البوتقة
 

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة الأدب الإنجليزي

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين
فك الرهن
albawtaka@albawtaka.com

ذا نيو يوركر إبريل، 2003

ظهراً

 

تنام ليلة وفوق رأسك سقف لتصحو اليوم التالي وقد اختفى لكني لن أنبئكم بالأسباب الشخصية التي دفعتني إلى التشرد، فتلك هي قصتي السرية والهنود لا بد أن يعملوا جاهدين لئلا يَطلع البيض التواقين على أسرارهم.

أنا ولد هندي من قبيلة سبوكان المنتمية إلى قبائل الساليش القاطنة في داخل البلاد. عاش قومي لِما لا يقل عن عشر آلاف سنة داخل نصف قطر طوله مائة ميل يبدأ من مدينة سبوكان بواشنطن. نشأتُ في سبوكان ثم انتقلتُ إلى سياتل منذ ثلاثة وعشرين عاماً لألتحق بالكلية، هجرتُ الكلية بعد فصلين دراسيين بسبب درجاتي المتدنية، اشتغلتُ بمهن شتى كانت بعضها كادحة والبعض الآخر مهلكة، تزوجتُ مرتين أو ثلاثاً، أنجبتُ طفلين أو ثلاثة ثم ابتليت بالجنون. لا ريب أن كلمة "الجنون" ليست هي التعريف الرسمي لمشكلتي الذهنية لكني لا أحسب كذلك أن وصف "الاضطراب الاجتماعي" ينطبق على حالتي، فهو يجعلني أبدو للآذان وكأني سفاح أو ما شابهه. لم يسبق لي قط أن آذيت أحداً من بني آدم، ليس جسدياً على الأقل. كسرتُ بضعة قلوب في شبابي لكن ما من أحد منا إلا وفعل ذلك، وعليه فأنا لم أخرج عن المألوف في هذه الناحية. بل إن كسري للقلوب لم ينج أيضاً من الملل. فما واعدتُ ولا تزوجتُ بأكثر من امرأة واحدة في نفس الوقت. ولم أهشم القلوب بين عشية وضحاها. لقد كسرتُها كسراً بطيئاً حريصاً. كما أني لم أضرب الأرقام القياسية في العدو نحو الباب. لقد تواريت رويداً رويداً. ولم أنفك أتوارى منذ حينها.

انقضت الآن ستة أعوام على تشردي. ولو أن ثمة ما يُسمى بالمتشرد الكفء، فأظنني إذن متشرداً كفئاً. فالتشرد ربما يكون الشيء الوحيد الذي أتقنتُه طيلة حياتي. فأنا أعلم من أين آتي بأحسن الطعام المجاني. صادقتُ أصحاب مطاعم ومحلات بقالة سمحوا لي بدخول حماماتهم، وأنا لا أعني الحمامات العامة بل حمامات الموظفين، تلك النظيفة المختفية وراء المطبخ أو الخزانة أو الثلاجة. ومع درايتي بما يداخل فخري هذا من غرابة، أجد المسألة ذات قيمة عظيمة، أن يضع الآخرون ثقة كافية بي لأن أبول في حماماتهم النظيفة. علك لا تفهم قيمة الحمام النظيف لكني أفهمها جيداً.

ربما لا يعنيك أياً من هذا الكلام. فالهنود المتشردون يسودون كل ركن من سياتل. نحن قوم منتشرون لا نجلب سوى الضجر، تمر بحذائنا تماماً وقد تعتلي وجهك نظرات الغضب أو الاشمئزاز أو حتى الحزن لما انتهى إليه البدائي النبيل من مصير مفجع لكننا لا نخلو من أحلام ولا من عائلات. لي صديق متشرد من هنود السهول لديه ابن يعمل محرر جريدة معتبرة بالشرق. تلك هي روايته بالطبع بيد أننا نحن الهنود نبرع في القص والكذب وصناعة الخرافات، لذا قد يكون ذاك المتسكع هندي السهول ما هو إلا مجرد عجوز هندي عادي لا فرق بينه وبين غيره. تخالجني الشكوك فيه، فهو لا يُعرف نفسه سوى بهندي السهول، تعبير عام لا يحدد اسم قبيلة معينة. ولمّا سألتُه عن سبب عدم بوحه بمنشئه بالضبط، أجابني، "وهل يعلم أي منا منشأه بالضبط؟" آه، رائع، هندي يتفلسف. "اسمع،" قلتُ، "لا بد وأن لك بيتاً لتكون بيتياً إلى هذه الدرجة." فما بدر منه سوى أن ضحك وقذف إليّ بعملة عليها صورة نسر ثم مشى بعيداً.

أهيم بالشوارع برفقة الزمرة المعتادة – رفقائي، المدافعين عني، عصبتي. روز القادمة من مدينة شارون وجونيور وأنا. نهتم ببعضنا بعضاً وإن لم يعرنا أحد انتباهاً. تتصف روز القادمة من شارون بضخامة الحجم، فطولها يصل إلى نحو سبع أقدام لو كنتَ تقيس ما تُحدثه من تأثير كلي ونحو خمس أقدام لو اكتفيتَ بالحديث عن بدنها. هي هندية من قبيلة ياكاما المنتمية إلى قبائل ويشرام. أما جونيور فهو من كولفيل إلا أن هناك 199 قبيلة تشكل قوم كولفيل، وعليه فهو قد ينحدر من أي منها. يتسم بوسامة الطلعة وكأنه خرج للتو من إعلان المرافق العامة "حافظ على نظافة الأرض." عظمتا خديه ضخمتان منتفختان مثلهما مثل كوكبين تدور حولهما الأقمار الصغيرة. يثير فيّ أحاسيس الغيرة أي غيرة. فلو وضعتني أنا وجونيور جنباً إلى جنب، سوف يخامرك شعور بأنه هو الهندي قبل مجيء كولومبوس على حين تجدني أنا تجسيداً للهندي ما بعد كولومبوس. إنني دليل حي على ما ألحقه الاستعمار من دمار رهيب فينا نحن الهنود الحمر. لكني لن أسر إليك بما ينتابني أحياناً من خوف من التاريخ وطرائقه. فأنا رجل لا تنقصني القوة، على دراية بأن السكوت هو خير منهج للتعامل مع الرجل الأبيض.

الحق أن هذه القصة بأكملها ابتدأتْ وقت الغذاء حين كنتُ أنا وروز القادمة من شارون وجونيور نتسول في سوق بايك بليس. وبعد مضي ساعتين من المفاوضات، ربحنا خمسة دولارات – كافية لشراء زجاجة من الشجاعة المقوية من أجمل متاجر 7-إليفين في العالم. وعليه توجهنا إلى هناك وقد تملكنا شعور بأننا سكارى محاربون. مررنا بمحل رهونات لم ألحظه ألبته من قبل. عددت الأمر غريباً، فنحن الهنود مزودون برادار كجزء لا يتجزأ منا لكشف محلات الرهونات. غير أن أغرب ما في المشهد كان حلة قديمة للرقص وقعتْ عليها عيناي معلقة بإحدى النوافذ.

"تلك هي حلة جدتي،" قلتُ لروز القادمة من شارون وجونيور.

"ومِن أين لك بهذه التأكد؟" سألني جونيور.

لم أكن متأكداً، فعيناي لم تلتق مطلقاً بالحلة نفسها. ما أبصرتُ سوى صور لجدتي وهي ترقص بها، صور التُقطتْ قبل أن يسرق أحدهم الحلة منها منذ خمسين عاماً خلت. إلا أنها ولا شك تشبه ما انطبع بذاكرتي عنها، فبها نفس الريش والخرز الملون الذي حاكته عائلتي في حلل الرقص الخاصة بها.

"ثمة طريقة واحدة للتأكد،" أنهيت إليهما.

وهكذا مرقتُ أنا وروز القادمة من شارون وجونيور من باب محل الرهونات وألقينا التحية على العجوز الأبيض العامل وراء الطاولة.

"أي خدمة؟" سألنا.

"تلك هي حلة جدتي المعلقة في نافذة محلك،" نبستُ. "سرقها أحدهم منها منذ خمسين سنة ومن وقتها وعائلتي تبحث عنها."

رمقني المرتهن كما يرمق أحدهم كذاباً. تفهمتُ موقفه. فالمرتهنون شباع من الكذابين.

"لستُ كذاباً،" قلتُ. "حتى اسأل صديقيّ وسيخبرانك."

"إنه أصدق هندي أعرفه،" أكدتْ روز القادمة من شارون.

"طيب يا أصدق هندي،" جارانا المرتهن. "سأفترض صدق قولك حتى يثبت العكس. هل تستطيع إثبات أنها حلة جدتك؟"

لأنهم لا يرومون كمالاً، لأن الله وحده هو المنفرد بالكمال، كان الهنود يحيكون العيوب في حُلل الرقص الخاصة بهم. فكانت عائلتي تحيك دائماً خرزة صفراء في مكان ما بالحلة لكننا كنا دوماً نخفيها فلا تعثر عليها سوى عندما تجتهد في التفتيش عنها.

"لو تلك هي حلة جدتي بحق،" قلتُ، "سنجد خرزة صفراء مخبأة في إحدى ثناياها."

"ماش،" رد المرتهن. "فلنلق نظرة."

أخرج الحلة من النافذة وبسطها على الطاولة الزجاجية. مضينا نبحث عن تلك الخرزة الصفراء لنجدها متوارية تحت الإبط.

"ها هي ذا،" قال المرتهن. لم يبد الاندهاش على نبرته. "لقد كنتَ محقاً. هذه حلة جدتك."

"إنها ضائعة من خمسين سنة،" قال جونيور.

"صه يا جونيور،" قلتُ. "إنها قصة عائلتي، دعني أحكيها."

"حاضر،" تفوه. "آسف. تفضل احك."

"إنها ضائعة من خمسين سنة،" قلتُ.

"تلك هي القصة الحزينة لعائلته،" قالت روز القادمة من شارون. "هل ستعيدها إليه؟"

"هذا هو الصواب،" أجاب المرتهن. "لكني لا أستطيع أن أتحمل تكلفة فعل الصواب. فقد دفعتُ ألف دولار مقابلها ولا يمكنني أن أرمي ألف دولار بكل بساطة."

"ممكن أن نروح إلى قسم الشرطة ونقول لهم إنها مسروقة،" قالت روز القادمة من شارون.

"بس،" خاطبتُها. "لا تهددي الناس."

انبعثتْ من المرتهن تنهيدة. كان يتفكر فيما قد يحدث.

"طيب، أحسبك تستطيع الذهاب إلى الشرطة،" قال. "لكني لا أعتقد أنهم سيصدقون حرفاً واحداً من كلامك."

داخَل لهجته القليل من الحزن وكأنه آسف لاستغلاله ضعف موقفنا.

"ما اسمك؟" سأل المرتهن.

"جاكسون،" جاوبتُه.

"أهذا اسمك أم اسمك عائلتك؟"

"الاثنان،" قلتُ.

"بجد؟"

"نعم، هذا صحيح. سمياني أبوي وأمي جاكسون جاكسون. واسم تدليع عائلتي هو جاكسون مضروب في نفسه. عائلتي دمها خفيف."

"طيب يا جاكسون جاكسون،" قال المرتهن. "وأنت لا تملك ألف دولار، أليس كذلك؟"

"كل ما معنا خمسة دولارات،" قلتُ.

"يا للأسف،" نبس متدبراً ما قد يحدث. "كنتُ سأبيعها لك بألف دولار لو معك المبلغ. لا، توخياً للعدل، سأبيعها لك بتسعمائة وتسعة وتسعين دولاراً لأخسر عندئذ دولاراً. تلك هي الأخلاق الواجبة في هذه الحالة، فخسارة دولار هي الصواب."

""كل ما معنا خمسة دولارات،" رددتُ.

"يا للأسف،" أعاد القول متدبراً ما قد يحدث. "لديّ اقتراح، سأعطيك أربع وعشرين ساعة لتحصل على تسعمائة وتسعة وتسعين دولاراً. ارجع إلى هنا غداً وقت الغذاء ومعك الفلوس وسأبيعها لك. ما رأيك؟"

"معقول،" قلتُ.

"طيب،" قال. "اتفقنا. وسأضعك على طريق البداية. هاك عشرين دولاراً."

فتح محفظته جاذباً ورقة جديدة بقيمة عشرين دولاراً ومنحها إياي. خرجتُ أنا وروز القادمة من شارون وجونيور ونور الصباح يلفنا للتنقيب عن تسعمائة وأربعة وسبعين دولاراً.

 

1 مساء

 

حملتُ أنا وروز القادمة من شارون وجونيور ورقة العشرين دولاراً والخمسة دولارات الفكة إلى متجر 7-إليفين لنشتري ثلاث زجاجات من الخيال. فقد كنا في حاجة إلى معرفة كيفية جمع كل هذه النقود في يوم واحد فقط. رحنا نعصر عقولنا ونحن رابضون في حارة تحت جسر ألاسكا واي بينما نفرغ من تلك الزجاجات – الأولى ثم الثانية ثم الثالثة.

 

2 مساء

 

عندما استيقظتُ لم أجد روز القادمة من شارون. نمى إليّ بعدها أنها أوقفتْ سيارة في الطريق لتقلها إلى مدينة توبينيش وقطنت مع أختها في المحمية.

أصيب جونيور بحالة إغماء وهو راقد بجواري مغطى بقيئه أو عله قيء شخص آخر. آلمني رأسي من فرط التفكير فتركته سائراً ناحية المياه. لشد حبي لرائحة ماء المحيط، فالملح دائماً يستدعي الذكريات.

حين انتهيت إلى الرصيف، صادفتُ ثلاثة هنود أبناء عمومة من جزر ألوتيان. كانوا يجلسون على مقعد خشبي محملقين في الخليج وبكاؤهم يتعالى. أغلب متشردي سياتل الهنود يفدون من ألاسكا. وثبوا – الواحد بعد الآخر – إلى أحد المراكب الكبيرة العاملة في مدن أنكوراج أو بارو أو جونو. اشتغلوا بصيد الأسماك خلال رحلتهم إلى سياتل جنوباً ثم قفزوا من المركب وجيوبهم ممتلئة نقوداً كي يُغرقوا في الاحتفال بحانة من حانات الهنود التقليدية المقدسة تقديساً لا حد له. نزل بهم الإفلاس ثم المزيد من الإفلاس وطفقوا يحاولون منذ حينها الرجوع إلى القارب والشمال المتجمد.

تطايرت رائحة السلمون من هؤلاء الهنود، حسبتُ. أنبئوني أنهم سيظلون جالسين على هذا المقعد الخشبي حتى يعود مركبهم.

"متى غاب مركبكم؟" سألتهم.

"منذ أحد عشر عاماً،" أجابني أكبر الهنود.

رحت أنتحب معهم هنيهة.     

"آه،" نبستُ. "معكم يا جماعة أي فلوس على سبيل السلفة؟"

كانوا معدمين.

 

3 مساء

 

مشيت إلى جونيور. ما زال غافلاً عما حوله. قرّبتُ وجهي من فمه لأتأكد من أنه يأخذ نفَسه. كان على قيد الحياة، فتشتُ جيوب جينزه الأزرق وعثرتُ على نصف سيجارة. دختُها إلى آخرها مُعملاً فكري في سيرة جدتي.

كانت تدعى أجنيس. قضى سرطان الثدي عليها وأنا في الرابعة عشرة. اعتقد أبي دائماً أن الأورام تفشت بجسدها من جراء منجم اليورانيوم الواقع بالمحمية. غير أن أمي أسرت إليّ بأن المرض نشأ حين كانت أجنيس عائدة ذات ليلة من أحد الاحتفالات فدهمتها دراجة بخارية. كسرتْ ثلاثة أضلع ولم تنفك أمي تقول إن هذه الأضلع لم تلتئم قط كما ينبغي وإن الأورام تتمكن من جسد الواحد لمّا لا يبرأ كما يجب.

جلستُ بجوار جونيور مستنشقاً روائح الدخان والملح والقيء، تساءلتُ إذا ما كان سرطان جدتي قد بدأ عندما سرق أحدهم حلتها. عل السرطان بدأ من قلبها المكسور ثم تسرب إلى ثدييها. أعلم أن تفكيري تفكير مجنون لكن تُرى هل بمقدوري دب الحياة في جدتي لو استرجعتُ حلتها.

عازني المال، الكثير منه، لذا خلفتُ جونيور وتحركتُ في اتجاه مكتب "التغيير الحقيقي."

 

4 مساء

 

إن "التغيير الحقيقي" منظمة متعددة الجوانب تُصدر جريدة وتدعم مشاريع ثقافية تقوي الفقراء والمتشردين وتعبيء الجمهور لخدمة قضايا الفقر. مهمة "التغيير الحقيقي" هي تنظيم الاتحادات وتثقيفها وتعزيزها من أجل خلق حلول لمشكلات التشرد والفقر. فهي متواجدة للتعبير عن فقراء مجتمعنا.

حفظتُ البيان المُعبِر عن مهمة "التغيير الحقيقي" لأني كنت أحياناً أبيع جريدتها في الشوارع. لكن لا بد لك أن تكون صاحياً لتبيعها وأنا لست ماهراً على الدوام في الصحو. بإمكان أي شخص بيع الجريدة. فأنت تشتري النسخة بثلاثين سنتاً لتبيعها بدولار وتحتفظ بالربح.

"أريد ألفاً وأربعمائة وثلاثين جريدة،" أخبرتُ الريس الكبير.

"هذا رقم غريب،" قال. "وتلك كمية كبيرة من الجرائد."

"أنا في حاجة إليها."

أخرج الريس الكبير آلته الحاسبة وقدّر الحسبة.

"سيكلفك كل هذا العدد أربعمائة وتسعة وعشرين دولاراً،" أبلغني.

"لو كان معي مثل هذا المبلغ، ما احتجت إلى بيع الجرائد."

"ما الأمر يا جاكسون أس اثنين؟" إنه الشخص الوحيد الذي يلقبني بجاكسون أس اثنين. فهو يتميز بخفة الظل وطيبة القلب.

حكيت له عن حلة جدتي ومقدار ما أحتاج إليه من أموال لشرائها.

"علينا أن نتصل بالشرطة،" قال.

"لا أريد إقحام الشرطة في الموضوع،" قلتُ. "يجب أن أسعى الآن إليها. لا بد أن أفوز بها بنفسي."

"فهمتُ،" قال. "لا أكتمك، كنتُ سأعطيك الجرائد لتبيعها لو ظننت أنها ستنفعك إلا أن الرقم القياسي للجرائد المباعة خلال يوم واحد بواسطة بائع واحد هو ثلاثمائة جريدة وجريدتان."

"إذن ربحي الصافي سيكون مائتيّ دولار،" قلتُ.

استخدم الريس الكبير آلته الحاسبة. "مائتا وأحد عشر دولاراً وأربعون سنتاً،" أعلمني.

"هذا لا يكفي،" قلتُ.

"وأقصى مبلغ كسبه بائع في يوم واحد هو خمسمائة وخمسة وعشرون دولاراً، وذلك لأن أحدهم منح ’أولد بلو‘ خمسمائة دولار لسبب ما لعين. أما متوسط الربح الصافي فهو ثلاثون دولاراً تقريباً."

"لن ينفعني هذا في شيء."

"نعم."

"هل ممكن أن تسلفني بعض النقود؟"

"آسف، لا أستطيع،" رفض. "لو سلفتَك، سأضطر إلى تسليف الكل."

"وماذا بإمكانك فعله؟"

"سوف أعطيك خمسين جريدة مجاناً لكن لا تخبر أحداً أني منحتك شيئاً."

"طيب،" قلتُ.

لمّ الجرائد وسلمها إياي. أمسكتُها لصق صدري فحواني بذراعيه ثم حملتُ الجرائد عائداً في اتجاه المياه.

 

5 مساء

 

رجعتُ على عقبيّ إلى الرصيف. وقفتُ بالقرب من محطة جزيرة بينبريدج محاولاً بيع الصحف لراكبي المعدية من رجال الأعمال.

بعت خمساً في ساعة ورميت الخمس وأربعين الآخرين في صفيحة الزبالة ثم توجهتُ صوب ماكدونالد لأطلب أربع شطائر من اللحم بالجبن – دولار لكل شطيرة – ورحت آكلها بفكين بطيئين.

بعد أن انتهيت من الأكل، خرجتُ واستفرغتُ على الرصيف. لشد ما كرهتُ خسارة طعامي بهذه السرعة. فباعتباري هندياً مدمناً ذا معدة معتلة، طالما راودني أمل الاحتفاظ بطعام كاف لإبقائي على قيد الحياة.

 

6 مساء

 

أودعتُ الدولار في جيبي ورجعتُ إلى جونيور. ما زال مغشياً عليه. ألصقتُ أذني بصدره مرهفاً السمع إلى دقات قلبه. ألفيته حياً فخلعتُ حذاءه وجوربه لأجد دولاراً في الجورب الأيسر وخمسين سنتاً في الأيمن.

وبدولارين وخمسين سنتاً في يدي، جلستُ بجوار جونيور متفكراً في جدتي وقصصها.

عندما كنتُ في الثالثة عشرة، روت لي جدتي حكاية عن الحرب العالمية الثانية. كانت تعمل ممرضة بمستشفى عسكري في سيدني، أستراليا. أنفقتْ سنتين في مداواة الجنود الأمريكيين والأستراليين ومواساتهم.

وذات يوم كانت ترعى جندياً جريحاً من الماوريين* فقد رجليه من جراء هجوم مدفعي. كانت بشرته تتلون بسمرة غامقة، ذو شعر أسود مجعد وعينان سوداوان مفعمتان بالدفء ووجه مغطى بوشوم زاهية الألوان.

"هل أنتِ ماوريية؟" سأل جدتي.

 "لا،" أجابته. "أنا هندية من قبيلة سبوكان بالولايات المتحدة."

"آه، نعم،" تفوه. "لقد سمعتُ عن قبيلتك لكنك أول هندية أمريكية ألتقي بها في حياتي."

"هناك الكثير من الجنود الهنود الذي يحاربون من أجل الولايات المتحدة،" نقلتْ إليه. "عندي أخ يحارب في ألمانيا وآخر فقدته في أوكيناوا."

"البقية في حياتك،" عزاها. "كنتُ أنا الآخر في أوكيناوا، معارك بشعة."

"آسفة لما حصل لرجليك،" قالت جدتي.

"غريب، أليس كذلك؟" قال.

"ما هو الغريب؟"

"كيف أننا نحن ذوي البشرة البنية نقتل آخرين من ذوي البشرة البنية في سبيل أن يبقى البيض أحراراً."

"لم أفكر في المسألة بهذه الطريقة."

"يعني، أحياناً أفكر فيها هكذا وأحياناً أفكر فيها كما يريدونني أن أفكر فما يتولاني غير الحيرة."

أمدته ببعض المورفين.

"هل تؤمنين بالفردوس؟" سألها.

"أي فردوس؟" سألتْ.

"أنا أتكلم عن الفردوس الذي تنتظرني فيه رجلاي."

ندت عنهما الضحكات.

"طبعاً قد تهرب مني رجلاي لمّا أصل إلى الفردوس، وكيف سأمسكهما أبداً؟"

"عليك أن تقوي ذراعيك،" قالت جدتي، "حتى تجري على يديك."

أرسلنا ضحكاتهما من جديد.

صدرتْ مني ضحكة – وأنا قاعد بجوار جونيور – حين نزعت ذاكرتي إلى قصة جدتي. وضعتُ يدي بالقرب من ثغر جونيور لأتأكد من أنه ما يزال يتنفس. أجل، جونيور على قيد الحياة. أخذتُ الدولارين والخمسين سنتاً وتقدمتُ إلى محل البقالة الكوري بحي بيونير سكوير.

 

7 مساء

 

ابتعت من محل البقالة الكوري سيجاراً بخمسين سنتاً وتذكرتين – الواحدة بدولار – من تذاكر اليانصيب التي يخدشها المرء لمعرفة النتيجة. لو فزتُ بالاثنين، سيكون في حوزتي ما يكفي لاسترجاع الحلة.

انطوى قلبي على الحب لماري، شابة كورية مسؤولة عن ماكينة الدفع. كانت ابنة مالكي المحل ولم تنقطع عن الغناء طيلة النهار.

"أحبك،" نبستُ وأنا أسلمها النقود.

"أنتَ دائماً تقول إنك تحبني،" قالت.

"هذا لأني سأحبك دائماً."

"أنتَ أحمق عاطفي."

"أنا عجوز كله رومانسية."

"أنتَ أكبر مني بكثير."

"عارف أني أكبر منك بكثير لكن في استطاعتي أن أحلم."

"طيب،" قالت. "أنا موافقة أن أكون جزءاً من أحلامك لكن كفاك أن تمسك يدي في الأحلام، فالقبلات ممنوعة وكذا الجنس، ولا حتى في أحلامك."

"ماش،" وافقتُها. "بدون جنس، رومانسية وبس."

"مع السلامة يا جاكسون جاكسون يا حبي. أشوفك قريباً."

برحتُ المحل وسرت نحو متنزه أوكسيدينتال. اتخذتُ مجلسي على أحد المقاعد ورحت أدخن السيجار حتى آخره.

انتهيت من تدخين السيجار وبعد فوات عشر دقائق خدشتُ أول تذكرة يانصيب فلم أفز بشيء. لا يسعني الآن إلا كسب خمسمائة دولار ليصبح معي نصف المبلغ المراد فقط.

مرت عشر دقائق على خسارتي ثم خدشتُ التذكرة الثانية لأربح أخرى مجانية – عزاء بسيطاً وفرصة أخرى لكسب بعض النقود.

رجعتُ أدراجي إلى ماري.

"جاكسون جاكسون،" قالت. "هل عدتَ لتظفر بقلبي؟"

"ربحتُ تذكرة مجانية،" أعلمتُها.

"مثلك مثل كل الرجال،" قالت. "تحب المال والسلطة أكثر مني."

"صحيح،" اعترفتُ. "وأنا آسف أنه صحيح."

أعطتني تذكرة أخرى فأخذتُها إلى الخارج. طاب لي أن أخدش تذاكري على انفراد. تنازعتني مشاعر الأمل والحزن وأنا أحك تلك التذكرة الثالثة فغنمتُ أموالاً حقيقية. أخذتُها إلى ماري مجدداً.

"فزتُ بمائة دولار،" أطلعتُها.

تفحصتْ التذكرة وعلت ضحكتها.

"تلك ثروة،" علّقتْ ثم عدّت خمس أوراق من فئة العشرين دولاراً. تلامستْ أصابعنا وهي تسلمني النقود. استشعرتُ كهرباء تتسلل إليّ وإحساساً بالوفاء يريم عليّ.

"شكراً،" قلتُ ومنحتها ورقة من الأوراق.

"لا أستطيع قبولها،" قالت. "إنها أموالك."

"لا، إنها عادة قبلية عند الهنود. حين تربح، المفروض أن تشارك عائلتك في المكسب."

"لستُ من عائلتك."

لا، أنتِ منها."

ارتسم الابتسام على ثغرها وأخذتْ النقود. ودّعتُ عزيزتي ماري وفي جيبي ثمانون دولاراً ثم خرجتُ إلى هواء الليل البارد.

 

8 مساء

 

أردتُ أن أشاطر جونيور الأخبار السعيدة. عدت إليه لكنني لم أجده. سمعتُ بعدها أنه تطفل على إحدى السيارات حتى مدينة بورتلاند بولاية أوريجون ثم لفظ أنفاسه الأخيرة من البرد في زقاق خلف فندق هيلتون.

 

9 مساء

 

اشتقت إلى صحبة الهنود فحملتُ الثمانين دولاراً صوب بيج هارتس بحي ساوث داونتاون. بيج هارتس حانة لا يرتادها سوى الهنود. لا يدري أحد كيف ولماذا يهاجر الهنود إلى إحدى الحانات ثم يحولونها إلى حانة رسمية خاصة بهم إلا أن بيج هارتس ظلت حانة مقتصرة على الهنود قرابة ثلاثة وعشرين عاماً. اعتادت أن تحتل مكانها شمالاً بشارع أورورا إلا أن هندياً مختلاً من قبيلة لومي أضرم فيها النار دافعاً الملاك إلى الانتقال إلى الموقع الجديد جنوب ملعب سافيكو بعدة مبان.

سرت نحو بيج هارتس فأحصيت خمسة عشر هندياً – ثمانية رجال وسبع إناث. لم تسبق لي معرفة أي منهم بيد أن مشاعر الانتماء تحلو للهنود وهكذا تظاهرنا جميعاً بأننا أبناء عمومة.

"كم ثمن كأس الويسكي؟" سألتُ الساقي، شخص بدين الجسم أبيض البشرة.

"هل تريد الرديء أو الأردأ؟"

"أردأ ما عندك."

"دولار للكأس."

بسطتُ الثمانين دولاراً على الطاولة.

"طيب،" أردفتُ. "أنا وكل أبناء عمومتي هنا سنشرب ثمانين كأساً. فكم سيشرب الواحد منا؟"

"بعد إدخالك في الحساب،" صاحت امرأة من خلفي، "يبقى خمس كؤوس للكل."

التفت رانياً إليها فألفيت هندية ممتلئة القوام شاحبة البشرة جالسة برفقة هندي طويل نحيف.

"ماش يا عبقرية الرياضة،" وجهتُ إليها الكلام ثم هتفتُ ليتناهى صوتي إلى الحانة بأكملها. "خمسة مشروبات للكل!"

اندفع جميع الهنود الآخرين نحو الطاولة لكني قعدتُ مع الرياضية وصديقها النحيل. تمهلنا في احتساء كؤوس الويسكي.

"من أية قبيلة أنتما؟" سألتُهما.

"أنا من دواميش،" ردت. "وهو من غراب."

"أنتَ بعيد جداً عن مونتانا،" قلتُ له.

"أنا غراب،" قال. "لقد طرتُ إلى هنا."

"ما اسماكما؟" سألتُهما.

"اسمي أيرين ميوز،" أجابتني. "وهو هني بوي."

صافحتني بحرارة في حين قدم هو يده وكأني من المفترض أن ألثمها بشفتيّ فطبعتُ عليها قبلة. ندت عنه قهقهة وتخضبتْ وجنتاه كما لم تتخضب من قبل وجنتا هندي أسمر من قبيلة غراب.

"أنتَ ممن يبطنون روحين في جسد واحد، أليس كذلك؟" سألتُه.

"أعشق النساء،" صارحني. "وأعشق الرجال."

"وأحياناً الاثنان في نفَس واحد،" قالت أيرين.

انفجرنا في الضحك.

"ياه،" قلتُ لهني بوي. "لا بد إذن أن عندك ثمانية أو تسعة أرواح تسري بداخلك، أليس كذلك؟"

"كتكوتي، سأكون ما تشتهيه أياً كان،" قال.

"آه، لا،" فاهت أيرين. "هني بوي وقع في غرامك."

"المسألة لا صلة لها بالغرام،" قال.

وضحكنا.

"ياه،" قلتُ. "لقد أشبعتَ غروري يا هني بوي لكني لا ألعب في فريقك."

"كل شيء ممكن،" نبس.

"خير لك أن تحترس،" حذرتني أيرين. "فهني بوي خبير بكافة ضروب السحر."

"هني بوي، لك أن تحاول إغرائي إنما قلبي مع امرأة اسمها ماري."

"هل ماري تلك عذراء؟" سألني.

فانطلقتْ الضحكات.

احتسينا كؤوس الويسكي حتى أجهزنا عليها غير أن الهنود الآخرين ابتاعوا لي المزيد من الكؤوس لِما أبديته من كرم جم بأموالي وأخرج هني بوي كارت الائتمان الخاص به فشربتُ على هذا القارب البلاستيكي وأبحرتُ فوقه.

وبعد دستة من الكؤوس، طلبتُ من أيرين أن ترقص إلا أنها رفضتْ. فدنا هني بوي بخطوات متثاقلة من صندوق الموسيقى وأسقط ربع دولار ليختار أغنية ويلي نيلسون "ساعدني حتى أجتاز الليل." وبينما كنتُ أنا وأيرين جالسين إلى المائدة، تعلو ضحكاتنا ونحتسي المزيد من الويسكي، مضى هني بوي يرقص في دائرة بطيئة حولنا وهو يغني مع ويلي.

"هل أنا المحبوب وأنتَ تغني لي؟" سألتُه.

لم يحجم عن الغناء والرقص.

"أنا المحبوب وأنتَ تغني لي؟" سألتُه ثانية.

"سيسحر لك،" أنبأتني أيرين.

ملت على المائدة مريقاً عدة كؤوس وقبّلتُ أيرين قبلات قوية ردتها بمثلها.

 

10 مساء

 

دفعتني إلى حمام النساء ومنه إلى أحد المراحيض. أغلقتْ الباب وأقحمتْ يدها في سروالي. كانت قصيرة القامة فرحت أنحني لأُقبلها. أمسكتُ بكل جزء وسعني بلوغه بجسدها ورحت أعصره. وجدتُها بدينة بدانة رائعة وأحسست وكأن كل قطعة بجسدها صدر كبير دافئ ناعم.

 

منتصف الليل

 

قاربتُ العمى من الكحول. كنتُ أقف وحيداً بالحانة عندما أقسمتُ أني كنتُ منذ دقيقة واحدة واقفاً في الحمام مع أيرين.

"كأس آخر!" هتفتُ بالساقي.

"أنت مفلس!" صاح رداً عليّ.

"فليشتري لي أحد شراباً!" هتفتُ.

"إنهم مفلسون!"

"أين أيرين وهني بوي؟"

"ذهبا من زمان!"

 

2 بعد منتصف الليل

 

"ميعاد الأقفال!" صاح الساقي بثلاثة هنود أو أربعة ما يزالون يحتسون الخمر بشراهة عقب يوم طويل شاق من الشرب. إن الهنود المدمنين إما عداءون يسابقون الريح وإما راكضون في ماراثونات طويلة.

"أين أيرين وهني بوي؟" سألتُ.

"راحا من ساعات،" أخبرني الساقي.

"وأين راحا؟"

"قلتُ لك مائة مرة، لا أعرف."

"وماذا سأفعل الآن؟"

"هذا ميعاد الإقفال. لا أعبأ أين ستذهب لكنك لن تبقى هنا."

"يا لك من وغد جاحد. لقد كنتُ كريماً معك."

"إن لم تنصرف الآن، سأشبعك ضرباً."

"لا، أنا على دراية بفنون الشجار."

تقدم نحوي بيد أن ذاكرتي لا تعي ما جرى بعدها.

 

4 بعد منتصف الليل

 

بزغتُ من الظلمة فاكتشفتُ أني سائر خلف مخزن كبير. لم أكن على علم بمكاني. شعرتُ بآلام تجتاح وجهي. تحسستُ أنفي فخلته قد يكون مكسوراً. نال مني الإعياء والبرد كل منال فجذبتُ مشمعاً بلاستيكياً من قاع إحدى الشاحنات ولففته حول جسدي شأنه شأن عشيق لا يعرف الخيانة ثم استغرقتُ في النوم وسط القذارة.

 

6 صباحاً