![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد الخامس والعشرون، إبريل 2010 Twenty-Fifth Issue, April 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد الخامس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرم أليكس روز بالموافقة على نشر قصة "الكِسرة الأثرية" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Rose was so kind to permit the publication of the Arabic text of "Ostracon" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Rose a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"Ostracon" by Alex Rose. Copyright © 2008 by Alex Rose. Originally published in Ploughshares, Fall 2008. Published by kind permission of Alex Rose. All rights reserved. |
|
الكِسرة الأثرية ترجمة: هالة صلاح الدين حسين Posted: Apr.-01-2010 موقع ألكس روز الرسمي: |
|
|
تبحث كاتيا عن نظارتها. كانت هنا منذ لحظات. من دقيقة واحدة, على الطاولة, النظارة البنية الكبيرة. يَظهر كل شيء بدونها باهتاً كما الشمع. تضع يدها على الفورمايكا الباردة وتمس سطحها برفق. مفاتيح, قدَح قهوة, دليل الهاتف. قلَما حبر مختلفان. لِم كل هذه الأقلام؟ لَم تشتر قط قلماً واحداً. تصوب كاتيا عينين نصف مغمضتين كي تبصر المائدة ثم تربت عدة مواضع. يعلو فتات بائت ناشف مفارش صغيرة من القنب. شمْع يوم السبت جُدَع سالت منها قطرات الشمع. قلَمٌ آخر. حازت هذه النظارة منذ زمن طويل, عقود ربما. تتلون بلون بني ضارب إلى الكستنائي وتلتمع التماع حَجَر اقتلعتَه من الشاطئ. تنسجم مع ملامح وجهها غاية الانسجام. كاتيا الآن في غرفة المعيشة. تَقلب الجرائد والظروف. تريد أن ترميها, ولكن ماذا لو كانت جديدة؟ تبدو عناوين المقالات من غير نظارتها حروفاً هيروغليفية ضبابية. حين يُقْبل چو إلى بيته من العمل, يلفي زوجته جاثمة على الأرضية وسترتها مغطاة بطبقة من نسال مثل الصقيع. ترتقي بناظريها وتند عن ثغرها ابتسامة. * شَقَّ العمال حفرة في سقف غرفة المعيشة. البادي أن هناك رشحاً في السقف قال چو إنه يتسبب في تلف ما. الرجال قصار القامة جلودهم بُنية لوحتها الشمس تفيح منهم رائحة أشبه برائحة السيارات الأجرة. يقابلون كاتيا بالابتسام غير أن الريبة تكتنفها. تنزع إلى حماية مساحتها الخاصة, هذا البيت الذي أمضت بين جدرانه نصف قرن في رعايته وتنسيقه. كُتل لا يعلم بها إلا الله تلتز بنعال جزمهم. أحدهم يُدخن في الخارج. كوليرا آف دير*. خيرٌ له ألا يترك العُقب في الشرفة. * يكتب طبيب الأعصاب الروسي, ألجزاندر لوريا: "لن تفارق ذاكرتي مطلقاً حالة رجل بإصابة في المنطقة الصُدغية تَمكن بسهولة من قراءة لقبه – ليفسكي – مكتوباً على ظرف موجَّه إليه غير أنه عجَز تمام العجز عن قراءة كلمة أبسط بكثير, 'ليف' (أسد), كلمة لم تَرسخ بنفس الدرجة في ذاكرته." * ينفد صبر چو. يمعن النظر في ملعقة دعكتها كاتيا – هي متأكدة أنها دعكتها – ويدمدم بهمسات تمتزج بالغضب. ينتزع من الدرج قبضة من الفضيات ويسارع بفحص كل أداة. يهز رأسه محملقاً إليها بعين الاستياء. يسقطها في الحوض فتُصدر رنيناً خليقاً بالانفجار ثم يَذهب عنها. يتريث الرنين في أذنيه شأن الشوكة الرنانة حتى ينتهي إلى حجرة مكتبه. * غادر العمال لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. قالوا إنهم ينبغي أن يطلبوا أداة خاصة لإعادة تثبيت شيء في شيء آخر, وسوف يعودون يوم الاثنين. وفي غضون غَيبتهم, تَلوح في السقف حفرة عميقة مسنَّنة الأحرف على هيئة نصف قمر ترنو إلى باطن مساحة معتمة يزحف داخلها عمال السباكة. يساور كاتيا شعور بعدم الراحة. تَكره كل ذلك المُشَمَّع نصف الشفاف المعتلي كل شيء, رقائق الدهان والجص الصغيرة المتجمعة في طياته. هل سيتذكر الرجال أن يزيلوا بصمات أصابعهم القذرة عن السقف بمجرد أن يسدوه؟ * تعاين كاتيا أسنانها في مرآة الحمَّام. كيف بلَغ بها الحال على هذه الصورة؟ بدت كل سِن شاحبة بلون بني فاتح كالسكر المحروق, تغشاها ترسبات في صورة خيوط بلون القشدة مثلها مثل مادة جافة يسدون بها الشقوق والفجوات. بانت شفتاها مشقَّقة السطح ممتقعة اللون. هل يخادعها أحدهم؟ فارشليبيه كرينك*. تمس وجهها بيدها إلا أنه لم يبرأ هو الآخر من التدهور. يرتخي لحمها وتبقعه الشامات. أصابعها صغيرة أكثر مما يليق والعروق كبيرة أكثر مما يليق. تتتبع كليشيهاً هشاً ارتسم على يدها لتتذكر للحظات كفاً وردياً رقيقاً لقرد قبَض على إصبعها عبر قفصه عندما كانت طفلة في رحلة إلى حديقة الحيوانات. * دخَلت كلمتا فعل منعكس المعجم الطبي في القرن السابع عشر بعد أن تم اشتقاقهما من كلمة انعكاس. وقد ساد الاعتقاد وقتذاك أن أرواح الجهاز العصبي "تنعكس" على العضلات مثلما يرتد الضوء عن المرآة. * كانت كاتيا في عهد شبابها تخط الرسوم في كتب الحكايات الشعبية اليهودية. تروي إحداها قصة تلميذ غر ارتحل عدة أيام بصحبة حاخامه. يجولان في الأرض يومياً ويَدرسان التلمود وينامان في أحد الأنزال القروية. يقع الضجر في نفْس التلميذ لقضاء كل وقته برفقة الحاخام, فيعقد العزم ذات ليلة على مواصلة أسفاره بمفرده. يأمر صاحب النُزُل بأن يوقظه في ساعة مبكرة للغاية حتى يستقل أول قطار قبل أن يصحو الحاخام. وفي الصباح التالي يتلمس التلميذ طريقه خلسة في الظلام بحثاً عن ملابسه, وفي تعجله يتزيا بأردية الحاخام السوداء. يهرع إلى المحطة ليبتاع التذكرة ثم يستقل القطار, ولكن إجفالاً يستولي عليه حين يرتطم طرفه بانعكاس صورته على مرآة المقصورة. "يا لحماقة صاحب النُزُل," يسب. "أطلب منه أن يوقظني فيوقظ الحاخام بدلاً مني!" * كان الجنود الصينيون في عصر سلالة هان الحاكمة يرتدون المرايا فوق دروع الصدر لصد الأرواح الشريرة. لو انكسرت هذه المرايا, يطحن المحاربون الزجاج المهشَّم ثم يبتلعونه كي يقيهم سحره من بواطنهم. * يعود الرجال اليوم. تندهش كاتيا لِما خامرها من سرور لرؤيتهم. ولِم لا ينتابها السرور؟ يتحلى الرجال بالود. يطبعون الابتسام على ثغورهم ويدعونها بـ "مداام." يستعصى تمييز ملامح غرفة المعيشة استعصاء تضاعف مقارنة بالأسبوع الفائت. كبلات برتقالية سميكة, أغطية زرقاء داكنة لعزل الصوت, سطول, صناديق للعُدَد. لا يختلف عن مسرح جريمة أو ورشة تصنيع. يَلبس الرجال قفازات غليظة وأقنعة من الشاش. ينطق صوت الثقب بالوحشية بيد أنه يأسر أيضاً الأسماع. يماثل مِثقب طبيب الأسنان, حاد الصوت, معدني الوقع, عالٍ علواً يخترق فمك. يَهدر في بطن سقف يُرجع الصدى مرسلاً فوق الروافد الخشبية ذرات من زجاج رفيع يتفجر بأصوات متنافرة. ماذا يَصنع الرجال في الداخل؟ أقاموا مصباحاً ذا قفص أصفر كي يتسنى لهم رؤية طريقهم. يعتري كاتيا فضول أن تتطلع إليه, ولكن يبدو أن هناك شيئاً منحرفاً عن الخلق القويم يَسِم التجويف المفتوح. فهو ينطوي على خصوصية أكثر مما ينبغي, كالتطلع إلى أحشاء شخص. * ثمة اهتمام خاص بمصير الخزانة. لا تستدعي بوصفها قطعة أثاث الكثير من القيل – مجرد صوان للعرض من بلوط ثقيل الوزن تشوبه الخدوش غير أن محتوياته سهلة الكسر يتعذر استبدالها, لا يصونها إلا لوح رفيع من الزجاج. وفوق كل رف من الرفوف الأربعة معتمة الإضاءة تستقر مختارات من قطع نادرة جمعتها كاتيا وچو أثناء رحلاتهما العديدة. قِطَعٌ من نسيج راج قبل مجيء كولومبس, خنفساء مدفونة في وعاء من الكهرمان يشبه اللمبة, خصلة من شعر مدام كوري. قنينة عطر أنقذها منقذها من مَركب غارق, رسالة مفتوحة مختومة بختم البريد إلى قرية أوكرانية غابت عن الوجود. علت الرف العلوي جَرة من الحُصِي الصفراوية ترقد بجانب شظية من عصعص كاتيا استخرجها الطبيب السنة المنصرمة خلال العملية الجراحية – دخيلة شأنها شأن حيوان رخوي عتيق. في كل عام مع حلول عيد الفصح اليهودي يسأل الأحفاد كاتيا أن تجاهر بهوية هذه التحف العجيبة, وفي كل عام تفتن ألبابهم بحكايات عن المغامرة والسحر. غطاء رصاصة من أحد المسدسات المستخدَمة في قتل جريجوري راسبوتن. ماسة مهرَّبة من مدينة كييف داخل معدة صبي ابتلعها في كرة من الشمع. وعلى حين يتقدم الأطفال في العمر, تخالجهم الشكوك في قصص كاتيا وإن لا تنفك الأشياء تشع بالغموض. * اكتشف عالِم تشريح إيطالي شاب يدعى كارميلو جولچي طريقة ثورية في فحص الخلايا العصبية عام 1873. كان قد حوَّل مطبخاً صغيراً بإحدى المستشفيات إلى معمل مؤقت. وفي المساء على ضوء الشموع كان يُشَرِّب حريصاً عينات مجهرية من النسيج العصبي بنترات الفضة. وباجتهاد لا مزيد عليه أجرى التجارب على شتى المستحضرات الكيميائية ومُدد التعرض للمؤثرات إلى أن لاحظ ذات ليلة ما سماه لا ريزيونا نيرا أو 'التفاعل الأسود.' إذ صارت فجأة تجمعات الخلايا العصبية السوداء الضاربة إلى الفضي هشة زاهية, وأبرزت الشريحة الصفراء المضيئة الصبغة بالغة الرقة. انقضت ثلاث وثلاثون سنة ثم استعان الطبيب الألماني ألويس ألتسهايمر بنفس هذا التكنيك ليستقصي الأصول العصبية لخرف الشيخوخة. وقد وجد توافقاً يكاد يكون تاماً بين علامات المرض والإصابة الناشئة. غصت الألياف العصبية بالعُقَد وتبدت كالعجين بينما انسدت التشابكات العصبية بالبروتينات انسداد بالوعة حوض يترع بالسخام. * كان چو قد عثر على دفتر الشيكات في تلك الفترة تقريباً من العام الماضي. اتصل البنك سائلاً العديد والعديد من الأسئلة. لماذا لا تتساوى المبالغ الموجودة على وصولات الإيداع بتلك المكتوبة على الشيكات؟ لمن حررتم الشيك رقم 3601؟ لماذا لم يتم تظهير هذه الشيكات الأربعة؟ ألمت بچو الحيرة. كانت كاتيا تضطلع دوماً بالأمور المالية. مهَرت في التعامل مع الأرقام, في التخطيط والتنظيم. كان والداها يديران متجراً لبيع الأقمشة في بولندا, وقد درباها على تولي الحسابات منذ سن التاسعة. مضى چو إلى حجرة المكتب وراح ينقب في الأدراج. ومنذ الوهلة الأولى أوقع المنظر في نفْسه استغراباً. آلات حاسبة, ظروف, شرائط الآلة الكاتبة – كلها مكدسة في أكوام. دبابيس محلولة مبعثَرة هنا وهناك. هل ألقت الخادمة بإهمالها كل شيء معاً؟ حين اكتشف في النهاية دفتر شيكات أخضر خضرة النعناع خيطت أطرافه بغرز كغرز السَرْج لونها مثل الرخام, خطرت بباله فكرتان في نفس الوقت. أولهما كانت الأمل, الوهم: من الواضح أن أحد الأحفاد شوه صفحاته. ثانيهما كانت الخوف, الحقيقة: من الواضح أن زوجتي فقدت عقلها. توهَج ورق الكربون بحروف يعوزها المغزى. تراءى الخط رقصة تتراقص فيها الأشكال اللولبية كلفة من الأسلاك الشائكة. غير أن الخربشة لم تنتج عن أيدي أطفال ولم تنم عن منهجية؛ عرَف فيها خربشة كاتيا, خربشتها هي دون غيرها؛ فقد حوت كلاً من الطعنات والحروف المجرورة المتهورة شبه المتصلة المميِّزة لخطها والمنحدرات الشبيهة بتطريز الإبرة والضربات الكاسحة المميِّزة لرسومها. * تزودت الطائرات المقاتلة بالرشاشات الأوتوماتيكية لأول مرة في الحرب العالمية الأولى. كانت في البدء بسيطة الصنع لا تَعرف الدقة. كان المِدفعي المتمركز عند ذيل الطائرة يحتاج إلى مرونة تمكنه من أن يدير رشاشه على مِحور يُقدر بـ 360 درجة حتى يتعقب هدفاً متحركاً, ولكن زادت احتمالات إطلاق النار من غير قصد على مروحة الطائرة. لم يكن ريش المراوح المضاد للرصاص حلاً – فما كان منه إلا أن أزاغ الرصاص في اتجاه المِدفعي. وفي النهاية صمم المهندس أنطوني فوكِر عام 1915 أداة بارعة أدت إلى تزامن معدل سرعة الرشاش مع تذبذب المروحة كي يخترق مسار الرصاصات المتتابعة فتحات تسنح كل ميكروثانية بين الريش الدائر, مثلما يخترق شعاع الضوء جهاز عرض الأفلام على الشاشة. * تعتلي رف الخزانة السفلي كِسرة أثرية محطَّمة من حَجَر الكلس, كل قطعة منها يَدعمها مسند صغير من البلاستيك الشفاف ماركة 'لوسايت.' يَظهر الدهان حائلاً مثل الطباشير فيما يتحزز النص المصاحب وينتأ نتوء البثور. هناك قصة ما تجري عبر شبكة الألواح بالرغم من غموض الأحداث لغياب العديد من الأجزاء. قيصر, عروس, بحيرة. أشكال بلون الصدأ تهجم بضراوة من هنا وهناك. نساء عاريات الصدور يَحملن سلالاً عبر حقول الذرة. نار. رقصة. هدية. * تعالج كاتيا وركها عند طبيب يشفي الأمراض من خلال تقويم العظام. كان تتردد إلى عيادته منذ سقطت على السلالم الأمامية وكسرت عصعصها. يتسم الدكتور مالا بقصر القامة وبنية جديرة بصالات الرياضة, يكاد يَبلغ نصف عمرها بالضبط, ذو ساعدان سمراوان شعرهما ناعم نعومة الفراء وعينان ناعستان بلون الجوز. هو يهودي بالطبع. فما كانت لتأتمن طبيباً غير يهودي على صحتها. تتعلق على الجدران صور هياكل عظمية وأعضاء تغطيها طبقة رقيقة من البلاستيك الشفاف, نفس الصور التي تزين عيادة كل طبيب. لشد ما هي فوضى بواطن الأجسام. كل تلك الغضاريف, كل تلك الصمامات والأسلاك. كان تشارلز سكوت شيرينجتِن هو أول من استخدم كلمة synapse – التشابكات العصبية – عام 1897. أخذها من الفعل اليوناني synapsis, ومعناه 'يَشْبِك.' كانت التشابكات العصبية – نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية – حيوية لمفهوم شيرينجتِن حول الدماغ. فقد كانت مثل التنقل بين محطات شبكة فسيحة من ساحات الماشية, تَنقل الحمولة أو تمتنع عن نقلها من قطار شحن إلى آخر. يحين أوان الغسق, يَركب كاتيا انفعال يستعصي على التفسير. تغادر فراشها وتتخذ مجلسها. تَلعق إصبعها وتدْعك بقعاً صغيراً على مائدة القهوة الزجاجية. يطالب چو بمعرفة ما يحل بها. لا تنفك تغمغم بـ آ جيشيفت هوب نيشت. لا أعبأ بالأمر. * صدَرت عام 1963 مقالة متميزة في المجلة الطبية الدماغ. كتبها أحد طلبة شيرينجتِن السابقين, ويدعى وايلدر بينفيلد. عنون بينفيلد المقالة بـ "سِجل التجارب السمعية والبصرية للدماغ," ووصف فيها سلسلة من التجارب الواقعة داخل الجمجمة, تجارب أجراها هو وزميله فانِر بِيروت على مرضى نزَل بهم صرع حاد. خدَّر الجراحان المرضى تخديراً موضعياً قبل العملية, وبعدها حفزا مناطق الدماغ المكشوفة بشحنات كهربائية بالغة الصغر على حين ظل المرضى يقظين وواعين كل الوعي على طاولة العمليات. وقد أدهشت النتيجة الجراحين أيما دهشة: إذ أعلن المرضى موضوع البحث عن إبصار ومضات مباغتة من أخيلة تشبه الأحلام, ولازم الكثير منها إحساس عميق بالألفة. تحدث بعضهم عن رؤى أشبه بالكوابيس, كأن يطاردهم لصوص, بينما نقَل آخرون أحداثاً عادية يومية من الماضي مثل تعليق معطف أو استقلال قطار. وقد ادعى أحدهم سماع أصوات في الظلام, أصوات آتية من "مكان ما بالملاهي – ملاهٍ كالسيرك المتجول." * أين الكاميرا؟ عشاء عيد الفصح مساء الغد. سوف يَحضره أحفادها. الكل يعتمد عليها لنقل جو الحفل مثلما اعتادت على الدوام. يتوقعون أن تُحمض الصور وترسلها لكل أُسرة. تقليد وضعته سنوات من العادة. لا تَقدر أن تخذلهم. ماذا سيَحدث لو لم تلتقط الصور؟ لن يتذكر أحد الحفلة. لن يتذكروا الضحكات وألعاب الأطفال والوليمة الفخمة التي تجهزها. بدون وثيقة, من سيتذكر؟ * يَهبط أحد الرجال السلم الأحمر حاملاً قطعة سلك رفيعة بطول الساعد. يريها للرجال الآخرين كمن اصطاد لتوه سمكة هائلة الحجم! كان السلك من صُلب مُعْوَج ملحوم بطريقة غريبة, تَخرج منه زوائد عمودية صدئة تتثبت في الأحرف شأنها شأن الفقرات الظهرية. هل هذه هي المشكلة؟ هل حلَّ الرجال المشكلة؟ يرين على كاتيا شعور بالحماسة. يروقها أن تحتفظ بالسلك المعدني في الخزانة ولكنها قلقة أن يُعد طلبها فظاظة. فَهُم, برغم كل شيء, مستخرجوه. * يُحَدق چو إلى السقف في حين تنام كاتيا بجواره. يتفكر في ماتيس. لا جنون في خطوطي, وفقاً لتأكيد الفنان, فهي تشتمل على ملامح عمودية ضمنية. تتحلق الكلمات في ذهن چو مثل التعويذة, تهدئ نفْسه حيناً وتُوْرِثه الجنون حيناً. * تمتع والدا كاتيا بقدر متوسط من الثراء بما يكفي لشراء تذكرة عبر البحار لابنتهما قبيل الاحتلال. من بين صور كاتيا صورة مفرطة الإضاءة قليلاً وهي تستقل السفينة في سترة رمادية بأزرار كبيرة بيضاء كسُتَر البحارة وقفاز أبيض لتبدو قريبة الشبه بآن فرانك*. أطلق چو على هذه الصورة اسم آ ميدِل ميت آ كلادِل. جملة بالييدية تعني تقريباً, "فتاة جميلة تتباهى بملابسها الفاخرة." اخترع اسماً لكل صور كاتيا المفضَّلة لديه. مَن العالِم بما اعتمل في صدرها في تلك اللحظة؟ لا تتراءى آيات الصدمة قط على الأطفال. ها هي لاجئة في الثالثة عشرة من العمر, مبتهجة الأسارير منتبهة الحواس, تُميل كتفين مهتزين كالمتكتمة على نكتة ما سرية. * "يخلو الدماغ من ذكريات مُعنية," يكتب إزرييل روزينفيلد, "لا يوجد سوى وسائل لإعادة ترتيب الانطباعات الماضية وإسباغ واقع محسوس على عالَم الذاكرة, عالَم شبيه بالأحلام يفتقر إلى الترابط. لا تتصف الذكريات بالثبات بل إنها تُطور بلا انقطاع تعميمات للماضي وإعادة خلق له مما يمنحنا إحساساً بالاستمرارية..." * رحَّبت نيويورك بكاتيا ذات الرابعة عشرة ترحيباً لا تنقصه الغرابة. اتخذ عمها ذابل العود معسول الكلام مقامه في حي بروسبيكت هايتس ببروكلين منذ عقد خلا. حوَّل عليته إلى غرفة نوم صغيرة. نافذة وحيدة على شكل ماسة مدهونة بلون بني محْمر واجهت تقاطعاً عاجاً بالصخب يصل شارع واشنطون أفينو بشارع سانت جونز. كانت الأسقف المقنطَرة والروافد المكشوفة في المكان بسيطة الطابع شَبَه الكاتدرائية, مقدسة متوارية عن الأعين. ألمَّ بكاتيا الذهول في أول أيامها بالمدرسة عندما تناهت إليها مجاملة من مُدرسة الحصة الأولى, إذ امتدحتها المرأة قائلة, فستانك جميل. افترضت كاتيا أنها خدعة, فلم يكن من الوارد أن يتبادل التلاميذ والمدرسات أية مفردات ودية في مسقط رأسها. * يحل يوم الثلاثاء والرجال لا يزالون يعملون في السقف. يشتد القلق بكاتيا. ماذا لو لم يفرغوا منه في الوقت المحدَّد قبل الفصح؟ سرعان ما يتفرع من هذا الاحتمال عدد لا يستهان به من المخاوف المصاحبة. هل هناك وقت لتغيير الموعد؟ هل من الممكن أن يستضيف أحد أولادها المدعوين إلى عشاء الفصح هذا العام؟ ما مدى صعوبة أن تُقَدم العشاء في الهواء الطلق؟ تغمرها الأفكار. حرائق عديدة في حاجة إلى إخماد. تذرع المنزل ذهاباً وإياباً لتنهض بمختلف الفروض الثانوية بدون أن تلتزم حقاً بأي منها. آ فويلر تات إن تسفيين*. تكنس أرضية المطبخ وتُكوم الغبار في جزر رمادية زغِبة بيد أنها تنسى أن تجمعها بالجاروف. تدْعك الحمَّام ولكنها تترك الإسفنجة القذرة في حوض الاستحمام. * مرة أخرى تضيع النظارة. تلتوي كل بقعة من الضوء لتستحيل إلى خيوط مشوشة من الأشعة. * "أَجلس إلى طاولة الشُغل وعالَم ساكن يحيق بي لأتفرس في حائط عارٍ من أية زينة," هكذا يكتب البستاني توماس ديباچيو في كتاب فقدان عقلي. "أتوه في مفردات الصمت. تتلوى الأفكار وتتمعج لتنقلب عبارات تختفي قبل أن يسع أحد الاعتراف بوجودها." * ضرَبت عاصفة عاتية السقف ضرباً في ربيع عام 1940 لتتسبب في تسرب المياه من مواضع متفرقة في سقف العلية. مرت عدة ساعات ثم انتقعت الروافد وقطَرت منها المياه. كانت كاتيا في المدرسة فيما تشبعت متعلقاتها القليلة بالمياه. أصابت العفونة أكتاف فساتينها البيضاء الجميلة المتدلية من وتد في الجدار؛ وباتت علبة الأحذية الحافلة بالخطابات من وطنها أشبه برق مسَح الأقدمون ما عليه ليخطوا نصاً آخر, رق غائم الصورة من أحبار متعددة الألوان. تمكن عم كاتيا من إنقاذ ثلاث من لوحاتها إلا أن أغلبها تلطخ بلا سبيل إلى تمييزها. مكثت واحدة فقط من الثلاث صامدة في خلال العقود التالية. تركيبة فنية متواضعة على استحضارها للذكريات الخفية المبهمة, رسم تخطيطي وليد هوى مفاجئ يتلون بدرجات غنية من اللون البني ويُظهر النشاط الصاخب لمتسوقين وبائعين يكتظ بهم شارع بروسبيكت هايتس. تحد أشكالها خطوط متعجلة صبيانية بما يوحي بمَلْمَح عاجل مُلح لا تنال منه الأيدي. تداخلها أيضاً سمة غامضة كما السديم, وهَجٌ خفيف انبسط فوق قماش الكتان حائل اللون, لا ليستدعي إلى الذاكرة دموعاً متساقطة بل عالَماً تبصره عينان خلف غشاوة من الدموع. كانت كاتيا بين الفينة والأخرى تعود وهي بالغة إلى هذه اللوحة لتضيف كثافة ودينامية وتَفصل تدريجياً الملامح العمودية الضمنية عن جنون المراهقين. ثمة لحظات يَكشف فيها جمال كاتيا الغض عن نفسه. يطرح ضوء منتصف إبريل بريقاً مفاجئاً على شعرها الفضي؛ تفر منها ابتسامة عفوية تشي باعتدادها بنفسها وتنم عن مكر كمكر الفتيات كان ليغيب عن الأنظار لولا الابتسامة. * تنفُض كاتيا الغبار عن مفاتيح البيانو بفرشاة من الريش. تَضرب السلم الموسيقى بأقواس رقيقة – بلينك-تينك-دينك؟ بيدي-تانك-تونك؟ لم يعزف أحد البيانو منذ فترة. لا بد من تنظيفه استعداداً لعشاء الفصح, فالأحفاد سيُقَدمون عرضاً موسيقياً صغيراً كما جرت العادة كل سنة. تنحني فوق مشط البيانو لتنفض الغبار عن الأوتار مثلها مثل ميكانيكي تحت غطاء إحدى السيارات. يرسل كل حفيف همسات نقية تداعب الأوتار عبر تجويف من خشب البتولا. * الحفلة جارية. يقف الأطفال على أياديهم في غرفة المعيشة. يَعرض ابن أخت كاتيا متفاخراً نسخاً من أحدث كتبه للأصهار. تتراكم فوق سرير حجرة الضيوف سُتَر وأوشحة لم تَسلم من قطرات المطر. تضمر كاتيا سروراً لأن عيناً لم تلحظ تجويف السقف أو على الأقل لم تُعلق على منظره. سد العمال التجويف بلوح مؤقت من الكرتون. تبذل كاتيا جهداً كيلا ترتقي بعينيها خشية أن يتقشر الشريط اللاصق تحت ثقل تحديقتها المفعمة بالقلق. لا تركبها الوساوس في العادة, ولكن لِم المخاطرة؟ لن يلبث العشاء أن يبدأ. سوف يتخذ أفراد العائلة مجالسهم إلى مائدة طويلة من خشب البلوط. يَبلغ الآن بِن ابن كاتيا ضعف سنها عند زواجها بچو. سوف يتلو صلاة الفصح بصوت جهير نال منه النيكوتين. سوف تُقَدم بنات أخواتها البقدونس المملح, الأعشاب المُرة. سوف يعدو أصغر الأطفال – جينيفر وريبيكا – بخطى خفيفة رشيقة حول المنزل بحثاً عن قطعة الفطير*. سوف يتوسلون إلى جدتهم بعد انتهاء العشاء أن تقرأ عليهم واحداً من كتبها, إما القطار إلى كييف وإما مرآة القيصر السحرية. يُقْبل الغسق مبكراً هذا العام. يخيم الضباب على نوافذ تتجرد من اللمعان في ضوء بنفسجي متضائل. تتسرب إلى حجرة المعيشة رائحة الصقيع والخُث الطفيفة من حديقة ذاب ثلجها في الفناء الخلفي. مَن سيتذكر؟
* كوليرا آف دير: 'مصيبة تأخذك' باللغة الييدية, وهي لغة يهودية عبرية الحروف تُستخدم في وسط أوروبا وشرقها. * فارشليبيه كرينك: 'مَرضٌ مزمن' باللغة الييدية. * آن فرانك: فتاة ألمانية يهودية هربت مع أسرتها من ألمانيا النازية إلى مدينة أمستردام عام 1933. قبض الألمان عليهم عام 1944, وفارقت الفتاة الحياة في أحد معسكرات الاعتقال بقرية بيلِزن الألمانية. * آ فويلر تات إن تسفيين: جملة باللغة الييدية معناها 'لا بد للكسول أن يَقوم بالمهمة مرتين.' * من عادة اليهود في عشاء عيد الفصح أن يخبئ رب الأسرة قطعة من إحدى فطائر العشاء الثلاثة خارج المنزل ليَخرج الأطفال باحثين عنها. |