ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

فتيان عُجز، فتيات عجائز

albawtaka@albawtaka.com

3 مايو، 2004 ذا نيو يوركر

ألقوا القبض عليه بعد أن قتل الرجل الثاني. لن يصله القانون أبداً بجريمة القتل الأولى. وهكذا فالضحية – شخص قصير القامة قوي البنية أطلق سيزار ماثيوز عليه الرصاص في حارة بالشمال الغربي لا تبعد سوى صفين من المباني عن بيت أبويّ الشخص، رجل مات بسبب امرأة كانت في الواقع تحب رجلاً ثالثاً – انكتب عليه أن يرقد في قبره بدون أن يدفع أحد رسمياً ثمن ما حل به. وكأن سيزار أفلت تقريباً، على الأقل كما نصت كتب القانون، بجريمة قتل مجانية.

 

بعد سبعة شهور من طعن الرجل الثاني – رجل في الثانية والعشرين شاب شعره قبل الأوان، رجل غامر بالخروج من الجنوب الشرقي للمرة السادسة فقط طيلة حياته – حوكم سيزار بجريمة قتل من الدرجة الثانية. وفي غضون أكثرية المحاكمة، لم يستحضر غير اسم الميت الأول – بيرسي أو "الفتى الذهبي" ويموث، وليس الثاني، أنطواين ستودارد الذي لم ينفك الجميع يشيرون إليه خلال الدعوى. لقد ارتكب العالم في حق سيزار أشياء منذ رحل عن منزل أبيه إلى الأبد وهو في السادسة عشرة، من قرابة أربعة عشر عاماً، لكنه ارتكب ما هو أكثر بكثير في حق نفسه.

 

لذا غاب عن نفسه أحياناً خلال المحاكمة تحت وطأة كل ما لحق به من أذى ولاختبائه شهوراً في عدة جحور وسخة، وظن بضع مرات أنه هناك في الواقع بتهمة قتل الفتى الذهبي، الميت الأول. ما ركبه الجنون لكنه وقف على عتبته مثلما تمزح رفيقة قديمة – إيفون ميلر – مشيرة بين الفينة والفينة إلى تصرفاته. مَن ابن الكلب أنطواين الخراء هذا؟ تساءل سيزار من حين لآخر في أثناء المحاكمة. وأين بيرسي؟ لكن عندما حكم القاضي عليه بالسجن سبع سنوات في لورتون، سجن دي. سي. بفيرجينيا، اتضحت الأحداث مجدداً بعض الاتضاح. وخلال تلك اللحظات الأخيرة، قبل أن يأخذوه إلى الحجز، أبصر أنطواين ممدداً على الأرضية خارج نادي ’برايم بروبيرتي‘ الليلي والدماء تتفجر من صدره تفجر البترول من بئر فياض. انثال كل شيء على ذاكرة سيزار: هو يجلس على الطوار والخمر تدير رأسه، أصدقاؤه يتوسلون إليه أن يركض، موسيقى النادي تتدفق من الباب المفتوح لترتطم أغنية ’ثامبتي-ثامب-ثامب‘ برأسه. جلس على بعد عدة خطوات من أنطواين على استعداد للقتل مرة ثانية في سبيل سيجارة. "هذا هو أنتَ يا حبيبي، تقترب اقتراباً من الجنون حتى إنه قد يلمسك،" قالت إيفون. آمنت إيفون بالتعاسة واعتقدت أن السعادة هي أعظم خدعة اخترها الله. سوف تنتظر إيفون ميلر سيزار في نهاية الطابور.

 

أقبل إلى لورتون محملاً بسمعة جاهزة نظراً لأن مالتري ويلسون وتوني كاثيدرال – كلاهما قاتلان من الدرجة الأولى مقدر لهما الموت هناك – عرفاه من أيام الشمال الغربي والشمال الشرقي. كانا وقتذاك أضخم اثنين تقريباً في لورتون (أطلق الحراس على لورتون منزل مالتري وكاثيدرال‘)، وقد أعلما الكل أن سيزار من الناس الطيبين، "جسد محمي،" لا يتعرض فراشه أو مؤخرته للخطر.

 

فات أقل من أسبوع بقليل على وصول سيزار ثم سأله كاثيدرال عن حاله مع رفيق زنزانته. لم يدخل سيزار السجن من قبل لكنه قطع خمسة أيام في حبس دي. سي. دون حساب ما قضاه هناك قبل المحاكمة وخلالها. قعدا جنباً إلى جنب أثناء العشاء من غير أن يرسل أحدهما نظرة إلى الآخر. جلس مالتري قبالتهما. كان كاثيدرال يفرغ من طعامه في ثلاث دقائق بينما يستغرق سيزار دائماً وقتاً طويلاً في الأكل. ربته أمه على مضغ الطعام جيداً. "أتريد أن تكون عجوزاً عائشاً على دقيق الشوفان؟" "أنا أحب دقيق الشوفان يا ماما." "لن تحبه لمّا تُجبر على أكله كل يوم حتى الموت."

 

"لا بأس به، على ما أظن،" قال سيزار عن رفيق زنزانة تبادل معه ما يقل عن ألف كلمة. وافى الأجل أم سيزار قبل أن تشهد مآل ابنها.

 

"أخذتَ السرير الذي تريده، الفراش المضبوط؟" سأل مالتري. كان جالساً إلى جوار واحدة من "امرأتيه،" تلك التي أرغمها مؤخراً على الشذوذ. "كانت" تأكل قطعاً صغيرة من طبقها، حركة حذرها مالتري بالفعل منها. للمرأة عائلة – زوجة وثلاثة أطفال – لكنها لا تزورها. لا يعود سيزار أحد هو الآخر.

 

"لا بأس." أخذ سيزار الفراش العلوي لأن رفيقه كان قد حوّل بالفعل الفراش السفلي إلى بيته. ثمة باندا بلاستيكية منمنمة أتى بها من أصغر أطفاله تدلت من خيط تعلق بأحد أعمدة السرير المعدنية. "السفلي، العلوي، كلها نفس السفينة."

 

مال كاثيدرال عليه وهو ينزع نتفة دجاج من بين أسنانه بظفر طوله بوصة أحدّه لينتهي مستدق الطرف. "اسمع يا رجل، حتى لو يعجبك الفراش العلوي، خذ من أمه السفلي فقط لأنك لازم أن تُعرفه مَن المسيطر. عرّفه أنك ستطعن قلبه ابن الوسخة ثم تستدير لتأكل العشاء بما فيه الحلوى." اعتدل كاثيدرال في جلسته. "يا سيز، سوف تبقى هنا عدة أيام، لذا لا يجب أن تدع أحداً يبهدل إنسانيتك."

 

آب إلى الزنزانة وأخبر بانشو موريسون أنه يريد الفراش التحتاني وأنه لم يستطع النوم جيداً في العلوي.

 

"يا عيني،" رد بانشو. كان مضجعاً، يطالع كتاباً نشره ’شهود يهوه.‘ لم يكن شاهداً إلا أن فضولاً استولى عليه.

 

انتزع سيزار الكتاب وطوح به على القضبان فاندس معظمه بينها مسافة بوصة تقريباً ثم سقط على الأرضية. رفس جنب بانشو، وقبل أن يتمكن من جذب رجله من أجل رفسة ثانية، قبض بانشو على قدمه بكلتيّ يديه ولواها ثم ألقاه على الحائط. نهض بانشو وتقاتلا حوالي ساعة قبل أن يمرق حارسان كانا يتفرجان طيلة الوقت ليضرباهما على رأسيهما. "انتهى العرض! انتهى العرض!" ما انفك أحدهما يقول.

 

لَما شتات نفسيهما والصمت يغلفهما بالزنزانة، وبذات الصمت قذف كل منهما بجسمه في اتجاه الآخر بعد عشاء اليوم التالي. كانا تقريباً في نفس الحجم، وعلى الرغم أن سيزار واجه المعركة بعضلات أكثر، تمتع بانشو بشجاعة أكبر. أنبأ كاثيدرال سيزار صباحها أن بانشو اقتات بلا شيء تقريباً خلا الهيروين لمدة ثلاث سنوات قبل لورتون، لذا فأياً كان الكلب المحارب بداخله يمكن سحقه في ثوان معدودة. تطلب السحق ثلاثة أيام. كان بانشو أباً لخمسة أطفال، وكل مرة سدد فيها ضربة، سددها متذكراً كل الخمسة وما اقترفه في حقهم خلال سنوات الإدمان الثلاثة. ود لو يرجع إليهم ويحاول تعويضهم عما فات، وقد وعى في صباح اليوم الثالث أنه لن يتمكن من فعل ذلك لو أودى سيزار به. وهكذا بعد أربع عشرة دقيقة من العراك، خر ساجداً بعد أن طرق سيزار بطنه طرقاً. ورغم أنه لم يعجز عن النهوض، لازم مكانه، يحل عليه الصمت والجمود. تصاعدت ضحكات الحارسين. بلغت الابنة مانحة بانشو الباندا سن التاسعة، وقد نشأت كاثوليكية على يد أمها.

 

تمدد سيزار على الفراش السفلي قبل حلول الظلام بالمكان ليلتئذ وتردد بصره بين صور أطفال بانشو المثبتة على الحائط المقابل بشريط لاصق. كان يعلم أنه لا بد أن يقرر إذا ما أراد من بانشو نقل الصور فقط أم نزعها كلية. كشفت ابتسامات كل الأطفال عن أسنانهم. وقف الاثنان الصغيران في صورتين منفصلتين في الهواء الطلق بملابس ’القربان الأول.‘ كان سيزار نفسه أباً لمدة سنتين. ثمة فتاة تعرف بها في أحد نوادي شارع إف بالشمال الغربي. أبلغته بأنه أبو ابنها، وقد صدقها برهة من الوقت. ثم بدأت أذنا الولد تكبران حتى ظن سيزار أنهما لا ينتميان إلى أحد في عائلته. وعليه بعد أن لطم الفتاة عدة مرات قبل أسبوع من عيد ميلاد الطفل الثاني، أقرت بأن الطفل ينتسب إلى "حبي الأول." "حُب المرء الأول لا يفارقه أبداً،" أنهت إليه لتبدو على الدوام كمدمنة تلفزيون لم تقرأ كتاباً واحداً في حياتها. وبينما تأهب سيزار للانصراف، سألته، "أتريد استرجاع كل اللعب والحاجات التي أعطيتَها إياه؟" نام الطفل، وكأنما اعتاد شجارهما، خلال تلك المقابلة الأخيرة على الأريكة، جزء من حجرة معيشة بشقة لم يتخلفا عن دفع إيجارها في الميعاد المحدد. لم يزد سيزار في الكلام ولم يفكر في ولاعته الذهبية قيراط 18 إلى أن ابتعد مسافة ثمانية صفوف من المباني. رهنت الفتاة الشيء لتحصل على ما يكفي لدفع فاتورة الأثاث.

 

اشتغل سيزار وبانشو في المغسلة. مد سيزار طرفه إلى بانشو عبر الغرفة المفعمة بالضجيج وكل النسال الذي يدوم في جميع الأرجاء. كان بانشو يفرز قطعاً قذرة في الصناديق ثم يدفع صناديق البزات يساراً والباقي كله يميناً. اضطلع بانشو بتلك المهمة منذ ثلاثة أعوام. بعد أن أفرجت لورتون عنه حصل على وظيفة ساع في مواقع التشييد. لم تقبله أية مغسلة في العالم الخارجي. وخلال ما تلا من أسبوعين – وسيزار يراقب بانشو أثناء عمله وظهره دائماً له – تمعن فيما ينبغي صنعه في الخطوة القادمة. ما كان يضاجع الرجال، لذا استثنى هذا الاحتمال. لم يقرر بعد ماذا يريد فعله بشأن الصور المعلقة على جدار الزنزانة. وذات يوم في نهاية هذين الأسبوعين، أبصر سيزار المصباح يخفق فوق رأس بانشو. رفع بانشو رأسه وتطلع إليه طويلاً كمن يحسب أن حل كل مشاكله يكمن في تصليح هذا المصباح. قرر سيزار عند ذاك ترك الصور باقية على الحائط.

 

مضت ثلاثة أعوام ثم حرروا بانشو. ابتعد كل من الرجلين عن الآخر في أغلب الأوقات لكنهما بدآ يتكلمان قرب النهاية متشاركين في خططهما حول الحياة بعد لورتون. بلغت العلاقة حداً شعر معه سيزار بالحزن لمرأى صور الأطفال تُزال عن الحائط. نزع بانشو آخر الصور الملصوقة فإذا بالحائط يتراءى فارغاً يرين عليه البؤس. ألّم سيزار بأسماء كل الأطفال. منحه بانشو قدم أرنب مصدره أحد أطفاله. هكذا اعتاد كل هؤلاء الرجال، حين ينفد بريق قطعة جالبة للحظ، تنتقل إلى آخر على أمل أن تجدد الملكية الجديدة قوتها. فقدت قدم الأرنب شرارتها قبل شهور من إطلاق سراح بانشو. امتلك سيزار قطعة حظ واحدة، سلسلة مفاتيح مصنوعة في بيرو؛ حلَت للص بنوك في الزنزانة المجاورة زهاء عامين حتى خطف أحدهم ابنة ذلك الرجل وقتلها وهي تسير إلى بيتها من المدرسة حيث كانت في الصف الثالث.

 

جلبوا لصاً مغتصباً لثلاث عجائز بعد يوم من رحيل بانشو. أومأ إلى سيزار وأعلمه بأن اسمه واتسون ريني ثم طفق يصنع بيتاً لنفسه في الزنزانة. وصّل في النهاية قابس مصباح صغير ذي ظلة خضراء وحط المصباح على رف معدني ينتأ من الجدار. ثم تسلق الفراش العلوي بعد أن رتبه واضطجع عليه. لم يخاطب سيزار سوى بعبارة ذكية واحدة وحيدة: اسمه. ما فتئ سيزار يدخن في الفراش السفلي أثناء جهود ريني لتأسيس عش. انتظر سيزار عشر دقائق ثم قام جاذباً سلك المصباح من مقبس الجدار وقبض على ريني بيد واحدة ليطرحه على الأرضية. هشم المصباح على وجه ريني ثم خنقه بالسلك. "تدخل بيتي ولا تبدي احتراماً!" قال سيزار صارخاً. ما تمكن ريني من إصدار صوت خلا قرقرة بقبقت من فمه المشوه. لم تلق الحادثة شهوداً عدا عجوز يقبع عبر الممر. كان العجوز يلمح الاثنين من آن لآخر عندما يكف عن قراءة الإنجيل. انتهت الواقعة خلال أربع دقائق. وعندما استرد ريني وعيه، ألفى كل ممتلكاته مكومة في الركن ومنقوعة في البول بينما احتل سيزار من جديد الفراش العلوي.

 

سوف يعيشان معاً في تلك الزنزانة حتى الإفراج عن سيزار بعد أربعة أعوام. حاول ريني ألا يطأ أبداً المنزل خلال ساعات اليقظة؛ ولو حدث ووُجد هناك لحظة دخول سيزار، يترك المكان. ما تبادل الرجلان على الإطلاق سوى اسم ريني الذي لفظه في ذلك اليوم الأول.

 

انصرم نحو أسبوع على قدوم ريني ثم اشترى سيزار من مالتري تقويماً يعود إلى ثلاثة أعوام مضت. اتصف بالضخامة وخلا من أي علامة من أي نوع، بمثل حالته الأصلية يوم تصنيعه. "أنتَ عارف أنه ليس لهذه السنة،" نقل مالتري إليه بينما تناولت إحدى امرأتيه من سيزار ربع دولار أسقطته في محفظتها. فأجابه سيزار، "ستنفعني." قدّر مالتري التقويم عظيم التقدير لسبب واحد: انطبعت على نصفه العلوي صورة لامرأة عارية يستعصي تحديد عرقها، تجلس على كرسي بلا ظهر أو ذراعين فاتحة رجليها تماماً ومصوبة فرجها مباشرة إلى أياً كان الواقف أمامها. عدها مالتري قطعته الجالبة للحظ إلا أن الحظ مات. استحضر مالتري ما فعله التقويم من أجله فأمر امرأته بإعادة المال إلى سيزار خشية أن ترتد عليه أية قطعة جديدة جالبة للحظ.

 

أظهر النصف السفلي من التقويم أيام السنة. ويومها، يوم الاثنين الأول من يونيه، رسم سيزار في مربع 1 يناير خطاً نزل من الركن الأيسر العلوي إلى الركن الأيمن السفلي. وفي اليوم التالي، يوم ثلاثاء بيونيه، رسم في مربع 2 يناير خطاً جرى هو الآخر في نفس الاتجاه. وهكذا. وحينما حمل التقويم كل تلك الخطوط في كل المربعات، هلّ يونيه التالي. فرسم سيزار في مربع 1 يناير خطاً شكّل علامة X مع الخط الأول. وهكذا جرت سنة أخرى. شهدت السنة الثالثة علامات أفقية شطَرت المربعات. وحوت السنة الرابعة خطوطاً رأسية في منتصف المربعات.

 

لم يحتفظ سيزار بتقويم آخر في لورتون. لصق التقويم في نفس ذلك الاثنين الأول في مساحة شغلتها من قبل صور أطفال بانشو. لم يزل هناك فراغ كبير باق لكنه لم يستغله في أي شيء، وقد علِم ريني أنه لا يقدر على استغلاله هو الآخر.

 

أنصف التقويم سيزار حتى اقتربت نهاية سنته الخامسة في لورتون حين شعر بأن بريقه بدأ يخبو. لكنه احتفظ به لتعليم الأيام كما أن المرأة العارية لم تغلق رجليها في وجهه أبداً.

 

قتل أحدهم مالتري وهو يستحم في تلك السنة الخامسة. لم يقبضوا على القتلة – لا بد وأنهم أكثر من واحد كي يتمكنوا من قتل رجل كمالتري. داخَل امرأة مالتري – الآكلة قطعاً صغيرة – اهتمام بوافد جديد يصغرها بخمسة أعوام، شماس كان يشتغل نصف ساعات العمل. قتل الشماس نادلاً بالجنوب الغربي لأنه شتم زوجة الشماس قائلاً، "امرأة غبية متخلفة." أمست قصة ذلك القتل – أُسقط النادل ورأسه تسبقه من سقف مبنى مكون من عشرة طوابق – أسطورة. أطلق رجال لورتون على النادل الميت اسم ’المهين مسطح الرأس‘ وعُرف القاتل باسم ’راد الإهانة الصالح.‘ اشتهى ’راد الإهانة‘ امرأة مالتري فاستأجر أناساً لذبحه. كانت السيدة كارهة الطعام تتولى دائماً مهمة حراسة مالتري أثناء استحمامه لكنها تنحت جانباً يومئذ، تماماً مثلما أملى عليها ’راد الإهانة.‘

 

لن ينقص كاثيدرال وسيزار في عهد آخر ما يكفي من كل شيء – من العضلات إلى التأثير – للمطالبة بتسليم القتلة غير أن السجن عج برجال شبان لم يكترثوا لما احتلاه هذان الرجلان من مكانة في يوم من الأيام. كما أن كاثيدرال استقبل بالفعل زيارتين من الرجل قتيله في الشمال الغربي. وفي كل مرة وقف الرجل أولاً إزاء قضبان زنزانة كاثيدرال ثم أمسك قضيباً ودفع الباب إلى الداخل لينفتح كما ينفتح باب خشبي في منزل شخص. حسْب الرجل الميت القائم هناك أن يُفقد أي شخص عقله إلا أن ما زاد الطين بلة هو رؤية كاثيدرال لباب انزلق سنوات إلى الجانبين ينفتح الآن بطريقة مستحيلة. وقف الرجل والصمت يعمه أمام كاثيدرال. ومع انصرافه أغلق الباب برفق وكأن هناك أطفالاً نياماً في الزنزانة. لذا تشتت ذهن كاثيدرال ولم يثأر مطلقاً بمالتري.

 

ضم المكان رجلاً مداناً بتهمة السطو المسلح، واشماً مزوَداً بإبر وأحبار منزلية الصنع. كسب الكثير من وراء رسم أسماء الأطفال على أجسام عضِلت وأخرى وهنت؛ الشيطان وهو يرتدي زيه الفاخر بالكامل ومعه مذراة تقطر دماً؛ كلمات ’أمي‘ أو ’أمي إلى الأبد‘ طوقتها ورود حمراء وملائكة تبدت عليهم آي الحزن، فحين وصل الرسم إلى الملائكة السعداء، عازت المهارة رجل الوشوم. جعله نشال يشم منتصف صدره بصورة لأبيه؛ وفوق رأس الرجل كتب كلمات ’يتعفن في الجحيم‘ بأحرف يعود شكلها إلى العصور الوسطى فيما صفّر حرف الجيم وحمّره حمرة نارية. أخبر الواشم سيزار بأنه ينعم بجلد يليق "بأحسن أقمشة الرسامين" وأن بمقدوره أن يرسم له وشماً "يحسده الله عليه." لم ينفك سيزار يرفض عرضه لكنه صحا في ليلة ثلجية بمارس من عامه السادس ليكتشف أنه يوم عيد ميلاد أمه. تاه عنه أي يوم في الأسبوع كان بيد أن الصوت المتحدث إليه زخر بسلطة مليون أم محبة. نسى منذ زمن تاريخ عيد ميلاده بل إنه لم يعبأ أن يطلب من أحد مسؤولي سجلات السجن الكشف له عن اليوم.

 

ما رام أبداً إحياء ذكرى أي شخص أو أي شيء على جسمه. علها كانت كارول، رفيقته الأولى من عشرين سنة خلت، قبل أن تدخل الفتاة المعوقة حياتهما. راودته فكرة غرز اسم الصبي الذي ظنه ابنه على قلبه إلا أن الكذبة انفضحت قبل أن يحدث ذلك. وقبل الصبي، هناك إيفون التي عاش معها فترة رائعة بالشمال الشرقي. كان سيضع اسم إيفون على قلبه لكنها خرجت ذات يوم متوجهة إلى العمل ولم ترجع قط. نقب عنها ثلاثة شهور ثم ما كان منه إلا أن افترض أن أحداً قتلها في مكان ما ورماها في بقعة لا يدريها إلا الحيوانات. كانت إيفون حقاً ميتة، في انتظاره في نهاية الطابور وإن لم تفقه أن ذلك ما تصنعه. "تستطيع دائماً أن تثق بالتعاسة،" أعلنت إيفون في مرة من المرات وهي جالسة في العتمة على الأريكة وسيجارتها تحترق حتى العقب. "فوجهها لا يتغير أبداً. إلا أن السعادة ماكرة لا يمكن الوثوق بها. فهي تضمر ألف وجه يا سيز، كلها على استعداد تام لأن تنقلب إلى تعاسة بمجرد أن تقبض عليك بين براثنها."

 

وهكذا أوكل سيزار إليه بوشم عضلة ذراعه اليسرى بكلمتيّ ’أمي إلى الأبد.‘ كان رجل الوشوم يعلم أن مزيداً من الحروف معناه دفع عدد أكبر من السجائر أو النقود أو الحلوى، لذا ثنيه عن كتابة كلمة ’أمي‘ فقط لا غير. "كم في ظنك عدد الساعات التي قضتها في المخاض؟" سأل سيزار. "فقط كي تمنحك الحياة." استغرقت المهمة خمس ساعات في غضون يومين، خلال عاصفة ثلجية. رفض سيزار الملائكة لعلمه مدى قدرة الرجل على الملائكة السعيدة، وجعله يكتب الكلمات بأحرف زرقاء تحْدق بها ورود حمراء. اشتغل الرجل من كلمات انكتبت بأحرف منفصلة على قطعة ورق أعطاها سيزار إياه لأنه لم يجد أيضاً التهجي.

 

كفت الثلوج في اليوم الثالث، والغريب أن قدميّ الفوضى استلزمتا ثلاثة أيام أخرى فقط لتذوبا لأن مع نهاية العاصفة هلت موجة من السخونة. وعند نهاية شهر إبريل سوف يقول رجل الوشوم – صديق مقرب لراد الإهانة الصالح – لسيزار إن ما جرى له غلطته هو لأنه لم يعتن بنفسه مثلما أرشده. "كما أن الحرارة لم تساعدك." ففي ليلة 31 مارس، بعد خمسة أيام من غرز الوشم، صحا سيزار ليلاً شاعراً بخفق في ذراعه الأيسر. جافاه النوم بعدها لذا جلس على طرف فراشه حتى الصباح، وحينها رأى أن حروف الألف في ’أمي إلى الأبد‘ تبثرت وكأن أحدهم أشعلها بعود كبريت.

 

ذهب إلى رجل الوشوم الذي أخبره أولاً ألا القلق ثم ربت حروف الألف بسائل بيروكسيد دفأه بعود كبريت في ملعقة. وفي غضون يومين بدت حروف الألف ذائبة، إذ انحل كل حرف ليصبح كومة قبيحة في قاعدة الوشم. وبعد أسبوع راحت حروف الألف المريضة تنشر تأثيرها إلى الحروف الأخرى وعجز سيزار عن تحريك ذراعه بدون ألم. قصد العيادة فأعطوه أسبريناً ووضعوا رباطاً على الوشم. رجع في اليوم التالي عندما كان الطبيب هناك.

 

أمضى أربعة أيام بمستشفى دي. سي. العام، أول رحلة يعود فيها إلى واشنطون منذ مثَل أمام المحكمة منذ ما يربو على ثلاثة أعوام مضت. انشل جسمه بالكامل لمدة يومين، وقد أسرت إليه إحدى الممرضات يوم مغادرته بأنه أوشك على الموت. وفي النهاية، بعد أن فعل الالتهاب مفعوله، لم يتبق الكثير من الوشم عدا ’ميم‘ و’دال‘ بلغ بهما التشوه حداً جعل الرائي لا يتعرف البتة على أنهما حرفيين، وعدة ورود تبدت أقرب إلى الطين الأحمر. وحينما عاد إلى السجن، عرض عليه رجل الوشوم إرجاع السجائر والنقود لكنه لم يظفر قط بجواب من سيزار الذي دفع الرجل إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يحمي ظهره منه. ما حصل لوشم سيزار ولسيزار كان دعاية سيئة وسرعان ما عدم الرجل الزبائن تماماً.

 

مات شيء في اليد والذراع فلم يعد سيزار قادراً أبداً على رفع الذراع أكثر من خمس وثلاثين درجة. ما عادى عدواً، ومع ذلك لم يفش لأحد بضعفه. وخلال ما تبع من عدة شهور حاول الابتعاد عن طريق الجميع مدركاً أنه أضعف بكثير من حاله قبل الوشم. وعندما انفرد بنفسه في الزنزانة، دون أن تتسلط عليه العيون من الجانب الآخر للممر، شرع يُمرن الذراع، لكنه فطن أخيراً بحلول نوفمبر أنها لن تعود مجدداً إلى سابق عهدها. حاول التنمر لريني واتسون ما أمكنه ليحافظ على المظهر بأنه لا يزال كما كان. وحاول قضاء المزيد من الوقت مع كاثيدرال.

 

إلا أن الرجل قتيل كاثيدرال تواصلت زياراته وتزايدت. ما تكلم الميت – شاب عازب قطن بالمنزل المجاور لكاثيدرال – قط. وما صدر منه سوى أن دفع باب زنزانة كاثيدرال إلى الداخل وجعل يقوم بأشياء وكأن الزنزانة بيت يحوي عائلة – يضبط لوحات حائط لم يبصرها سوى كاثيدرال، يخفض غاز الموقد، يجرب مياه الدش ليتأكد من أنها ليست ساخنة زيادة عن اللزوم، يدس الأغطية حول أجسام أطفال نيام. رصده كاثيدرال وعلى رأسه الطير.

 

ذهب سيزار إلى زنزانة كاثيدرال ذات يوم في منتصف ديسمبر، قبل ستة أشهر من إطلاق سراحه. وجد صديقه جالساً على الفراش السفلي ويداه مثبتتان بإحكام فوق ركبتيه. لم يزل خارج الزنزانة حين فاه كاثيدرال، "سيز، قل لي لِم يبلغ غباء الله درجة يخلق معها البعوض. قصدي، ما هي فائدة تلك المخلوقات اللعينة؟ ما هي مهمتها؟" علت ضحكة سيزار ظاناً أنه يمازحه ثم هم بتقديم شيء عندما ارتقت تحديقة كاثيدرال إليه بجدية لا تبرأ من الدمار، "ما نحتاج إليه هو إله جديد. شخص عارف ماذا يهبب." عطل وجه كاثيدرال من الابتسام. عاد إلى الحملقة في الجدار المقابل له. "وماذا عن خلْق الخفافيش؟ قصدي، نعم، إنها تأكل الحشرات، لكن لِم خلْق تلك الحشرات من الأصل؟ فاهم قصدي؟ يخلق مشكلة ثم يضطر إلى خلق حاجة لحل المشكلة ثم يتوصل إلى حاجة لتلك المشكلة الثانية. يا رجل، يا رجل!" طفق سيزار يبتعد بقدمين بطيئتين عن زنزانة كاثيدرال. سبق له أن شاهد هذه الحالة مرات عديدة. يتعذر عليها العلاج، ولا حتى بإغداق الحب. وأحياناً ما تقضي على شخص محب. "والصراصير. كل البشر في العالم أعقل من أن يخلقوا الصراصير. ما هي مهمتها يا سيز؟ صدقني، نحن في حاجة إلى إله جديد، وأنا مستعد للتصويت حالاً. الصراصير والفئران والبق. لقد اختل عقل الله في ذلك الأسبوع. ستة أيام لا لازمة لها عدا جزئية البشر وبعض الحيوانات. ثم يحتفل في اليوم السابع وكأنه صنع لنا جميلاً ما بعده جميل. يا لجرأة ذلك ابن الوسخة. وكل ما عندك من حمَام وسناجب. لا تنساها. حقيقي، بجد."

 

أخذوا كاثيدرال إلى مكان ما في نهاية يناير ثم أرجعوه بعد أسبوع. عاد إلى حملته الدعائية لإيجاد إله جديد في فبراير. ثم بدأ طقس سوف يستمر حتى رحيل سيزار: قرروا أن كاثيدرال يمثل خطراً على نفسه ثم أبعدوه ثم أعادوه ثم أبعدوه حين طفق يشن حملة دعائية أخرى لإيجاد إله آخر.

 

لا يد لسيزار الآن على فعل شيء سوى محاولة الاستمرار حتى النهاية معتمداً على صيت أقل ذيوعاً بكثير من عامه الأول بلورتون. ما وسعه إلا أن يأمل أنه كون ما يكفي من الود وسط رجال يمتلكون صيتاً أوسع وأذرعاً تعمل مائة في المائة.

 

استهل شهر إبريل فتلقى من محاميه ظرفاً أصفر كبيراً. كان خطاب المحامي وجيزاً. "لم أخبرهم بمكانك،" كتب. "ربما عرفوا من شخص ما أني محاميك. مع السلامة." استلم خطابين منفصلين في ظرفين مغلقين من أخيه وأخته، كلاهما معنونان بـ "أخي سيزار." لقد عاد الموتى إلى الحياة، تفكر سيزار مراراً قبل أن يقرأ الخطابين أخيراً، بعد حوالي أسبوع. توقع إعلاناً بوفاة أبيه إلا أنهما بالكاد أتيا على ذكره. تتابع خطاب أخي سيزار الأصغر في خمس صفحات ليسرد تاريخ ما جرى للأسرة منذ غادر سيزار حياتهم. ثم أنهى قائلاً: "ربما كان من الواجب عليّ أن أكون أخاً أفضل." رافق الخطابين كذلك ثلاث صور، واحدة لأخيه وعروسه في يوم زفافهما، وواحدة تُظهر أخت سيزار وزوجها وطفليهما، فتاة في نحو الرابعة وصبي في الثانية تقريباً. وبالصورة الثالثة جلست الفتاة على أريكة بجانب الصبي الذي قعد على حجر أبي سيزار وهو ينظر إلى يساره نظرات الاهتمام وكأن ما هناك أياً كان أهم من التقاط صورته. رنا سيزار إلى صورة أبيه – رجل على شفا العُجوز. بل إن خطاب أخته تضمن ما يقل عن خطاب المحامي: "اكتب لي أو اتصل بي وسأدفع ثمن المكالمة، أي شيء يريحك يا غالي. اتصل حتى لو كنتَ في الجانب الآخر من العالم. لأن كل خطوة تخطوها للوصول إليّ، سأمشي ميلاً نحوك."

 

اعتراه عظيم الاشتياق في البداية لكنه مزق كل شيء بعد أسبوعين ورماه كله. سوف يسعد لفعلته عندما يترنح مجروحاً مضطرباً وهو خارج من سيارة أخته بعد أقل من نصف سنة. ستكون الفتاة والصبي في المقعد الخلفي، الفتاة في فستان أحمر وحذاء أسود، والصبي في بنطال أزرق وقميص قطني مطبوع على صدره شخصية كاريكاتورية. سوف يغلب النوم الصبي إلا أن الفتاة ستقول، "تصبح على خير يا عمي،" هكذا كانت تناديه طيلة تلك الأمسية.

 

عاونته مجموعة لمساندة المذنبين السابقين – ’الضوء في نهاية النفق‘ – على الحصول على حجرة ووظيفة غاسل أطباق ومساعد نادل في أحد مطاعم شارع إف. قبعت الحجرة في مبنى من ثلاثة طوابق في منتصف صف المباني رقم 900 بشارع إن في الشمال الغربي. اشتمل المبنى أيام عاش البيض هناك على شقتين من ثماني حجرات تقريباً في كل طابق. خلت الآن شقتا الطابق الأول وأنقفلت منذ سنوات. وفي الطابقين الآخرين انقسمت كل شقة من الشقتين الضخمتين إلى خمس حجرات مؤجرة. تراوح الإيجار بين عشرين وثلاثين دولاراً في الأسبوع بحسب الحجم والمنظر المطلة عليه. اتصفت حجرة سيزار بالصغر، إيجارها عشرون دولاراً ومساحتها نصف مساحة زنزانته بلورتون. الكلمة التي وردت على باله لوصف شقق أفسدها ملاكها بعد أن كانت ذات يوم فاخرة هي ’الجحور.‘ تشارك سكان الحجرات بكل واحدة من الشقتين المجزئتين في حمامين ومطبخ جيد الحجم. كان المطبخ مكاناً مثيراً للشفقة لقذارته ولمبته ذات الخمسين واتاً، ولأن الكثير من الأجهزة قديمة أو لا سبيل إلى الاعتماد عليها أو الاثنين. تصدرت حجرة سيزار الضيقة المبنى لتواجه شارع إن. ثمة حجرتان أخريان على جانبه من الممر، آوت المجاورة له أم وطفليها. لم يعلم حتى أسبوعه الثالث هناك أن إيفون ميلر تسكن الممر الآخر.

 

حوى كل مجمع باباً رئيسياً للدخول. أقام في الغرفة الكبيرة عن يسار الباب المفضي إلى مجمع سيزار رجل في نحو الستين. رجل ببيجاما لم يبرح سريره مطلقاً طوال الفترة التي عاش فيها سيزار هناك. بمقدوره أن يمشي غير أن عينيّ سيزار لم تقعا عليه أبداً وهو ماش. ثمة امرأة أنبأت سيزار ذات يوم أنها "معاوِنة صحية منزلية." لزمت المرأة دوماً حجرة الرجل، كانت تطبخ وتنظف وتتفرج معه على التلفزيون. تجهزت غرفته دون غيرها بلوازم مطبخ داخل حجيرة صغيرة – موقد وثلاجة وحوض. لم يغلق بابه قط وبدا أنه لم يذق النوم أبداً. جثمت خزانة خضراء على ارتفاع ثلاث أقدام بجانب السرير. "أنا مرابٍ،" باح الرجل في اليوم الثاني من مجيء سيزار. كان قد دخل واجتاز الغرفة فأمر الرجل المعاوِنة بأن تُعيد "ذلك الأسد الصغير." "اسمي سايمون، أشتغل في تسليف الأموال،" قدّم الرجل نفسه وسيزار واقف في المدخل. "سأكون لك خير صديق لكن ليس مجاناً. قل لأصحابك."

 

اشتغل ما سمحوا له من ساعات في مطعم تشاوينج داون. كان يقصد في الوقت المتبقي دور السينما حتى انتهاء العروض ثم يتخذ مجلسه بمتنزه فرانكلين بارك الكائن في تقاطع شارعيّ فورتينث وكيه، في الصحو والغيم. كان يجلس هناك إلى أن يدعوه النوم، ويتأخر أحياناً حتى الثانية صباحاً. ما ضايقه مضايق. لقد قتل رجلين، وقد استشعر العالَم، ولا سيما الجانب الشرير منه، فعلته تاركاً إياه بمفرده. ما عرَف أحداً وما أراد أن يَعرفه أحد. بدا وكأن أصدقاء ما قبل لورتون انمحوا عن وجه الأرض. كان قد استيقظ في اليوم قبل الأخير من سجنه بلورتون والرعب يجتاحه، وحسب أنهم لو خيروه، ربما يبقى. قد يجد حياة ومهنة في لورتون.

 

كان يمارس الجنس بيده اليمنى فقط، وما مارسه كثيراً. أنشأ يظن في أيامه الأولى خارج السجن أن الرجال والنساء باتوا يتحدثون الآن لغة جديدة وأنه لن يتعلمها على الإطلاق. بل إن افتقاره للثقة طال البغايا، وهذا كان رجلاً رافق نساء أكثر عدداً من أصابع يديه وقدميه. جعل يعتقد أن البغِي تملك القدرة على تحطيم روح الرجل. "ما هي نوعية اللغة التي تتكلمها يا عسل؟ تكلم إنجليزي لو عائز حبة." كان في السابعة والثلاثين عندما حرروه.

 

آب من المتنزه ذات صباح في الثانية والخامسة والأربعين وعبَر باب سايمون سريعاً غير أن المرابي نادى عليه. وقف سيزار في المدخل. مر على معيشته في الجحور أقل من شهرين. كانت المعاوِنة تطبخ، تقف مولية سيزار ظهرها في بذلة خضراء متقبضة وحذاء أسود عملي. قلّبت أولاً أحد القدرين على الموقد ثم الثاني. كان الناس يضحكون في التلفزيون الملون.

 

"واضح أنكَ كنت تتفسح الليلة،" ابتدأ سايمون كلامه. "أتمنى أن تكون نِكت بما يكفيك حتى المرة القادمة." "أنا مستعجل،" نقل سيزار إليه. بدأ يفكر في أنه قد يتمكن من قتل الرجل ويجد طريقة لفتح الخزينة. السؤال كان أيجب أن يقتل المعاوِنة أيضاً؟ "لا تعْرض عن صحابك كذلك،" قال سايمون. ثم راح لسبب ما يحكي لسيزار عن جيرانهما في ذلك المجمع. هكذا علِم سيزار لأول مرة بوجود "إيفوني،" واحدة لم يرها بعد. لم يدر أنها إيفون التي عهدها منذ زمن حتى مر بها في الصالة ثاني مرة. "الآن. إيفوني الحلوة، ما هي إلا فتاة عجوز." كان الفتيات العجائز بغايا، شابات كن أم عجائز، سحقهن العالم سحقاً لم يتبق فيهن معه إلا أدنى ذرة من الحياة؛ لم تكن قلوب الكثيرات منهن من ذهب. "لكن الأرجح أنك تستطيع أن تنالها مجاناً،" أفضى سايمون مشيراً إلى يمين سيزار حيث تقع غرفة إيفون. ظهر دوماً نتوء صغير تحت أغطية الفراش بجوار سايمون، وقد ساور سيزار الشك في أنه مسدس. تلك مشكلة لكنه قد يتمكن من القفز على السرير وقتل الرجل بضربة هراوة واحدة قبل أن يستطيع انتزاعه. ماذا سيبدر من المعاوِنة؟ "أنا عن نفسي نلتها،" أخبره سايمون، "وعليه أزكيها في وقت الحاجة الشديد ليس إلا." "نتكلم في وقت ثان يا رجل،" نبس سيزار ثم ابتعد. كان الطريق المعتاد إلى حجرته عن يمينه بمجرد دخول الباب الرئيسي، لكنه سار صباحها إلى الأمام، وخلال عدة أقدام اجتاز غرفة إيفون. كان الباب مفتوحاً قليلاً فتناهى إليه صوت موسيقى من الراديو. بل إن المعاوِنة قد تكون مستعدة للمساعدة في سرقة المرابي لو استطاع التحدث إليها بمفرده قبلها. عله لا يحيط باللغة التي يتكلم بها الرجال والنساء الآن بيد أن لغة المال لم يطلها التغيير.

 

أخبرت إحدى بنات العم أخاه بمكانه. اشتغلت ابنة العم تلك – نورا مايويل – مديرة لبنك قريب عند تقاطع شارعيّ تويلفث وإف. أبصرت سيزار أول ما أبصرته وهو يرفع الأطباق عن موائد تشاوينج داون حيث ذهبت للغذاء مع زملائها. أتت اليوم بعد الآخر كي تتيقن من أنه حقاً سيزار، فهي لم تره منذ ما يفوق عشرين سنة. لكنها ما أخطأت في التعرف على الرجل الذي شابه عمها. كبِر سيزار نورا بخمسة أعوام. أمضت معظم سنوات طفولتها متمنية الزواج به حين تكبر. وحتى لو أولاها اهتماماً أثناء كل تلك السنوات السابقة على اختفائه، ما كان ليتعرف عليها – صارت أكبر بالطبع غير أن الحياة تكرمت على نورا تكرماً فوق العادة لتتراءى الآن ملكة مقارنة بما كانت عليه ذات يوم من ريفية معدمة.

 

أقبل أخو سيزار بعد ثلاثة أسابيع من رؤية نورا له لأول مرة. تناول الأخ ألونزو طعامه بمفرده ودفع الفاتورة ثم تقدم إلى سيزار والابتسام يسود وجهه. "أنا مبسوط لرؤيتك،" قال. ما ند من سيزار إلا أن أومأ برأسه وابتعد حاملاً حوض الأطباق المتسخة. وقف الأخ بضع لحظات والارتعاش يلم به ثم استدار وشق طريقه إلى الخارج بقدمين لا تعرفان الثبات. كان محامي شركات يجني تسعة أضعاف ما يجنيه أبوه في سن السابعة والخمسين. رجع إلى المطعم عدة أيام. وفي اليوم الثامن اتجه إلى سيزار الذي كان يرفع الأطباق في ركن بعيد من المطعم. كان سبتمبر في مستهله الآن، مضى على خروج سيزار من السجن ثلاثة شهور وخمسة أيام. "سوف أستمر في المجيء حتى تتكلم معي،" قال الأخ. رمقه سيزار طويلاً. كانت ساعات الغذاء في سبيلها إلى الانتهاء، وعليه لن يجد المدير سبباً للصراخ في وجهه. كان قد رأى إيفون في الصالة للمرة الثانية منذ يومين فقط. كان الوقت ظهراً، وقد تبدلت لمبة النور المطفأة بالصالة منذ اجتاز إيفون في المرة الأولى. تعرف عليها غير أن كل ما في عينيها وجسمها أنبأه بأنها لم تقف على هويته. لن تقف عليها قط. ولأنه كان يعلم من هي، أومأ لأخيه وخلال دقائق كانا يمرقان من الباب لينعطفا عند الزاوية إلى الحارة. أشعل سيزار سيجارة من فوره. ارتدى الأخ بذلة رمادية تكلفت 1،865.98$. لم تبرأ مريلة سيزار من القذارة. السيجارة السابعة في تلك الظهيرة. حين فارقت السيجارة فمه، حاذت جانبه، وبينما كان يرفعها إلى فمه وينزلها ويدخن وينفض الرماد، لم تهتز يده على الإطلاق.

 

"هل تعلم كم أود أن أحيطك بذراعي؟" باح ألونزو.

 

"أظننا يجب أن نضع حداً في الحال لكل هذا الخراء حتى نواصل حياتنا،" قال سيزار. "لا أريد أن أراك أو أي فرد آخر في أسرتك من الآن وحتى يوم مماتي. لازم أن تفهم ذلك يا سيد حتى تستغل وقتك في حاجة ثانية. أنت زبون، لذا لن أعاملك معاملة أعاملها لغير الزبون."

 

رد الأخ، "سوف أعترف بما اقترفتُه في حقك مهما كان. سأعترف به يا سيزار. سأعترف." الحق أن أخاه لم يرتكب شيئاً في حقه أبداً، وكذلك أخته. كانت الحرب تندلع دوماً بين سيزار وأبيه، لكن بمرور الوقت اعتبر سيزار أخاه وأخته حليفين لأبيه. "لكن تعال لتراني أنا وجوني، مرة واحدة فقط، وإن لم تشأ رؤيتنا مجدداً، سوف نتقبل مشيئتك. ولن آتي أبداً إلى مطعمك ثانية."

 

لا تزال في السيجارة بقية إلا أن سيزار نظر إليها ثم أسقطها على الأرضية وداسها. أرسل طرفه إلى ساعته الرخيصة. سوف يتقاتل رجال السجن في سبيل ما تبقى من تلك السيجارة. "لازم أن أمشي يا سيد."

               

"نحن عائلة واحدة يا سيزار. لو لا تريد أن ترى جوني وتراني من أجل خاطرك، من أجل خاطرنا، إذن فمن أجل ماما."

 

"مامتك ميتة، ماتت من سنين عديدة." سار نحو الشارع.

 

"أنا عارف أنها ميتة! أنا عارف أنها ميتة! لقد وضعتُ زهوراً على قبرها يوم الأحد الفائت، وثلاثة آحاد قبله، وخمسة أسابيع قبله. أنا عارف أن أمي ميتة."

 

توقف سيزار. لم يلف حرجاً في أن يلقي إعلاناً سريعاً عن أم ميتة مثلما فعل تكراراً عبر السنوات. بمقدور الرجل أن يكثر من ترديد الكلمات حتى إنها تغدو مجرد جزء آخر لا معنى له من تركيبته. غاب ألم حل عليه في تلك المرات الأولى لنطقه بها، عندما كانت أمه حديثة العهد بقبرها. الكلمات شيء لكن القبر شيء مختلف، حقيقة مختلفة. استقر القبر هناك، كي تراه الأعين وتلمسه الأيدي، وبوسع الرجل، الابن، أن يريد تلك البقعة من الأرض ليستدعي من جديد كيف أحبته، كيف وقفت بمريلتها في مدخل بيت نظيف جميل لترحب بعودته من المدرسة. بإمكانه أن يقصد القبر ويقرأ اسمها ويموت قليلاً، لأنه سيشعر وكأنها لم تغادره سوى الأسبوع الماضي.

 

التفت سيزار. "لا بد يا سيد أن تدَعوني أنت وناسك وشأني."

 

"سيحدث إذن،" قال الأخ. "سندعك وشأنك. تعال إلى عشاء واحد. عشاء أحد. دجاج محمر وكل حاجة. وبعدها لن نزعجك ثانية أبداً. لا أحد غير جوني وأسرتينا. لا أحد غيرنا." هدفت تلك الكلمات الأخيرة إلى طمأنة سيزار أنه لن يضطر إلى رؤية أبيه.

 

ود سيزار سيجارة أخرى إلا أن اللقاء طال بالفعل بما يكفي.

 

لم تفه إيفون بكلمة في تلك المرة الثانية عندما قال "أهلاً." فقط أومأت برأسها وسارت حوله في الصالة. وفي المرة الثالثة كان كل منهما يمر بالآخر في الصالة أيضاً. تحدث مجدداً فخطت إلى جانبه لتعبر ثم رجعت لتسأله لو معه سجائر يمكن أن تستلفها.

 

أبلغها بأن لديه البعض في الحجرة فطلبت منه أن يأتي بها وأشارت إلى حجرتها.

 

بلغت حجم غرفتها ثلاثة أضعاف غرفته. حوت ثلاجة وسريراً وتسريحة بمرآة تعلوها ومائدة صغيرة بجوار السرير وكرسياً إلى جانب الباب تماماً ولا شيء آخر. رسم السرير حرف T مع نافذة وحيدة واجهت حائطاً عارياً من النوافذ لعمارة مجاورة. كان من الواجب أن تتعلق ستائر النافذة الجميلة ذات اللونين الأصفر والأزرق في مكان ما آخر، في مكان يمكن أن يقدرها حق قدرها.

 

ما توقع شيئاً. ما أراد شيئاً. ساوره فقط إحساس مريح لرؤية شخص قادم من فترة مميزة في حياته، بل إن مشاعر أجمل خالجته لأنه أحبها ذات يوم ولأنها أحبته. قام في المدخل ممسكاً بالسجائر.

 

ارتدت ثوباً أرجواني اللون باهته. كانت تنظر في الثلاجة حين عاد. أغلقت باب الثلاجة وسددت إليه عينيها. تقدم إليها فتناولت من يده الممدودة علبة سجائر لم تنفتح بعد. ما زايل محله.

 

"اقعد على دماغك قبل أن تجعل شكل الحجرة حقيراً." جلس على الكرسي المجاور للباب في حين جلست هي على السرير لتشعل السيجارة الأولى. أولته جانبها. ما تفوهت بحرف إلا بعد نفَس السيجارة الخامس. "لو تظن أنك ستنيكني، فأنت مخطئ جداً. لن أعطي أي خراء. يمكن للمجاني أن يقتلك."

 

"لا أريد أي حاجة."

 

"’لا أريد أي حاجة. لا أريد أي حاجة.‘" نفضت الرماد في علبة حساء طماطم فارغة وضعتها على المائدة بجوار السرير. "كلنا نريد حاجة يا سيد، وكلما أسرع الناس أمثالك في الوقوف والامتناع عن الاستعباط، يمكن للعالم إذن أن يصير مكاناً أفضل. إن المستعبطين هم مَن يَحولون دون أن يصير العالم مكاناً أفضل." استأجرا معاً منزلاً صغيراً بالشمال الشرقي واعتزما إنجاب طفل ما إن يمر عليهما عامان هناك. وفي الليلة التي قدِم فيها ليجدها جالسة والظلمة تشملها، تتحدث عن عدم الثقة مطلقاً بالسعادة، كانا قد عاشا هناك سنة ونصف. وبعد شهرين اختفت. وخلال الثلاثة شهور التالية، في أثناء بحثه عنها، بقي هناك ولم ينفك يجعل البيت مكاناً ترغب أية امرأة في العودة إليه. "أمي هي أول مستعبطة عرفتُها،" أردفت. "وهكذا علمتُ أن الاستعباط لا ينفع. لا بد أن يقف الناس ويجاهروا، ’أتمنى لو كنتَ ميتاً،‘ أو ’أنا عائز فرجك،‘ أو ’أريد كل الفلوس في جيبك.‘ لمّا نتوقف عن الكذب، سيغدو العالم جنة." كان حرامي ولصاً بالإكراه ومروج مخدرات قبل أن يلتقي بها، وقد عاد إلى سيرته الأولى كلها بعد الثلاثة أشهر، لا لأن قلبه انفطر وإن انفطر حقاً، لكن لأنه استسهل العودة إليها. بلغ من الذكاء ما يكفي كيلا يلوم إيفون، فلم يلمها قط. لم يقتل بيرسي "الفتى الذهبي" ويموث وأنطواين ستودارد إلا بعد انقضاء سنوات.

 

لبث يومذاك ما يزيد على الساعة، حتى أخبرته أنها قد دفعت الآن ثمن السجائر. وفي غضون الأسبوعين التاليين، مع اقتراب العشاء مع أخيه وأخته، كان يُحْضر إليها السجائر والطعام ويبلغها من البداية أنها مجانية. لم يعلم قط كيف دفعت الإيجار. وبحلول اليوم الرابع من جلب الأشياء، جعلت تعتقد أنه لا يريد أي حاجة. اتخذ مجلسه دوماً على الكرسي المجاور للباب. لم تتبدل كلماتها البتة، ولم يبال هو البتة بهذا. الشكر الوحيد الذي ند عنها هو نصيحتها بأن يكف العالم عن الاستعباط.

 

اكتشف يوم العشاء أن أيام الجلوس مع إيفون أضفت عليه قوة افتقر إليها حين وافق على اقتراح أخيه. جعل ألونزو يُقله أمام تشاوينج داون، لأنه شعر أنهم لو وقفوا على محل سكنه سيجدون طريقة للبقاء في حياته.

 

تفرع منزل أخته من شارع سيكستينث بالشمال الغربي، في منطقة سوْد موسرين سماها البعض بالساحل الذهبي. رحبوا به في المنزل، حطت جوني ذراعيها حوله لأكثر من دقيقة وراحت تبكي. ثم قدّموا له كأساً من النبيذ. لم يكن قد لمس الكحول منذ دخوله السجن. أجلسوه على أريكة خضراء غامقة بغرفة معيشة في حجم عشر زنزانات. وقبل أن يرشف ثلاث رشفات من النبيذ، خامره شعور بارتياح كاف حتى إنه لم يتضايق من رغبة الفتاة والصبي – طفليّ أخته – في الجلوس على حجره. كانا أول طفلين يدنو منهما مما يربو على عشر سنوات. أخذت الفتاة تدعوه ’بعمي‘ منذ دلف إلى المنزل.

 

وطوال العشاء الذي قدمته خادمة أخته، وخلال بقية الأمسية، وجّه أقل ما يمكن من كلمات إلى البالغين – أخته وأخيه وزوجيهما. لكنه ركز على الأطفال، إذ حسب نفسه مطلعاً على قلبيهما. ما أمطره الكبار بالأسئلة، وما انتابهم سوى الامتنان لوجوده هناك. أوشكت الوجبة على الانتهاء فأخذ كأس نبيذ رابعة، وعندها أخبر ابنة أخته بأنها تشبه أمه. توردت وجنتا الفتاة لعلمها بجمال جدتها.

 

وفي النهاية بينما وقف سيزار عند المدخل متهيئاً للانصراف، أخبره أخوه أنه جعل من تلك السنة سنة رائعة. اغرورقت عينا أخيه بالدموع وأراد أن يعانق سيزار لكن ما ند من سيزار إلا أن مد يده، بلا ابتسام. اختتم أخوه كلامه قائلاً "حتى لو ذهبتَ غير راغب في رؤيتنا مجدداً، لا بد أن تعرف أن بابا يحبك. إنها الحقيقة الوحيدة الأضخم في العالم. إنه رجل مختلف يا سيزار. أظنه يكن لك حباً أكثر مما يكنه لنا لأنه لم يدر قط ما جرى لك. عل ذلك السبب في عدم زواجه مرة أخرى." لم يتطرق أحد مطلقاً إلى ما كان سيزار يصنعه خلال واحد وعشرين عاماً.

 

أقلته أخته – بطفليها في المقعد الخلفي – إلى بيته. ودع كل منهما الآخر أمام مبناه ثم طبعت على خده قبلة. تدبر فيما جرى فمد يده إلى الوراء – هو العم الجديد والنبيذ يقول، اسمع، لم يكن هذا بالمزعِج تماماً – ليشد مازحاً أقدام الطفلين، غير أن الصبي النائم كان أبعد من أن يصل إليه فيما تلوت الفتاة الضاحكة بعيداً عن متناوله. قال لابنة أخته، "تصبحين على خير أيتها السيدة الشابة،" فقالت لا، قالت إنها ليست سيدة بل فتاة صغيرة. مد يده ثانية إلى قدميها دون أن يفلح. وحينما استدار، التقط على وجه أخته نظرة تشي بالرعب والاشمئزاز لدرجة أنه شعر كمن تلقى طعنة. فهِم على الفور ما دار برأسها، أنه ساع إلى الطفلة ليشعر بإثارة جنسية. تمكن بصعوبة من قول "مع السلامة" ثم خرج من السيارة. "اتصِل بي،" نبست قبل أن يغلق باب السيارة غير أن الكلمتين نقصهما إحساس كل الكلمات السابقة بالأمسية. لم يحر جواباً. هل تحدث بلغة خاطئة كما تصرف بشكل خاطئ؟ هل ينادي المتحرشون بالأطفال الفتيات الصغار "بالسيدات" ؟ كان يعلم أنه لن يتصل بأخته أبداً. أجل، كان على حق حين مزق الصور والخطابين عند وجوده في لورتون.

 

أغلق عينيه حتى غابت السيارة عن ناظريه. استبدت قرقرة مؤلمة بكل جزء من جسمه فترنح بدون تفكير بعيداً عن مبناه صوب شارع تينث. نمت إلى مسمعيه موسيقى منبعثة من شقة واقعة على جانبه من شارع إن. كان قد علّم أخته كيفية ركوب الدراجة، كيفية التغلب على خوفها من السقوط وجرح نفسها. هو الآن في عينيها مجرد حيوان قادر على إيذاء طفلة. قتلوا الرجال في السجن لأنهم من تلك النوعية من الوحوش. وأياً كان ما بدأ ينمو داخله من حب العموم للأطفال خلال تلك الساعات القلائل، فقد تسرب الآن. مال على العشب إلى جانب العمارة وتقيأ. مسح فمه بظهر يده. "سأقع يا سيزار،" قالت أخته في الأسابيع الأولى من تعلمها ركوب الدراجة. "ولِم أدعك تقعين؟"

 

تجاهل المعاوِنة عندما أخبرته بأن المرابي يود التحدث إليه. سار قدماً نحو غرفة إيفون وإن لم ينو مقابلتها. انفتح بابها بما يكفي لأن يبصر جانباً كبيراً من غرفتها لكن ما كان منه إلا أن استدار ناحية غرفته. انطرح ظله – بفعل مصباحها خلفه – رفيعاً ليمتد على الأرضية وفوق الحائط. كانت رؤيته للظل هي الدافع إلى الرجوع. لاحظ أن الحمّام المجاور لغرفتها شاغراً، فنادى عليها من المدخل بصوت خفيض ثم كرر النداء ثلاث مرات قبل أن يدفع إصبعه الباب دفعة خفيفة. لم يكن الباب مفتوحاً على مصراعيه عندما التقت عيناه بنصفها على السرير والنصف الآخر خارجه. ظنها سكرانة. دنا منها وفي نيته أن يضع جسمها بالكامل على السرير. لكن باستطاعة الموت أن يلوي الجسم بطريقة تعجز عنها الحياة كل العجز، وذلك ما فعله بجسمها. لقد خبِر الموت. انضغط وجهها على السرير في زاوية عوجاء لن تريح أي شخص حي. انضمت إحدى رجليها تحتها وامتدت الأخرى وراءها بيد أن الاثنتين بدتا وكأنهما ليستا جزءاً من جسمها، مستقلتين على نحو أخرق، وكأن بمقدور أحدهم أن يلتقطهما بكل بساطة ليسير بهما بعيداً.

 

همس باسمها. جلس إلى جوارها متجاهلاً قيء أراقه فمها على جانب السرير. حرك رأسها ليرتاح إلى جانب واحد. خال في البداية أن شخصاً فعل تلك الفعلة بها إلا أنه مد طرفه إلى النقود على التسريحة واستشعر بكل أركان الغرفة هدوءاً دل على نهاية كل شيء، فعلِم أن الضحية والمجرم واحد لا شريك له. أدار غطاء زجاجة الويسكي الفارغة بالقرب من رجلها الممدودة.

 

حط جسمها على الفراش وغطاه بملاءة وبطانية. سوف يعثر عليها أحد في الصباح. وقف عند الباب مستعداً لإغلاق النور والانصراف ومتفكراً في أن العالم سيجدها على هذا الحال. عهدها في يوم من الأيام امرأة نزيهة لم تسرق مجرد إبرة. امرأة ربة منزل مرتب. لقد أحبها. إلا أنهم سيرونها مختلفة في الصباح.

 

أنشأ يُرجع عدة أشياء إلى أماكنها ويعلق ملابس موضوعة فوق الكرسي والفراش ويعدل ظلة المصباح ويلتقط الجرائد وكل ما هو مرمي على الأرضية. لكن بدا له عندما فرغ أن ما فعله ليس بالكافي.

 

مضى إلى غرفته ومزق قميصين ليصنع خرقاً للغبار. بدأ بأحد الأركان أسفل سريرها، عند مائدة احتفظت عليها بفرشاة ومشط ومستحضرات تجميل وحاجات نسائية أخرى. وحينما نفض الغبار عن المائدة وكل ما عليها، نظّم ما كان هناك، تماماً وكأنها ستستخدمه في الصباح.

 

ثم جعل يمسح التراب وينظف هنا وهناك في اتجاه عقارب الساعة. انتصف الليل ولم يفرغ حتى من نصف العمل. اتسخ القميصان بكل التنظيف فعاد إلى غرفته لإحضار اثنين آخرين. وبحلول الثالثة كان يقطع سرواله لعمل الخرق. وبعد أن نظف الغرفة وأزال عنها الغبار، رتبها كلها مثلما فعل مع الأشياء على المائدة – الأطباق والطعام في علب معدنية مضادة للفئران فوق المائدة بجانب الثلاجة؛ ملصقان بإطارين صورا جبالاً ومالا جهة الشمال على الحائط؛ خمس صور لأطفال مجهولين على المكتب. لمّا أتم ذلك العمل، أخذ دلواً وممسحة من خزانتها. صنعت الفئران فراشاً على الممسحة فاضطر إلى إزاحتها وإبعادها. ملأ الدلو بماء من الحمام ومسحوق غسيل من تحت المائدة بجوار الثلاجة. وبعد أن مسح الأرضية، وقف في المدخل وهي تجف وأنصت إلى الفئران في الجدران، أنصت إليها تعدو في الخزانة.

 

انتهى من الغرفة في حوالي الرابعة على حين استلقت إيفون مغطاة في فراش لا يعرف الترتيب. توجه إلى الباب، على استعداد للرحيل، ليجد نفسه مجدداً عاجزاً عن الحركة. خيم السكون على العالم بأسره خلا فئران الجدران.

 

ركع لصق السرير ولامس كتف إيفون. في صباح أحد أيام الثلاثاء – يوم من أيام المدرسة – اتفق أن أبصر أباه راكعاً لصق سريره، وأم سيزار تزداد برودة في ذلك السرير. كان أبوه يبكي، ولمّا تقدم سيزار إليه، ضمه أبوه إليه بقوة ساحقة أذهلت الصبي. كان أخو سيزار هو مَن قال إن عليهم الاتصال بشخص ما غير أن أباهما قال، "لا، لا، دقيقة واحدة فقط، دقيقة واحدة فقط،" وكأن الله سيعيد النظر في تلك الدقيقة القادمة ويُرجع زوجته. كما قال سيزار، "أجل، دقيقة واحدة فقط." إنها الحقيقة الوحيدة الأضخم...، نبس أخوه.

 

غيّر سيزار ملاءة الفراش وخلع ملابس إيفون. أحضر قِدراً من قدورها الضخمة وملأه بماء دافئ من الحمام وصب في الماء كولونيا خاصة به لم يستعملها قط وخرزاً زيتياً للاستحمام وجده داخل علبة بالية بركن إلى جانب تسريحتها. أبى الخرز أن يذوب فاضطر إلى سحقه بيديه. حممها ونظف فمها. أخرج فستاناً أخضر من الخزانة، ولباساً تحتياً وجورباً من التسريحة. ألبسها ثم ثبّت دبوساً بارز النقوش يشوبه الصدأ في الفستان فوق قلبها. سرّح شعرها بالمشط والفرشاة ووضع فيه مشابك شعر بعد أن عطّره ببقية الكولونيا. وضع رأسها في منتصف وسادة اكتست الآن بغطاء نظيف من أغطيته. لم يُلبسها حذاء ولم يغط جسمها، فقط تركها فوق السرير المرتب. بلغت الغرفة بما حوته من امرأة ميتة أقصى درجات النظافة والجمال التي يقدر سيزار على تحقيقها في تلك المرحلة من حياته. جاوزت الساعة السادسة صباحاً وأشرق العالم بالضياء وبدأت الطيور في السقسقة. أغلق سيزار نور السقف وأطفأ المصباح الذي تشبث بسلسلته وهو يستمع إلى بدايات نهار جديد.

 

فتح نافذة نظفها منذ ساعات مضت فهب النسيم على الفور. وضع يداً قبالة الرياح مستمتعاً بالبرودة ثم طرأت بباله فكرة واحدة: إنه لم يعد شاباً.

 

جلس على سريره وأخذ يدخن السيجارة تلو الأخرى. قبل أن يجد إيفون ميتة، فكر في الذهاب إلى بالتيمور للعيش فيها والانضمام إلى عصابة وحشية عهدها منذ أمد طويل. أليس ذلك خليقاً بالمتحرشين بالأطفال؟ لم يعلم الآن عن بقية حياته سوى أنه لم يعد راغباً في غسل الصحون وتنظيف الموائد. آنت حوالي التاسعة والنصف فوضع كل ما يمتلكه تقريباً وكيسيّ الزبالة من غرفة إيفون داخل صندوق النفاية بالمطبخ. دق باب المرأة المقيمة في الغرفة المجاورة له. فتح ابنها الباب فسأل سيزار عن أمه. أعطاها مائة وسبعة وأربعين دولاراً وجدها في غرفة إيفون بالإضافة إلى مذياعه وتلفزيونه الأبيض والأسود الصغير. أخبرها بأن تزور إيفون في وقت قريب ثم أعلمها بأنه سيراها فيما بعد، علها ألطف كذبة لفظها خلال حياته الراشدة.

 

نادى سايمون عليه وهو في طريقه خارج جحور الغرف. "أسترجع قريباً أيها الأسد الشاب؟" سأله. أومأ سيزار. "طيب، لِم لا تُحضر لي زجاجة من شراب الرم؟ صحوتُ هذا الصباح وأنا راغب فيه." أومأ سيزار. "هل أنتَ مَن كنتَ  هناك مع إيفون الليلة الماضية؟" سأل سايمون وهو يجلب النقود من فوق الخزينة بجوار سريره. "حفلة مدهشة، هه؟" لم يفه سيزار ببنت شفه. أعطى سايمون النقود للمعاوِنة التي سلّمت بدورها سيزار عشرة دولارات وربع. "حتى آخر سنت،" قال سايمون. "سأعطيك بقشيشاً لمّا ترجع." "لن أتأخر،" أنبأه سيزار. لا بد أن سايمون اكتشف كذبه لأن قبل أن يمرق سيزار من الباب قال بصوت عذب ما استطاع، "سأنتظرك."

 

خرج إلى وضح النهار. لا علم لديه بما سيصنع عدا إيجاد وسيلة قانونية لدفع تكاليف جنازة إيفون. سوف يأخذها موظفو الحكومة في دي. سي. بعيداً لكنه كان يَعرف أين يعثر عليها ليطالب بجثتها قبل أن يدفنوها في مقابر الفقراء. أودع النقود في جيبه وغض بصره إلى ربع الدولار الراقد في راحه يده. ألفاه قديماً نوعاً ما، 1967، لكنه التمع بما يكفي. لقد أكرمته الحياة. نزل السلالم الواقعة مقابل المبنى بخطى حذرة ووقف على الطوار. كان العالم ينشغل بمصالحه، وقد خطر في باله، شأنه شأن رجل غاب عن الوعي للحظات بعد لكمة على وجهه، أنه جزء من ذلك العالم. وقع عن يساره شارع ناينث وكل بقية شارع إن وكنيسة الحبَل بلا دنس الكاثوليكية بشارع إيتث والبنك عند زاوية شارع سيفينث. نقر العملة. عن يمينه شارع تينث حيث استقرت المتاجر ومنزل مات فيه إبراهام لينكين وكل نصب البِيض التذكارية الثمينة. وفي شمال تينث، وعلى بعد صف من المباني من شارعيّ إليفينث وكيو، قام في يوم من الأيام محل ’هاي‘ حيث كلّف الباينت من آيس كريم الكرز بالفانيليا خمسة وعشرين سنتاً حين كان سيزار صبياً. وإلى جنوب تينث أتى شارع فرينش ومنزل من طابقين به مناديل المائدة الخاصة بأمه وجرو أسود من الخزف الصيني طوله قدم يلي الباب الأمامي مباشرة. اشترت أمه الجرو لأبيه في السنة الثالثة من زواجهما. جرو انتظر صابراً خمس وثلاثين سنة حتى يرجع أبو سيزار من شغله في كل يوم من أيام العمل. الحقيقة الوحيدة الأضخم... دقيقة واحدة فقط. التقط ربع الدولار ولطعه بظهر يده. كان قد حسم بالفعل أن صفحة وجه جورج واشنطون تعني الاتجاه صوب شارع تينث، وذلك ما فعله بمجرد أن كشف عن العملة.

 

توقف عند زاوية شارعيّ تينث وإن واسترد ربع الدولار طرفه المتأمِل. نهض في جنوب تينث منزل توفي لينكين به. وفي شمال تينث منزل عاش به صباه، حيث جلس الجرو في انتظار أبيه. ثمة فتاة عند الزاوية تعبث بدراجتها، تضع أوراق الكوتشينة بين الأسلاك وتتفقد الإطارات. رصدت سيزار وهو ينقر ربع الدولار. أخفق في التقاطه لتسقط العملة على الأرضية، فقرر أن تلك النقرة لا تُحسب. أبصرت الفتاة عمتها ذات مرة وهي تقذف ست عملات في الهواء، سخّنت أولاً بنقر عملة واحدة ثم تطورت إلى قذف ثلاث قبل الانتهاء بست. تفرجت على عرض أي عرض. أرت العمة الستة قطع للفتاة – كلها عملات فضية قديمة ثقيلة من فئة دولار واحد، أشياء ضخمة مهولة لم يعد أحد يصنعها. خالت الفتاة أنها قد تشاهد الآن تكراراً لذلك الحدث. نقر سيزار ربع الدولار. توقف قلب الفتاة. توقف قلب الرجل. بلغت العملة قمتها ثم سقطت.