


الحفلة

بلاوشيرز
خريف، 2003
ثمة مجموعة منا انجذب أفرادها إلى بعضهم بعضاً في أحد أركان حجرة الطعام. كانت حفلة حافلة ولم يسبق لإحدانا أن قابلت الأخرى. إلا أن جمعاً جوهرياً – إنما صغير – من النساء ذوات عمر معين استملن المزيد من النسوة إلى أن بلغنا عدداً جعلنا في حاجة إلى إرساء شيء من الديمقراطية في الكلام – فقد توخت كل منا الحذر لئلا تشغل وقتاً زيادة عن اللزوم من البث.
كنا في سيرة التقبيل. تحدثنا بألسنة سريعة مفعمة بالإثارة وتصاعدت ضحكاتنا، ضحكات التي-شيرت والجينز وليست تلك التي تند عن لابسات فساتين السهرة – إذ انطلقتْ من البطن لا الصدر. كانت مقاس أربع عشرة وليست اثنتين. ولمّا كانت واحدة منا تتحرك نحو بعض المقبلات الذابلة، تُمسك الباقيات كيلا يفوت الأخرى شيق الحديث.
أكثر ما راقنا هو قص تجربتنا الأولى مع القبلة. ثمة شقراء فاتنة ترتدي أقراطاً ضخمة من الماس روت لنا أنها جربت البوسة في سن الحادية عشرة خلال لعبة ’الزجاجة الدوارة‘ في ليلة حارة من ليال تكساس. كانت القاعدة هي أن يمضي الزوجان المختاران إلى المطبخ بعد التدوير ليقفا بجوار الغسالة القائمة في الركن ويتبادلا قبلة لا تلامس فيها للسانين. عدّلت الشقراء القاعدة لتستثني الشفاه. الخدان فقط لا غير. إلا أن المدعو بول دراموند كان ليلتها أسرع منها طابعاً على شفتيها تماماً قبلة مرتفعة الصوت. باحت إلينا بأنها همت بإظهار الغضب غير أنها تراجعت – هي المصدومة تلك الصدمة السارة – نحو الغسالة بقوة أثارت ضجة أيقظت أباً كان من المفترض أن يشرف على الجمع. توقف التقبيل وانفض الحفل لترجع الشقراء إلى بيتها حيث ظلت صاحية جل الليل، يعيد ذهنها تمثيل المشهد قائلة لنفسها إن الخطيئة مغفورة، مغفورة، مغفورة.
كاشفتنا امرأة اسمها فيكي بأنها أنفقت سنوات تتمرن فيها مع صديقتها الحميمة ماري جو. "كنا نحط مخدة بين وجهينا ونجثو على سريري ثم تفرك كل واحدة ظهر الأخرى ونهرئ تلك المخدة من البوس." أغرقنا جميعاً في الضحك، فكلنا على ما يبدو قَبلنا المخاد.
امرأة أخرى – ذات فستان أسود تنطق تفصيلته بإغراء يلوح الآن غير ذي صلة – تجرأت بكل شجاعة على القول إنها وصديقتها المقربة شيري استغنتا عن المخدة وانهمكتا الشفاه لصق الشفاه. وبإمكانك أن تستشعر من خلال ما سرى من أثر تبدى على الأعين المنخفضة أنها لم تكن الوحيدة. استحضرتُ سنة رابعة وصديقتي ماري التي طلبتُ منها أن تكون الزوجة كي ألعب أنا دور الزوج. طاب لي أن أصير الزوج – فبوسعك أن تحدد وقت كل شيء. وبينما كانت تنفض هي الغبار، توجهتُ أنا إلى العمل. ولمّا أُقبل إلى البيت، كنتُ أحييها بقبلة أضحت مع الوقت طويلة طولاً قررنا معه أن اللعب خارج المنزل أفضل.
هناك امرأة تسود ملامحها آي الجدية والخجل اسمها جين. لم تنبس بالكثير ولا القليل وعند الضحك كانت تغطي بالفعل ثغرها بكفها. آه يا حلوة، وددت أن أقول لها حين أبصرتها ترفع كفها. تعال هنا يا كتكوت لنعلمك بعض الحركات. كانت تلبس فستاناً بأزرار تصل إلى عنقها فيما لم يسلم زر واحد من الغلق. استولت عليّ دهشة لا حد لها عندما نمى إليّ قولها، "طيب، تلك هي البوسة، لكن هل تذكرن أول مرة لمستن فيها قضيباً؟"
وإذ بحيوية ما بعدها حيوية تكتسحنا جميعاً. فخرجنا عن طورنا من تلهفنا على مشاركة الأخريات تجاربنا. واقتربنا من بعضنا بعضاً.
ثمة نادل مؤجَر يطوف بالمأكولات في سروال أسود ضيق وقميص أبيض بياضاً يعمي الأبصار وحول عنقه تلتف أنشوطة سوداء. عرض علينا أشياء ملفوفة صغيرة راقدة في صينيته فالتقطتْ كل واحدة منا بلا استثناء واحدة. تبدى النادل في غاية من السرور. تمهلتُ حتى واصل سيره ثم أفضيت بلهجة مشحونة بالتوق: "لقد أُرغمتُ. كان هناك فتى اسمه ’تيلور عمود التليفون‘ – لنفس السبب الذي قد تظنه – جذب يدي إلى أسفل وأبقاها هناك حتى لمستُه خمس ثوان. كنا نعد سوياً. كدتُ أن أستفرغ. فقد كنتُ عذراء لا تنقصني الجدية وأوشكتُ بالفعل على الإغماء حين تخيلتُ أن مثل ذلك الشيء في يوم ما سـ... لكني بعد أن تجاوزتُ الحجم، أثار الملمس فضولي."
اتسعت عينا فيكي. "نعم! كالقطيفة الندية، صح؟"
أرسلتْ جين الواقفة بجانبي تنهيدة خافتة. "لا أعلم،" فاهت. "إن أجساد الرجال ببساطة ليست جميلة وهذا يجعل المسألة صعبة. وإن كنتُ أعتقد أن أجساد النساء هي الجميلة، وأنا لستُ، أنتن تعرفن..." وكنا نعرف بحق. حست حسوة من شرابها واتكأ رأسها على الحائط فيما دل وجهها المقطب على التأمل. "لكن اتضح أن القضبان ليست سيئة إلى هذه الدرجة، بالفعل، مع أني استغرقتُ وقتاً طويلاً حتى اعتدت على وتيرة الارتفاع والانخفاض تلك. قصدي، لقد استبشعتُ الانتصاب أول ما رأيته، فقد شعرتُ وكأني أتفرج على فلم من أفلام الوحوش."
غير أن الشقراء الفاتنة أفشت بلا تحفظ. "لقد أعجبني! ورأيته في منتهى الروعة." لكنها أردفتْ بسرعة وكأنما لا تروم إيذاء مشاعر جين، "لكنها ليست بالطبع جميلة." ثم شربنا نخب الفكرة.
"الكرات هي التي تثيرني،" جاهرتْ فيكي. "إنها أشبه بالكيوي التالف." فانفجرنا مجدداً في الضحك. أحسبنا شعرنا بما بلغناه من خطورة، باندفاعنا المتهور في الكلام وقد حلا لنا الحديث. كنا على استعداد لكشف النقاب عن أي شيء يخصنا. ودون وعي من جانبنا، عادت الدائرة لتضيق.
"أنا أعتقد أن المسألة مسألة تكييف ثقافي،" نطقتُ الجملة فقوبلتْ بآهات جماعية تعكس استنكاراً وإن لم تفتقر إلى الود. "لا، أنا أعني ما أقوله. لو كنا قد تعلمنا الجري وراء قضيب بواسطة أم تغمز بعينها لمّا تتكلم عنه، ولو أن كل الفتيان في سينما السيارات تلك غطوا عوراتهم بكلتا يديهم وتأوهوا في آذاننا تأوهات خفيضة محتجة، كنا سنجن للمسهم. لكننا بدلاً من هذا نشد أياديهم بعيداً عن أثدائنا ونرفعها عن أعضائهم."
وضعتْ جين كأسها الفارغ على الأرضية. "في اعتقادي أن الرجل والمرأة مخلوقان مختلفان اختلافاً ميؤوساً منه. العجيب هو أننا نتفق على الإطلاق. أحياناً ما تُظهر أتفه الأشياء أعظمها. ليلة أمس تشاجرتُ مع زوجي مشاجرة لرب السماء، وأتعلمن ما هي الشرارة؟" ما من واحدة منا إلا وكانت ترهف السمع فلم نلحظ اقتراب زوج جين من الجانب المقابل للحجرة. إلا أن عينيّ جين وقعتا عليه. كفت عن الحديث محدقة في وجهه: وكأن ستاراً أسدل على ناظريها.
وقف عند حافة الدائرة وقد داخله القليل من الحذر. "ماذا يجري هنا؟"
أخذت القلوب خفقة ولم يحر أحد جواباً. ثم انفرجتْ شفتا جين، "آه، أنتَ عارف، كلام البنات ليس إلا." أظن أن غضباً خامرنا جميعاً لرد فعلها إلا أن أحداً لم يسجل اعتراضه عليه.
حانت من زوجها نظرة إلى ساعته. "آن أوان الانصراف."
لم تتحرك جين قيد أنملة. "أريد أن أفضل قليلاً."
"آه؟" دس يديه في جيبيه. "طيب. ماش." ولم يتزحزح من مكانه. خفقة أخرى. عم الصمت حولنا. وفي نفس اللحظة اتجهتْ اثنتان منا صوب مائدة الطعام. أخرى سارت نحو الحمام. فيكي لوحتْ بيدها إلى رجل قائم عبر الغرفة وتقدمتْ نحوه. لقد تفرق جمعنا تفرقاً بطيئاً لا يخلو من حزن كما تترك البتلات الزهرة بعد انقضاء ريعانها. ثم ورد إليّ صوت جين، "أظن أن الوقت متأخر."
استمعتُ إليها وهي تودع الواقفين حولها. كنتُ أسحب قطعة عيش عبر مسارات بقايا الحمص بالطحينة في قاع سلطانية من الخزف. رجوت ألا يكون الخزاف استخدم رصاصاً. تساءلتُ عما يفعله أولادي.
وبينما كنتُ أفرغ من شرابي، تدبرتُ ما ينبغي عليّ القيام به في اليوم التالي. ثم تجولتُ بعينيّ باحثة عن زوجي. كان بغرفة الجلوس يناقش صراع الشرق الأوسط مع رجل قصير القامة بدين قليلاً ذي رأس في طريقه إلى الصلع. تصورتُ الرجل جالساً بالمقعد الأمامي لسيارة واقفة بإحدى دور السينما منذ ثلاثين عاماً. أضفى خيالي عليه شَعراً لكن عدا ذلك لم أبدل فيه الكثير.
أخذتُ مجلسي إلى أحد الكراسي القريبة فترامى إليّ صوت زوجي يعلن بلهجة مؤكِدة أن إسرائيل لم تحارب سوى حروب دفاعية. راحت أصابعي تتحرك فوق حاشية التنورة متسائلة عن سبب نزاع جين وزوجها. خطرتْ ببالي عدة احتمالات. سمعتُ الرجل القصير يسأل زوجي عن مهنته. ستحل الرياضة في الدقيقة التالية. أشحت عنهما برأسي وانطلق مني التثاؤب.
أعملتُ فكري: ها هي مشاعري تجاه الرجال: يتولاني الغضب لطريقتهم في إقحام إحساسهم بالتفوق – عن طريق المقاطعة والهيمنة وفرض النهايات والتظاهر بعدم فهم ما تقتضيه المساواة بين الجنسين ومِن ثَم ضمان أن يكونوا هم دائماً وأبداً مَن يقررون وقت كل شيء. بيد أن قدراً من الشفقة يراودني أيضاً عليهم.
استدعيت رحلة ليلية قمت بها مؤخراً. كانت الساعة حوالي الرابعة صباحاً عندما أدركني نوم لا هناء فيه. استيقظتُ بعدها بعشرين دقيقة ورحت أتمشى في الممر. كانت الطائرة غاصة برجال الأعمال، كلهم مستسلمون للنوم وقد استقرت حقائبهم الجلدية عند أقدامهم مثلها مثل الكلاب المطيعة. تغطوا ببطانيات تحمل علامة شركة الطيران إلا أن الأغطية بالغة الصغر انزلقت إلى جانب أو آخر كاشفة عن فجوات بين أزرار القمصان وقبضات شبه مطبقة. تراءوا لحظتها في منتهى العذوبة، زاخرون بالصدق والهشاشة. أبطنتُ عظيم الحب لهم جميعاً ووجهتُ ابتسامة دافئة إلى كل وجه نائم.