفكرة ذاتُها.

يتابع المدير مجرباً عدة طرق، "أعني، التصور كلُه الخاص 'بالقصة'، الخاص بالسبب والنتيجة، الفكرة كلُها القائلة بأن الناس يفقهون طُرق العالَم ما هي إلا فكرة استعمارية ميتافيزيقية مضحكة ارتكبها أحدهم في حق دولة الوقت الجامحة."

هل لديهما مسدس؟ تبدأ الأم تفتش الأدراج.

يعود الزوج إلى الغرفة ويدقق إليها النظر. "ها! وما الخراب الأعظم إلا أحجية الحياة بأسرها!" هكذا يقول عن سياسة مارشال فيلد في الإدارة. فرَغ لتوه من مكالمة جماعية مع شركة التأمين والمستشفى. سوف تتم الجراحة يوم الجمعة. "ما هي إلا فكرة رأسمالي قذر عن الفلسفة."

تقول الأم، "علها إحدى حقائق القصة ليس إلا، ولا ينبغي بحق أن تُسَيِّسها." هما الآن وحدُهما لا ثالث لهما.

"إلى مَن تنحازين؟"

"إلى الرضيع."

"هل تكتبين الملاحظات؟"

"لا."

"لا تكتبين؟"

"لا. لا أَقدر. لا عن هذا! إني أكتب الأدب. وهذا ليس أدباً."

"لا تكتبي أدباً إذن. اكتبي مقالة صحافية. طالبي بدولارين عن الكلمة."

"لا بد إذن أن تكون حقيقية ومليئة بالمعلومات. لستُ مدرَّبة. لستُ على ذلك القدر من المهارة، علاوة على أني أؤمن بمبدأ شخصي مريح، وهو ألا يهجر الفنانون الفن. لا يجب أن يدير المرءُ ظهرَه أبداً لثمرة مشرقة من ثمرات الخيال. بل إن مسألة السير الذاتية بأكملها تضايقني."

"حسناً، اخترعي شيئاً، ولكن تظاهري بأنها حقيقية."

"لستُ واثقة إلى تلك الدرجة."

"إنك تعصبينني."

"يا حبيبي، يا عزيزي، لستُ بتلك البراعة. لا أستطيع أن أفعل هذا. أستطيع أن أفعل... ما الذي أستطيع أن أفعله؟ أستطيع أن أجري حواراً شِبْه مسل عبر الهاتف. أستطيع أن أصف الطقس بكلمات بليغة. أستطيع أن أتنزه مع حيوان الأسرة الأليف وألاعبه بالكرة. أحياناً ما أستطيع أن أقوم بتلك الأشياء. إني لا أفعل إلا ما أقدر عليه يا حبيبي. أكتب عن سخرية دقيقة تتخلل أحلام اليقظة. أكتب عن أفكار كما المستنقع تتكل عليها الحياة الحميمة. ولكن هذا؟ رضيعُنا مصاب بالسرطان؟ آسفة. لقد فاتت محطتي منذ محطتين. إنها سخرية الأقدار في أشد حالاتِها ابتذالاً ولامبالاة. إنها لوحة للرسام 'هيرينيموس بوش' تحوي حقائق وأرقاماً ودماء ورسوماً بيانية. إنه كابوس من الفضلات القصصية. لا يمْكن التخطيط له. بل ولا يمْكن كتابتُه استعداداً للتخطيط له..."

قال لها، "سوف نحتاج إلى الأموال."

والت حديثها، "فضلاً عن الحدود الأخلاقية للمكافأة المالية في مثل هذه المواقف..."

سألها، "ماذا لو فشلت الكلية الأخرى؟ ماذا لو احتاج إلى زرع كلية؟ أين هي الحدود الأخلاقية هنا؟ كيف سنتدبر حالَنا، نُقِيم حفلاً خيرياً لبيع الكعك؟"

اقترحت، "باستطاعتنا أن نبيع المنزل. أكره هذا المنزل. يجن جنوني منه."

عاد للسؤال، "وأين سنعيش إذن؟"

ردت، "في رونالد ماكدونالد. سمعتُ أنه لطيفٌ. أقل واجب قد يقوم به ماكدونالد."

"لديك وعيٌ لاذع بالعدل."

"أحاول. ماذا بمقدوري أن أقول؟" تمسك لحظات. "هل يجري كل هذا حقاً؟ أَظَلُّ أفكر أن الأمر سينتهي قريباً - المفترض أن العمر المتوقَّع لسحابة هو اثنتا عشرة ساعة فقط - وبعدها أُفطن إلى أن حدثاً وقع ومن المستحيل أن ينتهي."

يدفن الزوج وجهَه بين يديه، "رضيعُنا المسكين. كيف حصل هذا له؟" ارتقى بصرُه ليحدِّق إلى مكتبة تُستعمل أيضاً كطاولة مجاورة للسرير. "وهل تظنين أن حتى أي كتاب من كتب الرضع هذه تساعد بأية طريقة؟" يَرفع كتاب الدكتورة ليتش، كتاب الدكتور سبوك، كتاب ما تتوقعينه. يواصل كلامَه، "أين في هذه الصفحات أو الفهارس تجدين كلمة 'كيماوي' أو 'قسطرة هيكمان' أو 'ورم كلوي خبيث'؟ أين تَذْكُر 'التسرطن'؟ أتعلمين بم هذه الكتب مهووسة؟ كيفية مسك ملعقة حقيرة." يَشرع في رمي الكتب من فوق طاولة السرير على الحائط البعيد.

تخاطبه الأم محاولة تهدئته، "اسمع، اسمع، اسمع، اسمع." ولكن مقارنةً بهديره العاصف، تَخرج كلماتُها ككلمات مغنية مساعدة - المغني شوندل، المغني بِب - دوو-وب ديتي. تُواصل الكتب - والآن المزيد من الكتب - الطيران.

اكتبي الملاحظات.

هل يقولون مخلوع الفؤاد أم خليع الفؤاد؟ أفسد نثرُ التلاميذ مفرداتِها.

إنها مخلوع الفؤاد. اسم مفعول - مخلوع الفؤاد - مَن ينطبق عليه ذلك الوصف؟ اسم رجل يتشبه بالنساء.

 

اكتبي الملاحظات. وفي النهاية تعانين وحدَك. ولكنك تعانين في البداية مع آخرين كثيرين. عندما يصاب طفلُك بالسرطان، سرعان ما تندفعين فوراً إلى كوكب آخر: كوكب من الصِبية الصغار صُلْع الرؤوس. قسم أورام الأطفال. قسم ورم الطفل. تغسلين يديك لمدة ثلاثين ثانية بصابون مضاد للبكتريا قبل السماح لك بعبور الأبواب المتأرجحة. تلبسين شبشباً ورقياً على حذائك. تخفضين صوتَك. مكانٌ كامل مصمَّم ومزخرف من أجل كابوسك. هنا سوف يتحقق كابوسُك. لدينا غرفة مهيأة تماماً لك. لدينا أسِرَّة أطفال. لدينا ثلاجات. تقول إحدى الممرضات، "كل الأطفال تقريباً صِبية. لا دراية لنا بالسبب. المعلومة مُوَثَّقة إلا أن الكثير من الناس لا يزالون غير مدركين لها." قدِم جميعُ الصِبية الصغار من أماكن ذات أسماء عذبة للآذان - چينزڤل وأبلتون - بلدات مركزية صغيرة تضم مقالب زبالة عملاقة ومياه صرف زراعي ومصانع ورق ومقبرة السياسي چو ماكرثي (يدور في بال الأم أنه وحده موقع ذو سُمِّية هائلة. لا بد من اختبار التربة.)

يتراءى كل الصِبية الصغار الصلع كالأخوة. يدفعون عجل الحقن الوريدية ذاهبين آتين في الممر الوحيد بقسم ورم الطفل. ويَركب النشيط منهم، السعيد يومها، القضبان السفلية لأعمدة الحقن وأمهاتُهن المبتهجات الضخمات تدفعهن على طول الرَدَهات دفعات ترسل أزيزاً. وييي!

لا تشعر الأم بأنها ضخمة ولا مبتهجة. تبدو لذهنها لاذعة النقد فظة اللسان نحيلة كالشبح، تشعل السيجارة بالسيجارة على سلم حريق في بقعة ما. وأسفلها تَقبع تضاريس معتدلة تُميز الغرب الأوسط، بكل مطامحِه إلى أن يكون... أن يكون ماذا؟ أن يكون جزيرة لونج أيلاند. ويا لنجاحِه! المول التجاري بعد المول التجاري. مياه غائمة، بطاطس مسمَّمة. تسحب الأم أنفاساً عميقة ثم تنفخ سحباً من الدخان فوق حقول الذرة المشوَّهة. حينما يَنزل السرطان برضيع، يبدو من الغباء أن يقلع المرء أبداً عن التدخين. حينما ينزل السرطان برضيع، يدور في بالك، مَن نخدع؟ فلنشعل جميعاً سجائرنا. حينما ينزل السرطان برضيع، يدور في بالك، مَن طلَع بهذه الفكرة؟ أي استهتار سماوي أدى إلى هذا؟ صُبَّ لي شراباً كي أتمكن من رفض النَخْب.

لا تدري الأم كيف تصبح واحدة من هؤلاء الأمهات الأخريات بشعورهن الشقراء وما يلبسن من بناطيل رياضية وأحذية رياضية وما يتحلين به من لطفٍ عاقد العزم. لا تعتقد أن بمقدورِها أن تشبههن في شيء. لا تشعر أنها مثلُهن من قريب أو بعيد. تَعرف على سبيل المثال أشخاصاً كثيرين في حي جرينيدچ فيليدچ. تطلب المحار وحلوى التيراميسو بالبريد من أحد محلات منطقة سوهو. إنها صديقة مقربة لأربعة من المثليين الحقيقيين. يطلب منها زوجُها أن 'تكتب الملاحظات'.

من أين تأتي هؤلاء النساء ببناطيلِهن الرياضية؟ سوف تكتشف.

قد تبدأ بالزي ثم تتقدم من تلك النقطة.

سوف تحيا وفقاً للأفكار المبتذلة. عش اليومَ بيومِه. أرنا الموقف الإيجابي. أرنا قفاك! تتمنى لو أن هناك المزيد من الأشياء المشوقة المفيدة والواقعية، ولكن يتراءى الآن أن الأشياءَ المملة هي وحدها المفيدة الواقعية. عش اليومَ بيومه. وعلى الأقل نتمتع بصحتنا. يا لها من أفكار عادية. يا لها من أفكار واضحة. عش اليومَ بيومه. هل تحتاج إلى مخ لفهم ذلك؟

بينما يبدو الجراح دقيق العظام مقتضب الحديث شبيهاً بالملوك - خمنا تخميناً صائباً أن مباريات التنس الزوجية هي لعبتُه - يخالج طبيب الأورام شيءٌ من جنون العالِم المتخم بالكافيين. يتحدث بلسان سريع. يلم بالكثير من الدراسات والأرقام. بوسعه تدبر الخيارات. جيد! ينبغي أن يتمكن أحدُهم من تدبر الخيارات! قال شارحاً، "إنه ورمٌ سريع، وإنما ضعيف. يَنْبَث في العادة إلى الرئة." وبدون تفكير لفظ ببعض الأرقام، الأُطُر الزمنية، إحصاءات الخطر. سريعٌ وإنما ضعيف: تحاول الأم أن تتخيل هذا المزيج من الصفات، تحاول أن تفكر وتفكر، ولا يخطر في بالها إلا كلوديا أوسك من الصف الرابع، كانت وجنتاها تتوردان وتوشك على البكاء حين يسألها مدرس الفصل، ولكن بمقدورها أن تَسْبِق الكل في سباق سريع لمسافة ربع ميل من باب الحريق إلى السياج بصالة الرياضية. تنظر الأم الآن إلى هذا نظرتها إلى كلوديا أوسك. سوف ينالون من كلوديا أوسك، سوف يجعلونها تندم. حسناً! لا بد أن تموت كلوديا أوسك. ومع أن أحداً لم يذكر هذا قط من قبل، يتجلى الآن أن كلوديا أوسك كان يجب أن تموت منذ أمد طويل. مَن هي على أية حال؟ غاية في الغرور: لا تدع أحداً يغلبها في سباق. حسناً، اسمعي، اسمعي، اسمعي: لا تنظري الآن يا كلوديا!

يَكِزها الزوج، "أنت منصتة؟"

يُعلمهما طبيب الأورام، "بل إن احتمال إصابة كلية واحدة فقط هو واحد على خمسة عشر ألفاً. والآن مع الوضع في الاعتبار كل هذه العوامل الأخرى، فإن احتمال إصابة الكلية الثانية نحو واحد على ثمانية."

يقول الزوج، "واحد على ثمانية. لا بأس. ما دام أنه ليس واحداً على خمسة عشر ألفاً."

تتمعن الأم في الأشجار والأسماك على طول حرف السقف في حافة ورق الحائط المسمى 'أنقِذ الكرة الأرضية'. أنقِذ الكرة الأرضية. أجل! ولكن نوافذ هذا المبنى نفسه لا تنفتح وأدخنة الديزل تتسرب إلى نظام تهوية تركن بالقرب منه شاحنة توصيل في الخارج. الهواء فاسد يبث الغثيان.

يقول طبيب الأورام، "حقاً، من بين كل السرطانات التي قد تصيبه، الأرجح أن هذا أفضلُها."

ترد الأم، "ونحن الرابحون."

يردف، "أَعلم أن 'أفضلَها' لا تبدو الكلمة السليمة. اسمعا، لا بد أنكما الاثنين تحتاجان إلى بعض الراحة. سوف نرى كيف ستصير الجراحة ودراسة الأنسجة. وبعدها سنبدأ الكيماوي في الأسبوع التالي. كيماوي ضئيل خفيف: نبيتيسوع و..."

تقاطعه الأم، "نبيتيسوع؟ نبيذ يسوع؟"

أجابها، "الأسماء غريبة، أعلم. نستخدم دواء آخر وهو أكتينومايسِن-دي. وأحياناً ما يسمى 'داكتينومايسِن'. ينقل الناس حرف الدي إلى بداية الكلمة."

تكرر الأم، "ينقلون حرف الدي إلى بداية الكلمة."

يقول طبيب الأورام، "أيوه! لا علم لي بالسبب - هو ما يفعلونه!"

ينبهه الزوج، "لم يعش يسوع بعد نبيذِه."

يقول طبيب الأورام، "ولكنه عاش بالطبع،" ثم يومئ إلى الرضيع الذي وجد خزانة مليئة ببياضات المستشفى وأضمدتها، وهو الآن ينترها كلَها على الأرضية. "سوف أراكما غداً يا جماعة بعد الجراحة،" ومع تلك الجملة يغادر طبيب الأورام.

يغمغم الزوج، "أو كان يسوع بالأحرى نبيذَه." كلُ ما يعرفه عن العهد الجديد التقطه من أغاني فيلم جودسبِل، "كان دمُه النبيذ. يا لها من فكرة رائعة لشراب."

تقول الأم، "كيماوي ضئيل خفيف. ألا تعجبك تلك الجملة؟ أيِنْ كلاين داكتينومايسِن. بودي لو أرى موتسارت يكتب تلك المقطوعة مقابل لفة كبيرة من الأموال."

يوجه الزوج الخطاب للرضيع الذي خلع الآن حذاءيه كليهما، "تعال هنا يا حبيبي."

تقول الأم، "كفانا سوءاً أنهم يشيرون إلى علم الطب باعتباره 'علماً غير دقيق'. ولكنهم حين يَشرعون في الإشارة إليه باعتباره 'فناً'، تنتابني عصبية لا حد لها."

يعلق الزوج، "آه، لو لنا رغبة في الفن يا دكتور، سوف نقصد متحفاً للفن." يَحمل الرضيع ثم يخاطب الأم بصوت به وصمة اتهام، "إنكِ فنانة. علهم يظنون أن الإبداع يطمئنك."

تبدر من الأم تنهيدة، "أجده محتوماً فحسب. فلنذهب لنُحضر طعاماً." وهكذا يستقلون المصعد إلى الكافيتيريا، وهناك يجدان كرسياً عالياً ويأكلان تفاحاً كثيراً دون أن ينتبها أن علامات السعر لا تزال عليه.

ولأنهم لن يجروا الجراحة إلا غداً، تروق المستشفى الرضيع. تروقه ممرات طويلة يركض على طولِها. يروقه كلُ شيء يجري على عجل. عربات الزهور في المدخل! (يأمرها البائع، "من فضلك ابعدي ابنَك عن الزهور،" فترد الأم بنبرة حادة، "سنشتري المعروض كله. أطفال حقيقيون في مستشفى للأطفال ... أمر لا يصدقه عقل، أليس كذلك؟") الرضيع معجب بالصِبية الصغار الآخرين. أماكن يذهب إليها! أناس يقابلهم! غرف يتجول فيها! هناك العناية المركزة. هناك وحدة الإصابات. تند عن الرضيع ابتسامة ويُلوح بيده. يا لها من شخصية سرطانية صغيرة! يبتسم مواطنون بضمادات ويُلوحون بدورهم. يحوي قسم ورم الطفل صِبية صغاراً صلعاً يلعب معهم. چوي وإريك وتيم وقنَّاص وتعلوب. (قنَّاص! تعلوب!). هناك نيد ذو الرابعة، يمسك كرتَه المطاطية المنكمشة قليلاً، كرة بخرطوم ملتوٍ يلفت الانتباه. يريد الرضيع أن يلعب بها. يقول نيد، "إنها ملكي. اتركها. قولي للرضيع أن يتركها."

تخبره الأمُ من مَقعَد على بعد بضع أقدام، "حبيبي لا بد أن تشاركه اللعب."

وفجأة، من نقطة قريبة من رَدهة 'تايني تيم' تأتي أم نيد، ضخمة الحجم، شقراء الشعر، ببنطال رياضي. تزعق، "كُفَّ عن ذلك! كُفَّ عن ذلك!" تندفع ناحية الرضيع ونيد ثم تدفع الرضيع. تصيح بالرضيع بلهجة حادة، "لا تَلمِسها!" وما هو إلا رضيع فينفجر في البكاء لأن أحداً لم يصرخ في وجهه هكذا من قبل.

تحملق أم نيد إلى الجميع غاضبة، "هذه تسحب السائل من كبد نيدي!" تُرَبِّت الشيءَ المطاطي ثم تَذرِف القليل من الدموع.

تنطق الأم، "آه يا ربي." تواسي الرضيع الباكي هو الآخر. تتبادل مع نيد النظرات - الوحيدان بعيون جافة. تقول لنيد، "آسفة،" ثم تخاطب أمه، "إني في منتهى الغباء. ظننتهما يتشاجران على دمية."

يوافقها نيد، "تبدو فعلاً كدمية." يرسم ابتسامة. إنه ملاك. كلُ الصِبية الصغار ملائكة. ملائكة غاية في الصغر واللطف والصَلَع، والآن يحاول اللهُ استردادَهم لنفسِه. مَن هن، مجرد نساء فانيات، في مواجهة هذا، هذا الشيء القوي الساحق المُبْهَم، إرادة الله؟ إنهن الأمهات، الأمهات. يصرخن كل يوم، لن تأخذه! أيها العجوز القذر! اخرج من هنا! ارفع يديك!

تكرر الأم، "أنا آسفة جداً. لم أكن أَعرف."

تبتسم أم نيد ابتسامة مشتتة وترد، "بالتأكيد لم تَعرفي." ثم تعود إلى ردهة 'تايني تيم'.

ردهة 'تايني تيم' مساحة ضيقة للجلوس في نهاية ممر ورم الطفل. تضم أريكتين صغيرتين ومائدة وكرسياً هزاراً وتليفزيوناً وجهاز فيديو. هناك شرائط فيديو متنوعة: أفلام السرعة والكَثِيب وحرب النجوم. وعلى أحد حوائط الردهة يتعلق لوحٌ ذهبيٌ عليه اسم المغني تايني تيم: عولج ابنُه يوماً في هذه المستشفى، لذا تبرع منذ خمس سنوات بأموال لتأثيث هذه الردهة. ردهة ضيقة مكتظة، يخال المرء أنها كانت لتصبح أوسع لو ظل ابن تايني تيم حقاً على قيد الحياة. ولكنه مات هنا، في هذه المستشفى، والآن توجد هذه الغرفة الصغيرة، جانبٌ منها امتنان، وجانبٌ منها سخاء، وجانبٌ منها يعلن معلون أبوكم.

تفرز الأم شرائط الفيديو فتتساءل، أي خيال علميّ قد ينافس خيال السرطان العلميّ نفسَه - ورمٌ بعضلة وخلايا عظمية مختلفة، كتلة من عَدَم جامح ورغبتُه المجنونة التواقة في أن يصير شيئاً: شيئاً في داخلك، بدلاً منك، كائناً حياً آخر، ولكن ببنية وحش، شيطاناً يخرِّب ويوقع الفوضى. عندك اللوكيميا، ورمٌ يتخذ صورة سائل شيطاني، الأفضل له أن يسبح هنا وهناك متخفياً في الدماء. چورچ لوكاس، أخرِج لنا ذلك الفيلم!

وفي الليلة السابقة على الجراحة تجلس الأم مع الآباء الآخرين بردهة 'تايني تيم' بعد أن أنامت الرضيع في مهدِه الفولاذي العالي على بعد غرفتين، وعند ذاك تبدأ الأم تسمع القصص: لوكيميا في الروضة، أورام خبيثة في اتحاد البيسبول للأطفال، أورام عصبية اكتشفوها في المعسكر الصيفي. "زَلَّت قدما إريك عند القاعدة الثالثة إلا أن الكشط لم يبرأ." يربت الآباء سواعد بعضهم بعضاً ويتحدثون عن مستشفيات الأطفال الآخرين وكأنها منتجعات. "كنتَ في مستشفى القديس چود في الشتاء الماضي؟ ونحن أيضاً. ما رأيك فيها؟ لقد أحببنا العاملين." استقالوا من الوظائف، تدمرت الزيجات، خرِبت حسابات البنوك؛ البادي أن الآباء تحملوا ما لا سبيل إلى تحمله. لا يتكلمون عن احتمال وقوع غيبوبة بسبب الكيماوي، وإنما عن عددها. تقول أم نيد، "عانى غيبوبتَه الأولى في يوليو الماضي. كانت فترة مفزعة غير أننا نجونا."

إن النجاة هي ما يفعله الناس هنا. يداخل حيواتَهم نوعٌ من شجاعة ليست بشجاعة على الإطلاق. إنها آلية، لا تَعرف الإجفال، خليطٌ من الإنسان والماكينة، واجبٌ مهلِك لا يرقى إلى الشك، يجابه المرضَ الحركة مقابل الحركة في مباراة شطرنج عملاقة متعادلة بالضبط - دورة لا نهاية لها من شيء يشْبه ملاكمة الأشباح وإن كانت بين الحب والموت، أيهما الشبح؟ ينهي إليها أحد الرجال، "الكل معجبٌ بنا لشجاعتِنا. لا فكرة لديهم عما يتكلمون عنه."

يطرأ في بال الأم، "باستطاعتي أن أخرج من هنا. باستطاعتي أن أستقل ببساطة حافلة وأذهب، دون أن أعود قط. أغير اسمي. فعلٌ مثل تغيير محل إقامة الشهود."

يضيف الرجل، "تتطلب الشجاعة خيارات."

قد يكون الرضيع أفضل حالاً.

تُعلق امرأةٌ على رأسها عصابة من جلد ناعم سميك، "هناك خيارات. قد تستسلم. قد تنهار."

يجيبها الرجل، "لا، ليس ممكناً. لا أحد يفعل هذا. لم أر هذا أبداً. يعني، لا ينهارون بمعنى الكلمة." يستبد بعدئذ السكون بالردهة. ألصق أحدُهم بجهاز الفيديو ورقة بخت كانت في كعكة. مكتوبٌ عليها، "التفاؤل هو ما يُمَكن غلاية الشاي من الغناء حتى عنقِها في المياه الساخنة." وأسفلها ألصق آخر قصاصة من أبراج صيفية. مكتوب عليها، "السرطان مهيمن!" مَن قد يلصقها؟ أخٌ في الثانية عشرة لأحد الصِبية. ينهض أحد الآباء - أبو چوي - ويمزق كليهما صانعاً كرة صغيرة في قبضتِه.

يتناهى حفيفٌ صادر من صفحات مجلة.

تتنحنح الأم، "نسى تايني تيم طاولة الخمور."

يخرج نيد الصاحي لا يزال في التاسعة من غرفته إلى ممر معتم الأضواء. يقف بجوار مَقعَد الأم ثم يوجه إليها الحديث، "من أين أنت؟ ما الذي أصاب رضيعك؟"

تنام في غرفتهم الصغيرة نوماً متقطعاً ببنطالها الرياضي، تقفز من حين لآخر كي تطمئن على الرضيع. هذه هي فائدة البناطيل الرياضية: القفز. في حال حدوث حريق. في حال حدوث أي شيء. في حال تبدد الفرق بين النهار والليل، ولا فرق بينهما على الإطلاق، لم التظاهر إذن؟ يعلو من السرير المجاور لها شخيرُ الزوج الذي تناول حبة مُنَوِّمة، تتشابك ذراعاه حول رأسِه في وضع شبيه بفن الأوريجامي. كيف بمقدور أيهما أن يمكث في المنزل بكرسيه العالي الخالي ومهده الخالي؟ يستيقظ الرضيع بين الفَيْنَة والأخرى ويبكي، تهب ماضية إليه لتدلك ظهرَه وتعيد ترتيب الأغطية. أشارت الساعة القابعة على خزانة الأدراج المعدنية إلى أنها الثالثة وخمس دقائق. وبعدها الخامسة إلا عشرين دقيقة. وبعدها يَبزُغ الصباح بحق، بداية هذا اليوم، يوم استئصال الكُلْية. هل ستسعد حين ينقضي أم يتواصل بشق الأنفاس أم الاثنان؟ هلَّ كلُ يوم من هذا الأسبوع هائلاً فارغاً مجهولاً شأن سفينة فضاء، وقد أضاء هذا اليوم تحديداً بنور رمادي مشرق.

يقول چون الممرض المبتهج المبكر، "ينبغي أن يرتدي هذا." يُسَلم الأم رداء رفيعاً ضارباً إلى الاخضرار تنطبع عليه ورودٌ ودبب. لطمتها موجةٌ من الغثيان؛ يدور في بالِها أن هذا الثوب لن يلبث أن يترشش بـــ...ـ بماذا؟

الرضيع مستيقظ، ولكنه يشعر بالنُعاس. تَرفع بيجامتَه. تهمس وهي تخلعها عنه ثم تُلَبِّسه، "لا تنس يا كتكوتي، سنكون معك في كل لحظة، كل خطوة. حين تظن نفسَك نائماً تهيم بعيداً عن الجميع، سوف تظل ماما معك." إن لم تهرب في حافة من الحافلات. تواصل، "ماما سوف ترعاك. وبابا أيضاً." تتمنى ألا يلحظ الرضيع ما يساورها من خوف وشك، لا بد أن تداريهما عنه مداراتها لعَرَج. يتولاه الجوع، إذ لم يسمحوا له بالأكل، ولم يعد متسلياً بهذا المكان الجديد، وإنما قلقٌ من مشاقه. تقول في سرها، آه، يا رضيعي. تَدُور بها الغرفة قليلاً. يُقْبل الزوج كي يتولى عنها. يقول لها، "ارتاحي. سوف أتمشى معه خمس دقائق."

تنصرف غير أنها لا تدري مقصِداً. وفي المدخل تدنو منها أخصائية اجتماعية تقريباً، امرأة تعمل في العلاقات العامة، أعطتهما شريط فيديو عن التخدير ليتفرجا عليه: كيف يرافق الأب أو الأم الطفل في غرفة العمليات وكيف يحقنون المخدِّر برقة ولطف.

سألتها، "هل تفرجتِ على الفيديو؟"

أجابت الأم، "أجل."

"هل أفادك؟"

ترد الأم، "لا أعرف."

تسألها امرأة الفيديو، "هل لديك أية أسئلة؟" 'هل لديك أية أسئلة؟' سؤالٌ تُوجهه لامرأة حطَّت مؤخراً على هذه البقعة المخيفة الغريبة، يبدو للأم مجاملة بسيطة، عبثية ومذهلة. إن تحديد السؤال ذاتَه يتعارض مع غرابة عارمة تشوب كلَ شيء حولها.

تجيبها الأم، "ليس الآن. أظن أني سأذهب الآن إلى الحمَّام."

حين تعود إلى غرفة الرضيع، تجد الكل هناك: الجراح، طبيب التخدير، كل الممرضات، الأخصائية الاجتماعية.

يشْبهون في قبعاتهم وأرديتهم الزرقاء باقة من زهور اسمها 'لا تنسني'، ننساهم، ومَن بمقدوره؟ يَلوح الرضيع في ثوبه الصغير ذي الدبب بارداً يكتنفه الخوف. يمد يدَه فتَرفعه الأم من بين ذراعيّ الزوج، تدلك ظهرَه كي تبث فيه الدفء.

يخبرهما الجراح وهو يتكلف ابتسامة، "حسناً، آن الأوان!"

يقول طبيب التخدير "فلذهب؟"

ما تلا هو لمحة غائمة من الامتثال والأضواء الساطعة. يأخذون المصعد هبوطاً إلى غرفة خرسانية كبيرة، غرفة الانتظار، الغرفة الخضراء، كواليس غرفة العمليات. تصطف على الجدران رفوفٌ طويلة عامرة بأردية الجراحة الزرقاء. تقول إحدى الممرضات، "كثيراً ما يخاف الأطفال من اللون الأزرق." بالطبع. بالطبع! "والآن مَن منكما يحب أن يَدخل غرفة العمليات أثناء التخدير؟"

ترد الأم، "سوف أدخل."

يسألها الزوج، "أنتِ متأكدة؟"

"أيوه." تطبع على شعر الرضيع قبلة. لا ينفك الناس هنا يدعونه، "السيد ذو الشعر المُجَعَّد،" ويبدو اللقب وقحاً ولطيفاً في آن واحد. تسدد النساء نظرات الإعجاب إلي رموشه الطويلة ويهتفن، "دائماً الصِبية! دائماً الصِبية!"

تُلبس ممرضتان جراحيتان الأم ثوباً أزرق وقبعة زرقاء من القطن. يضحك الرضيع من المنظر ولا يكف عن شد القبعة. تقول ممرضة أخرى، "من هنا،" فتتبعها الأم. "فقط ضعي الرضيع على الطاولة."

في الفيديو تمسك الأم الرضيع ثم تتموج الأدخنة رقيقةً أسفل أنف الرضيع إلى أن يستغرق في النوم. والآن، بعيداً عن مرأى الكاميرا أو الأخصائية الاجتماعية، يستحوذ القلق على طبيب التخدير من البدء دون أن يسمح بتسرب غاز أكثر مما ينبغي إلى الغرفة بوجه عام. فالخطر الوظيفي لهذا - لمهنته المختارة - هو التعرض للغاز وتلف الأعصاب، وقد بدأ الأمر يُوقع فيه القلق. لا ريب أنه يُعبر عن انزعاجه منه لزوجته كل ليلة. والآن يفتح الغاز، وبسرعة يضغط بالفم البلاستيكي على خديّ الرضيع وشفتيه.

يلم الإجفال بالرضيع. يلم الإجفال بالأم. يَشرع الرضيع في الصراخ ويَحْمَر خلف البلاستيك غير أن أحداً لا يسمعه. يتخبط. تأمر الممرضة الأم، "أخبريه أنها حاجة بسيطة."

بسيطة؟ تكرر الأم وهي تمسك يدَه، "إنها حاجة بسيطة،" ولكنها تعلم أنه مدرك أنها ليست بسيطة، لا لأن بمقدوره فقط أن يرى أنها لا تزال ترتدي تلك القبعة الورقية الغبية، وإنما لأنه يفطن أن كلماتها آلية تغمغم بها وأنها تقضم شفتيها كي تَحول دون ارتعادهما. يستولي عليه الذعر فيحاول أن يجلس. يَعجز عن التقاط أنفاسه؛ تمتد ذراعاه عاليتين. باي-باي بره. وبعدها، وبسرعة متناهية، تنغلق عيناه؛ يَعدم التوتر وينزلق - لا إلى النوم - وإنما إلى جانب النوم، نوم عجيب أشبه بالاختطاف، يتوارى رعبُه الآن في مكان عميق داخل نفسه.

تسأل الأخصائية الاجتماعية المنتظرة في الغرفة الخرسانية الخارجية، "كيف صار الحال؟" الأم في حالة هستيرية. وقد قادتها إحدى الممرضات إلى الخارج.

تصيح، "لم يكن مثل شريط الصور على الإطلاق! لم يكن مثل شريط الصور على الإطلاق!"

تسأل الأخصائية الاجتماعية، "شريط الصور؟ تعنين الفيديو؟"

"لم يكن مثلَه على الإطلاق! كان وحشياً لا يُغْتَفَر."

تنبس، "ياه، يا للبشاعة." لم يعد دورُها الآن تقديم المعلومة الخاطئة، وإنما القيام بدور البواب. تلمِس ذراع الأم غير أن الأم تنفضها عنها وتمضي للعثور على الزوج.

تجده في ردهة الجراحة الكبيرة الملونة بلون التوت، إليها أخذوه، وهناك يتاح مشروب شوكولاتة ساخن مجان في أكواب صغيرة من البلاستيك. تُزين المداخل أكاليل من السِّيلوفان الأحمر. نست تماماً أن الكريسماس قريب إلى هذه الدرجة. يعزف عازف البيانو أغنية "ترنيمة الأجراس." فلا تبدو فقط معدومة الصلة بالأعياد، وإنما أيضاً مخيفة، وكأنها لحن فيلم طارد الأرواح الشريرة.

هناك ساعة عملاقة على الحائط البعيد. أشبه بكُوَّة تطل على غرفة العمليات، وسيلة لتقييم أزمة الطفل: خمس وأربعون دقيقة لزرع قسطرة هيكمان؛ ساعتان ونصف لاستئصال الكلية. وعندئذ، بعدها، ثلاثة شهور من العلاج الكيماوي. تظل المجلة مفتوحة على حجرِها على إعلان عطر بلون الياقوت.

يقول الزوج، "لازلت لا تكتبين الملاحظات."

"لا."

"تَعرفين؟ إنها بمعنى ما من نوعية الأشياء التي تكتبين دائماً عنها."

"عارف؟ أنت بجد تحفة. هذه هي الحياة. ليست 'نوعية أشياء'."

"ولكنها من نوعية الأشياء التي تُعرِّف الأدب: إنها الحياة غير المستحقة للعيش، الغرفة الغريبة الملحقة بالمنزل، القمر الإضافي الدائر حول الأرض والعلمُ يجهله."

"أنا مَن قلتُ لك ذلك الكلام."

"إني أستشهد بك."

تلقي نظرة على ساعتها متفكرة في حال الرضيع. "كم مر من وقت؟"

"وقتٌ قصيرٌ. وقتٌ طويلٌ. علهما في النهاية المدةُ نفسُها."

"ماذا يَحدث له في ظنك في هذه اللحظة تحديداً؟"

عدوى؟ سكاكين تزِل؟ "لا أعرف. ولكن أتعرفين؟ لا بد أن أذهب. لا بد أن أمشي قليلاً فقط." ينهض الزوج ليسير في أرجاء الردهة ثم يعود متخذاً مجلسه.

يستعصي على الوصلات العصبية العوم بين الدقيقة والأخرى. الساعة في مثل سُمْك حلوى الفَدْچ. تشعر الأم بالاستنزاف؛ تشعر أنها سلسلة من علب قصديرية فارغة يربط بينها سلكٌ، شيءٌ بمقدور ماعز أن تشمه وتمضغه، شيء تحْييه من حين لآخر صدمةٌ كهربائية.

يتناهى إليها اسماهما ينادي بهما أحدهم عبر الميكروفون الداخلي. "أجل؟ أجل؟" تسرع بالوقوف. طارت كلمتاها أمامها، زفير من الطيور. كفت موسيقى البيانو. العازف غائب. تقترب مع الزوج من المكتب الرئيسي، وهناك يتطلع إليهما رجلٌ ويبتسم. حيالَه قائمة مصوَّرة من أسماء المرضى. "ذلك هو صبينا الصغير هنا،" تقول الأم حين تُبصر اسم الرضيع بين القائمة وتشير إليه. "هل عندك أخبار؟ هل كل شيء على ما يرام؟"

يجيب الرجل، "أجل. حالة ابنك جيدة. لقد فرغوا لتوهم من القسطرة، وسوف ينتقلون إلى الكلية."

"ولكن فاتت ساعتان بالفعل! آه يا ربي، هل حصلت مشكلة؟ ماذا جرى؟ ما المشكلة؟"

 يشد الزوج ياقتَه سائلاً، "هل حصلت مشكلة؟"

"ليس بالضبط. كل ما هنالك أنهم استغرقوا وقتاً أطول من المتوقع. قيل لي إن كل شيء على ما يرام. أرادوا أن تَعلما ذلك."

يقول الزوج، "شكراً لك." يستديران عائدين إلى مجلسيهما.

تنبس الأم، "لن أنجو." تتنهد وهي تَخِر على كرسي من الجلد الصناعي يشْبه قليلاً قفاز البيسبول. "ولكني قبل أن أموت، سآخذ نصف هذه المستشفى معي."

يسألها الزوج، "هل تريدين بعض القهوة؟"

ترد الأم، "لا أعرف. لا، لا أظن. لا. هل تريد؟"

يقول، "لا، ولا أنا، لا أظن."

"هل تريد بعض فصوص البرتقال؟"

"آه، ربما، أظن، لو ستأكلين واحدة." تأخذ من حقيبتها برتقالة وتجلس فحسب هناك لتقشر قشرتها العويصة، يتمزق اللُبُ تحت أصابعِها فيقطر العصيرُ على يديها ويلسع جلدَ أظافرها الميت. تمضغ هي وزوجُها ويبتلعان، يبصقان البذور خلسة في منديل ويطالعان نسخاً مصوَّرة من آخر الأبحاث الطبية استجدياها من الطبيب المقيم. يطالعان ويضعان الخطوط، يتنهدان ثم يغلقان أعينهما، وبعد فترة من الوقت تتم الجراحة. تأتي ممرضة من قسم ورم الطفل كي تُعلمهما.

"ابنكُما الصغير في طور النقاهة الآن. حالته جيدة. تستطيعان رؤيتَه في خلال خمس عشرة دقيقة تقريباً."

كيف يمْكن وصفُها؟ كيف يمكن وصف أي جزء منها؟ إن الرحلة وقصة الرحلة شيئان مختلفان دائماً. الراوية هي مَن لزمت البيت، ولكنها تضغط بعدئذ ثغرَها على ثغر المسافر كي تجعل الثغر يعمل، كي تجعل الثغر ينبس، ينبس، ينبس. ليس بمقدور المرء أن يمضي إلى مكان ويتحدث عنه؛ ليس بمقدور المرء أن يرى وفي الوقت نفسِه يتحدث، لا كما يجب. بمقدور المرء أن يمضي، وعند العودة تبدر منه الكثير من الحركات بيده والإشارات بذراعيه. ويعم بالضرورة سكونٌ ما بعده سكون على الثغر نفسِه، العامل بسرعة الضوء مع تعليمات العين؛ وبسرعة متناهية يتعلق مفتوحاً أخرس شأن جرس مجرَّد الأحشاء، فهناك الكثير لسردِه. كل تلك الحياة العصية على الحكي! هنا يأتي دَورُ الراوية. تأتي الراوية بقبلاتها وترتيبها وتنكرها البيئيّ. تأتي الراوية لتشدو بأغنية بطيئة مزيفة عن دمارٍ متلهف يلم بالثغر.

يا له من منظر مرعب ومعجزة أن تراه. يَرقد على مهده بالغرفة، تُسلسله الأنابيب، ينبسط مثل صبي على صليب، ذراعاه متيبستان في جبيرتين كرتونيتين يطلقون عليهما اسم 'لا-لا' كيلا يتمكن من نزع الأنابيب. هناك قسطرة للمثانة وأنبوب من الأنف إلى المعدة وقسطرة هيكمان تتصل بوريده الوِداجيّ أسفل الجلد ثم تبزُغ خارج جدار صدره وتغطيها سدادةٌ طويلة من البلاستيك. تلتصق ببطنِه ضمادة ضخمة. هو الواهن بفعل حقنة المورفين لا يزال قادراً على الرنو إليها حين تناور كل الأسلاك البلاستيكية وتنحني لتعانقه، وعندما تعانقه، يبدأ بالبكاء، ولكنه يبكي في صمت، بدون حركة أو صوت. لم تقع عيناها قط على رضيع يبكي بدون حركة أو صوت. إنه بكاء شخص عجوز؛ صامت، أكثر من مجرد رأي، محطَّم. وفي شخص صغير الحجم إلى هذا الحد يصبح المشهد مفزعاً غير طبيعي. تريد أن تَحمل الرضيع وتركض - خارج هذا المكان، خارج هذا المكان. تريد أن تستل مسدساً: تُطلقون عليهما 'لا-لا'، هه؟ هذا الوضع كله هو ما أطلق عليه 'لا-لا'. تريد أن تصرخ بالجراحين وممرضات الحقن، لا تلمِسوه! كفاكم! كفاكم! كفاكم! كانت لتزحف صاعدة وترقد بجانبه في المهد لو استطاعت. ولكنها بدلاً من الرقود، وبسبب كل أسلاكه المعقدة، تضطر إلى أن تميل عليه وتَحضُنه، تغني له، أغان عن الخطر والفرار، "لا بد أن نَخرج من هذا المكان ولو أنه آخر ما سنفعله في الحياة. لا بد أن نَخرج من هذا المكان... هناك حياة أفضل لي ولك."

جملٌ خليقة بعام 1967. كانت وقتذاك في الحادية عشرة وسهلة التأثر.

يرمقها الرضيع بعينين متضرعتين وذراعاه منبسطتان استسلاماً. إلى أين؟ أين نذهب؟ خذيني! خذيني!

وفي تلك الليلة، الليلة التالية للجراحة، يستلقي الزوج والأم معاً شاردين في الفراش. لا يزال هناك مصباح نيون مضاء في الظلام بالقرب من المهد. يرسل الرضيع أنفاساً منتظمة، ولكن ضعيفة، في نومه المخدَّر. البادي أن المورفين في جرعاته الأولى الغامرة يجعله يحس وكأنه يقع إلى الوراء - أو هكذا قيل للأم - مما يتسبب في ارتجاج الرضيع كي يَلحق نفسَه المرة بعد الأخرى كمن يقع من شجرة. "أهذا سليم؟ ألا ينبغي عمل شيء؟" تَدخل الممرضات كل ساعة، ممرضات مختلفات - تبدو النوبات الليلية غريبة في قصرِها وتكرارِها. لو اضطرب الرضيع أو قلِق، تمنحه الممرضات المزيد من المورفين من خلال قسطرة هيكمان ثم يغادرن للاعتناء بمرضى آخرين. تنهض الأم حتى تطمئن عليه في الضوء الخافت. ثمة قَرْقَرة من أنبوب المص البلاستيكي الشفاف الخارج من فمه. تجمعت في الأنبوب كتلٌ مائلة إلى اللون البني. ماذا يجري؟ ترن الأمُ الجرسَ لاستدعاء الممرضة. هل اسمُها رينيه أم سارة أم أنه دارسي؟ لقد نست.

يهمهم الزوج وهو يستيقظ، "ماذا، ماذا جرى؟"

تخبره الأم، "فيه حاجة غلط. يبدو أن هناك دماً في الأنبوب الأَنْفِيّ المَعِدِيّ."

"ماذا؟" ينهض الزوج من الفراش. يرتدي هو الآخر بنطالاً رياضياً.

تدفع الممرضة - ڤاليري - البابَ الثقيل داخلة الغرفة بهدوء. "كل شيء تمام؟"

"فيه حاجة غلط هنا. يمص الأنبوب دماً من معدته. البادي أنه ربما ثقَب معدتَه، وهو الآن ينزف داخلياً. انظري!"

إن ڤاليري قديسة، ولكن صوتها ما هو إلا صوت قديسات المستشفيات النموذجيّ: هدوءٌ خليق بالصيادلة يبث الحنَق. يعلن، كل شيء طبيعيّ هنا. الموت طبيعي. الألم طبيعي. لا شيء غير طبيعي. لا شيء إذن يستدعي الانزعاج. تقول، "حسناً، فلنر." تَرفع الأنبوب البلاستيكي وتحاول أن ترى ما بداخله. تنبس، "ممم. سوف أستدعي الطبيب المُداوِم."

ولأنها مستشفى تعليمية بحثية، كلُ الأطباء المحترفين نائمون في بيوتهم على أسِرة على طراز أسِرة المبشرين. والليلة، كما هو الحال فيما يبدو خلال كل ليالي العطلة الأسبوعية، ما الطبيب المُداوِم إلا طالب طب. يبدو في الخامسة عشر عاماً. والسلطة التي يحاول توصيلَها لا يمْكن أن تسكنه من قريب أو بعيد. بل إنه ليس معها في المبنى نفسِه. يصافح أيادي الجميع ثم يمرر أصابعَه على ذقنه، حركة التقطها ولا شك من مسرحية بمطعم صحبه أبواه إليه ذات مرة. وكأن هناك لحيةً حقيقية على ذلك الذقن! بل وكأن لحيةً من الممكن أن تنمو على ذلك الذقن! بلدتُنا! قبِّليني يا كيت! حافٍ في المتنزه! يحاول أن يُقْنع إن لم يبهر.

تهمس الأم للزوج، "يا للبلوى." يتولاها الضجر، الضجر من شبان ينقبون عن الدَرَجات. "لدينا هنا الدكتور 'قبِّليني يا كيت'."

يرشقها الزوج بعين ذاهلة، مزيج من التوهان والانفصال التام.

يمسك طالب الطب الأنبوب بين يديه قائلاً، "لا أرى حقاً أي شيء."

رسَب في الامتحان! تسأله الأم "لا ترى؟" ثم تندفع لتمسك الأنبوب الشفاف بيديها الاثنتين. تقول، "هذا. هنا وهنا." قالت لأحد طلبتها في هذا الفصل الدراسي السابق ليس إلا، "إن كنتَ لا تدرك أن هذا المقال أفضل من الآخر، أريدك إذن أن تخرج إلى الممر وتقف هناك إلى أن تدرك." هل من المهم أن تخفض صوتَها؟ يظل الرضيع نائماً. إنه مخدَّر يحلم، في بقعة قصية.

ينطق طالب الطب، "ممم. ربما لديه تهيج بسيط في المعدة."

يشتد الغيظ بالأم قائلة، "تهيج بسيط؟ هذا دم. إنها كتل وجَلَطات. هذا الشيء الغبي يمص الحياة من جسمِه!" حياة! تَشرع في البكاء.

يغلقون الامتصاص ويجلبون مضادات للحموضة يُطعمون الرضيع إياها من خلال أنبوب. وبعدها يُشغلون الامتصاص من جديد. هذه المرة على درجة منخفضة.

يسأل الزوج، "كان على أية درجة من قبل؟"

ترد ڤاليري، "مرتفعة. أوامر الأطباء وإن لا أعلم السبب. لا أعلم سبب الكثير من الأشياء التي يفعلها هؤلاء الأطباء."

تقترح الأم، "ربما ليسوا... أذكياء إلى هذه الدرجة؟" يداخلها إحساسٌ بالراحة والغيظ في الوقت نفسه: يداخل الهواءَ إحساسٌ بالابتهال ورفع القضايا. ومع ذلك فهي بالأساس مُمْتَنة. أليس كذلك؟ تظن أنها مُمْتَنة. ومع ذلك، ومع ذلك: انظر إلى كل الأفعال التي تضطر إليها لحماية طفلك، مستشفى ما هي إلا تكثيف لسبيل الحياة القاسي العاج بالعوائق.

يُقْبل الجراح للزيارة في صباح يوم السبت. يَدخل ثم يومئ برأسه إلى الرضيع، المستيقظ، وإنما المُتَبَلد بفعل المورفين، عيناه عِنَبتان غامقتان لا تبصران. يجاهر الجراح، "يبدو الصبي بخير." يلقي نظرة خاطفة أسفل ضمادة الرضيع، "الغرز شكلها جيد." بطن الرضيع مُخيَّطة كلها بالعرض مثل كرة بيسبول. يردف، "والكلية الأخرى، حين رأيناها بأعيننا أمس، بدت بخير. سوف نحاول أن نَفْطِمه قليلاً عن المورفين، وسنرى كيف سيصير حالُه يوم الاثنين." يتنحنح ثم يقول وعيناه تتجولان في الغرفة نحو الممرضات وطلاب الطب، "والآن أود أن أتحدث إلى الأم، على انفراد."

ينتفض قلب الأم. "أنا؟"

"أجل،" يرد مشيراً بيده ثم يستدير.

تنهض ثم تَخرج معه إلى الممر الشاغر مغلقة الباب خلفها. ما الخطب؟ تسمع الرضيع يهتاج قليلاً في مهده. يكتظ عقلُها بالألم والذعر. يَخرج صوتُها هامساً أجشاً، "هل هناك شيء..."

"هناك شيء هام أريده منك،" يخبرها الجراح وهو يلتفت ليقف هناك في جدية بالغة.

"أجل؟" يدق قلبُها دقاً. لا تشعر بمرونة كافية لاحتمال أية أخبار سيئة أخرى.

"أود أن أطلب منك خدمة."

"بالتأكيد،" ترد محاولة بأقصى جهدها أن تستدعي القوة والشجاعة لهذا الحدث، أياً كان؛ توتر حلْقُها فاستحال قبضة.

ومن داخل معطفِه الأبيض يُخرج الجراح كتاباً رفيعاً ورقي الغلاف ليدفعه نحوَها. "هل توقعين نسختي من روايتك؟"

تَغِض الأم طرفَها لتبصر أنها حقاً نسخةٌ من رواية كتبتها، رواية عن فتيات في سن المراهقة.

ترتقي بعينيها. تشق وجهَه ابتسامةٌ عريضة كلُها حيوية. ينهي إليها، "قرأتُها في الصيف الماضي، ولا زلتُ أتذكر أجزاء منها! لقد وقعتْ أولئك الفتيات في مشاكل جامدة!"

يدور في خاطرها أن من بين كل اللحظات السريالية خلال الأيام القليلة الماضية قد تكون هذه اللحظة أشدَها.

ترد، "حسناً،" فيعطيها الجراح قلماً في مرح.

"فقط اكتبي 'من أجل الدكتور'... آه، لا حاجة إلى إخبارك بما ستكتبينه."

تجلس الأم على مقعد وترج الحبر في القلم. تغمرها تنهيدة تنم عن الراحة ثم تَخرج منها. آه، يا لمتعة تنهيدة الراحة، شأنُها شأن أروع لحظات الحب؛ هل أثنى أي إنسان على تنهيدات الراحة كما ينبغي له الثناء؟ تفتح الكتاب على صفحة العنوان. تتنفس بعمق. ولكن ما باله يقرأ روايات عن مراهقات؟ ولم لم يشتر النسخة ذات الغلاف المقوى؟ تكتب كلمات تشي بالامتنان والصدق ثم تعيد إليه الكتاب.

تسأله، "هل سيكون بخير؟"

يرد، "الصبي؟ الصبي سيكون على ما يرام،" ثم يربت كتفَها ربتة متيبسة. "خذي بالك الآن من نفسك. اليوم السبت. احتسي القليل من النبيذ."

وفي أثناء العطلة الأسبوعية يجلس الزوج والأم معاً في ردهة 'تايني تيم' والرضيع نائم. يَركب التململُ الزوجَ فيقوم برحلات خاطفة إلى الكافيتيريا وغيرها، يؤدي المشاوير نيابة عن الجميع. وفي غيابه يسليها الآباء الآخرون بالمزيد من حكاياتهم الدرامية المديدة. قصصٌ عن سرطان الأطفال والكيماوي: بتر أطراف الأطفال، تسمم الدم، أسنان تتقشر كرقائق الطَّفْل، تأخر التعلم والإعاقات التي يسببها كيماوي يقلي الأدمغة الصغيرة الناشئة. ولكن الغريب أنهم أتموا حديثَهم بمقاطع لحن متفائلة - نهايات في مثل تيبس دانتيل النجار وغرابته، هشة وفارغة مثل الخس، متشابكة كما الشبكة - آه، كلمات. يقول أحدهم، "وبعد كل ما جرى مع الورم، تحسنت صحته الآن، وقد ركَّب له زوج ابنة عم زوجتي قواطع جديدة، تخرج من كلية الأسنان في سنتين ونصف لو تصدقين. نتمنى الخير. ونتعامل مع ما يجد أولاً بأول. الحياة صعبة."

توافقه الأم، "الحياة مشكلة كبيرة." يرحب جانب منها بكل حكاياتهم ويستجلبها. ففي الأيام الطويلة القليلة منذ بداية هذا الكابوس بات جزءٌ منها مدمناً على قصص الكوارث والحروب. لا تريد إلا أن تسمع حزن الآخرين وما يداهمهم من طوارئ. يسعها أن تشبك يديها بيديّ هذه المواقف دون غيرها؛ وكل ما عداها يرتد عن درعها اللامع المنبئ عن الامتعاض وعدم التعاطف. بل إن لا شيء آخر يمْكن أن يلبث في عقلها. لا ريب أن منها خلقوا العالم المادي أم أن المرء ينبغي أن يقول 'جددوا'؟ يحتشد الآباء معاً طيلة اليوم في ردهة 'تايني تيم' - لا حاجة بهم إلى مشاهدة برنامج أوبرا. يتركون أوبرا في التراب. لا تمتاز أوبرا عنهم بشيء. يدردشون بنبرات واقعية ثم يحل بهم الصمت ويتفرجون على فيلم الكَثِيب أو فيلم حرب النجوم الذي يحوي أناساً آليين زاهيين ولامعين، لا تعتبرهم الأم الآن أناساً آليين مطلقاً، وإنما بنو آدم تعرضوا لحوادث رهيبة.

يزورهما بعض الأصدقاء بحيوانات محشوة وتحيات رقيقة للرضيع الناعس من قبيل "تبدو بخير" مع أن الغرفة تجاوزت تماماً حد الحيوانات المحشوة. تعد الأم من جديد طبقاً مليئاً بكعك ميلانو بالنعناع وفناجين بلاستيكية من القهوة للضيوف. عرج عليها كلُ أصحابها المخابيل - اثنان يتناولان دواء الاكتئاب بروزاك، واحد مهووس بالتشابه بين كلمة قضيب وكلمة خَضِيب، واحدة صبَغت شعرها مؤخراً بلون أخضر. يكاشفها الزوج، "أصدقاؤك يضعون دو في عبارة فان دو سياكلا." تبدو كل الحوارات الزوجية لو سُمعت مصادفةً أو سُجلت وكأن أحداً ولا بد يمزح، ولكن لا أحد يمزح في العادة.

تحب أصدقاءها، وتحبهم بالأخص لمجيئهم بما أنهم يتشاجرون جميعاً أحياناً ويتخاصمون لمدة أسابيع. هل هذه صداقة؟ إنها الآن وفي هذا المكان صداقة ولا شك، إنها صداقة، تُقْسم أنها صداقة. لم يلقوا أبداً على سبيل المثال محاضرات روحية مُرْتَجَلة عن الموت، كيف أنه جزء من الحياة، مدها وجزرها الطبيعيان، كيف أننا يجب جميعاً أن نتقبله، أو أقوالاً أخرى مثلها تجعلها راغبة في اقتلاع عيون قائليها. وكما هو حري بالأصدقاء الحقيقيين لا يتخذون موقفاً قوياً أو رصيناً صممه أحدُهم بلا دقة من وجهة نظر ما رحبة. بمجرد أن يدلفوا، يغمغمون، "يا لهوي!" ثم يهزون رؤوسَهم. علاوة على أنهم الوحيدون الذين لا يكتفون بالضحك على نكتها الغبية، وإنما يلقون نكتاً غبية من تأليفهم. ماذا تنال حين تُهجِّن المغني تايني تيم بكلب من فصيلة بِت بول؟ يُنزل مرضُ الطفل الإجهاد بالعقل. يعلمون كيف يضحكون ضحكات يائسة بنبرات كما الفلوت - على عكس أناس يصادقون زوجها، إذ لا يكون منهم إلا تعميق نظراتهم الشاخصة الحزينة والإيماء برؤوسهم في تعاطف. يا له من نفي وإقصاء يخامران تعبيرات الجميع المتعاطفة! حين يضحك أي شخص، يدور في بالها، حسناً! مرحى: ها هو صاحب. في الكارثة كما في عالم الفن.

تأتي الممرضات ويذهبن؛ تبث أصواتهن المُزَقزِقة الإجفال وتُخفف الألم. يدس بعض الآباء الآخرين بقسم ورم الطفل رؤوسهم ليطمئنوا على حال الرضيع ويبدوا كلمات التشجيع.

تهرش ذات الشعر الأخضر رأسَها قائلة، "الكل هنا غاية في الود. هل يوجد أحدٌ في هذا المكان لا يتفاءل كل هذا التفاؤل المصطنع وكأنه من نص مكتوب أم أن الناس من أمثالهم هم الوحيدون هنا؟"

يرد الزوج، "إنه الطب الأوسط الحديث يلتقي بالأسرة الوسطى الحديثة في الغرب الأوسط الحديث."

طلب أحدُهم وجبة لو مين الصينية، يأكلون جميعاً في الردهة بجانب المصاعد.

مسموح للآباء باستخدام خط هاتفي مجان على سبيل المجاملة.

تخبرها صديقة أخرى تعيش خارج المدينة عبر الهاتف، "لا بد أن تنجبا طفلاً ثانياً. وريث وطفل احتياطي. ذلك ما فعلناه. أنجبنا طفلاً آخر كي نضمن ألا نخلص على نفسينا لو فقدنا الأول."

"حقاً؟"

"إني جادة."

"انتحار رسمي؟ ألن تكتفي باحتساء الخمر إلى أن تعيشي العمرَ في غيبوبة وتنتهي المسألة عند ذلك؟"

"لا. بل إني عرفتُ كيف سأفعلها. ولفترة من الوقت وحتى جاء الثاني كنتُ قد خططت لكل شيء."

"ماذا كانت خطتك؟"

"لا أستطيع أن أخوض في تفاصيل كثيرة لأن - أهلاً يا حبيبي! - الأولاد هنا الآن في الغرفة. ولكني سأتهجى لك الفكرة العامة: ح ب ل."

وفي مساء الأحد تذهب وتخر على الأريكة بردهة 'تايني تيم' بالقرب من فرانك، أبو چوي. رجلٌ قصير قوي البنية بنظرة غائبة ميتة خلف العينين تند عن كل الآباء هنا في آخر المطاف. حلق رأسَه حتى الصلع تضامناً مع ابنه. يحارب صبيُه الصغير السرطان منذ خمسة أعوام. انتقل الآن إلى الكبد، ويشاع هنا أن چوي سيعيش ثلاثة أسابيع. تعلم أن هيزر أم چوي هجرت فرانك منذ سنوات، بعد سنتين من السرطان، ثم تزوجت من جديد وأنجبت ولداً ثانياً، طفلة اسمها بريتني. أحياناً ما ترى الأم هيزر هنا وبرفقتها حياتها الجديدة - الفتاة الصغيرة الحلوة والزوج الجديد الشاب مكتمِل الشعر، زوج لن يصير قط مهووساً لحد الجنون والهون بمرض چوي كما هو الحال مع فرانك، زوجها الأول. تأتي هيزر لتزور چوي، لتقول أهلاً والآن مع السلامة، ولكنها ليست يد چوي اليمنى، هذه اليد هي فرانك.

تزخر جعبة فرانك بالقصص - عن الأطباء، عن الطعام، عن الممرضات، عن چوي. أحياناً ما يغادر چوي فاقد الشعور بأدويته غرفتَه ويَخرج ليتفرج على التليفزيون في برنسه. إنه أصلع ومصاب باليرقان، ومع أنه في التاسعة، لا يبدو أكبر من ستة أعوام. كرَّس فرانك آخر أربع سنوات ونصف لإنقاذ حياة چوي. حينما شخصوا السرطان في البداية، توقع الأطباء أن فرصة چوي للعيش ستة شهور أخرى هي 20 في المائة. وها هو الآن، بعد نحو خمس سنوات، ولا يزال چوي على قيد الحياة. والفضل كله يرجع إلى فرانك الذي استقال من وظيفته كنائب رئيس في شركة استشارية من فترة مبكرة حتى يتفرغ كليةً لرعاية ابنه. يسوده الفخرُ بكل شيء تخلى عنه وفعَله غير أن الإنهاك يحيق به. والآن يعتقد جانبٌ منه أنه الختام بحق، هذه هي النهاية. يقولها بدون دموع. فقد جفَّت دموعه.

تقول الأم، "الأرجح أن معاناتَك تفوق معاناة أي شخص آخر في هذا الممر."

يخبرها، "بمقدوري أن أحكي لك قصصاً." تفيح بينهما رائحة كريهة فتكتشف أن كليهما لم يستحم منذ أيام.

"احْكِ لي واحدة. احْكِ لي أسوأها." تقف على كراهيته لزوجته السابقة بل وكراهيته الأشد لزوجها الجديد.

"الأسوأ؟ كل واحدة منها هي الأسوأ. إليك واحدة: خرجتُ ذات صباح لتناول الإفطار مع أحد أصحابي - كانت المرة الوحيدة على الإطلاق التي تركت فيها چوي بمفرده؛ تركته لمدة ساعتين فقط لا غير - وعندما رجعت، كان أنبوبُه الأَنْفِيّ المَعِدِيّ ممتلئاً بالدم. ضبطوا الامتصاص على درجة عالية زيادة عن اللازم، وقد كان يمص أحشاءه منه."

تقول الأم، "آه يا ربي. لقد حدث لنا ذلك منذ أيام."

"صحيح؟"

"ليلة الجمعة."

"تمزحين. سمحوا بحدوث ذلك مرة أخرى؟ لقد عنفتُهم أبشع تعنيف!"

"أظن أن حظنا سيء. تعرضنا لأسوأ قصة لديك في ليلتنا الثانية هنا."

"ليست مع ذلك مستشفى سيئة."

"ليست سيئة؟"

"لا. رأيت أسوأ منها. فقد أخذتُ چوي إلى كل مكان."

"يبدو غاية في القوة." الحقيقة هي أن چوي يبدو في هذه المرحلة كزومبي يوقع فيها الرعب.

"چوي عبقري ابن ستين. عبقري بيولوجيّ. تذكرين أنهم أعطوه ستة شهور."

تومئ الأم برأسها.

يتابع فرانك، "ستة شهور ليست فترة طويلة. ستة شهور لا شيء. كان في الرابعة والنصف."

تأتيها كل الكلمات كاللطمات. يفيض بها إحساسٌ بالعاطفة والتفجع على هذا الرجل. تشيح ببصرها، خارج النافذة، عبْر موقف سيارات المستشفى، عالياً نحو السماء الرخامية السوداء وأهداب القمر الكهربائية. تقول، "وهو الآن في التاسعة. إنك بطله."

يضيف فرانك، "وهو بطلي،" مع أن الإعياء في صوته يبدو وكأنما يسحقه. يوالي الكلام، "وسيظل بطلي إلى الأبد. بعد إذنك، مضطر إلى الذهاب لأطمئن عليه. لم يكن تنفسه جيداً. بعد إذنك."

ينبئهما طبيب الأورام يوم الاثنين، "لديّ أخبار جيدة وأخبار سيئة." كان قد طرق الباب ثم دلف إلى الغرفة، ويقف الآن هناك. فراشاهما مبعثران. سلة المهملات طافحة بفناجين القهوة. "تلقينا تقرير أخصائي علم الأمراض. الخبر السيء هو أن الكلية التي استأصلناها تحوي تغييرات باثولوجية معَينة اسمها 'آفات'، وترتبط باحتمال أكبر لإصابة الكلية الأخرى بالمرض. الخبر الجيد هو أن الورم في المرحلة الأولى، نسيج خَلَوِيّ معتاد، وأقل من خمسمائة جرام، مما يؤهلكما لتجربة قومية لا تستخدم الكيماوي، وإنما تراقب صبيكما بالموجات فوق الصوتية. لا تنطوي على خطورة كبيرة نظراً لأنهم يراقبون المريض عن كثب، ولكن ها هي المواد المكتوبة عنها. عليكما توقيع بعض النماذج لو قررتما القيام بها. طالعاها كلها وباستطاعتنا الاستزادة من مناقشتها. لا بد أن تقررا في غضون أربعة أيام."

تغييرات باثولوجية؟ آفات؟ يكفون عن الكلام ثم يتبعثرون على الأرضية كحبات حلوى الإم & إم. كل ما يتناهى إليها هو الجزء الخاص بعدم استخدام الكيماوي. تتصاعد داخلها تنهيدة أخرى تشي بالراحة ثم تنسكب منها. في حياة لا تضم إلا ما يمْكن احتمالُه وما لا يمْكن احتمالُه تصير تنهيدة الراحة نشوة.

يقول الزوج، "لا تستخدم الكيماوي. هل تنصح بذلك؟"

يهز طبيبُ الأورام كتفيه. يا لها من إيماءات لا مبالية يسمحون للأطباء بها! يجيب طبيب الأورام، "أعرف الكيماوي، يعجبني الكيماوي. ولكن القرار قرارُك أنت. الأمر يتوقف على رأيك."

يميل الزوج إلى الأمام قائلاً، "ولكن ألا تعتقد أننا ينبغي أن نواصل بعدما سيطرنا على هذا الشيء؟ ألا ينبغي أن نسحقه، نضربه، نهشمه حتى الموت بالكيماوي؟"

تلطعه الأم هامسة بغضب وقسوة، "حبيبي، إنك تهذي!" ولكن الهمسَ يفر منها هسيساً مستهجِناً. تقول، "إنها فرصتُنا الذهبية!" وبعدها تضيف برقة، "لا نريد أن يتعرض الرضيع للكيماوي."

يسترد طبيب الأورام بصر الزوج، "ما رأيك أنت؟"

يقول وهو يهز كتفيه، "ربما، ربما تكون فرصتكما الذهبية. ولكنكما لن تعلما علم اليقين لمدة خمس سنوات."

يلتفت الزوج إلى الأم قائلاً، "حسناً. حسناً."

يصير الرضيع أسعد وأقوى. يبدأ بالتحرك والجلوس والأكل. وفي صباح الأربعاء يسمحون لهم بالمغادرة، والمغادرة بدون كيماوي. يبدو على طبيب الأورام القليل من القلق. تسأله الأم، "هل أنت قلق من هذا؟"

"إني بالطبع قلق." ولكنه يهز كتفيه ولا يتبدى قلقاً إلى تلك الدرجة. يقول، "أراكما بعد ستة أسابيع لإجراء الأشعة بالموجات فوق الصوتية،" ثم يُلوح بيده وينصرف ناظراً إلى حذائه الأسود الكبير.

يرسم الرضيع ابتسامة، بل إنه يحبو قليلاً هنا وهناك، تَبْرُز الشمس فجأة للعيان من بين السحب ويتصاعد صوت جَوْقَة من الملائكة. تصل الممرضات. يُخرجن قسطرة هيكمان من رقبة الرضيع وصدرِه؛ يضعن غسولاً مضاداً حيوياً. تعبئ الأم حقائبَهم. يمص الرضيع عصيراً من زجاجة دون أن يبكي.

تسألها إحدى الممرضات، "بدون كيماوي. ولا حتى كيماوي بسيط؟"

ترد الأم، "سوف نراقب وننتظر."

يَلوح الآباء الآخرون مفعمين بالحسد، وإنما قلقون. لم يعهدوا قط طفلاً يَخرج من هناك دون مساس بشعره وخلايا دمه البيضاء.

تسألهما أم نيد، "هل ستكونان بخير؟"

يرد الزوج، "سوف يقتلنا القلق."

توبخه الأم، "ولكننا إن لم نضطر إلا إلى القلق فحسب يومياً لمدة مائة سنة، سنجده سهلاً. لن يكون شيئاً. سوف آخذ كلَ قلق العالم لو سيدفع أذى هذا الشيء نفسه."

تقول أم نيد، "كلامُك سليم. مقارنةً بكل شيء آخر، مقارنةً بكل الحوادث الفعلية، القلق لا شيء."

يهز الزوج رأسَه قائلاً بنبرة نائحة، "إني هاو."

تقول الأم الأخرى، "كلاكما رائعان. إن طفلَكما محظوظ، أتمنى لكما الخير كلَه."

يهز الزوج رأسَه هزة توحي بالحنان قائلاً، "شكراً. لقد كنتِ رائعة معنا."

تدنو منهما أمٌ أخرى، أم إريك، وتخاطبهما برأس مائل إلى جانب، "المسألة بأكملها في منتهى الصعوبة، ولكن يصاحبها الكثير من الجمال على طول الطريق."

يصاحبها جمال؟ من له الحق في مثل هذا الشيء؟ هناك طفل مريض. لا يحق لأحد أي جمال!

يقول الزوج، "شكراً."

يقترب فرانك أبو چوي ويعانق كليهما.

يفضي إليهما، "إنها رحلة." يُربِّت ذقنَ الرضيع قائلاً، "حظ سعيد أيها الرجل الصغير."

تقول الأم، "أجل، ألف شكر لك. نتمنى أن تتحسن حالة چوي." تعلم أن چوي مر بليلة عصيبة رهيبة.

يهز فرانك كتفيه ثم يتراجع قائلاً، "لا بد أن أذهب. مع السلامة!"

تودعه، "مع السلامة،" ثم يغيب عن الأنظار. تعض باطن شفتها، دامعة قليلاً، ثم تنحني لالتقاط حقيبة الحِفَاضات المتخمة الآن بالحيوانات الصغيرة، وبسوستتها رُبطت بالونات الهليوم. تضعها الأمُ على كتفها فتشعر كمن فازت لتوها بجائزة. توارى الآن كلُ الآباء الآخرين بالممر الممتد في الاتجاه المقابل. يقترب منها الزوج. وبذراع واحدة يحمل عنها الرضيع؛ وبالأخرى يدلك ظهرَها. يستطيع أن يرى أنها تشرع في البكاء.

يسألها، "أليسوا لِطافاً؟ ألا تشعرين بتحسن لمَّا تسمعين عن حياتهم؟"

لِمَ يفعل هذا، يُكوَّن النوادي الاجتماعية طيلة الوقت؟ بل لِمَ يُهَدِّئه مجتمعُ المعاناة هذا؟ حين تصل المسألة إلى الموت والموتى، ربما ينبغي على أحد أفراد هذه العائلة التكبر عليهما.

"كل هؤلاء الأشخاص اللِطاف وقصصهم الشجاعة،" يردف وهما يشقان طريقهما نحو صف المصاعد ويُلوحان مودعين طقم الممرضات المارات، بل إن الرضيع لوَّح خجِلاً، باي-باي؟ باي-باي؟ "ألا تشعرين بالعزاء لعلمك أننا كلنا في القارب نفسه وأننا كلنا معاً في هذا الوضع؟"

يخطر بذهن الأم، ولكن مَن على وجه الأرض يرغب في ركوب هذا القارب؟ إنه قارب كابوسي. اُنْظُرْ إلى مقصدِه: غرفة فضية وبيضاء، وهناك قُبَيْل أن يتبدد تماماً بصرُك وسمعُك وقدرتُك على اللمس وقدرةُ الآخرين على لمسك، يجب أن تشاهد طفلَك وهو يموت.

حَبْل! إليّ بالحبل.

تقول الأم، "فلنشق طريقَنا بأنفسنا، وليس في هذا القارب."

امرأة سقطت من القارب! تستعيد الرضيع من الزوج ثم تُكوِّر يدَها على خد الرضيع، تُقَبل حاجبَه وبسرعة تُقَبل فمَّه الورديّ. يُطَبِّل قلبُ الرضيع بالحياة - بمقدورها أن تسمعه. تضغط الأم على زر المصعد - إلى أعلى أو إلى أسفل، ينبغي أن يرحل الكل بهذه الطريقة في النهاية - وتجاهر، "طالما ظللتُ على قيد الحياة لا أريد أن أرى أبداً أياً من هؤلاء الناس مرة أخرى."

ها هي الملحوظات.

والآن أين الأموال.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2014 Albawtaka Review. All Rights Reserved.