مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com         تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

تكرم المجلس الثقافي البريطاني في القاهرة بدعم العدد الثالث والثلاثين، مارس 2012.

The thirty-third issue, March 2012, is supported by The British Council in Cairo.

 

 

تكرم چوليان جاف بالموافقة على نشر قصة "اليتيم والغوغاء" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Mr. Gough was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Orphan and the Mob" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Gough a great debt of gratitude for his kind permission.

"The Orphan and the Mob" by Julian Gough. Copyright © 2006 by Julian Gough. Originally appeared in Prospect Magazine, 22nd March 2006 -- Issue 120. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Charlie Campbell from Ed Victor Ltd.

 

 

 

اليتيم والغوغاء

چوليان جاف

ترجمة: هالة صلاح الدين

موقع جاف الرسمي: http://www.juliangough.com

تاريخ النشر: مارس 2012

 

 

 

رواية چود: المستوى 1

 

 

 

 

 

لو كنتُ قد تبولت بعد الإفطار مباشرة، ما كان الغوغاء ليحرقوا دار الأيتام قط. ولكني عندما غادرت صالة الطعام لأفرِّج عن نفسي، قعقع صندوق الخطابات. مِلْتُ إلى الممر الطويل. استقر ظرف أبيض وحيد على ممسحة الأرجل. خالجني التردد، وتناهى إليّ عبر الباب هدير مكتوم صادر من محرك دراجة بخارية يدور. وبدوران ساحق على الممر المغطى بالحصى ورشاش من الحصباء الصغيرة يرتطم بالباب، غادر المكان.

دار في بالي، غريبة، رجل البريد لديه دراجة بخارية. سِرت إلى الباب الضخم المصنوع من خشب البلوط ثم التقطتُ الظرف وتفرستُ فيه.

چود

دار الأيتام

مقاطعة تيبيريري

أيرلندا

لي! في هذا اليوم، من بين كل الأيام المهمة! شممت جانبيّ الظرف الأبيض الناعم آملاً أن أكتشف عطر امرأة أو كولونيا رجل. فاحت منه رائحة خفيفة، رائحة ظرف.

تفكرتُ. لم أكن معتاداً الخطابات، فلم أتلق قط خطاباً من قبل. لم أرغب في استهلاك هذا الخطاب كله مرة واحدة. وبينما وقَفتُ متدبراً في صمت، شعرتُ بقهوة دار الأيتام مسفوعة تقتحم قناتيّ أنفي الضيقتين المظلمتين. هل أفتح الخطاب قبل التبول أو بعده؟ معضلة. وددتُ أن أفتحه في الحال. ولكن المثانة الممتلئة تشوه الأحكام وتعيق الاستيعاب.

وعلى حين كنتُ أعمِل فكري في المسألة، انتزع الراهب مادريجل -- قس الأيتام -- المعضلة والخطاب من يديّ.

قال، "لا وقت لديك الآن لقراءته يا ولد، نظِّم حرس الشرف وأخرجهم إلى الموقع. يمْكنك أن تفتح خطابك هذا المساء، في حضوري، بعد الزيارة." حدَّق إلى خطابي وما عليه من خط جميل ثم أقحمه في ردن ردائه الكهنوتي.

بدرتْ مني تنهيدة ومضيت لأعثر على أيتام حرس الشرف.

وجدتُ معظم الأيتام الصغار مختبئين أسفل الراهب ثوموند في ظلمة مخزن التبن. "أستميحك عذراً يا سيدي،" قلت رافعاً تنوراته لأقود الأطفال المعترضين خارجاً.

أخبرني يتيم صغير، "إنه نائم." ولمَّا أمعنتُ النظر، رأيت الراهب ثوموند يميل بحق قليلاً. سنَده من الخلف عمود، ولم يُبقه قائماً إلا تيبس مفاصله العتيقة. نتأ القش من شعره الأبيض الأشعث في كل الزوايا.

أعلمني يتيم آخر، "قال إنه يريد أن يتحدث إليك يا چود." تولاني التردد. كنا بالفعل متأخرين. قررتُ ألا أوقظه، بمجرد أن يتوقف الراهب ثوموند، يستغرق وقتاً طويلاً إلى أن يَسخن ويستعيد نفسه مجدداً كما يجب.

سألتُ، "أين أجاممنون."

أَخرج أصغر الأيتام إبهاماً من ثغره لينتره عالياً، نحو العُليَّة.

ناديت بصوت خفيض، "أجاممنون."

بزَغ أجاممنون العجوز -- رفيقي العزيز وكلب الدار الأليف -- ببطء من ظلال العُليَّة, تقدم بخطوة رقيقة رقة لا تليق بكلب في مثل حجمه الهائل نازلاً السلم الخشبي إلى الأرض. هز طوقاً ضخماً من الشعر الأصفر ثم تثاءب في وجهي بصوت عال.

"فلنتمش،" أمرتُ فخطا إلى جانبي. خرَجنا من مخزن التبن إلى ضوء ذهبي خليق بيوم صيفي مثالي في مقاطعة تيبيريري.

أوقفتُ حرس الشرف صفاً وأحصيتهم عند الباب الأمامي تحت ظل طرَحه برج الدار الجنوبي. توهجتْ واجهته المشيَّدة من الطوب الأصفر في شمس الصباح. انطلقنا.

بعُدتْ أبواب دار الأيتام عن موقع الخُطَب عدة أميال كاملة. عبَرنا البلدة وخرَجنا إلى الجانب الآخر. بدأ الأيتام الأصغر ينتحبون خوفاً من رؤية زنوج أو هجوم وحوش ضارٍ. لزِم أجاممنون أثري عن كثب. سِرنا إلى أن انتهى بنا الطريق ثم سلَكنا سبيلاً إلى أن انتهى بنا السبيل.

قفزنا على سور، قطَعنا حقلاً، خضنا قناة ري، اجتزنا مصرفاً، عبَرنا أرضاً من الشجيرات، شققنا طريقاً في نهر، ثم دخَلنا مستنقع نوبِر نولان. وبالضبط في منتصف مستنقع نوبِر نولان تماماً، وعليه بالضبط في منتصف تيبيريري تماماً، وهكذا بالضبط في منتصف أيرلندا تماماً، استقرت أشهر حفرة مستنقع في الأُمة، حفرة نالت شهرتها من الأغاني والقصص: أشد مناطق أيرلندا إقفاراً، وآخر مكان خلَقه الله.

لم تقع عيناي قط على حفرة المستنقع الشهيرة لأن نوبِر نولان -- حتى وفاته مؤخراً وتوريث الدولة المستنقع -- حرسها أعنف حراسة من الأهالي والسياح على حد سواء. كثيراً ما كانت طلقات الصيد تُسقط الأمريكيين جرحى على مدار السنوات وهم يحاولون الحج إلى هنا. أجَلت ناظريّ بحثاً عن الحفرة، ولكن أخفاها عن بصري مرأب فسيح الأركان ومركز ثقافي أسمنتي مهيب الأبعاد ومسرح خشبي طويل عريض أو منصة تضم سياسيين. وإلى ما بعد المرأب والمركز الثقافي ترامى نحو الأفق مباشرة -- في اتجاه دبلن -- طريق من ثماني حارات مستقيماً استقامة تكاد تبدو مفرِطة.

وقَف خمسون ألفاً من الفلاحين في مواجهة المسرح.

شققنا طريقنا إلى المسرح عبر الفلاحين. تفرقوا في أدب والعديد منهم يَخلعون قبعاتهم وآيات الابتهاج تتراءى عليهم. "أَفضل من حفلة فريق راديوهِد ببلدة بانشيستاون،" علَّق فلاح رفيع الثقافة من بلدة كلاودچوردِن.

ما إن بلَغنا المسرح، عددت الأيتام الأصغر. فقدنا واحداً فقط، لا بأس بما أننا قطَعنا كل تلك المساحة الهائلة من الأرض الوعرة. أبلغتُ تيدي "نودي" نولان بوصولنا، وهو نائب في البرلمان عن حزب فيانا فويل الجمهوري في تيبيريري الوسطى وسليل مباشر لنيدي "نوبِر" نولان. وجَّهنا تيدي إلى أماكننا بإشارة من يده، عالياً في مؤخرة المسرح المنحدِر. اصطف حرس الشرف أمام ستارة خضراء ضخمة من القماش ووقَفوا انتباهاً تحيط بهم من الجانبين مجموعات من الوجهاء الجالسين. جلستُ أنا نفسي حيث أستطيع الإشراف عليهم بدون جذب الانتباه، في نهاية الصف. عندما وصل آخر الشاردين إلى الحشد المتجمع أسفلنا، تنحنح تيدي. اكتنف الصمت الحشد وكأنما انطلق عليه الرصاص. استهل خطبته.

"في هذا المكان..." فاتحهم بإيماءة سخية ضمت معظم تيبيريري، "إيمون دي ڤاليرا..."

خلَع الجميع قبعاتهم.

"... اختبأ بطلاً من الجيش البريطاني بأسره..."

قطَب الجميع وأعادوا قبعاتهم على رؤوسهم.

"... إبان حرب الاستقلال. وفي نفس هذه الحفرة رأى إيمون دي ڤاليرا..."

خلَع الجميع قبعاتهم مرة أخرى.

"... رؤياه: عذارى أيرلنديات يرقصن حافيات عند مفترق الطرق، ورجال أيرلندا يموتون أبطالاً رافضين حتى آخر نفَس شراء الأحذية الإنجليزية..."

ومع كلمة الإنجليزية أعاد الحشد القبعات على رؤوسهم وإن خلَعها البعض من جديد حين انتبهوا إلى أنها الأحذية فقط. عندها رشقهم آخرون بنظرة. أعادوا القبعات على رؤوسهم.

"لقد حاربنا في تيبيريري حرباً طويلة شعواء لحمل الحكومة على إرغام بروكسل على دفع تكلفة هذا المركز الثقافي الرائع ومرأبه الرائع، وفي شخص برونهيلد دي ڤاليرا وجدنا وزيرة مثالية للدفاع عن قضايانا. إنه لمن دواعي فخري أن أدعو حفيدة حفيدة ابن عم إيمون دي ڤاليرا، وزيرة لحم البقر والثقافة والجُزر، برونهيلد دي ڤاليرا، لإعادة افتتاح... حفرة ديڤ!"

علا هدير الحشد ولوحوا بقبعاتهم في الهواء وإن ضمِنتْ الخبرة الطويلة أنهم سيحتفظون بقبضة قوية على حوافها، لأن بينما تتبدى كل القبعات من نفس الطراز دون وسيلة مطلقاً للتمييز بينها، جرَت العادة عند رمي القبعات باجتماعات حزب فيانا فويل أن يَرفع الفلاحون الأقل أمانة قبعة قديمة، ولكن يلتقطون أخرى جديدة.

أخذتْ برونهيلد دي ڤاليرا الميكروفون، نقَرتْه ثم تنحنحتْ.

"اِشْجِني يا برونهيلد!" صاح فلاح في المقدمة نالت منه الحماسة. اندفع الحشد اندفاعاً ليُسقطوا ضعاف الأرجل ويدوسوهم متوقعين خطبة متقدة طنانة. بدأتْ الحديث.

"بالرغم من أن أموالاً أوروبية دفعتْ ثمن هذا المركز الثقافي الرائع؛ بالرغم من أن أموالاً أوروبية دفعتْ ثمن هذا الطريق الرائع الجديد بحاراته الثمانية الممتدة من دبلن وهذا المرأب الذي عبَّد تومفيرا كلها بالأسفلت؛ بالرغم من أن أموالاً أوروبية دفعتْ ثمن كل شيء مشيَّد غرب شارع جرافتِن طيلة حياتي؛ وبالرغم من أننا ممنونون لأوروبا من أجل لارچس ..."

توقفتْ لتَسحب نفساً عميقاً. كان الضجر يعم الحشد، لَم يَعلموا غرضها المهبب من كل هذا الكلام، واستاءوا من استخدام كلمة أجنبية.

"لَم أجلب قبعتي من أجل هذا الكلام،" قال الوجيه المجاور لي ثم بصق عند سفح وجيه آخر بجانبه.

"ومع ذلك،" نطقتْ برونهيلد دي ڤاليرا، "بالرغم من امتناننا للأوروبيين... يجب ألا ننسى أبداً... أنهم..."

بدأتْ أيادي الحشد اليمنى تنساق عالياً، ببطء مدهش لا تعجل فيه، نحو أحرف قبعاتهم توقعاً للذروة.

"مجموعة ضعيفة من الأوغاد الأجانب ستقتلنا في أسِرتنا لو تأتت لها نصف فرصة!"

انطلق من الحشد الهائل تهليل صاخب وعج الهواء بالقبعات إلى أن حجبتْ عين الشمس، هللنا في عتمة مخيفة.

أمسكتْ الوزيرة حتى استعاد الجميع قبعاتهم وأعادوها فوق رؤوسهم.

"يظن هؤلاء الأوغاد الأجانب في بروكسل أن بإمكانهم شرائنا بأموالهم! إنهم مخطئون! مخطئون! مخطئون! لا يمْكنك شراء قلب أيرلندي، روح أيرلندي، ولاء أيرلندي! تذَكروا 98!"

سرى شيء من الحيرة بين الحشد على حين حاول الفلاحون الأصغر تذكر لو كنا قد فزنا بمسابقة يوروڤيچِن الغنائية عام 1998.

أوضحت برونهيلد، "1798!"

تعالى هتاف مدوٍ ونحن نستدعي التمرد الشجاع الفاشل عام 1798. ارتفع أثر خافت لأغنية من خلفية الحشد، "أمِن أجل هذا مات وولف تون؟"

"تذَكروا 1803!"

صفقنا لتمرد عظيم فاشل قام به إيميت* عام 1803. نمَت إلينا جوقة مرتعشة الصوت من الفلاحين الأكبر سناً في خلفية الحشد الضخم. "روبرت إيميت المِقْدَام، حبيب أيرلندا..."

"تذَكروا 1916!"

انتحب رجال راشدون وهم يتذكرون التمرد العظيم الفاشل عام 1916، وبدأتْ العديد من الأغاني المتناقضة حتى إن واحدة منها لم تستقم للسامعين.

حل صمت قصير. حبَس الجميع أنفاسهم.

"تذَكروا 1988!"

بلَغ بنا الفخر مبلغاً حتى إننا شعرنا بكرب تزخر به قلوبنا ونحن نستحضر عاماً وقَفتْ فيه أيرلندا أخيراً فخوراً بين المجتمع الدولي بعد انتصارنا البطولي على إنجلترا في أول مباراة في المجموعة الثانية من مرحلة المجموعات في نهائيات بطولة أوروبا لكرة القدم. تعالى غناء وجيز لا يَعدم الرتابة من الفلاحين الصغار القائمين أمام المسرح, "مَن وضع الكرة في شبكة الإنجليز؟" أضاف الفلاحون الأكبر الواقفون خلفهم أصوات عميقة خفيضة إلى الإجابة, "هوتون! هوتون!"

تململتُ غير مستريح في مقعدي.

"لَم ينسحب ابن عم جد جدي من البرلمان ويشعل حرباً أهلية ويقتل مايكل كولينز كي يتمكن القرَدة الأجانب من التأرجح من أشجارنا واغتصاب نسائنا!"

جعل الفلاحون يجأرون ويثبون في المقدمة وكلهم حماسة، والفلاحون الأصغر والأرشق يَصعدون على أكتاف بعضهم بعضاً ثم يرمون أنفسهم قُدُماً وكأنما يَركبون الأمواج نحو المسرح في بحر من أيادٍ تُمسك القبعات وهم في الطريق.

"لا تنسوا أبداً،" صاحت برونهيلد دي ڤاليرا، "أن رؤيا عن أيرلندا خرَجتْ من حفرة ديڤ!"

صرخ الحشد، "حفرة ديڤ! حفرة ديڤ!"

أخذ أجاممنون ينبح إلى جواري وحاول بمخالبه الطويلة أن يحفر حفرة في المسرح.

كان إهمالي لإفراغ مثانتي بعد الإفطار خطأ لم أبدأ أدرك تبِعته الفظيعة إلا الآن. قد تتواصل خطبة وجيهة لوزيرة من حزب فيانا فويل أمام جمهور مخْلص في قلب أحد مستنقعات تيبيريري إلى ما يصل إلى خمس ساعات. تأملتُ موقفي. بدا أن اختياري الوحيد هو كيف بالضبط سأخزي نفسي أمام الآلاف. فالنهوض ومغادرة المسرح أثناء خطبة تلقيها شِبه سليلة لدي ڤاليرا مساو للخيانة، وسوف يجلب عليّ سلسلة من الضربات في طريقي إلى المراحيض المحمولة. البديل هو أن أُفرج عن نفسي جالساً في بنطالي.

أرسل حزامي صريراً تحت الضغط الرهيب.

وبعزوف أي عزوف أمرْتُ إرادتي بإرخاء عضلة مجرى البول.

لم يجْر شيء. وفي خلال الدقائق القليلة التالية لم تسفر جهودي اللاحقة لإفراغ مثانتي إلا عن تمرين قوي لعضلات بطني السطحية. اكتشفتُ في النهاية أن هناك وضعاً افتراضياً لديّ في اللاوعي ممنوع منعاً باتاً من الإفراغ العلني، وضعاً لا يصل إليه عقلي الواعي.

أصبح الضغط عصياً على الاحتمال، وبلَغ مني اليأس كل مبلغ. ومع ذلك، بمرأى من خمسين ألف فلاح، لم أقو على إطلاق العنان للسيل.

بعدئذ نزَل الوحي. الستارة المخملية! كل ما أحتاج إليه هو لحظة تشتت سأتمكن بعدها من الخطو وراء الستارة الخضراء المنتفخة بجانبي لأتوارى عن الأنظار. وبمجرد أن أختفي عن أعينهم، سيسعني ولا شك أن أجد مَخرجاً في خلفية المسرح، أريح نفسي في ظله ثم أَرجع دون أن تلحظني عين.

أعاد في تلك اللحظة انفجار مهيب مشحون بالحديث القومي الطنان رفع كل القبعات عالياً، وعند لحظة الكسوف نهضتُ وخطوت خطوة واحدة جانباً ثم استترت خلف الستارة.

مشيت متثاقل الخطى بوجه يواجه الستارة الزمردية ومؤخرة تواجه الحائط الخلفي للمسرح إلى أن انتهى الحائط. استدرت فأبصرتُ بعين مبتهجة لا تخلو من دهشة الحل لجميع مشكلاتي.

حجَبتْ الستارة العريضة عن المسرح والحشد مرحاضاً بلدياً دائري الشكل فخم المنظر من نوعية المراحيض المستخدَمة في دار الأيتام. ولكن بينما جلَسنا نحن على دائرة متشظية من لوح خشبي خشن الملمس ومؤخراتنا تتدلى فوق حفرة نتنة، طوَّق هنا حاجز رائع ذهبي اللون حفرة من جمال لا يضاهى. امتدت جدرانه المكسوة بالطحالب نحو بركة رائقة طفَر إليها ضفدع وحيد طفرة رقيقة. لا ريب أنهم ركَّبوه لاستعمال الوزيرة الشخصي إن اضطرت إلى التبول خلال ساعات الخطبة الطويلة، وقد كان أجمل منظر رأيته على الإطلاق في هذا العالَم. كاد التبول في مثل هذه الصورة الريفية المثالية يقترب من العار، وبشعور يدنو من النفور فككت أزرار بنطالي وسمحت لرجولتي بالانطلاق.

صوبتُ عضوي تصويباً لا أزعج معه الضفدع بقدر الإمكان. وأخيراً اتصل وعيي بلا وعيي؛ عاد الوضع إلى سابق عهده. اتحد العقل والبدن؛ انقلبتْ الإرادة فعلاً؛ لقد صِرت متحداً. وفي تلك اللحظة السامية استطعت أن أشم اللقاح الحلو لنبات الخلنج وكولونيا مختلطة تفيح من ألف فلاح عازب.

استطعت أن أسمع همهمة الحشد وتنهيداته كما المحيط خلفي، وصوت برونهيلد دي ڤاليرا الجبار يقفز من ذروة منمَّقة إلى ذروة منمَّقة، أعلى مما قبلها. وبينما تبدأ هذه اللحظة من الكمال اضمحلالها البطيء نحو الماضي، وبينما تذوب لحظة الترقب اللذيذة المتجمدة في التحقق وتقفز المياه المكبوحة لتَسقط في نشوتها المجيدة، دوى صوت برونهيلد دي ڤاليرا وكأنما يدوى من جبل الأوليمب.

"وعليه... أعيد رسمياً... افتتاح... حفرة ديڤ!"

طفق ارتياب مفزع لا يمْكن وصفه بالكلمات يتكشف لعقلي. حاولتُ كبح التدفق غير أنه كان كمحاولة إعاقة سبيل نهر الأمازون العظيم بجهد الإرادة.

وهكذا انفصلتْ الستارة الضخمة لتكشفني متبولاً في حفرة ديڤ، في أصل النبع المقدَّس للقومية الأيرلندية ذاته: منبع النهر، البئر المقدَّس، ينبوع أمتنا.

وحين أتطلع إلى الماضي، أحس أن موقفي لم يكن ليسوء كل هذا السوء لو لم ألتفت مع صرخة برونهيلد دي ڤاليرا وأطلق عليها خرطوم البول.

طاردوني طويلاً عبر الأرض الوعرة.

ردعهم أجاممنون عند فجوة في الحائط بينما عبَرتُ الفناء وبلَغتُ المنزل. لم يكن قد نال مثل هذا التمرين القاسي منذ هروبه جرواً من سيرك فوسِتس واختبائه في مخزن التبن منذ عقد من الزمان. لم يستسلم للخوف وجسمه يترهل عند الفجوة لاهثاً في وجوههم.

صفَقتُ باب الدار خلفي فلقيت الراهب العجوز ثوموند في الممر الطويل، يضرب يتيماً صغيراً ضرباً عشوائياً.

"آه چود،" نبس الراهب ثوموند عند رؤيتي. ند عن جِلد وجهه البني صريراً حين رسَم ابتسامة.

"تحت قليلاً لو سمحتَ يا سيدي،" أرسل اليتيم الصغير صوتاً حاداً، فالتزم الراهب ثوموند. جعل ضعف ذراعيّ الراهب ثوموند الهشتين ضربه مرغوباً فيه عند الغلمان كراحة وفُرْجَة من أيادي الرهبان الشبان الطِراء.

"أجل يا چود..." استأنف الكلام، "كان معي شيء أردتُ أن... أجل... أن... أجل..." أومأ برأسه فشتتت انتباهه قشة سقَطتْ أمام عينيه من شعره المتشابك.

تململتُ من قدم إلى قدم واعياً في انزعاج بصيحات الغوغاء المقتربين. أدركتُ من زئير أجاممنون أنه الآن يتقهقر بطلاً أمامهم وهم يجتازون الفناء في اتجاه الباب الأمامي.

"إنها دار الأيتام!" ترامى إليّ صياح أحدهم.

"إنها تعج بالأيتام!" صاح آخر.

"من يتامينيا!" صاح ثالث.

"كما خمَّنا!" صاح رابع. "إنه أجنبي!"

انقبض صدري. اقتربتْ الأصوات. صد أجاممنون الباب، ولكن لا يوجد كلب مهما بلَغتْ شجاعته بمقدوره رد غوغاء إلى الأبد.

"أجل!" فاه الراهب ثوموند مسدداً إليّ عينين شاخصتين. "جيد جداً." غلَبه النوم لحظات وإحدى ذراعيه مرفوعة فوق اليتيم الصغير.

وعلى الجانب البعيد من الباب تابع الغوغاء نقاشهم عني. "إنك تفكر في رومانيا والأيتام الرومانيين. أنت تخلط بين الاثنين،" قال عقل رزين بث فيّ ارتياحاً. رحتُ أتحرك على أطراف أصابعي بحذاء الراهب ثوموند واليتيم الصغير.

"روماني، يا إلهي!"

"هو روماني؟"

"هو ما قاله ذلك الرجل."

"لم أقل..."

"وغد غجري!"

"اقتلوا الوغد الغجري!"

تاه صوت العقل بين الهرج والمرج وطار حجَر عبر زجاج النافذة الملون فوق الباب الأمامي. أحدث ثقباً في يسوع ثم ارتطم بقفا الراهب ثوموند.

صحا الراهب ثوموند.

"انصراف،" أمر اليتيم الصغير بنبرة صارمة.

"آه، ولكنك لم تنته بعد يا سيدي!"

"لا ترُد عليّ يا ولد وإلا لن أضربك لمدة أسبوع."

ركض اليتيم الصغير نحو عتمة الممر الطويل. أرسل الراهب ثوموند تنهيدة عميقة ودعك رقبته.

"چود، اليوم عيد ميلادك الثامن عشر، أليس كذلك؟"

أومأتُ برأسي.

أرسل الراهب ثوموند تنهيدة ثانية. "لقد احتفظتُ كل هذه الفترة بسر، يخص مولدك. أشعر بأنه من الملائم فحسب أن أخبرك الآن..." وفجأة غلَبه النوم هنيهة.

تعالت صرخات الغوغاء وهم يتجمعون في منتهى التلهف على الدخول والقضاء عليّ. كان نباح أجاممنون الجسور وأنينه يتضاءلان. ما كان لديّ إلا القليل من الوقت. وكَزتُ ترقوة الراهب ثوموند بإصبعي. استيقظ مجفلاً. "إيه؟ إيه؟ إيه؟"

ومع أن استعجال الراهب ثوموند أتى في المعتاد بعكس المراد، أمْلَت عليّ الظروف أن أحاول. صِحْتُ -- الأفضل لي أن أخترق ضباب السنوات، "كنتَ يا سيدي على وشك أن تخبرني بسر مولدي."

"آه، أجل. السر..." راوده شيء من التردد. "سر مولدك. السر الذي احتفظتُ به هذه السنوات العديدة... الذي باح إليّ به... واحد من ... الراهب فيني... الذي كان واحداً من عائلة فيني ببلدة كوكچوردِن ... والدته كانت من عائلة ثورنتِن ..."

"لو بمقدورك أن تسْرع يا سيدي،" اقترحتُ والغوغاء يفتحون بالقوة سُقاطة النافذة فوقنا. تفضل الراهب ثوموند.

"سر مولدك..."

وعقِب نباح خانق أخير حل الصمت على أجاممنون. نمى إليّ طرق صاخب على باب البلوط القديم. قال الراهب ثوموند، "سأفتح الباب. أظن أني سمِعت دقة."

وحين بلَغه، انفجر الباب منفتحاً بعنف لا حد له ليكتسح الراهب العجوز ثوموند جانباً والعديد من عظامه تطقطق ويرميه إلى الخلف لِصْق الحائط حيث خزَق خُطَّاف معاطف مؤخرة رأسه. ومع أنه واصل الكلام، أحالت خشخشة آخر أنفاسه السر متعذراً على الفهم. اندفع الغوغاء كالسيل.

ركضتُ صوب ظلمة الممر الطويل.

وجدتُ الراهب مادريجل، قس الأيتام، في مكتبه بالبرج الجنوبي، يضرب يتيماً ضرباً عشوائياً.

قال، "آه، چود. يومك كان طيباً؟"

ما شئت أن أثقل عليه بالحقيقة المُطولة، ومع ضيق الوقت، أجبت، "أجل."

أومأ برأسه بما يشي بالاستحسان.

"هل تسمح لي يا سيدي أن آخذ خطابي؟"

"أجل، أجل، بالطبع." صرَف اليتيم الصغير الذي سار بقدمين مجهدتين وعلامات الغم تبدو عليه. استدار الراهب مادريجل من مكتبه إلى خزانة المصادَرات ثم توقف بجوار النافذة المفتوحة. "مَن هؤلاء الرجال الغرباء في الفناء يلَوحون بالمشاعل؟"

"لا أَعلم بالضبط،" أجبته بلسان الصدق.

قطب جبينه.

ثم شعرتُ بدافع إلى الشرح, "لقد تبِعوني إلى البيت."

رد الراهب مادريجل, "ومَن بإمكانه لومهم؟" طبَع على شفتيه ابتسامة وشعَّث شعري قبل أن ينتقل مجدداً إلى خزانة المصادَرات المقحَمة في الركن الخلفي الأيسر من الغرفة. ومن الفناء بعيداً أسفلنا ترامت صيحات مضطربة.

فتَح قفل الخزانة وأخرج الخطاب ثم استدار. ووراءه، خارج النافذة، مددت بصري إلي ألسنة لهب تتسارع على طول اللبلاب الميت والنباتات المتسلِقة ثم تختفي عالياً نحو ألواح السقف الخشبية. "مَن،" نبس بصوت متأمل وهو يرنو إلى الظرف، "قد يكتب لك خطاباً؟" انتابه بغتة الإجفال فارتقى إليّ بطرفه. "بالتأكيد! چود، إنه عيد ميلادك الثامن عشر، أليس كذلك؟"

أومأتُ برأسي.

ارتفعتْ منه تنهيدة وأمسك الخطاب المعذِّب في يمناه بلا اكتراث. "چود... لقد احتفظتُ بسر طوال هذه الفترة الطويلة، فيما يخص مولدك. إنه سر لا يَعلمه إلا الراهب ثوموند وأنا، وقد جثم ثقيلاً على صدرينا. أشعر بأنه من الملائم أن أخبرك الآن. سر مولدك..." خامره التردد. "هو..." قعقع قلبي في قفصه لهذه الفرصة الثانية. رمى الراهب مادريجل يديه عالياً في الهواء. "ولكن أين ذوقي؟ هل تود أولاً فنجاناً من الشاي؟ ولا بد أن نُشغل موسيقى. آه، موسيقى."

ضغط على زر تشغيل فونغراف يستقر على الطرف الأيسر من المكتب العريض. طفق القرص الحامل لأسطوانة الدار يدور خمساً وأربعين دورة في الدقيقة. ارتفعتْ ذراع الفونغراف ثم تأرجحتْ لتَسقط على ثَلْم الفتحة العريض من الفونوغراف. ارتجَّت الإبرة الكليلة عبر الثَلْم المخدوش. وفي وهن لا يعلو على الطقطقة أمكننا أن نَسمع آثار نغمة عتيقة.

عاد الراهب مادريجل إلى الخزانة وشغَّل غلاية قديمة تَرقد عليها. ترك خطابي مستنداً إلى الغلاية ثم رجَع إلى مكتبه ليَجلس خلفه على كرسيه الجلدي القديم. أخفت الجلبة المتصاعدة المنبعثة من الغلاية القديمة وطقطقة الفونوغراف الجلبة المتصاعدة وطقطقة ألسنة اللهب بين ألواح الخشب الجافة بسقف البرج القديم.

ربت الراهب مادريجل جانب الفونغراف بما ينم عن محبة. "الصوت أدفأ كثيراً من كل هذه الأشياء الرقمية الجديدة، ألا توافقني؟ ويمْكنك بالطبع أن تدرك أنه جهاز فائق الجودة من إبرته التي تقفز طليقة من سطح الأسطوانة لتَرجع في الغالب إلى نفس الثَلْم الذي تركته لتوها دون أن تفقد موسيقى كثيرة أو تكررها. الذراع..." نقَر أنفه وأرخى جفنيه ببطء. "... في الحقيقة."

أخرج من مكتبه فنجاناً عليه 'إيطاليا 90' وكوباً عليه 'أمريكا 94' ووضع في كليهما كيس شاي.

"لبن؟"

"لا، شكراً." أخذ السقف ينتأ فوقه نتوءاً أوقع فيّ الذعر. لا شك أن السقف الرصاصي القديم بدأ ينهار، تولاني الخوف أن تنسحق صلتي الثانية والأخيرة بالماضي, ومعها كل آمالي.

رد الراهب مادريجل، "منتهى الحكمة. اللبن يُسمِّن البدن ويُغلِّظ البلغم. ولكنك تريد خطابك ولا ريب. وأيضاً... سر مولدك." قام ورأسه يكاد يمس النتوء في الجص، نتوء انقلب الآن أصفر من جراء حرارة شديدة بثها السقف الملتهب أعلاه.

"عمره ثلاثون عاماً، ذلك الفونغراف،" حكى الراهب مادريجل فخوراً بعد أن لمَح نظرتي إلى الجهاز. "ولم أضطر قط إلى تغيير الإبرة أو الأسطوانة. لقد ابتعناه بأسطوانة رائعة. ينبغي حقاً أن أَقلبها يوماً،" قال رافعاً برقة الخطاب المتذبذب من جانب الغلاية المقرقرة، غلاية ضاعت نبراتها الخفيضة وهي تقترب من الغليان وسط خوار اللهب فوقها. "هل لديك يا چود أية خبرة في قلب الأسطوانات؟"

"لا يا سيدي،" أجبته وهو يعود إلى المكتب وخطابي أبيض اللون مقابل سواد ردائه. مد الراهب مادريجل الخطاب حتى منتصف المائدة. بدأتُ أمد إليه يدي. مس الظرف -- الحاوي ربما لسر أصلي -- أطراف أصابعي مكهرِباً بما يطرحه من احتمالات.

وفي تلك اللحظة، وبصوت شيء يتهشم، وطقطقة الخاتمة المبهرة، انتهت الأسطوانة. جذبتْ تقنية الرفع الذراع عن البلاستيك لتعود إلى وضع السكون بطقطقة قوية.

"غريبة،" فاه الراهب مادريجل مسترجعاً في شرود ذهنه الخطاب. "ليس من المعتاد أبداً أن تستمر الطقطقة بعد توقف الأسطوانة." نهض متقدماً إلى الفونوغراف.

غاص نتوء السقف غوصة رهيبة. استدار الراهب مادريجل ثم رفَع بصره.

"آه! ها هي المشكلة! فيضان! لاحِظ السقف الناتئ! لا بد أن خزان المياه طفَح في العُليَّة وتسببتْ الرطوبة الناتجة في فرقعة دوائر الفونوغراف. الرطوبة،" لمس صدغه مرتين، "هي العدو الأكبر للدائرة الكهربائية."

كان من المفروض أن يصرخ الآن بفعل ضجة هائلة أوجدها الهولوكوست المندلع في روافد السقف. أخذ الدخان يَدخل الغرفة.

سألني، "هل تشم رائحة دخان؟" أجبته بأني أشمها. "أحدثتْ الرطوبة دائرة قصيرة،" قال وهو يومئ برأسه. "تماماً كما توقعتُ." مضى إلى أحد أركان الغرفة حيث استقر فأس حريق في صندوق خشبي بواجهة زجاجية. أخرج الفأس من صندوقه ثم سار بخطى واسعة ليقف أسفل النتوء. "لا حل إلا ثقبه وتخفيف الضغط وإلا سينهار السقف." لوَّح بالفأس عالياً في قلب النتوء.

انهمر من السقف سيل من الرصاص المصهور فوق الراهب مادريجل. تدفق النهر الفضي على الفأس والرجل ليغلي جسده ويكسوه بطبقة سميكة من رصاص لا يزال لامعاً، رصاص غلُظ سريعاً وتَشكل وهو يجري على ذراعه الممتدة عالياً، حاق بجذعه قبل أن يَجمد في قاعدة ثخينة حول قدميه على سجادة يتطاير منها الدخان. التمع مغطى بالكامل تحت الضوء الكهربائي، الفأس مرفوعة في يمناه وخطابي يحترق مُفَضَّضاً دون لهب في يسراه.

خطفتُ من قبضته المعدنية آخر ركن غير مغطى من الخطاب فانقصف المثلث الهش بفعل الحرارة نظيفاً عند الحد الرصاصي اللامع.

استكن في ذلك الركن الصغير من الظرف مثلث مختبئ صغير من الورق الأصفر.

استشعرتْ أصابعي وخزاً خفيفاً من فرط الرهبة والترقب وهي تسحب القصاصة من غلافها. ولأنها ركن محترق من صفحة واحدة، مثنية مرتين لتُكون ثلاثة مثلثات في نفس الحجم، تألفتْ القصاصة من مثلث أكبر من الورق المطوي عند المنتصف من القمة إلى القاعدة، ومثلث أصغر غير متقبض من ورق في مثل حجم أخيه المطوي وشكله.

رمقتُ المثلث الصغير بطرفي.

فراغ.

قلَبتُه.

فراغ.

فضضت المثلث الأكبر ورشقتُه بعينيّ.

فراغ.

قلَبتُه وقرأتُ...

رجال

شرجي

رحلة

أمَلْتُه في زاوية منحرفة ليلتقط الضوء، الأفضل أن أعيد قراءته بعناية: رجال... شرجي... رحلة.

لم يتضح سر مولدي تماماً من القطعة، وبدأ البرج يتهاوى من حولي. علَت مني تنهيدة، لم أملك إلا الشعور بشيء من الإحباط لِما انتهى إليه عيد ميلاده. غادرتُ مكتب الراهب مادريجل, ومن خلفي انهارت ألواح الأرضية أسفل كتلته المغشاة بالرصاص. سددتُ نظرة إلى الخلف فرأيته يتلاشى عبر طوابق البرج المتتابعة.

جريت على السلالم. أنعشتْ نسمة وجهي فيما مصت النيران فوقي الهواء عالياً في بئر السلم لتغذي ألسنة اللهب. سادت حينذاك فوضى واندفع الأيتام والرهبان اندفاعاً من كل باب، يضحكون ويهتفون قائلين إن الراهب ماكچي فقد مرة أخرى السيطرة على حصة أشغال الخشب.

شق أول أفراد الغوغاء طريقهم على السلالم، ولأن غلماننا لم يتعرفوا على الوافدين، فقد وقَع بينهم التلاكم. ساورني التردد عند البسطة الأخيرة. أفلت أحد الغوغاء من الشجار، ولمَّا تسلطتْ عيناه عليّ، زعَق، "ها هو يا أولاد!" رماني بقبعته ووثب وثبة. قفزتُ جانباً إلى أقرب باب ودخَلتُ سكن الممرضة.

كانت الممرضة -- أكثر نساء الدار جاذبية، افتتنا جميعاً بها -- غائبة، تَحْضر حفل زفاف حفيدها بقرية بوريس-إن-أوساري. شعرتُ أنه من الحصافة أن أتنكر عن أعين الغوغاء، فسارعتُ بارتداء فستان جذاب من القطن تنطبع عليه مربعات زرقاء وبيضاء. ما شلَّتني متعة عطرها إلا ثوان، وما لبثتُ أن شققت طريقي عائداً إلى المعركة والأيتام والفلاحون يتضاربون شر تضارب.

"أجانب!" صرخ الفلاحون في أوجه الأيتام.

"أجانب!" صرخ الأيتام رداً عليهم لأن بعض الفلاحين أتوا من أماكن بعيدة مثل كلاودچوردِن وباليلاسكي وأردكروني ولوفتي دوج، وبل من ساوث تيبيريري النائية نفسها كما يمْكن الوقوف عليه من غُرز معقدَّة تُثَبت رقعاً جلدية في مرافق ستراتهم الصوفية ولكنات أرخم وأغلظ عابقة بمروج وادي 'سور' النضرة وخراء بقر على جزمهم المطاطية.

"أوغاد أجانب أوساخ!"

"غوروا إلى أورفانيا!"

"زبالة أردكروني!"

أبصرتُ الفلاح رفيع الثقافة -- الذي تفرج على فريق راديوهِد ببلدة بانشيستاون -- يندفع إلى الشرفة والأطفال ينهبون السجائر من جسمه.

انشق الجمع ليسمح لي بالعبور على حين رفَع الفلاحون الأصغر قبعاتهم خلال مروري بهم. صاح الأيتام الآخرون، "إنه چود في فستان!" ولكن ما داخَل اسمي من التباس جنسي خدمني خير خدمة في هذه الواقعة، إذ ساعد الفلاحين الأشد ارتياباً على ظني فتاة دميمة ترتدي في الغالب بنطالاً.

هرَبتُ من الحشد على السلالم الأخيرة فألفيت نفسي عائداً إلى الممر الطويل المقفر.

ومن بعيد خلفي بلَغتني أصوات الغوغاء المضطربة وهم يتعاركون أشر عراك مع الأيتام ورهبان 'يسوع المسيح القادر'. ومن بعيد فوقي بلَغني صوت انفلاق طوب يتمدد، طقطقة خشب يحترق، انفجارات عنيفة في ألواح النوافذ بالبرج الملتهب. لقد أفضت تصرفاتي إلى تدمير دار الأيتام. جلبتُ عاراً مريراً على أسرتي أياً كانت تلك الأسرة التي ستتكشف لي.

اكتشفتُ مصدوماً أني سأضطر إلى الرحيل عن مكان شهِد أسعد لحظات حياتي.

تدفق فوقي الغبار والدخان من حفرة مسنَّنة في السقف، حفرة غاصت منها منذ دقائق جثة الراهب مادريجل المغطاة بالرصاص. تفرستُ فيه وهو يقف مستقيماً فخوراً على قاعدته المعدنية السميكة، يمسك بفأسه عالياً وجسمه كله يتلألأ كعلبة من الفول المحمص مغسولة لتوها أسفل ضوء شمس غاربة تنير من الباب الأمامي المفتوح على طول الممر.

وبجوار الباب الأمامي تعلق الراهب ثوموند من خطاف المعاطف في وقفة أكثر يقظة مما استطاعت عظامه القديمة أن تحتمل في الحياة، اندفعتْ القشة الذهبية من عنق الرداء وردنيه. وفي المدخل نفسه تدلت رقبة صديقي القديم أجاممنون من حبل ورأسه الغليظ المليء بالشعر الذهبي ينتفش طوقاً ضخماً بجانب الأنشوطة، وفراؤه الأصفر الضارب إلى البني يقف بينما التف لسانه الميت بين أسنانه الصفراء الضارية.

ماذا تبقى لي هنا الآن؟

وبصوت تحطُّم متشظٍ وارتطام مسطَّح مدمدم متفجر انفصلتْ واجهة البرج الجنوبي بأكملها لتَسقط أسطوانةً طويلة على العشب حتى ممر السيارات وتُبعثر طوباً دافئاً على طول الممر.

تزحزح الفونغراف بعد ترنح البرج فوقَع وتشقلب مسافة ثلاثة طوابق عبر فتحات صنعها الراهب مادريجل ثم هبط فوراً على جانبه بأحشاء محطَّمة.

اندفعتْ الذراع على الفونغراف عند الاصطدام، وبرنين مطاطي أخذ القرص يدور. غص الهواء بموسيقى عذبة صافية، وشدا صوت رخيم بكلمات لم أسمعها البتة إلا بالكاد.

"بعض...

أين...

آه...

ويرزر...

أون...

بو..."

فاضت نفسي فيضاً بشعور يستعصي على الوصف. شعرتُ بإحساس بالغ بالـ... الحضور؟ لا، لقد كان غياباً، غياباً لماذا؟ لـ... لا أستطيع تحديده. ليت لديّ أحداً لأودعه، ليودعني.

أبطأ الفونوغراف إلى أن توقف بصوت طاحن خليق بأسنان تروس مكسورة.

تطلعتُ حولي للمرة الأخيرة مرسلاً تنهيدة.

"لا مكان مثل البيت،" قلت بصوت خافت للا أحد ثم خرَجتُ من الباب فوق الطوب الدافئ في فستاني الأزرق. تسللتْ الحرارة من نعل حذائي، فوثَبتُ رشيقاً على طول الطوب الأصفر الدافئ إلى أن انتهى.

رنوت خلفي ذات مرة ومددت ناظريّ إلى الجدار المتهدم والسقف المحترق والبرج.

وأجاممنون ميت.

 

 

 

 


* إيميت: روبرت إيميت (1778-1803)، وطني وثائر أيرلندي.

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright © 2006-2012 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.