مجلات أدبية

المساهمات

الصندوق العربي المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

الأعداد

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد الثامن والثلاثون، إبريل 2013        Thirty-eighth issue, April 2013

 

 

تكرمت كيت هامِر بالموافقة على نشر قصة "ذات صيف" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Hamer was so generous to permit the publication of the Arabic text of "One Summer"" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Hamer a great debt of gratitude for her kind permission.

One Summer” by Kate Hamer. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

ذات صيف

كيت هامِر

تقديم: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-إبريل-2013

 

 

 

 

 

كان الموسم صيفاً، استدعت سكارليت فرقة تي-ريكس وهي تعزف في المذياع وعطلةً مدرسية بدأت لتوها حين قيل لها إن حادثاً حلَّ بوالديها.

كانت جدتها هي التي أقبلت لتكاشفها بالخبر في الحديقة. اتسمت قامة جدتها بالطول والنحافة، رسمت على العشب ظلاً أشبه بالغُصَين المثني. وقَع حادث سيارة؛ لم تدر جدتها ما جرى. أمها على قيد الحياة غير أنها تعرضت لإصابة شديدة.

عادت سكارليت إلى اللعب. كانت تطهو عشاء من الدجاج – أغصان رفيعة تقشر لحاؤها. أطباق من أوراق الشجر. وضعت حَجَرين ليَقوما مقام الملح والفلفل على حَجَر مسطَّح, وتساءلت إن كان من المفروض أن تبكي. لمست عينيها بأصابع قذرة لتتحقق إن كانتا مبللتين بالدموع. لم تجد دمعة. شملها إحساس بالغثيان كمن ستنهار على الأرض.

انقضى يومان ثم قادا السيارة إلى المستشفى لزيارة أمها. ألْفت أباها هناك – ذراعه مثبَّتة في حمَّالة – ينتظرهما عند أبواب المستشفى. وجدت أمها في الفراش, ثمة ملاءة بيضاء مسحوبة فوقها حتى العنق. ما اختلف وجهها كثيراً عن سابق عهده. جلست سكارليت في منتهى الهدوء بجوار السرير. حاولت ألا تتساءل عما يتوارى أسفل الملاءة خشية أن يبث فيها من جديد إحساساً بالانهيار.

"مع السلامة"، نبست أمها هامسة عند نهاية الزيارة. "ألن تُقَبليني؟"

لم ترغب سكارليت غير أنها قبَّلتها. قُبلة صغيرة جافة على خد أمها الممتقع. وفي الممر انتظرت أباها برفقة أختها الكبيرة حتى يرافقهما إلى الخارج.

"إنك صامتة جداً." حاولت أختها الكبيرة أليس أن تخْفض إليها وجهاً مبتسماً. أدركت سكارليت أن الغرض من الابتسامة طمأنتها، وعليه ردت الابتسامة بمثلها ثم أشاحت عنها بوجهها كيلا تضطر إلى مواصلة الابتسام. وعندئذ ارتطمت عيناها بمشهد مُرَوِّع حقاً.

ثمة نافذة تطل على عنبر أمها وفُرْجَة صغيرة بين الستائر استطاعت سكارليت أن تسترق منها النظر. اتخذت الفُرْجَة شكل مثلث، ومن خلالها تمكنت سكارليت من رؤية الملاءة مُزاحَة عن أمها. اضطجعت أمها على الفراش كما العنكبوت المكسور. نتأت من رجليها الملتويتين قضبان معدنية. مالت ممرضة على الفراش لتزيل مَبْوَلة في منتصف مينائها اللامع روث بني طويل يومض.

خامرت السعادة سكارليت لانصرافها عائدة إلى غرفة نومها بما تضمه من ظُلَّة مصباح تتدلى منها الأهداب وحذاء مَدرسة موضوع بعناية أسفل السرير.

تتابعت أيام الصيف وطفق المنزل يفيح برائحة مختلفة. عندما كانت أمها هناك، انبعث منه رائحتا البرتقال ودخان السجائر. نهضت أليس الآن بالطهو وطبخت وجبات أخرى. تمَوج عند قاع السلالم رائحتا الثوم وزيت عطر البتشول – عطر أختها. كان بابا قد جاء إلى البيت من المستشفى غير أنه كان دائماً في العمل أو يزور أمها. أمضت أليس وقتها حالمةً, تُقَلِّب مَقَالي تبقبق أو تتحدث  إلى أصدقائها عبر الهاتف.

نعِمت سكارليت بحرية الذهاب والإياب مع أطفال طرَقوا الباب. كان وجود أمها بعينيها المراقبتين وشفتيها المُلْتَزَّتين يصدهم دوماً في الماضي. أما وقد غابت أمها الآن، فقد أخذوا يُقْبلون مرة أخرى بأقدام متأنية – دقات خافتة شابها التردد على الباب. لعِبوا بحذاء النهر أو في الحقول المحيطة حتى أرخى الليل سدوله، بل إن أحداً لم ينتبه إلى غياب سكارليت.

تزعَّم وولف الثلة. راق سكارليت اسمه، أكبر سناً من الآخرين، مفعَم بالفتنة. كان يرتدي نظارة سميكة من نظارات هيئة الصحة القومية ويغطي عينه اليسرى بلَزْقَة مربعة الشكل وردية اللون، وهكذا بدت عن بُعد ملساء وكأن لا عين هناك على الإطلاق. باح إلى سكارليت بأن أفعى عضته، صدَّقته سكارليت، إذ كان الكبار يحذرونهم دوماً من أفاعٍ تختبئ بين أعشاب الحقول محل لعبهم.

قرروا يوماً أن يأخذوا إلى النهر لوازم السباحة. خاضت سكارليت فيه حذرة، فقد شعرت بالقاع ناعماً زلِقاً أسفل قدميها. وعند منتصف النهر امتد شريط أحمر من مياه ملوَّثة حذرهم وولف من الاقتراب منه. شرَح لهم أنه صادر من المصنع الواقع في أعلى النهر، وقد تشوبه السموم. خالج سكارليت السرور لأنه برفقتهم، يعتني بهم.

أرسلت الشمس أشعتها عبر الأشجار فأضاءت أقراصٌ ذهبية تتخلل الماء. لهوا في المياه الضحلة ثم سبَحوا، وخطرَ في بال سكارليت أنها ما كانت لتستمتع أبداً بهذه السباحة إن لم تكن أمها راقدة في المستشفى. وبعدها ألحقت بها الفكرة إحساساً بالخجل، فخرَجت من المياه ثقيلة القدمين لتَجلس على صخرة وتتفرج على الآخرين فيما يطفو الشريط الأحمر وسط النهر.

"ماذا بك يا سكارليت؟" فطن الآخرون إلى جلوسها هادئة على الصخرة.

"ماذا جرى، لم لا تعومين؟" اندفعوا مقْبلين ليلقوا عليها نظرة.

"تبدين في منتهى الشحوب،" قالت لورنا وثوبها الوردي المخيط من نيلون سميك مبهج يقطر ماء من فتحتيّ الرِجلين.

فاه تيم مفسراً، "أمها مصابة في حادث."

"عارفون،" ردت لورنا بما يشي بنبذ الفكرة. ثم رفَع الفضول فجأة نبرة صوتها, "ماذا حصَل يا سكارليت؟ أي حادث كان؟"

جلست سكارليت على الصخرة والوجوه الأربعة تَلوح أمامها كبالونات معلَّقة في الهواء – بالونات ترتسم عليها العيون. عدا وولف البادي كبالون مخروم أصلحه أحدهم بلاصوق. كان قد ترك نظارته داخل حذائه على الضفة كيلا تنخلع في المياه. أدركت أن صوتاً لن يفارق شفتيها إن حاولت الكلام. كيف يسعها وصف أمها، العنكبوت المكسور والقضبان المعدنية والكاكا البني الكبير. لن يفهموا. تساءلت في قرارة نفسها عما يَحدث لأمها على بعد كل تلك الأميال. تبدى وكأن دهراً مر منذ وقَع عليها ناظراها. بل لعلها لم تعُد هناك. ربما ماتت دون أن يتذكر أحد إبلاغها.

كان وولف هو مَن فك السحر. صاح، "ثعبان"، وما لبث أن مد يده ليقبض على شيء أسفل الصخرة. قام منتصراً وشيء رمادي يتحرك في يده بلا كابح شأنه شأن ذراع مُلوِّحة.

همست سكارليت، "أوه، لا، لا." بدا لها أن وولف ينبغي أن يعي عن تجربة ضرورة الابتعاد تماماً عن الثعابين.

"ما هي إلا دودة بطيئة. لا تؤذي." تلوى المخلوق بين يديه محاولاً ثني رأسه عالياً. سارت سكارليت محاذرة على الضفة من موقع انسحابها لتُسدد إلى الكتلة العضلية الملوية طرفاً متفحصاً. تذبذب الضوء وتراقص حولها، فشعرت فجأة أن كل الأشياء القبيحة في العالَم – أشياء لم تدر قط وجودها – تندفع من تحت الأرض وتتراءى أمامها لأول مرة.

تمعج بعدئذ الثعبان قوياً حتى إنه أرغم وولف على تركه يَسقط في المياه قوساً رمادياً مصوِّباً. راقبوه, وفي ومضتين ملتويتين أسرع سابحاً بعيداً عنهم.

"لم أكن أعرف أن الثعابين تستطيع العوم،" فاه تيم بصوت لا يَعدم الجَذَل.

انطلقوا إلى بيوتهم في ساعة تالية والشمس تغرب، سلَكوا السبيل المغبر، وعلى الجانبين لوَّح العشب العالي بفعل النسيم. سعِدت سكارليت بمغادرة النهر وثعبانه السابح. أحست الآن وكأنهم زُمْرَة شجاعة من الهنود تتقدم مصرة في طريقها. وفجأة ألقى وولف ذراعه حولها وهما سائران، فتشرَّبت بشمس حمراء وتراب راقص أثارته أقدامهما وثِقل ذراعه.

ولكن حين عم السكون والصمت ليلاً، تفكرت في غرفة المستشفى لتتساءل مجدداً عما يجري هناك. هل تستلقي أمها بجسم منثنٍ متطلعة إلى السقف؟ أتوجد الآن قضبان معدنية أخرى؟ بل أيكون الفراش شاغراً – مجرد ملاءة بيضاء انطوت عليه بعناية؟ كانت نافذة غرفة نومها مفتوحة، وقد راودها شعور غريب بأن بمقدورها الانجراف خارجها انجراف البالون نحو سماء الليل دون أن يكبحها شيء.

لعِبت صباحاً في الحديقة محاوِلة أن تنفض ما انتابها من مشاعر في اليوم السابق بمحاذاة النهر. طبخت عشاء ثانياً، بسَطت هذه المرة سكاكين وشوكاً من أغصان صغيرة تحت شجرة تَقُوم في نهاية الحديقة. انهمكت انهماكاً حتى إنها خالت نفسها بمفردها تماماً. ولكنها ارتقت بطرفيها فتحجرت بفعل الصدمة. كانت أمها تقف عند الباب الخلفي، تدخن سيجارة، في فستان أرجواني طويل كانت ترتديه أحياناً، بطرف من الدانتيل يكاد يلامس الأرض. ما بدت واعية بوجود سكارليت؛ رنَت إلى السماء ونفخت الدخان عالياً. فرَغت بعدها من السيجارة ثم داستها قبل أن تعود إلى المنزل.

حاق التوتر والغثيان بسكارليت. نهضت ذات دقيقة، وفي التالية هجم عليها العالَم وسادت العتمة كل شيء. عندما فتحت عينيها، ألْفت أمامها أجمة من الأعشاب.

لم يَذهب عنها الغثيان إلا بعد وقت طويل. لِم لم ينبئها أحد بأن أمها رجَعت إلى البيت؟ وأنها أفضل حالاً وواقفة على قدميها. ارتعدت ساقاها وهي تشق طريقها نحو الباب الخلفي ثم تدلف إلى المطبخ. خامرها من حيث لا تدري شعور بالخجل لمَّا طرأت ذهنها فكرة رؤية أمها من جديد.

حينما عادت إلى المطبخ، استغرق عقلها لحظةً حتى استوعبت. كانت أختها واقفة بجوار الموقد مرتدية فستان أمها الأرجواني. راحت سكارليت لتجلس إلى مائدة المطبخ بين قشر البصل والملعقة الخشبية المغطاة بعصير الطماطم، ورصَدت. دققت سكارليت إلى أختها النظر، لاحظت كيف تَبدل شكل الفستان الملتف حول جسدها. تمدد القماش عند مؤخرتها فظهَر مشدوداً فوق عظمتيّ الكتفين, وارتفع دانتيل الحاشية حتى قَصَبتيها دون أن يمس الأرضية مطلقاً.

التفتت أليس. "أنت بخير؟" أومأت سكارليت برأسها. "العشاء بعد قليل،" أنهت إليها أختها والطبيخ يسترد طرفها.

قطَعت سكارليت المطبخ بخطوات متمهلة ومضت لتَقعد على السلم الخلفي. سرعان ما تضخمت ظلال الأشجار على العشب المهمَل. والتمعت من المواضع الظليلة نِقَاط الآذَرْيون الزاهية. ماذا جرى حقاً في ذلك الصيف؟ فتَحت يديها ممعنة فيهما البصر وكأنما قد تضمران أسراراً سوف تفشياها, ولكنها لم تستطع إلا أن تبصر تراباً من ملعبها في الحديقة، تراباً تمعج كما الدود في الشقوق. استوقفها فجأة أن عين وولف المقضومة كانت الشيء الوحيد العصي على التصديق في العالَم، آسرة رهيبة. ولكنها اكتشفت الآن أن ما تراءى يوماً غاية في التفرد هو في الواقع مجرد مفتاح للغز قبَع كما القنبلة الموقوتة، نصف مستتر في الأرض. احتشدت على إثره الآن أشياء أخرى. كان عالَماً من الثعابين العائمة، عالَماً من أمهات باستطاعتهن الاختفاء. مِن أناس يَسكنون ملابس بعضهم بعضاً ويسيرون بها هنا وهناك.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.