![]()

![]()
| مجلات أدبية بالإنجليزية |
|
|
|
|
|
|
|
منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون albawtaka@albawtaka.com تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!
![]()
|
البوتقة |
|
فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية |
|
تصدر من جمهورية مصر العربية |
|
العدد السادس والعشرون، يوليو 2010 Twenty-Sixth Issue, July 2010 |
|
|
تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد السادس والعشرين من مجلة البوتقة |
|
تكرم جرام چويس بالموافقة على نشر قصة "جندي عادي من جنود الملِكة" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له. |
|
Mr. Joyce was so kind to permit the publication of the Arabic text of "An Ordinary Soldier of the Queen" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Joyce a great debt of gratitude for his kind permission. |
|
"An Ordinary Soldier of the Queen" by Graham Joyce. Copyright © 2007 by Graham Joyce. Originally published in The Paris Review, Winter 2007. Published by kind permission of the author. All rights reserved. |
|
جندي عادي من جنود الملِكة تقديم: هالة صلاح الدين حسين Posted: Jul.-01-2010 |
|
|
سوف أسأل الملكة. سوف أبوح إليها بما أَعلمه وأسألها عن الحقيقة, ولو غمزتني بعينها, ممم, فسوف تدب المشاكل. إنه أنا, شيماس تود, مولود عام 1955, جندي عادي من جنود الملكة ولا شيء آخر, وهذه شهادتي, شهادة صادقة حقيقة واقعية. إن لم أر الحدث بأم عينيّ, إذن فقد أغفلته. ثمة ما يكفي من الهراء, ولا رغبة لي أن أضيف إليه. انضممت إلى الجيش في الثامنة عشرة. خدمت اثنين وعشرين عاماً. بدأت عسكرياً في فوج ستافيردشير ثم ترقيت لأصل إلى رتبة رقيب يَحمل الراية. ثلاث مدد للخدمة العسكرية في أيرلندا الشمالية ثم التحقت بفوج الإنزال الهجومي في جزر فوكلاند كجندي تكميلي بعد إصابة أحد أفراده في المعركة. أصابت رصاصة طرف إصبعي أثناء سير الدورية في جنوب مقاطعة أرما -- المعروفة ببلد قطاع الطرق -- على حين كان جندي آخر يحكي لي نكتة عن ثلاث راهبات يقطفن عيش الغراب. إصبع خاتم الزواج, اليد اليسرى. من حسن حظي أن قناص الجيش الجمهوري الأيرلندي كان خيبة في التصويب. كذلك كسرت رجلي في جزر فوكلاند, ولكن الكسر حدَث في مباراة كرة قدم بعد أن استرجعنا الجزر من المجندين الأرجنتينيين. انزلقت على خراء خروف. لا إصابات أخرى يمْكن الإبلاغ عنها من بين كل خبراتي القتالية. عندما بدأتْ حرب الخليج عام 91, نظرت إليها نظرتي إلى مهمة أخرى لا غير, عدا أني صرت وقتذاك صاحب خبرة أعتني بفصيلة من الأولاد الجنود. وظيفتي أن أنهي إليهم بأن كل شيء طبيعي. كان معظم غلماني جِراء بأنوف وردية, صِبية في الثامنة عشرة أو الواحد والعشرين. كنت أباهم الغضوب ضخم الجثة, وقد حرصت على سلامة كل فرد منهم. قالوا جميعاً إنني صارم وإنما عادل. أوافقهم القول. حرصت على سلامة أولادي, ولم يجهلوا ذلك الحرص. كاشفتهم: "الولاء وحس الفكاهة هما ما أرغب فيه, ولكن طظ في حس الفكاهة." طالما أغرقوا في الضحك بعد تلك الجملة. الحرب أمر طبيعي. لذا فهي وظيفة ذات أجر. لا تسل, لِم نحن في الخليج؟ لِم نحن في أيرلندا؟ لِم نحن في جزيرة بجنوب الأطلنطي يغطيها خراء الخرفان ولَم يسمع عنها أحد قط؟ ممنوع أن تجادل الملكة. انتظم في التشكيلات. اخرج لبدء المناورات. تقدَّم بإصرار.
كنا نَعلم في تلك السنة أننا ذاهبون إلى الحرب قبل فترة طويلة من عيد الميلاد المجيد. ما أبلغوك بشيء بيد أن قرع الطبلة يتناهى إليك. لا يسعني التفسير. إنك في الخدمة الفعلية, وهناك قرع على طبلة, صدى, عله قلبك أنت يدق بهدوء لا يعادله هدوء, ينبض بصوت مكتوم إلى أن يقع شيء أو يسرحك الجيش. اسمع القرع, استلِم الأمر. ومع وجود المدرعات الثقيلة في البحر بالفعل من المنتظر أن ينقلونا بجسر جوي عقب عيد الميلاد المجيد, لذا أمكنني أن أقول لأولادي: اركب رفيقتك وقبِّل زوجتك واستعد للرحيل. هو ما قلته دوماً, وقد نال دوماً أيضاً من الضحك ما نال. ولكن أرباب الأُسر, مَن لديهم في بيوتهم كتاكيت صغيرة, سرعان ما ينطفئ النور دوماً في أعينهم. آه, خيرٌ له أن يبتاع للغلام تلك الدراجة الجديدة هذا العام. آه, خيرٌ له أن يبتاع للبنت الصغيرة ذلك الدب الكبير المحشو. في غضون عدة أيام سوف تصبح شرائط شجرة عيد الميلاد وبطاقات عيد الميلاد وجوز البرازيل كلها مجرد مربع في روزنامة العام الماضي, ونصبح نحن في صحراء السعودية, نصطف في مواجهة كتائب صدام حسين العراقية لطردهم من الكويت. صرح صدام أنها ستكون "أم المعارك," ومع قوله هذا دب الذعر في نفوس الجميع. إلا أن المعركة لم تتكشف عن هذا المسار. والآن, لم يسْر في نفسي خوف من الصحراء بيد أن القتال اختلف عما اعتدت عليه. من شارع إلى شارع, من منزل إلى الآخر, ظِل ينتمي إلى المدينة – إنه أنا. تعلمت في أيرلندا أن أحْسن السلوك واللفظ, وقد نفعني ذلك التعليم خير نفع في البوسنة حين كنت ضابطاً لحفظ السلام تابعاً للأمم المتحدة, وقبْلها في حقول المستنقعات بجزر فوكلاند. أعطني مخبأ بدائياً وأرضاً وعرة ونصف ظل, وسوف أكون حاميك. إلا أن الصحراء المنبسطة غير المطروقة: فليست ساحتي. الدبابات في الصحراء هي المطلوب. نظِّم دباباتك في صفوف. اجعل قوتك الجوية تبهدل ما تستطيع بهدلته من دبابات العدو قبل أن تأسرهم. ليست بالمهمة المعقدة. ولكن عندما تضرب بالفعل قرية أو موقعاً دفاعياً, لا بد أن تصاحبك كتيبة المشاة – هذه أنا – كي تجاري دبابات 'المحاربين' المصفحة, ونتمكن من الترجل والالتحام عند خط المعركة, نطهر الساحة من بقايا العدو بالرصاص والقنابل اليدوية والحراب. وعندها ينطوي قلبي على السعادة. لا تتسنى لي الفرصة كثيراً لاستخدام تلك الحربة, ولكن يحلو لي حقاً أن ألمعها وأحِدها. إنما إلى أي مدى يمكن للحربة أن تطول عندما يبزغ تهديد جاد باستخدام الغاز والكيمياويات لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى؟ تدربنا وتدربنا وتدربنا كي نُثَبت تلك القلنسوات الكيميائية المخيفة في مكانها. حاجة مقرفة. تسمع أنفاسك الثقيلة. كل رفقائك بعيون جاحظة كعيون البق يحاولون رؤية وجهك خلف القناع. اجعل حُقَنك على أهبة الاستعداد. إنه ليس قتالاً. ولكنك مرغم عليه. ولكن لن ينال من أعصابك إلا الملل ابن الوسخة. كنا قد أكملنا التدريب في إحدى الأمسيات, وكنت أقف يقطر مني العرق وأستعيد أنفاساً تقطعت من الجأر في وجوه الغلمان من خلف القناع. صرَفت الغلمان ووقفت ويداي ترتكزان على وركيّ وعيناي تتطلعان إلى السماء فوق رمال الصحراء المسطحة. "إلام تنظر يا سيادة رقيب الراية؟" كان هذا غلاماً يدعى دوركي. غلام طيب القلب, ولكنه لا يَخرس. اعتاد أن يَلحق بي هنا وهناك كما الكلب الصغير. لا يَقبض لسانه عن طرح الأسئلة: ما هذا؟ ما ذاك؟" "تعال هنا يا دوركي. انظر هناك. ماذا ترى؟" "لا شيء يا سيادة رقيب الراية. لا شيء هناك. صحراء, مجرد صحراء يا سيادة رقيب الراية." "انظر مجدداً يا بني." "لا أستطيع أن أرى شيئاً. ولا حاجة." "انظر إلى تلك السماء. هل أبصرتَ قط سماء بهذا اللون؟" "لا يا سيادة الرقيب." "لستُ 'سيادة الرقيب', 'سيادة رقيب الراية' يا حمار. ما لونها يا دوركي؟" "وردية يا سيادة رقيب الراية." "ليست وردية يا ابن الغبية. انظر مرة ثانية." أَقبل بعض الغلمان الآخرين بخطوات منهكة قابضين على أقنعتهم الكيميائية العرقانة وراغبين في معرفة ما نرنو إليه. "دوركي يقول إنها لا شيء," أوجه إليهم الخطاب. "ثم يقول إنها وردية, ولكني أقول إنها ليست وردية. ما هو لون تلك السماء؟" "أرجواني شاحب," يقول تشاد, صبي من منطقة بلاك كانتري. "مش كده؟" "لا, ليست أرجوانية شاحبة," نفى بروستِر, وغد من ليفربول, غلام ماهر في القتال. "ليست أرجوانية شاحبة." وإذا بسبعة غلمان أو ثمانية يتطلعون إلى ذلك الفراغ في محاولة منهم لتقرير لون هذا الفراغ. الحقيقة هي أن لا علم لي بلونه. إنها أجمل سماء طالعتها طيلة حياتي, ولا علم لي بلونها كي أصرح به. "أترون تلك السماء يا أولاد؟ من أجلها التحقتم بالجيش. لا لتصفية حسابنا مع العراقيين فحسب, وإنما أيضاً لتقع أبصاركم على مناظر خارقة, مثل تلك السماء." أبتعد بعدئذ تاركاً إياهم يهرشون رؤوسهم. لا يَعرفون إن كنت أهزأ بهم أم لا. لا أَعرف أنا الآخر. وإن كنت أتذكر ما دار ببالي: انظروا إلى السماء الآن لأنها سوف تُظلم.
انتظار, تدريب, انتظار, تدريب. استخدم صدام مواد كيميائية ضد الإيرانيين والأكراد وعرب الأهوار, لذا نتوقع أن يرشق وجوهنا بها. في القريب العاجل, كما يقولون. إلا أنها لا تأتي. تَغرب الشمس بضع مرات أخرى بينما يَقوم الهجوم الجوي بطلعات خاطفة فوق العراقيين المحتلين للكويت لإضعاف مقاومتهم. يتضح أن العدو يتجرد من هجوم جوي جيد يرد به علينا, فيجول في خاطري أن هذه الحرب ستكون قصيرة. لا تلذ لي عندما أجدها في منتهى السهولة. إن كانت في منتهى السهولة, فهي لا تستحق. من المفترض أن هذا الجيش هو أكبر جيوش الشرق الأوسط. ماذا يفعلون؟ يستبد القلق بنفوس الأولاد من جراء الانتظار. ثمة القليل من الصد والرد مع المدفعية, ولكن مهاجمينا الوحيدين ما هم إلا طائرات مروحية. أنظمة إطلاق الصواريخ المتعددة تضخ الصواريخ, ومع هذه الأشياء الصغيرة الأشبه بالبق – مركبات تُقاد من بعد بدون عنصر بشري – تئن في السماء كي تبعث بالإحداثيات إلى أجهزة الكمبيوتر لنتمكن من رمى المزيد من الصواريخ, طفقت أُحدث نفسي: إنها النهاية يا صاحبي. نوعيتك من الجنود عمالة فائضة عن الحاجة, سيطردونك من الخدمة, سيصرفونك من الجيش. القصد, لا شيء يعود. إنها حرب من جانب واحد إن لم يمتلكوا التكنولوجيا. وبعدها, في نهاية يناير, يتحرك العراقيون. يقطعون الحدود الكويتية إلى محافظة الخفجي. لا يستمر الاحتلال طويلاً. تترامى إلينا شائعات بأن المساجين العراقيين الأسرى في الخفجي تنقصهم الشجاعة من أجل القتال. ما خالج أحداً ارتياح خالجني حين نقلوا إلينا ساعة الحرب. نتوغل شمالاً في وادي الباطن ثم ننعطف مباشرة إلى مدينة الكويت, وعلى الرغم أن المرض يَلوح قليلاً على غلماني خلا بروستِر المهيأ تماماً للمعركة, ترتفع ضحكاتي وغنائي, وادٍ, وادٍ, ندخل الوادي, وأولادي يقولون: إنك مجنون يا سيادة رقيب الراية, إنك مجنون. لست مجنوناً. الأمر وما فيه أن سعادة طاغية تعتريني لمَّا أَعرف أني أفعل ما هو متوقع مني. انتظم في التشكيلات. اخرج لبدء المناورات. تقدَّم بإصرار. أخذتْ عجلات فرقة المدرعات البريطانية الأولى – نحن جزء منها – تتحرك في الرابع والعشرين من فبراير 1991. اِستمع إلى ما يَصدر عن محركات الحرب من ضجيج. السماء ملبدة بالغيوم, الجو بارد, تمطر. جو بريطاني في الصحراء. يَركب ضباط الأركان في بدن دبابة 'المحاربين,' خلف الدبابات مباشرة – إننا نتحرك. نلج الصحراء في صخب. ترِد إلى مسامعي بعد شروق الشمس انفجارات المدافع تتعالى من اشتباك الدبابات. ما لم أقف عليه هو أن الأمريكيين والفرنسيين لبَدوا شمالاً كي يَصفقوا الباب الخلفي وراء العراقيين. لا يمتلك العدو استطلاعاً جوياً حتى الآن, وعليه لا يسعهم الاطلاع على هذه المعلومة. لا إمدادات, ولا مخرج. انشووا في الفرن, ونحن على وشك أن نَرفع الحرارة إلى درجة 200. ما استدرنا شرقاً إلا بعدها, في خلال اليوم الأول, كي ننازل قوات العراق المدرعة حول الحدود الكويتية. يراودني إحساس غريب بأن الحرب وضَعت أوزارها بالفعل عقب اليوم الأول, فلا شيء يند عنا إلا التقدم. تنجرف هبات سوداء من الدخان فوق الرمال بينما لا يقترب بأي حال من الأحوال صوت الانفجارات المكتومة للاشتباكات. نتوقف لكي نزيل عن الساحة منصتيّ مدفعين, إلا أن المقاومة ضعيفة عدا طلقات قليلة أطلقوها. نعتقل بعض قواتهم – مجنَّدين وصِبية يحاولون الابتسام في وجوهنا – ثم نرجعهم من نفس السبيل كما يليق بأسرى حرب. لا يوجد قتال. ليس بوسعنا إيجاده. لا يكُن منا إلا التوغل في الصحراء, يتكتل دخان أسود كثيف, ورائحة نتنة غريبة. بمقدوري أن أرمي ناظريّ إلى الدخان, بمقدوري أن أسمع البنادق, ولكن أين الحرب؟ لا للإيحاء بأني متلهف عليها شأن بعض الصِبية الباحثين عن الإثارة. سوف أخوض الحرب لو حدَث ووُجدتْ الحرب, ولكنني تعلمت ما يكفي من حسابات الحرب. لن ترغب في وضع نفسك في الخانة الحمراء لمجرد أنك مكثتَ في الساحة أطول مما ينبغي. تسير الدبابات ساعات, تمر بهياكل دبابات محترقة حتى آخرها ومركبات مدرعة مسحوقة, كلها عراقية. لا يزال اللهب يَلعق من بعض أبراج الدبابات, والدخان ينحل من أحشاء المحركات. المعدن منبعج ومثني. المركبات مغروزة في الرمال. عَجَلْ جرار ماركة كاتِربيلار مدفون عميقاً يكسوه التراب وكأنه هناك منذ سنوات. يُصَدر المشهد بأكمله انطباعاً بأن معركة من المعارك انتهت منذ دهر. أمرٌ وحيد يجعلك موقناً بحداثتها: من حين لآخر جثث محترقة لجنود مطروحين من مركبة طالتها القنابل. أو نصف جثة لا تزال في مركبة مثلها مثل قطعة سردين صغيرة لا تستطيع إخراجها من ركن العلبة. نصوب على أية حال الطلقات إلى كل دبابة محترقة نجتازها, إمَّا بمدفع راردِن عيار 30 وإمَّا بالبندقية الرشاشة. بغرض التأكد ليس إلا. حسناً, ولا حتى لذلك الغرض – بل لإحباط ساورنا لعدم وجود ما نضربه بالنار.
إنني في برج الدبابة بصحبة المدفعي. لا تبرح الومضات الفسفورية تذهب وتجئ فجأة على بعد أميال قبالتنا, تتلوها ما أرغب في تسميته "ارتعاشة؛" وكأن عينيك يَنزل بهما الارتجاف للحظة. تتطاير رائحة مع الهواء, لا شيء يماثل الرائحة الكريهة المألوفة المنبعثة من الحرائق والقذائف شديدة الانفجار. لا تروقني. عندما تتعلق المسألة بالقتال, لا يروقني أي شيء لم أره أو أشمه من قبل. ذلك ما يَقوم في ذهني حين نتعرض لإطلاق النيران. مدافع الهاون وأسلحة صغيرة. "رؤوس الخِرَق, خمسمائة ياردة تقريباً, ربع ياردة يساراً." يلفظ سائقي كامينجز, رجل متحجر الشعور حاد السلوك من مدينة بريستول, وشوم من الخراء مدقوقة على عنقه بالكامل. "اندفع إلى ذلك المنحدَر, ربع ياردة يميناً." نحاول الاستكانة خلف أحد الكثيبات. تتوقف مركبتنا بلا حراك في الرمال وتنقطع الطاقة عن المحركات. أجُر مفاصل أصابعي على جانب رأس كامينجز. "لا تدعني, وأكرر, لا تدعني أسمعك تشير إلى العدو برؤوس الخِرَق أو رؤوس الفوط أو زنوج الرمال أو أي لفظ ابن وسخة آخر إلا العدو ابن الوسخة, مفهوم يا كامينجز؟ مفهوم؟" "سيادة رقيب الراية!" خليق بهم أن يَعلموا ذلك بحلول هذا الوقت. لن أسمح بهذه الألفاظ. لا في منتصف القتال. في الحانة أو كافيتريا الجيش أو الماخور يمكنهم تسميتهم بما يتزفتون بتسميتهم به. ولكن ليس هنا. لن أسمح بها. "لِم لا؟" أسأله. "لِم لا يا زفت؟" تسقط قذيفة من أحد مدافع الهاون, يصك أذنيّ أزيزان والرصاصتان ترتطمان بمركبتنا المدرعة. يحسبني الأولاد الكائنون خلفي مجنوناً. نتعرض لإطلاق النيران وأنا أعطيهم تدريباً يليق بتدريبات ساحة استعراض الجند. ولكنني أَعلم أن مدافع الهاون لن تصل مطلقاً إلى أهدافها وأن الطلقات مستهلكة عندما تضرب جوانب دبابة 'المحاربين.' "هيا! فلنسمع منكم!" "الاستخفاف بالعدو يا سيادة رقيب الراية," يجيب بروستِر الأول على دفعته. سوف يردف ولكنني أقاطعه. "أم الاستخفاف بالعدو! لا أدري ما بين أيدينا هنا إلا أن وراءهم تماماً يجثم الحرس الجمهوري العراقي. حرسٌ تلقوا تعليماً أحسن ممن خلفوكم يا كامينجز. جنود مَهرة أيها الجاموس. مخلصون لصدام. ليسوا رؤوس فوط ولا رؤوس خِرَق ولا زنوج رمال؛ إنهم الأعداء أولاد الكلب وسوف تبدي احتراماً لقدرتهم على نسف أم دماغك يا كامينجز؟" "سيادة رقيب الراية!" يفوه كامينجز وقد عم التورد وجنتيه. يعلو أزيز سلسلة أخرى من الرصاصات تصطدم بدبابة 'المحاربين.' "لقد اخترع أم هؤلاء الناس القراءة والكتابة بينما كنا نحن لا نزال نعيش في أكواخ من الطين ونرقص حول أم الأعمدة الحجرية بوجوه زرقاء, أتفهمني يا كامينجز؟" "سيادة رقيب الراية!" حسناً, حسْبنا هذا الحديث. يرمقني كل الغلمان الواقفين في الخلف بأبصارهم فيتبدل مزاجي وأسدد إليهم ابتسامة لطيفة عريضة وكأنني مجرد محشش. "غلمان شُطار. "والآن, ماذا لدينا؟" يتضح أن هناك منصة مدفع صغيرة مقحَمة في الرمال, لا تزال نشطة خلف خطوطنا الأمامية. هذا هو الداعي الرئيسي لوجودنا هنا. تطهير الساحة من بقايا العدو. اِرتدِ قفازات ماركة ماريجولد وأخرِج مواد التبييض والتلميع, ولمِّع العالَم. من المفترض أن أشعتنا تحت الحمراء باستطاعتها أن تُعْلمنا بعدد ما طمروه من جثث, ولكنها متهببة في حاجة إلى إصلاح, طبيعي. تعمل كل هذه المعدات بصورة سليمة إلى أن تحتاج إلى تشغيلها والرمال نافذة إليها؛ ومع ذلك يداخلني شك أن العطل قد يتعلق بهذه الومضات الفسفورية. لا يهم. مركبتنا المدرعة مجهزة تجهيزاً جيداً لتدمير العدو. تناسبنا تضاريس أرض المعركة. ينهض تل صغير عند جناحنا الشرقي كي أتمكن من إرسال غلامين إلى هناك للهجوم على الموقع فيما تغطيهما نيران المدفع. يتطوع بروستِر ودوركي, وكذلك واحد أو اثنان آخران. أعطيهما الإذن بالبدء, ولسبب ما – لا أقف عليه – يقر عزمي أن أذهب معهم وأعاونهم. لا للقول إنهما في حاجة إليّ. آمُر السائق بأن يُشغل المركبة ويتحرك خمسين ياردة مطلقاً اثنتين من القنابل الفسفورية البيضاء لصنع ستار من الدخان, وذلك حتى نتسلل وننطلق خلف التل آملين ألا تقع علينا عين عند الوصول إلى التل, نبصر فوق الرمال دبابة عراقية محترقة تماماً, ربما على بعد مائة ياردة تقريباً. نستكشفها. ترقد حولها جثث. معدومة الحياة. أمر واضح تمام الوضوح. يخدمنا الستار قليلاً, نصعد خلفه حتى نقِيم معداتنا لنساعد دبابة 'المحاربين' على تصويب النيران إلى غرفة عراقية تتحصن تحت الأرض. "يا للخراء," يتفوه دوركي. يرمي ناظريه إلى جذع إنسان قريب. أو على الأقل ما أحسبه جذع إنسان. لا تزال الذراعان والرِجلان متصلة به غير أن شكله غريب. متقبض. مقرف المنظر. "لا تعبأ بما حولك," أصيح في فظاظة. "جهِّز نفسك للمهمة!" إلا أن هذا الشيء يشل حركة بروستِر ودوركي. تتطلب إشاحة النظر جهداً أي جهد. "بحق السماء يا أولاد," أدمدم بصوت عميق خفيض. يبدأ التمرين, يمضيان إليه بأقدام يلم بها شيء من الارتباك, خطى متململة عصبية, ولكنهم أقاموا ظهورهم وتصَرفوا كما ينبغي لهم كجنود. أرنو إلى هذا الشيء بطرف عيني, لا أريد أن يفطن الغلمان أن ذعراً لا حد له ركبني أنا الآخر منه. إنها جثة – من نوع ما – لجندي عراقي اندلق من دبابته. جزء من رأسه غائب بيد أن أغلب بقيته موجود. لا يسعني أن أرى يدين وقدمين. لا يدب فيّ الضيق. فقد رأيت طيلة عمري ما يكفيني من أشلاء, وبعد انقضاء فترة, لا تختلف الأشلاء عن حشو شطيرة من لحم البقر. إلا أن هذا الشيء: إنها جثة, ولكنها تقبضت لتستحيل إلى نصف حجمها المفروض. استوقف ذهني أنه قد يكون غلاماً غير أن لحيته نابتة, وهو لا يبدو في صورة غلام على أية حال, يبدو وكأن الشيء برمته التوى التواء حقيبة بلاستيكية تضرم فيها النيران. ثم خلفتْ خيالاً مخيفاً وراءها, خيالاً على هيئة رَجل فوق الرمال. الجنود جاهزون ومهيأون, ولكن ينبغي أن أنقل هذه القذارة البشعة إلى مكان آخر. أدنو من الشيء وأحاول أن أدفعه بجانب قدمي تحت الدبابة بعيداً عن مرآهم بيد أن قدمي تشق جزءاً منه. لا شيء يُلحق بمعدتي الجيشان. فأمعائي مصنوعة من حديد مسبوك. ولكن -- وللمرة الأولى منذ سنوات وسنوات -- تلين أحشائي. يلتصق بعض من الشيء بقدمي. أقشط رمالاً وحطاماً وأدفع أغلب ما أمكنني تحت الدبابة. أعود. دوركي وبروستِر يرصداني الآن. "كله جاهز يا أولاد؟" "سيادة رقيب الراية!" يَنقل بروستِر رسالة باللاسلكي إلى دبابة 'المحاربين' ثم نراقب المدفع وهو يرتفع بطيئاً قبل أن يتثبت. نتوقف مؤقتاً قبل أن تُطلق دبابة 'المحاربين' القنابل على موقع العراقيين. يشاهد دوركي النتائج من خلال المنظار ناقلاً إلينا الأحداث. يتكبد ذهني مجهوداً كيلا أفكر في هذه المادة اللزجة الملتصقة بجزمتي. "اقصفهم." "بندقية رشاشة!" يعلن بروستِر عن طريق جهاز اللاسلكي. الباقي ليس بالكثير. بعد أن أضعفهم المدفع والبندقية الرشاشة يَخرجون ولا يند عنا إلا تسديد أسلحتنا. لم يكن من بينهم حرس جمهوري. إنهم مجندون؛ كابدوا ما فيه الكفاية, يترنحون وهم خارجون وأياديهم فوق رؤوسهم. البادي أنهم يظنون أننا أمريكيون. فِكرتهم عن الأَسر هي أن يحاولوا التحدث إلينا باللهجة العراقية.
وفي وقت لاحق, بعد أن نرجعهم من نفس السبيل, يتكرر نموذج التطهير عدة مرات. لا يتغير إلا الغبار. تثير الدبابات والمركبات المدرعة الكثير من الرمال لدرجة يَصعب معها رؤية المشهد أمامنا. نتابع السير مستعينين بإحداثيات اللاسلكي ونشاط الأشعة تحت الحمراء. نتوقف مرتين كي نفحص دبابة مدمَرة أو مركبة أخرى, لا تنفك أبصارنا تلتقط تلك الأجسام البلاستيكية المتقبضة بظلالها ثلاثية الأبعاد, ولا أمسك عن التفكير: ما نوع السلاح الذي يَقبض كائناً بشرياً, ولكن لا يحطم دبابة؟ قصدي, الدبابات محترقة إلا أن هياكلها سليمة. أضطر إلى تفريق مجموعات صغيرة من الأولاد الواقفين منوَّمين مغناطيسياً حول هذه الأجسام المتقبضة. "لا تنظروا إليها يا أولاد. تقدَّموا بإصرار." نتلقى بعد بضعة أميال من السير رسالة لاسلكية موجهَّة إلى عملية تطهير أخرى. وكما جرى في السابق: إطلاق جماعي للنيران عدة مرات لقلقلة الرمال من حولهم, وبعدها نخترق خطوطهم. يتدفق العراقيون تدفق النمل من عش مسموم, ولكني لا أريد أن يخامر أولادي رضا زائد عن اللازم. لا تَعدم المعارك مقاومين حتى النهاية, ولا أرغب في الاستعجال. أتوخى القواعد بحذافيرها, إنه أنا. فأنا ملتزم بإرجاع كل أولادي إلى الوطن بكامل ملابسهم. يَصنع الغبار والرمال الدوامات من جراء رياح قوية تهب من الشرق. تسطع منها رائحة التوابل ودخان المحركات, الجو خانق خنقاً حتى إننا نرغم الآن على الاقتحام بأوشحة فوق وجوهنا كي نمنع أنوفنا وأفواهنا من الانسداد. أنفصل هذه المرة عن البقية برفقة خمسة من أولادي, دوركي وبروستِر من بينهم. تُقْبل إلينا من مكان ما إزاءنا نيران قناص, تطير النيران عمياء في الغبار. ننحني خلف أحد الخنادق. يَعلمون الروتين المعتاد. أتحرك بعيداً عن الهدف؛ سوف يزحفون على بطونهم عند فواصل زمنية ممتدة بيد أنهم لن يفارقوا مرمى البصر مستغلين عاصفة الغبار كستار. وفي غضون زحفهم يُحْدث أولادي الآخرون ضجيجاً ببندقية دبابة 'المحاربين' الرشاشة حتى يطلقوا النيران ويدعموا هجومنا. أتقدم بالمعدات الثقيلة فوق الأرض الوعرة مسافة عرضها قد يصل إلى ثلاثمائة ياردة. ينمي إلي أذنيّ صوت رصاص القناص وهو يطلق النار على دبابة 'المحاربين', ولكن تتعذر عليّ رؤيته. يغدو الغبار أشد كثافة. تَنشط ريح قوية, وأعجز عن تحديد كمية ما تثيره حركة المركبة من غبار وكمية الغبار الناتج عن عاصفة طبيعية تذروها الرياح إلا أنها تخلق دوامات وتندفع عنيفة من جانب إلى آخر شأن ذيل عظاءة رملية. أمد بصري إلى الجانب الآخر من الخط. الغبار في منتهى الهياج حتى إنني أستطيع بالكاد أن أرى بروستِر, الداعم الأقرب إليّ. أُلوح إليه. يبصرني فأشير إلى عينيّ محذراً إياه أن يلبث على مرمى بصري ومرمى بصر الرجل الثاني. لا أريد أن يطلق أحد جنودي عليّ النار: فتلك الحوادث تحدث طيلة الوقت أثناء القتال. يَرفع بروستِر إبهامه دلالة على الفهم. ننقل خطانا ببطء في اتجاه موقع العراقيين. لا يزالون يرسلون نيراناً جامحة غير منتظمة. يخبرني حدسي أن هناك واحداً أو اثنين منهم فقط لا غير, ربما على بعد ثلاثمائة ياردة. أذهب على بطني. ثم يَرفع الغبار سياطه من جديد. تدير الرمال لوالب عدوانية في الهواء, طائر السَّبَد, شيء داكن, شأن مخلوق حي, جزء منه دخان وجزء منه رمال. الغبار كثيف كثافة أعمت بصري عن بروستِر, ولكن لو استحضر تدريبه, لن يزايل محله قيد أنملة حتى نعيد تعيين المدى البصري. لا أَقدر أن أبصر ما يربو على ربما عشر ياردات في الضباب الرملي الأصفر. جميعنا عاطلون من أجهزة اللاسلكي: لا شيء مثل زعيق أحدهم عبر الجهاز وأنت على بطنك على بعد ست أقدام من العدو. قد أستطيع استعمال جهاز اللاسلكي باطمئنان مع تواصل هذه الرياح والجلبة غير أني لا أريد الإقدام على هذه المخاطرة. ننتظر. أستطيع أن أسمع خلف الرياح مدفعيتنا تسحق المخابئ العراقية على مسافة بضعة أميال أمامنا. وبعدئذ أعجز حتى عن سماع ذلك الصوت. تبدأ العاصفة الرملية تهدأ بعد هنيهة. أغطي فمي بوشاح قطني مهلهل يكاد يتيبس بفعل ما تخلله من تراب. أستشعر وخزاً في عينيّ ويسري العرق قطرة قطرة على طول عمودي الفقري المتقوس. أدقق النظر إلى بقعة أبصرت فيها بروستِر آخر مرة, ولكن رغم انقشاع الغبار أعجز عن رؤية شيء. لم أتمكن من رؤية شيء خلا المخبأ العراقي, موقعي منه أقرب كثيراً مما يجب. الساحة مقفرة من أي نشاط. تلقى المخبأ ضربة مباشرة, تتناثر في المكان الجثث. ولكنني مُعرض للهجوم, ولا أثر لبروستِر بعد. أَحمل قنبلة فسفورية بيضاء. أقرر استخدامها, فبالإضافة إلى إزالة أي شيء ضمن حدود خمس عشرة ياردة من مكان سقوطها, تبعث بإشارة قوية. أسارع بقذفها صوب المخبأ وأهبط لصق الأرض وعيناي تُعْرضان عن الوهج لتجنب انبهار بصري بالضوء. تنفجر القنبلة ويتصاعد الدخان بسرعة أي سرعة. أي شيء يَخرج من المخبأ سوف يسير على خط نيراني المباشر. ولكن لا أحد هناك. أَثبت. لا أزال في انتظار أن تلتقي عيناي بعينيّ أي ولد من أولادي. قد تتراوح القدرة على الرؤية في الغبار بين عشرين ياردة وثلاثين ياردة, ولا تزيد المسافة عن ذلك. يخيم الهدوء على كل شيء عقب صدمة قنبلتي الفسفورية. بل إنني لا يمْكنني سماع صوت المدفعية شمالاً, وكفت طائرات الرصد كلية عن التحليق. أقرر أن أوقظ جهاز اللاسلكي. جهازي, كما هو حال جميع الأجهزة في وحدتنا, ما هو إلا قطعة من الخردة عمرها عشرون عاماً, وقد تهبب تعطل وأبلغنا عن عطله المتهبب ولم ننل عُدة بديلة. لا بد أن أُجري عدة اتصالات قبل أن يقلني شخص في دبابة 'المحاربين.' "مَن هناك؟" أسأل. "ثعلب." إنه العريف ميديلتِن. الثعلب اسمه الحركي؛ الأسماء العادية ممنوعة عبر جهاز اللاسلكي. "أين أنت يا أفعى؟" يستفسر. "إنني عند المخبأ. أين صدى وشجاع؟" اسما بروستِر وكامينجز الحركيان. "تهتَ منهما يا أفعى." "هل رأيتَ الوهج؟" "وهج؟" "القنبلة الفسفورية يا أبله. لا يمْكن بأي حال أن تتزفت تخطئها. إن لم تستطع الاتصال بصدى وشجاع لاسلكياً, أرسِل لي ولدين آخرين لتطهير هذا المخبأ." لا يَسلم ذلك النهْج اللاسلكي من الأخطاء. فالمحادثة العادية ممنوعة هي الأخرى إلا أننا داخل شبكة مغلقة في مدى قصير والاستياء البالغ يستولي عليّ من كل شيء. "لا وهج يا أفعى. أعطني آخر إحداثياتك." أستريح في جلستي وأنتظر. لا تختلف السحابة الصفراء الكثيفة الحاوية للرمال والغبار عن غاز, ضباب كبريتي, ولا أزال عاجزاً عن رؤية ما يفوق ثلاثين ياردة. أنتظر نصف ساعة, ثم أفعل ما آمر أولادي بعدم فعله مطلقاً: أقترب منفرداً من المخبأ. لا لشعوري بأي شجاعة, وإنما لِما ينتابني من ضجر. في منتصف القتال والضجر ينتابني, وعندما ينتابني الضجر أفْرط في التفكير مما يبث فيّ خوف يفوق خوفي من العدو.
المخبأ محصَّن جيداً بالأكياس الرملية, هناك بندقية مكسورة سوداء اللون كبيرة الحجم, منسوفة في منتصف المسافة فوق الأكياس الرملية. بمقدوري أن أشم الزيت والصلب المشقوق. أدنو وئيد الخطوات من المؤخرة. المخبأ خال من الأخطار: لا عدو حي. وإن ألفيت العديد من الموتى منهم. ما أفضت قنبلتي الفسفورية إلى شيء – هذه جثث كلها متقبضة ذابلة مثل المرئية من قبل. متقبضة بظلال مبتكرة مسفوعة في التراب. أرفس علب الطعام وأُقلب النظر في المكان. لا أثر لمعلومات استخبارية مفيدة, وأنا في حاجة إلى العودة إلى وحدتي. المشكلة هي أنني أجهل موقع وحدتي, ولا يزال جهاز اللاسلكي معطلاً. أَخرج من المخبأ مرتقياً التل لأرى إن كان بمقدوري إيجاد إشارة أفضل. ومن مسافة قد تُقَدر بعشر ياردات من الأكياس الرملية يَبلغ سمعي طقطقة حادة معدنية. شاهدتَ تلك الأفلام الحربية, ربما عن فيتنام, التي يدوس فيها جندي لغماً ثم تنتقل اللقطة بغتة إلى التعبير المرتسم على وجهه حين يكتشف ما صنعه. توقف مؤقت. بووم! لا. لا يقع الأمر هكذا أبداً في الحياة الواقعية. تدوس لغماً حديثاً فلا يتأتى لك التوقف ولا يتخلف لك وجهاً كي تطبع عليه التعابير. لا تقف على الحدث. ولكنني أدوس على شيء فتند طقطقة عالية. لا عِلم لي بماهيته, ولكني أشعر بصفيحة معدنية تحت قدمي. وطأت شيئاً وفعَّلت آلية تنطلق بالزنبرك. لا أدرى على الإطلاق ما هذا. قد يكون لغماً, قد تكون قنبلة مخبوءة مرتجلة. ولكني أدري أنه سوف يفجر رجلي وربما المزيد الكثير إن لم أبقي قدمي فوقه. إنني عالق. لست بذاهب إلى أي مكان. لا تزال القدرة على الرؤية لا تتعدى نحو عشرين ياردة مع وجود المزيج الأصفر للضباب والدخان, ولكن لو جاء أي عراقيين يسيرون بأقدام مضطربة عبر ذلك الغبار, سوف أمسي في خبر كان. لو رفَعت قدمي, سوف أمسي في خبر كان. لا أستطيع أن أرى ما وطأته إلا أني أستطيع ولا شك أن أشعر بالشكل المعدني الصلب تحت جزمة مقاس تسعة. عله لغم طاله عطل. عله قطعة قديمة من الخردة تركها العراقيون من حرب الصحراء ضد إيران, ولن تنفجر. لا علم لديّ. تسيل على طول عمودي الفقري دودة من العرق. فمي يفيض به الغبار. أصل إلى جهاز اللاسلكي وقدمي في مكانها. المعجز أني أجد إشارة وينجح الاتصال عند المحاولة الأولى. يجيبني ميديلتِن مرة أخرى. "أين أنت يا أفعى؟" "اسمعني بانتباه. لقد دستُ على لغم." "يا للخراء! هل أنت بخير؟" "لا, اسمع. لم ينطلق. أضع قدمي عليه ولا أَقدر أن أمضي إلى أي مكان وإلا سيتفجر." "يا للخراء! لا تحرك قدمك." "أيها المعتوه! لن أحرك قدمي إلى أي مكان. ولكني أريد منك أن تعثر عليّ فوراً. أريد شخصاً يَعرف كيف يخرجني من هذه الورطة." "ما هي إحداثياتك؟" "نفس الإحداثيات التي أعطيتك إياها آخر مرة." "غير ممكن يا أفعى. لقد غطينا المنطقة كلها هناك بحثاً عنك." "تكلَّم مع بروستِر. كان آخر رَجل رأيته." "وهو ما فعلناه بالضبط يا أفعى." "طيب إتهبب تكلَّم معه مرة ثانية! حرارة جسمي متهببة مرتفعة يا عريف!" "سيادة رقيب الراية!" "سوف أطلق ثلاث طلقات وأنتظر خمس عشرة ثانية ثم أطلق ثلاث طلقات أخرى. اِستعد لسماع الصوت." "لن يَسهل سماعه في هذه الضوضاء يا سيادة العريف." يخطر ببالي, أي ضوضاء؟ يعم السكون التام الصحراء. ثم أكتشف أني أسمع دوي مدفعية وراء صوت العريف ميديلتِن النابع من جهاز اللاسلكي. أنهي الاتصال اللاسلكي ثم أرسل ثلاث طلقات إلى الهواء. أعد حتى 15 ثم أعود إلى فعل نفس الشيء. أحاول الاتصال بميديلتِن لكي أتأكد من سماعه للصوت, ولكن لا يصلني عبر الموجات اللاسلكية إلا تشوش مفعم بالغضب. أنتظر على أمل أن يستطيعوا تحديد موقعي من خلال إطلاق النار؛ قدمي الساخنة فوق اللغم. في حرارة الصحراء وغبارها, ببزة القتال الكاملة والعرق يَقطر داخل خوذتي وصُدْرتي وحِجري, أنتظر وأنتظر. ولا أحد يأتي. ذهني في حالة يقظة وبندقيتي الآلية جاهزة في حال طلَع عراقي من الغبار ولمحني واقفاً هناك. أفكر في أن أجثو على ركبة واحدة كي أريح ساقيّ؛ ولكني خائف أن يتفجر اللغم من أقل تخفيف للضغط على آلية الزنبرك. أضطر في النهاية أن أَصنع شيئاً فأَنزل فعلاً على ركبة واحدة, وإنما فقط بأن أسند ذراع البندقية إلى الفخذ الضاغطة على اللغم وأرغم ثقلي بالكامل على الارتكاز على تلك الساق. ألبث على هذه الوضعية ما يربو على ساعتين. تبدر من جهاز اللاسلكي طقطقة التشوش, ولكن لا صوت آخر. أفقد صبري في لحظة من اللحظات وأجأر عالياً. "بروستِر! أين أنتَ, أيها الحيوان؟ بروستِر!" لا شيء. لا أحد. ولا حتى صوت. تتشنج عضلات رجلي تشنجاً, فأعود إلى وضعيتي الواقفة. أراجع في تلك اللحظة كل إمكانية لتخليص نفسي. معي ثِقل وزنه خمسون رطلاً مكوَّن من صرة ومعدات وسلاح, ولكني لا أستطيع المجازفة بوضعه كله على اللغم راجياً أن يكفي وزنه. بل إنني أجرب أن أحسب الحسبة, ولكن يستعصي عليّ معرفة ما أُحدثه من أثر على اللغم الواقع تحت قدمي. افتراضي أن الأولاد لو ظهَروا سوف يحوزون عُدة لتثبيت اللغم بملزم أو إثقاله أو إخراجي من جزمتي بطريقة ما بدون أن ينطلق الشيء. أخلع خوذتي. وبالرغم من رأسي الحليق, فقد وجدته مغشى بطبقة سميكة مضغوطة من العرق والرمال الخشنة. تسري في رجلي أحاسيس غريبة صعوداً وهبوطاً. يسود قدمي شعور رهيب بالخفة وكأنها تهدد بالطفو عالياً على العكس تماماً من كل نياتي أن تظل ضاغطة على تلك الصفيحة المعدنية. تُقْبل بعد ذاك فراشة من فراشات الأميرة الحمراء. فراشة جميلة أحياناً ما تلتقي بها عيناك في إحدى حدائق الريف الإنجليزي. بل إنني لم أكن أَعلم أن الصحراء تحوي فراشات, وأظن, يعني, أن الجوار لا يضم خضرة كثيرة من أجلك, أليس كذلك؟ يرين عليّ السرور لمرآها. إذ تَصرف ذهني بضع ثوان عن الموقف وهي ترفرف بحذائي. ثم تعود ناحيتي وتستقر على معصمي. هل ستكون هذه الفراشة آخر ما ستراه عيناي؟ أعتقد بحق أنها تشرب العرق من معصمي. تفرد جناحيها وما يكن منها إلا المكوث هناك في سعادة طاغية, تشرب العرق من رَجل قدمه على لغم. لا بأس على ما أخال, لو أنها آخر شيء سأراه, فراشة الأميرة الحمراء. قد تخطر ببالي أشياء كثيرة لا أكترث لها. غير أن هذه الحشرات غريبة. تتراءى وكأنها تقابل نظرتك بأختها. وكأنها تحتفظ بهذه العباءة مفتوحة كي يَعلق نظرك بها. أعرف أنه كلام فارغ بيد أني أبدأ بالتفكير في تربية فراشة من فراشات الأميرة الحمراء. "ليس من مصلحتك يا حلوة البقاء هناك طويلاً. إنك في المكان الخاطئ. ليس من مصلحتك البقاء هناك." ألوي يدي برفق إلا أن الفراشة لا تتزحزح؛ لا تفتأ تشرب عرقي. ثم تضرب بجناحيها لتطير مبتعدة. يتتبعها طرفي عدة ياردات حتى نقطة تتلاشي فيها, وهناك يلفها الغبار الأصفر. ولكن البادي أنها باقية, ترفرف في الهواء, أصغر نقطة حمراء؛ وبعدها تتحول النقطة الحمراء, لم تَعد النقطة الحمراء التي أتطلع إليها طرفاً لجناح فراشة على الإطلاق؛ إنها النقطة الحمراء لشماغ عربي – وشاح تقليدي لتغطية الرأس – والعربي المرتدي إياه يشق طريقه نحوي. أصوب بندقيتي إليه في الحال. لا يُقَصر في خطو خطوة بيد أنه يَرفع في الواقع راحتيه نحوي حتى يريني أنه غير مسلح. لا ريب أن ملابسه لا تشْبه ملابس الجنود النظاميين. يَلبس دشداشة سوداء طويلة متهدلة وقدماه حافيتان. ولكن ظني أن العراقيين يضمون جنود احتياطيين أو ميليشيا؛ أياً كانت ماهيته, فأنا متأهب لخرقه لو رماني حتى بنظرة لا تعجبني. يستر وجهه بشماغ يجمع بين الأبيض والأحمر. يرتديه فوق رأسه وعالياً فوق أنفه وفمه اتقاء للغبار. لا أستطيع أن أرى إلا عينيه. لا يزال يريني يدين نظيفتين يسحبهما قرابة خمس ياردات أو ست بعيداً عن جسمه, دون أن تَشغله البتة بندقيتي الموجَّهة إليه. أزعم أن باستطاعتي إبصار عينيه – أعني عينه الواحدة, عين تتلون بزرقة ثاقبة لم أبصرها من قبل في حياتي. العين الثانية مخيطة مغلقة. الغرز خيوط سوداء اللون غاضبته لا تَعرف الدقة. يسم الغبار رداءه, لا يبرأ شماغه من اللطخ والقذارة. يحملق إليّ بإمعان بتلك العين الزرقاء. ثم يردد النظر حوله. تتبدى علامات الحيرة على العربي. يضع يداً على جبهته كمن يحاول استدعاء شيء. "على الأرض!" صرخت في حدة مشيراً إلى الرمال ببندقيتي. "انزل." تفر منه ضحكة. فقط ضحكة نصف مكبوتة تنم عن الاستهانة قبل أن يحملق إليّ بإمعان من جديد. "انزل! الآن!" يهز رأسه بما ينبئ عن سخرية. ثم يخفض نفسه إلى الرمال. يَجلس القرفصاء ويداه متشابكتان حياله. ولكني أريده على مؤخرته فأستزيد من الزعيق. "انزل! انزل على الأرض!" "كما تشاء," يرد وكأنها لعبة. "تتكلم الإنجليزية؟ هل تتكلم الإنجليزية؟" دلت ملامحه على الحيرة. ثم أومأ بالإيجاب قبل أن يجيل طرفه على عجل في كل خانات البوصلة كمن يتوقع تعزيزات أو شيء من هذا القبيل. "ما هي وحدتك؟" "وحدتي؟" "ما هي سريتك؟" يهز رأسه مدعياً عدم الفهم. "هل أنت جندي عراقي؟" يهز رأسه. "إنك أسيري. فاهم؟ أسير." بدا كالمأخوذ على حين غرة. أعني أنه يَفعل تلك الحركة: ينتر رأسه إلى الخلف في دهشة من كلماتي. يزيح الشماغ عن فمه ويقابلني بابتسامة. "أسير," أكرر. تعاود ملامحه الحيرة. ثمة تعبير على وجهه يحملني على التفكير في رجال رأيتهم من قبل, رجال مصابين بارتجاج في المخ. تُرى منذ متى وهو يهيم على هذه الحالة. لا شك أنه لا يبدو عالِماً بمكانه, جاهلاً بما يخاطر به هنا. عله متخلف عقلياً. أشار في النهاية إلى اللغم المستقر تحت جزمتي."هل أنت واقع في ورطة." لغته الإنجليزية جيدة جداً رغم أنه يتحدث بلهجة أجنبية واضحة وكأن رملاً في حلْقه. "لا شأن لك بها." بدا العربي وكأنما يَشرع في الوقوف مجدداً. "انزل!" يَهبط مرة أخرى نحو الرمال فارداً ذراعيه على وسعهما. "كنتُ أحاول أن أفكر في كيفية مساعدتك." "كما قلت لك, لا شان لك بذلك. هناك أناس قادمون." يضحك. ضحكة عالية للغاية. "مَن؟ مَن القادمون؟" أضغط زر جهاز اللاسلكي بحركة خاطفة وأجري الاتصال. لا شيء عدا تشوش لا يزال. أرميه بتحديقة باردة. "مِن أين أنت؟" تتصفح عيناه ما حوله مرة ثانية, كل خانات البوصلة. رغم أنه لا يزال عاجزاً عن رؤية أي شيء وراء ستارة الغبار بمحيط من عشرين ياردة. "لا أَعرف." "لا تَعرف. الدنيا كانت ظلمة لمَّا مشيتَ, أليس كذلك؟" "عفواً؟" "ولا يهمك. نكتة." "آه! النكت جيدة... في مأزقك." "أين تعلمتَ الإنجليزية؟" يفرك ذقنه. "لا أتذكر." "ابن كلب دمه خفيف, إن شال؟" "إن شاء الله." لا أسأل تلك الأسئلة إلا لأُرسخ هيمنتي وأريه أنني المتحكم. لا أشعر نظراً للموقف بأنني المتحكم, والظاهر أنه على دارية بذلك. "اسمك. ما اسمك؟" عرج بناظريه إلى السماء. "لن تستطيع النطق به." "جرَّبني." "إنه أسماء كثيرة. ولا يروق كثيرين تكراره." يدير عينه الواحدة في اتجاهي وهو ينبس بتلك الجملة, ولا أَعلم سبب تورد بشرتي. قصدي أن بشرتي ترقرقت كما يَحدث للرمال عندما تتحرك فوقها الرياح. "ابن كلب دمه خفيف," أكرر القول. نقضي نصف الساعة التالية صامتين, يتفرس أحدنا في وجه الآخر. تعلن ساعة يدي أني أضع قدمي فوق اللغم منذ سبع ساعات. لن يلبث الليل أن يسدل أستاره. لا يبدي العربي حراكاً إلا أن شيئاً يداخله بث فيّ الخوف. وأنا الواقف بالبندقية. يشق الصمت. "ربما يجب أن تقول نكتة ثانية." "ماذا؟" "كي تحسن موقفك. ربما واحدة من نكتك." "ربما يجب أن أسدد رصاصة إلى رأسك. سوف تضحكني الرصاصة." "كيف بمقدوري أن أساعدك إذن؟ أفكر في كيفية مساعدتك إلا أنني لم أتوصل حتى الآن إلا لهذه الفكرة. ولا يجب أن تستخف بتأثير خفة العقل. موقفك خطير. ولا بد أن تكافحه." "عفواً, غاب عني السبب إلا أني لا أشعر برغبة في قول أي نكت الآن." "الحرب التي تنهمك فيها ما هي إلا جزء من حرب أضخم, حرب شنتها الخفة على الثقل. الحق أن الثقل هو الذي وضَع قدمك في هذا الموقف العصيب. الخفة هي التي ستَرفعك عنه." ألوي شفتي بما يشي بالاحتقار. "هل تتمسخر عليّ يا رأس الخرقة الوسخة؟" تطرف عينه الواحدة. "غاب عني معنى هذا التعبير." "صحيح, طيب, رُحْ في ستين داهية." أحاول تشغيل اللاسلكي مرة أخرى. يبدأ الشك يتطرق إليّ في ضعف البطاريات. يجعلني التشوش راغباً في رميه فوق الرمال, ولكني أحتفظ بهدوئي وأحتفظ ببندقيتي مسددة إلى العربي الهازئ. يدركني العطش. حلْقي مسدود بالغبار, وفي حاجة ماسة إلى أن أبول. باتت رجلي المتشنجة الآن في حالة حرجة. فقدت كل إحساس بقدمي, وأخشى أن أقل هبة هواء ستَرفع قدمي عن اللغم وتطلق الزنبرك المستتر تحتها. الأسوأ أن نوعاً من الارتعاش اللاإرادي داهم عضلة ربلتي. تَشبع قميصي وبنطال القتال بعرقي. أبدأ للمرة الأولى أتساءل عن مدة تحملي لهذا الوضع. أعلم أني سوف أفقد تركيزي في لحظة من اللحظات وأحرك قدمي. أبقي ثقلي بأكمله على اللغم, أنقر الرمل بقدمي اليسرى الطليقة وأثب بخفة لكي أبث بعض الشعور في قدمي ليس إلا. لا فائدة. لا بد أن أتمكن من إخراج قضيبي من بنطال القتال وأبول فوق الرمال. وفي نفس الوقت أحتفظ بوزن قدم واحدة على اللغم وأصوب بندقيتي إلى وجه العربي. يتفرج على هذه العملية باهتمام ما بعده اهتمام. يُشكل بولي رغوة ويعلو أزيزه فوق الرمل. أتمكن في النهاية من إدخال عُدتي. يلم بي الإنهاك. "المسألة صعبة عليك," يقول. "صعبة كل الصعوبة. أعتقد فعلاً أن النكتة ستنفعك." أرفع بندقيتي وأصوبها بين عينيه بالضبط. على وشك أن أسحب الزناد. أود أن أسحبه. ولكن الفعلة تقف ضد مبادئي وإن جهِل هو ذلك. لا يَلوح عليه أي أثر للقلق. ما يكن منه إلا مواصلة الكلام. "تَعْرف؟ لقد أخرج الله هذا العالَم إلى الوجود من خلال الضحك. ألقى نظرة على الليل ثم تعالت ضحكته. آخر شخرة من الضحك على الإطلاق خلَقتْ الإنسان. لقد خُلقنا من مخاط أنفه, من ضحكه الزائد عن اللزوم. هل تَعلم ماذا قال الرسول؟ روِّحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلَّت عميت. بل إنها نصيحة نافعة الآن في موقفك العصيب. "الخفة هي الشيء الوحيد الذي نحوزه في مواجهة عبثية الموت. فالضحك دواء للأسى. ولكنك تَعلم كل هذا الكلام لأنك جندي وشهِدتَ الموت. وكذلك قتلتَ. إنني أعلم هذا كما ترى." يتحدث بهذه الطريقة لمدة ساعة أو ما يزيد. أُنصت إليه لأن حديثه يشتت ذهني عن الموقف. وبعد برهة قصيرة يغدو صوته أشبه بالهمهمة. لا أَعلم كيف حدَث ما حدَث, ولكني أجده على قدميه يهمس بهذه الكلمات في أذني بدون أن أراه ينهض. لا بد أن غشية تتولاني لأني لا أراه وهو ينهض – ما كنت لأسمح له بالنهوض. ولكن ها هو, على بعد بوصة, يهمس, وأستطيع أن أَشعر بنفَسه في أذني وهو يتكلم. تنقلب السماء مظلمة. يحل الغسق بالصحراء. أرنو إلى ساعتي. أقف على اللغم ما يربو على عشر ساعات. "قررتُ أن أساعدك," يفضي إليّ. "لو سمحتَ لي." "مَن أنت؟" يتراجع إلى الوراء ويهز رأسه. "لا أَعرف. أحاول أن أتذكر. كل ما يسعني إخبارك به هو هذا: وهجٌ أبيض في الصحراء, انفجار, ورياح فظيعة, وها أنا, أهيم على وجهي. ثم وجَدتك. يسعني أن أحقق لك أمنية." "آه, إنك جني ابن وسخة." يُصفق بيديه ويقفز ضاحكاً. يسيطر عليه الضحك لحظات. تخفق دشداشته السوداء أثناء ضحكه, وفي جزء من الثانية يغص بالدُوار تخيلته في هلاوسي طائراً أسود يحوم بالقرب مني. "ها هي, نكتة! ونكتة حلوة! ستنفعك. لو أنني جني, بإمكاني أن أستدعي الريح. إنما لو ساعدتُك, لن تتخلص مني أبداً. أتفهم ذلك؟" "أخرِجني من هنا." لا أدرى إلا والعربي يختفي لتحل محله فراشة الأميرة الحمراء وهي ترفرف بجناحيها. تستقر الفراشة على الرمال محل وقوف العربي, وفي خلال ثانية يحط من السماء غراب أسود ويأكل الفراشة الحمراء, وأَعلم أنه نفس الغراب الذي تخيلته منذ ثوان في هلاوسي. يأكل الفراشة ويَكبر أمام عينيّ, اثنتا عشرة قدم, ثلاثون قدم في الهواء, تطْرق أنفي رائحة نتنة تفيح من ريشه الأسود الساخن وخرائه, يلتقي بصري بمخالبه الصفراء وهي تخدش الرمال بجوار قدمي الضاغطة على اللغم؛ أريد أن أصرخ, لا! غير أن هناك صراخاً يمزق بالفعل السماء. "احذر القذيفة!" أصيح للفراغ. إنه مدفع هاون أو صاروخ, يهبط على مسافة قد تُقدر بثلاثين قدماً فيَرفعني الانفجار عالياً في الهواء ويعصف بي عصفاً عبر الصحراء. أكون طائراً بالفعل إلى الوراء عندما أسمع اللغم ينفجر دون أن يمسني أذى, ثم أرتمي على أرض الصحراء.
عندما أسترد الوعي, ألفي نفسي في مستشفى ميداني يشتمل على زهاء مائتي سرير. كنت غائباً عن الوعي نحو ثلاثة أيام, وقد انتهى القتال وانفض. تقهقر العراقيون وأحرقنا جيشهم الهارب دون نقصان على طريق الموت. لقد فاتني كل القتال. يعودني كبار الضباط, ويُعرج بروستِر عليّ في وقت لاحق من ذلك اليوم. "سمعتُ أنك كنتَ مستيقظاً." "بروستِر! من أحضرني إلى هنا؟" "قالوا إنك دستَ على لغم. خرَجتْ الوحدة بأكملها للبحث عنك. انقطع الاتصال اللاسلكي. كان على الوحدة أن تتقدم إلا أن الرائد ترك ثلاثة منا ليحاولوا العثور عليك. فاتت ساعات ثم أتتنا نيران صديقة. وبعدها عثرنا عليك." "نيران صديقة؟" ضحك عن ثغر متكلف. "آه. أطاحت بنصف بزتك. وجدناك على ظهرك تضج بالقهقهات الصاخبة يا سيادة رقيب الراية." "إنني لا أتزفت أقهقه." "كنتَ تقهقه كالمخبول. ما طالك خدش إلا أن لسانك كان متدلياً وأنت تقهقه بأعلى صوت." "رُحْ في داهية يا بروستِر." "صدقني يا سيادة رقيب الراية. وكنتَ تعتمر تلك الخرقة فوق رأسك." يستدير ويسير نحو خزانة قائمة عند نهاية الخيمة. يُخرج شيئاً ويجلبه إلى الفراش: شماغ مطوي بعناية انطبعت عليه مربعات حمراء وبيضاء. آخذه من يده. "ماذا جرى للعربي؟" "عربي؟" "الرجل الذي كان يَلبس هذا. ماذا جرى له؟" "لا, أنت الذي كنتَ تلبسه." أغوص في وسادتي من جديد. آخر ما أقوى على تذكره هو همس العربي في أذني ثم انفجار القذيفة. ذلك كل شيء. وبعدها ظلمة حالكة. يوليني بروستِر نظرة مشحونة بالغرابة. "أين ذهبتَ؟ "الصداع يقتلني يا بروستِر." "تريد الدواء يا سيادة رقيب الراية؟" "لا, شيئاً من الهدوء ليس إلا. كل الأولاد بخير؟" "كلهم كما يجب. كلهم مرتاحون لسلامتك." "أولاد فيهم الخير, فيهم الخير." نتصافح ويغادر بروستِر الخيمة الطبية. يتركني ممسكاً بالشماغ.
لم أكن أَعلم حينذاك, ولكن أيامي في الجيش كانت بالفعل معدودة. صحيح أن الانفجار لم يترك خدشاً فيّ – جسدياً. ولكني لم أستطع النوم كما ينبغي بعدما جرى, ولم يتغير الحال قط منذ يومها. تناولت كل أصناف الأدوية. بلا جدوى. وقد أفضى بي نقص النوم إلى نوبات من الصداع. بل إنني تناولت المزيد من الأدوية لعلاج الصداع مما تسبب في رؤية أحلام مزعجة – مزعجة إزعاجاً حتى إنني لم أرغب في النوم. تعتمد مهنتي على أن أكون في مثل لياقة البرغوث. لم أستطع أن أطلب من أي غلام أن يفعل ما لا أستطيع فعله. أخفيت الحالة عن نفسي برهة من الوقت, ولكن أظنني كنت أعلم في ضميري أن وقتي قد انتهى. بعد نحو سنة من حرب الخليج استدعاني الكولونيل ذات يوم وطفق يتحدث إليّ بشأن الاستشارات المهنية وكل الفرص الرائعة المتاحة لرجل يغادر الجيش. هناك الاستشارات؛ هناك إعادة التدريب؛ هناك خطة لشراء منزل. ليست هذه الأيام كأيام زمان لمَّا كان الجيش يطرد الفرد ولا يجد مكاناً يقصده, جاهر. أُنصت إلى كل حديثه في صمت متحجر. عندما فرَغ من كلامه, وقفتُ وألقيت عليه التحية ثم سرت بخطوات الجندي خارجاً من حجرة مكتبه. لم يُسرحوني من الخدمة أو يطردوني أو أي شيء من هذا القبيل. لقد تقاعدت بمراسم كاملة ومعاش من الجيش. اضطلعت بوظائف, غالباً في الأمن. كنت على استعداد لتولي المهام الليلية بما أن النوم جافاني في كل الأحوال. توالى هذا الوضع ثلاث سنوات. لا عِلم لي كم مرة زارني فيها العربي قبل أن تتكشف لي شخصيته. كانت تلك طريقته: يسيطر على شخص ما, ربما ساعات قليلة لا غير, أو ربما نحو دقيقة لا غير. ولكنه يُعْلمني. يضمر شيئاً فيما يقوله لي. أحياناً ما يلزم الصراحة الكاملة؛ أحياناً ما يلقي بتلميح طفيف أو كلمة أو كلمتين فحسب لتذكيري بلحظاتنا معاً في الصحراء. وأحياناً ما يلعب الألاعيب, يعني, يعبث بأم دماغي. راقه أن يغمزني بعينه. كانت الحركة أشبه بتذكِرة بعينه الواحدة, الغمزة. المشكلة هي أنك تَعرف أناساً يروقهم حقاً أن يغمزوك بأعينهم في منتصف الحوار, فيدور ببالي: آه, إنه هنا. ولكني قد أسيء الفهم, ولا يكون إلا شخصاً يغمز. كان يَعلم ذلك. كان يَعلم أنه يعبث بأم عقلي. أكون في مقابلة شخصية للحصول على إحدى الوظائف الحقيرة كحارس ليلي لهذه الشركة أو تلك, يقول أبو البذلة الذي يجري المقابلة إنني ملائم أو أياً كان ما يقوله, وبعدها يغمز بعينه. أضطر إلى النظر إلى ما وراء عينيه. ولكن يجب أن أتأكد من أن ذا البذلة لا يراني شاخصاً. لذا لا أحب مَن يغمزني بعينه. ما اقتصر الأمر على الغمز. كنت أدلف إلى إحدى الحانات, وقد تضم شخصاً يحتسي الخمر بمفرده, تَعْلم هذا المنظر, يعتمد على الطاولة, يحَدق مباشرة إلى ما أمامه بعد أن تجرع نصف القدَح, السجائر والولاعة على صف واحد منتظم انتظاماً, ثم يقول, "هل رأيتَ أبداً فراشة من فراشات الأميرة الحمراء؟" "ماذا؟" أرد. "ماذا؟" كان ابن الكلب يتطلع إليّ ثم يُحول بصره عني. فأَعرف أنه هو, فاهم؟ غير أنني لم أستطع التصدي للشارب عند الطاولة, فمن عادته في تلك الحالة أن يغادر على الفور. يمضي من خلف العينين. يَدخل ثم يَخرج بسرعة لا مزيد عليها. وبين الفينة والأخرى يلبث بما يكفي لتبادل أطراف الحديث. ولكني ما تيقنت قط. ما استطعت مطلقاً أن أستوعب شيئاً واحداً: هل كان العربي يَركب هؤلاء الناس أم أنه يَركبني؟ تفاقمت حالات الصداع, نومي فوضى عارمة, حاق الألم بكبدي. عندما أخبرت الطبيب الدجال باضطرابات النوم والكوابيس, رتب لي زيارة إلى أحد الأطباء النفسيين إلا أن الزيارة لم تجر على ما يرام. أول ما وجَّهته إلى الطبيب النفسي كان, "لا تغمزني بعينيك, لا أحب أن يغمزني الناس بأعينهم." "ولِم إذن؟" "لا يهم السبب, فقط لا تغمزني, وسوف نكون على خير حال." "أؤكد لك أني لست من نوعية الأطباء النفسيين الغامزين." "حسناً. سوف نتفق تمام الاتفاق. ماذا تكتب؟" "ملحوظات. إننا نكتب الملحوظات, واحدة من عاداتنا." "اسمع, لستُ مجنداً مبتدئاً أمياً, ماشٍ؟ إنني رقيب حامل للراية. كنتُ. لذا اِمتنع عن هذه الملحوظات لأني أَعلم أني لو أخبرتك بما يجول في ذهني, أَعلم تماماً ما ستقوله, وعليه لا فائدة ترجى من كل ذلك, ماشٍ؟" "حقيقي؟ وماذا سأقول؟" "لا تضيع وقتي بسخافتك. أنت تَعرف, أنا أَعرف, كلنا نَعرف." "شيماس, كيف لي أن أساعدك؟" "أعطني الدواء فحسب. أعطني الدواء ليس إلا." ما كنت لأخبره. إنها مسافة قصيرة بين إبلاغ أحد بما حدَث والمصحة العقلية والحبسة في مستشفى المجانين. لست غبياً. لم أخبره قط, لم أخبر أطباء الجيش ولا الأطباء الدجالين في الحياة المدنية. هناك أشياء لا ينبغي أن تتكلم عنها. أخذ بولي يحرقني. حسناً, ما رافقت حبيبة منذ أمد بعيد بيد أني قصدت عيادة السيلان على كل حال. المحرج أن الطبيبة كانت طائراً حسن الوجه, هي نفْسها أقرب إلى بنات العرب, لا أَعلم. أقحمتْ في ماسورتي شمسية الكوكتيل المعدنية تلك فاستشطت غضباً. نزَل بها الإجفال وأغلقتْ عيناً واحدة, فتفكرت: أهذا أنت؟ لا شيء. نظيف نظافة الصفارة. فقط حرقٌ. بل إنني لم أستطع أن أضرب العشرة بدون أن يحرقني مائي. عانيت علة ما غير أنهم لم يتمكنوا من الوقوف عليها. خسرت وظيفتي في شركة الأمن. أطلق عليّ الغلمان الغمَّاز من وراء ظهري. لم أمانع, ولكن عندما حاول أحدهم يوماً التمسخر عليّ, هشمت فكه. وذراعه. تم توجيه اتهامات ودخلت السجن. عاونني محامي من الجيش وسجلي السابق الخالي من الجرائم بيد أني اضطررت رغم ذلك إلى قضاء مدة في سجن وينسِن جرين. اعتاد العربي أن يجيئني في السجن أيضاً. جاء كحارس, جاء كواحد من المحكومين عليهم. كان هناك رجل آخر من الخليج, اسمه أوتو. جندي سابق من جنود المظلات, رجل ذكي فظ السلوك. كنا نحن غلمان الجيش نتكاتف في اللومان. فلا ينال منا أحد. تكلم أوتو كثيراً عن الخليج وأسباب ذهابنا إلى هناك. الحق أنه فتَح عينيّ. أردت منه في البدء أن يَخرس إلا أنه لم يَعدل عن الحديث. "سيحلو الكلام." هكذا كان يتحدث. كان يقول دوماً "سيحلو الكلام" حين يهم بإطلاعك على معلومة يحسب أنك لا تلم بها. كنا في فناء التمرين في يوم من الأيام. "سيحلو الكلام. مهلاً حتى تسمع هذا. صدام حسين هو إذن حليف الغرب الكبير, أليس كذلك؟ زودناه بالأسلحة ومولناه ودربنا جيشه, صحيح؟" "بطِّل يا أوتو." "سمعتُ عن العرب," يقول نابي – جندي سابق في كتيبة الدبابات وأكبر حرامي على كوكب الأرض, مدان بالاحتيال – "الذين يستطيعون سرقة الملاءة من تحت جسمك النائم..." "آه, اِسمع يا نابي لأن الكلام سيحلو. تَعرفون كلكم إذن شركة العلاقات العامة التي باعت الحرب لمجلس الشيوخ الأمريكي؟ يصورون فيديوهات إخبارية كي يجعلوها تبدو وكأنها مراسلات إخبارية. يبيعونها كمن يبيع قطعة شوكولاتة. بل إنهم يختلقون حكاية لفتاة باكية في الخامسة عشرة تدعي أنها رأت جنوداً عراقيين يرمون مئات الرضع على أرضية باردة كما الحَجَر حتى يسرقوا الحضانات." "تلك روايات قديمة," أقول. "لقد سمعناها كلها." "ما يَفعلونه," يقول نابي, "ما يفعلونه هو أنهم يأتون بريشة طائر هائلة, ماشٍ, ريشة, ثم يزغزغونك أثناء النوم..." "آه, ولكن إليك ما لم تسمعه: تلك الفتاة, تلك الفتاة ذات الخامسة عشر عاماً, فرد من أفراد العائلة الملكية! أبوها ما هو إلا سفير الكويت للولايات المتحدة المتزفتة!" "يبدأون بالجانب الأيمن منك بالريشة, وعندما تتقلب على فراشك يَرفعون الملاءة من ذلك الجانب..." "سيحلو الكلام. تم إقناع مجلس الشيوخ بخمسة أصوات فقط لا غير, أليس كذلك؟" "... ثم يدورون سريعاً إلى الجانب الآخر من الفراش ومعهم الريشة ويبدأون بالاشتغال فيك من ذلك الجانب..." "سيناتور مسيحي من منطقة 'حزام الإنجيل' المتشددة, ورطوه بالباطل مع ولد كويتي وسيم؛ آخر يقِيم علاقة غرامية طويلة الأمد مع أميرة كويتية, لا المنتحبة على الحضانات المزيفة, واحدة أخرى..." "... وبعد ذاك تتقلب على الملاءة في ذلك الجانب..." "سيناتور ثالث يقر بأنه أخطأ في تصويته لأن صداعاً بشعاً نزَل به يومها." "... انتهى, يفرون فراراً, تصحو بعد ساعات بدون ملاءة تحتك. ذكاء ابن كلب..." "كل ما أقوله صحيح, لا ألفقه, لا داع لأم التلفيق. وظيفة علاقات عامة, وعلاقتان جنسيتان, وصداع. فقط لا غير. فاهم قصدي؟ الأمريكيون يذهبون, الإنجليز يتبعون, باااااا بااااا, فنَخرج إلى الصحراء لنتنفس عميقاً اليورانيوم المستنزف." لم يغمز أوتو بعينه وهو يفوه بهذا الكلام غير أنه جذب جفناً بسبابته ورمقني بعين واحدة زرقاء, فعلِمت مَن المتحدث إليّ. لا أَعلم مدة قبوعه هناك, داخل أوتو, ولكنني علِمت أنه هو بعينه. "أنت بخير يا شيماس؟"
ثم أفلت. أفرجوا عني إفراجاً مشروطاً بحسن السير والسلوك وسكَنت العديد من المنازل العجيبة. منازل مشغولة بوضع اليد. مبان مهجورة متداعية. يا للهول, بل إنني اغتسلت أكثر من مرة في منظمة جيش الخلاص لمساعدة المُعوزين. ظهَر العربي في هذه الأماكن أكثر من أي مكان سابق على الإطلاق. باح إليّ بأنه من اليسير عليه أن يَدخل شخصاً ما لمدة دقيقة أو اثنتين في هذه الأماكن. لم أخفق أبداً في معرفة متى سيهم بالاستحواذ على أحد الأشخاص, عله أحد رفقائي النزلاء في النُزل, عله مدير النُزل التابع لمنظمة جيش الخلاص, عله معتوه يدق الوشوم ويشاركني منزلاً شغَلناه بوضع اليد. يَبزغ ظل رمادي ضبابي شأن السخام في كل بقعة, لا سبيل آخر لوصفه. تنقلب وجوههم منيرة للحظة عابرة ثم يحل العربي هناك – ربما يرميني بالغمزة, يتحدث, يتحدث على الدوام وكأنما يحاول تعليمي أشياء. بل إنه حاول بحق أن يُعَلمني العربية. أقابل أوتو في بعض الأحيان. حصل على مبلغ كبير من التأمين لإصابته بالتهاب المفاصل ووظَّف الأموال في محل لبيع اللعب. أمضي إلى هناك أحياناً وأتكئ على علب تحوي جنوداً مصبوبين من البلاستيك فوق الرفوف. يناولني بعض الجنيهات كي أَقوم بأودي. تُرى هل مات هو الآخر. مات في عاصفة الصحراء كما مت, وهذه الأرض ما هي إلا مرحلة انتقالية. أمر منطقي. لا أدري. طعم الجعة مختلف. طعم السيجارة مختلف. كنتُ جندياً من جنود الملكة. إنني جندي من جنود الملكة. بكيت نفسي في الظلام. عندما أتطلع إلى السنوات القليلة المنصرمة, لا أدرى كيف عشتها. تاه أغلبها من ذاكرتي. إنها نصف حياة. أحيانا ما أتساءل إن كنت مت يومذاك في الصحراء. رفَعت قدمي عن اللغم ومت, وهذا هو أنا أجر ساقيّ في طريقي إلى العالَم الآخر. ليس معي علامات تدلني, كما ترى. ولا إحداثيات. إنني طاف. أجل, أتساءل أحياناً إن كنت ميتاً, وأتساءل أحياناً إن كنت لا أزال في الصحراء وقدمي فوق اللغم. جائز. فأنا مدرَّب تدريباً جيداً. ربما قضيت هناك أربع وعشرين ساعة فحسب, ولا أزال في انتظار أن يجدني أولادي. وكأن غشية شملتني, ولكنني لا أزال أحجب ذلك اللغم وعضلاتي مثبَّتة في مكانها تضغط على ذلك الزنبرك. جائز. جائز بحق. لا أدري. أَعلم هذا: لا يمْكنك الوثوق بالعربي. متى يقع بصري عليه الآن, أخاله على وشك أن يطلعني على شيء أسوأ, أخاله سيشد بسبابته الجلد الرخو المتدلي تحت عينه السليمة ليصارحني, شيماس, لم يكن هناك لغم. ولكنني لن آكل الطُعم. أَعلم أنه عازم فقط على استفزازي. لأني أَعلم أن العربي كاذب. لا أحد غير الملكة بمقدوره أن يفض الارتباك. لو استطعت أن أجد وسيلة لكي أتحدث إليها, سوف تفسر لي كل ما يَحدث. سوف أقصد قصر باكنجهام. بوسعهم تغيير ما يشاءون من الحراس. سوف أقيد نفسي إلى قضبان السور وسوف أطلب من الملكة أن تَنزل وتدردش معي قليلاً. |