مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم آدم هاسليت بالموافقة على نشر قصتيّ "التفاني" و"ملحوظات لكاتب سيرتي" في مجلة البوتقة.

Mr. Haslett was so generous to permit the publication of the Arabic texts of “Devotion and Notes to My Biographer in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Haslett a great debt of gratitude for his kind permission.

© Reprinted by kind permission of Sterling Lord Literistic, Inc. All rights reserved.

Special thanks go to Ms. Irma Zoepf from Sterling Lord Literistic, Inc.

 

 

 

 

ملحوظات لكاتب سيرتي

التفاني

آدم هاسليت

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

لستَ غريباً هنا

 

 

خلنا نبين مسألتين من الأول: أنا أكره الدكاترة ولم أنضم البتة إلى مجموعة من مجموعات الدعم طوال حياتي. لا نية عندي للتغيير في الثالثة والسبعين. لمؤسسة الصحة العقلية أن تروح في ستين داهية على قمة تل قاحل تحت المطر قبل أن ألمس وصفاتها الشافية لكل الأمراض أو أستمع إلى ثرثرة لا إلهام فيها من رجال لم يبلغوا نصف سني. لقد أطلقتُ الرصاص على الألمان في معارك نورماندي وقدَّمتُ طلباً للحصول على براءة ستة وعشرين اختراعاً وتزوجتُ بثلاث نساء متن كلهن قبلي وأنا حالياً قيد التحقيق من قِبل مصلحة الضرائب، مصلحة فرصتها للجباية مني كفرصة شايلوك لنيل رطل اللحم خاصته. فالبيروقراطية تواجه صعوبة في التفكير بوضوح. أنا على الجانب الآخر ذهني صاف تمام الصفاء.

عندك مثلاً كيفية حصولي على سيارة ساب أقودها حالياً في حوض لوس أنجلوس: ابنة أخ في مدينة سكاتسدِل أعارتني إياها. هل تظن أنها ستراها بعينيها مرة ثانية أبداً؟ غير محتمل. حين استعرتُها منها انتويت بالطبع إرجاعها، وقد أحس بنفس هذا الإحساس ثانية خلال عدة أيام أو أسابيع، لكن الآن سِبْك منها ومن زوجها وأطفالها الثلاثة الذين نظروا إليّ عبر مائدة المطبخ وكأني قطعة أتى بها أحدهم من المتحف لبث الملل فيهم. بمقدوري أن أغلِب هؤلاء الأطفال بكل سهولة. تطعمهم أمهم دواء الريتالين بالملعقة ويقصدون مدرسة خاصة ويتطلعون بعيون تقول، أعطني حاجات لا أملكها. أردتُ أن أقرأ لهم كتاباً عن تاريخ العالَم، هجراته وأوبئته وحروبه، إلا أن أرفف شقتهم الكبيرة زيادة من اللزوم زخرت بالأواني الخزفية وسيَر النجوم. أوقعت الزيارة كلها في نفسي اكتئاباً، وأنا سعيد بالرحيل.

تركتُ بالتيمور منذ أسبوع بغرض رؤية ابني جْرام. ورَد على بالي كثيراً مؤخراً، الأيام التي قضيناها معاً في مرأب المنزل القديم، كيف أتت الأفكار سريعة وهو جمهوري، لا أعلم متى ستتسنى لي رؤيته من جديد. لم أجد مانعاً من الاطلاع في السكة على آخر أخبار بعض الأقرباء الآخرين. خططتُ أن أبدأ من منزل ابنتي ليندا في أتلانتا لكني حين وصلت اتضح أنها انتقلت. اتصلتُ بجْرام، وعندما تغلب على صدمة سماع صوتي، أفضى إليّ بأن ليندا لا تود رؤيتي. وبحلول الوقت الذي رفض فيه أخي إيرني أن يشاركني ما يزيد على وجبة غداء بعد أن استقللت الحافلة حتى هيوستِن، بدأ يداخلني انطباع بأن لم الشمل المتقطع هذا قد يضمر من العناء ما لا يستأهل. لم تُغير سكاتسدِل رأيي في شيء. البادي أن هؤلاء الناس يظنون أنهم سينالون فرصة ثانية، أني سأزورهم ثانية. الحقيقة هي أني أكملت وصيتي وحددت ورثة حقوق اختراعاتي، وأنا الآن أخط لكاتب سيرتي بضع ملحوظات قد يحتاجها لتوضيح مسائل معينة خلال عدة عقود حين يتضح التأثير الحقيقي لعملي.

.        فرانكلين كولدويل سينجِر، مولود عام 1924، بالتيمور، ماريلاند.

.        ابن ميكانيكي ألماني وابنة مصرفي.

.       لفَّق طبيب عسكري تحت التمرين صرفي من الخدمة لدواع عقلية عقب "الفرار من الجندية" في باريس. كان قد امتعض من تفوق معرفتي بكتيب التشخيص. وقعتْ حادثة الرقص العاري قبلها بأسابيع في اللوفر بحجرة مليئة بلوحات روبينز، وقد انسجمتْ مع احتفالات أخرى جرت وقتها.

.        بكالوريوس الآداب، دكتوراه في الهندسة، جامعة جون هابكِنز.

.        1952. أول وآخر جلسة صدمات كهربائية لن أصفح عنها أبداً أبداً أبداً عن والديّ.

.        باحث. مختبرات إيستمان كوداك. وكما هو الحال مع العديد من المؤسسات في هذا البلد، قوبلتْ الموهبة بالاستياء. فقد فصلوني ما إن بدأتُ أشير إلى العيوب في بنية الإدارة. مضت سنتان ثم قدَّمتُ طلباً للحصول على براءة اختراع تقنية تتعلق بغطاء الكاميرا، تقنية حللتْها كوداك في النهاية واشترتها (وبعدها أقام نائب رئيس قسم تطوير المنتجات آرتش فينديليني فعلاً علاقة غرامية مع الصديقة الحميمة لابنته على عكس ما سيقوله لك. لاحِظ كيف ينتفض كتفه الأيسر وهو يكذب.)

.        نتجت كل حالات التشخيص التالية – وخلِني أقولك إنها عديدة – عن قوتين اثنتين، كلتيهما مؤذيتين غاية الإيذاء بطريقتهما الخاصة. 1) محاولة المؤسسة العقلية طوال القرن الأخير إعادة تعريف غرابة الأطوار بالمرض، و2) رغبة أفراد أُسَري المختلفة في جعلي طيعاً ولو بالمستطاع عاجزاً عن الحركة.

.        سُرقت مني فكرة مِشرحة الخبز الكهربائية بمطعم صغير في تشيفي تشاِس على يد رجل متنكر في صورة رنة لم أكن لأعرف بأية حال أنه موظف في ويستينجهاوس.

.       لا يرجع افتقاري لأية ذكريات عما جرى بين عاميّ  1988 و1990 واعتقادي حتى وقت قريب جداً أن إيد مييس لا يزال المدعي العام إلى ما يزعمون من فقدان ذاكرة مؤقت ناجم عن جنون الاضطهاد لكنهما على النقيض يرجعان إلى أن زوجتي الثالثة اضطلعت بمهمة مزج قهوتي بالمهدئات. لا تصدق شيئاً عما تسمعه عن تسويات الطلاق.

 

عندما رننت الجرس الكهربائي بمنزل جْرام في فينِس، فتح الباب يهودي في نهاية عقده الثالث ذو جهاز عضلي يبدو ممتازاً. ركبتْه العصبية وهو يعلن، "لم نكن نحن ننتظر وصولك قبل الغد،" فسألتُه مَن نحن ليرد، "أنا وجْرام،" ثم أضاف في عجلة، "نحن صديقان، يعني، صديقان فقط. أنا لا أعيش هنا، أنا هنا فقط لاستعمال الكمبيوتر."

كل ما دار ببالي هو أملى ألا يكون هذا الشخص هنا في محاولة للفوز بأدوار تمثيلية، إذ اتضح لي تواً أن ابني شاذ ينيك هذه الشخصية ذات النظارة غالية المنظر. غص الجيش بالكثير منهم، وقد علِمتُ مبكراً أنهم يأتون في كل الأشكال والأحجام، وليس فقط تلك الأنواع المخنثة التي يتوقعها الجميع. ومع ذلك تولتني صدمة وجيزة لفكرة أن ابني ذا التاسعة والعشرين لم يجده مقبولاً قط أن يشاركني حقيقة أنه مخبول – لا مؤاخذة – فقررتُ على الفور أن أكلمه في المسألة حين أراه. تغلب مارلِن براندو على ذهوله، وبعد أن رفع حقيبتي من السيارة قادني عبر الحديقة الخلفية مروراً بشجرة ليمون في أوج إزهارها صوب كوخ من حجرة واحدة تحوي حوضاً وضوءاً وافراً أعجبتُ به في الحال.

"مكان لطيف سيفي بالغرض،" أقول ثم أسأله، "منذ متى وأنتَ تنام مع ابني؟" من الواضح أنه يظنني صنفاً يرتعب من الشذوذ لشيخوخته، يتأهب لتقديم نفسه بأسلوب ديني جاد كل الجدية. ولمَّا أُبصر في عينه تلك النظرة الخليقة بنظرة غزال التمع بنور مصباحيّ السيارة الأماميين، تساورني عليه شفقة وأحرره من فهمه الخاطئ. لقد رأيت نساء تدوسهن الدبابات. ولن أنزعج من احتمالية عدد أقل من الأحفاد. عندما أبدأ أشرح أن التحامل الاجتماعي بكل صنوفه يتعارض مع ما أتمسك به من مُثل عليا تنتمي إلى حركة التنوير– مُثل عليا لوثتْها عقود من التطبيق المتحيز، يتجلى لي أن جْرام أنبأه بسلوكيات العائلة. يتخذ وجهه ملامح الصبر وتبدأ ابتسامته بتسريب شعور الجاهل بالتعاطف: الرجل المسكين العجوز يكابد اضطرابات عقلية طيلة حياته، شهر في العالي، وشهر في الواطئ، يتقيأ أفكاراً وهمية متكلفة العظمة تنسل كما الرمال بين أصابعه، وأقول أنا دائماً رداً عليها، ما عليك إلا البحث عن اسم فرانك سينجِر في مكتب براءة الاختراعات الأمريكي. على كلٍ ربما يخال هذا المغفل أن حركة التنوير خطة لتسويق جنرال إليكتريك؛ أعفيه من منتدى سهُل عليّ إدارته لأقول، "بص، لو ينام كلاكما على فراش واحد، فلا بأس."

"لا بد أن تلك الرحلة أنهكتْكَ،" يخبرني بلسان موح بالأمل. "هل ترغب في القليل من الراحة؟"

أُخبره أن بمقدوري تكليب سلسلة في سيارة ابنة أخي الساب وجرها في ماراثون. تخلفه الجملة في ارتباك ما بعده ارتباك. نسير عابرين الفناء معاً إلى مطبخ بيت يتألف من طابق واحد. أطلب منه قلماً وورقة وآلة حاسبة وأشرع في رسم مخطط لفكرة لاحت لي منذ دقيقة واحدة فقط لا غير – بوسعي أن أستشعر وجود جْرام بالفعل – فكرة دراجة قادرة على تخزين الطاقة المولَدة من نزول المنحدَر داخل بطارية صغيرة ثم إطلاقها من خلال جهاز تحكم في المِقود عند الحاجة إلى صعود المرتفَع، منجم ذهب محتمل حين تضع في الاعتبار عدد السكان المسنين وما سيترتب عن التقاعد المبكر من زيادة أوقات الفراغ. أُتم أربع صفحات من المواصفات والتكلفة المقدَّرة لنموذج أولي مع وصول جْرام بعد ساعتين. يدلف إلى المطبخ مرتدياً بذلة زرقاء من الكتان وممسكاً بحقيبة جلدية لصق صدره. وقعتْ عيناه عليّ جالساً إلى المائدة فتصلب جسمه كاللوح. لم أره منذ خمسة أعوام، وأول ما ألاحظه هو أن هناك كيسيين تحت عينيه وشكله مرهق. عندما أفتح ذراعيّ لأعانقه، يخطو خطوة إلى الوراء.

"ما بالك؟" أسأل. ها هو طفلي يحترس مني في مطبخ غريب بكاليفورنيا، تناثر رماد أمه منذ زمن على نهر بوتوماك، خزنا أغراض حياتنا معاً في صناديق أو بعناها.

"أنتَ جئت بالفعل،" نطق.

"لقد اخترعتُ دراجة جديدة،" أُنهي إليه لكن البادي أن المعلومة تتناهى إليه وكأنها أخبار عن ميت راح للتو. يحضن بِن جْرام هناك أمامي. أتفرج على ابني وهو يريح رأسه على كتف هذا الشخص شأنه شأن جندي متعب في قطار. "ستتزود ببطارية ذاتية الشحن،" أقول وأنا أجلس ثانية إلى المائدة لأراجع رسومي التخطيطية.

 

~

 

تتسارع فكرتي بوجود جْرام هنا، وبينما هو في الدش، أُخرج متعلقاتي من الحقائب وأعيد ترتيب أثاث الكوخ وأُثبت المواصفات في الحائط. أعود إلى المنزل لأسأل بِن إن كان بإمكاني استخدام الهاتف فيرد بالإيجاب ثم يكاشفني، "جْرام لا ينام جيداً مؤخراً لكنني عارف أنه يريد بالفعل رؤيتك."

"طبعاً، لستُ متضايقاً، ماش."

"إنه منشغل بالكثير مؤخراً.... علها أشياء يمكنك التحدث معه عنها... وأظن أنك قد—"

"طبعاً، طبعاً، لستُ متضايقاً،" ثم أتصل بالمحامي والمهندس وباني المجسمات وثلاث شركات للدعاية أجد أرقامها في دليل الشركات والجمعية الأمريكية للمتقاعدين – ذلك السوق سيكون حيوياً – وصديقاً قديماً من أيام الكلية أتذكر أنه أبلغني مرة باشتراكه في سباق تور دو فرانس متصوراً أنه سيكون ملماً بزاوية صناعة الدراجات ومدير البنك لأناقش الماديات ومكتب براءة الاختراعات ومختبر كال تيك للفيزياء وامرأة اصطحبتُها إلى العشاء الأسبوع السابق على رحيلي من بالتيمور وثلاثة محال محلية للخمور قبل أن أعثر على محل سيوصل علبة دوم بيرِنيو.

"ذلك لي!" أنادي على جْرام وهو يبزغ من حجرة النوم ليفتح الباب بعد مرور ما بدا كالدقائق ليس إلا. يتحرك بخطى بطيئة ويتراءى مستنزَف الحياة.

"ما هذا؟"

"نحن نحتفل! هناك مشروع جديد في السكة!"

يحملق جْرام إلى الفاتورة كمن تشق عليه قراءتها. وفي النهاية يقول، "هذه ألف ومائتا دولار. لن نشتريها."

أقول له إن شركة الدراجات شوين سوف توصلها مع الكعك المُحلى لمندوبي المبيعات حين أفرغ من هذه العجلة، وإن أوبرا وينفري سوف تركبها خلال عرض استراحة مباراة البطولة ’السوبر بول.‘

"أبي أخطأ،" ينقل إلى عامل التوصيل.

ينتهي بي الأمر إلى الاضطرار إلى الخروج ودفع ثمنها من خلال نافذة الشاحنة بكارت ائتمان قبَله الرجل من سذاجته ثم حمْلها بنفسي عائداً إلى البيت.

"ماذا سأفعل؟" سمعتُ جْرام وهو يقول همساً.

أدور حول الزاوية لأدخل المطبخ فيحل عليهما الصمت. يلوح الاثنان زوجين وسيمين وهما واقفان هناك في ضوء شفاف يلفظ أنفاسه الأخيرة مساء. كنتَ تَقدر أن تَقبض عليهما في سنة ميلادي بتهمة تبادل القبلات. وهناك ينشأ جدل لم أعبأ بالمشاركة فيه إلا قليلاً فيما يخص الشمبانيا وحماستي، أسطوانة تعلمها من أمه؛ يضغط على زر التشغيل فيتحدث من خلال فمه عدد قليل من أسلافه عانوا الالتزام بالتقاليد شأن مَن يتكلم من بطنه: فكرتك-عبارة-عن-وهم-اهدأ-سوف-تدمرك-العلاج-العلاج-العلاج. عنده عقل نظيف، ابني، دوماً نظيف العقل، وفي مكان ما عنده التهور لاستخدامه، لطعن التوسط في عينه، لكن في عالَم لا يشجع سلوكاً من ذلك النوع، يصير الصبي الفضولي الرجل القلِق. لا بد أن يكابد احترام ناسه للمظاهر. أمر محزن. أَبدأ بالتعبير عن هذا بصفاء عقلي يليق بسقراط لتسهم كلماتي على ما يبدو في تفاقم الموقف ليس إلا.

"فلنحتسي بعض الشمبانيا،" يقاطعنا بِن. "يمكنكما أنتما الاثنان مناقشة هذه المسألة أثناء العشاء."

اقتراح ممتاز. آخذ ثلاث كؤوس من الخزانة وأُخرِج الزجاجة من العلبة ثم أنزع السدادة لترتفع فرقعتها وأملأ الكؤوس مقترحاً أن نشرب نخبهما.

تسير سيارة ابنة أخي الساب بسرعة خمسة وثمانين بدون رعدة واحدة ونحن في طريقنا إلى العشاء. ومع إنزال السقف يهب عبر شعري مزيج من الضباب والدخان، بالكاد أسمع جْرام وهو يصيح من المقعد الأمامي. عله قلِق من أن آخذ مخالفة لن أدفعها مرة بل مرتين وكذلك أعطى الضابط بقشيشاً لقيادة السيارة بأعلى سرعة في هذا المشوار. وبينما أطوي الطريق السريع بسلاسة، ترتسم في مخيلتي حارة من دراجات تعيد هادئة استغلال طاقة ضاعت ذات يوم بفعل الضغط العادي على الدواسات. سوف نضطر إلى إشراك دعاة الحفاظ على البيئة في الموضوع مما قد يعني أموالاً حكومية لإجراء الأبحاث وذراعاً واسعة لاجتياز أية تدخلات تشريعية. سوف يُزيد التسويق التجريبي في لوس أنجلوس من فرصة دعم المشاهير، ومن المرجح أني سأضطر إلى تأليف كتاب حول نشأة الفكرة لكي يَصدر مع أول موجة من موجات الإنتاج. أفكر في مستهل عام 2001. استوقفني الشعار الإعلاني بغتة ونحن ننحدر تحت أحد الجسور. أخْذ كل ثورة في الاعتبار.

نجد في المطعم طابوراً وعندما أحاول دس عشرين خلسة في يد رئيس النُدل، يمنعني جْرام.

"بابا،" يقول، "ما تفعله لا يصح."

"فاكر المرة التي أخذتُك فيها إلى الريتس في تلك الرولز رويس التي تساق على اليمين وقلتَ لي إن دجاج شطيرتك جامد فتكلمتُ مع المدير وأخذنا الوجبة مجاناً؟ ثم رسمتَ أنت مخططاً لحصن الشجرة الذي تريده فأوحى لي بفكرة أوعية التخزين."

يهز رأسه.

"هيا، أين ابتسامتك؟"

أتقدم نحو رئيس النُدل، لكن لمَّا أسلمه العشرين يرشقني بنظرة متغطرسة فأخبره أنه خراء حقير لادعائه بأنه فوق مثل تلك التصرفات. "هل تريد مائة؟" أسأله ثم أهُم برميه بتوبيخ أشد حين يديرني جْرام قائلاً، "أرجوك كُف."

"ما هي مهنتك؟" أسأله.

"بابا،" ينبس، "اهدأ." ينتاب صوته هدوء وحِلم لا حد لهما.

"لقد سألتُك عن مهنتك؟"

"أعمل في شركة سمسرة."

سمسرة! ما الذي لم أعلمه لهذا الصبي؟ "ماذا تفعل عندهم؟"

"أسهم. اسمع يا بابا، لازم –"

"أسهم!" أقول. "يا يسوع! لو كانت أمك مدفونة لتقلبتْ في قبرها."

"شكراً،" يلفظ بنبرة خفيضة للغاية.

"ماذا قلتَ؟" أسأل.

"لا شيء."

ألاحظ عندئذ أن كل مَن في البهو يتفرس فينا. يبدون جميعاً وكأنهم مثَّلوا في التلفزيون منذ خمسة عشر عاماً، فالرجال يرتدون بلوفرات برقبة وسترات مثلهم مثل روبرت واجنر. هناك امرأة ببنطال بنفسجي مثير تُعلق على كتفها حقيبة في نفس حجم جذعها، تَلوح بالأخص في منتهى الاستهجان والغرور. شعرتُ برغبة في سؤالها عما فعلتْه لتحسين قدَر البشرية. "سوف تركبين دراجتي بعد ثلاث سنوات،" أُبلغها. تتراجع كما لو كنتُ ألقيت فأراً على السجادة.

عندما نجلس يتطلب وضع الخبز والماء على المائدة عشر دقائق، أحس بفترة من الخدمة الرديئة، فأشرع في الكتابة سريعاً على أحد مناديل المائدة وقت كل طلب من طلباتنا وساعة مجيئه. وكذلك يخطر في ذهني:

.       إطار من الكروم مفْرغ القَلب ببطارية تعلو الإطار الخلفي الذي يصله سلك بعلبة تحوي محرك العجلة الخلفية وتتصل بسلك بجهاز تحكم المقود/مُسَرع يَنشط بالإبهام؛ تحذير لرُكاب الدراجة من السرعة الزائدة لعمود المرفق أثناء استعمال الدورات المخزَنة. انقطاع الطاقة؟

.       ملف كاتب السيرة: جْرام باعتباره مصدر وحيي، ومنه لغزي، انظر إلى وعاء التخزين ومكبس الفطائر ودمية الدب الطائرة وتجديدات المرأب له كي يلعب فيه، عجلة الطاقة.

يعارضني جْرام عندما أحاول إرجاع زجاجة نبيذ ثانية، البادي أنه يظن أن على المرء قبول بضاعة تالفة كيلا يجرح مشاعر أحد. أجد اعتراضه عاطفياً لا ينقصه الضعف لكني أسكت في سبيل الانسجام بيننا. تَغير شيء فيه. تستغرق المشهيات تسع عشرة دقيقة مروعة حتى تظهر.

"ينبغي أن تبدأ بالتفكير في الاستقالة من وظيفتك،" أُخبره. "لقد قررتُ ألا أتفرج مكتوف اليدين على هذا الموضوع. عجلة الطاقة منتَج من المنتجات ذات الصدارة، من نوعية المنتجات التي يمكنها دعم شركة بأكملها. نحن في وضع يؤهلنا لجني ثروة يا جْرام، وأنا بوسعي جَنيها معك." مد واحد من أشباه روبرت واجنر رقبته ليرنو إليّ من مائدة مجاورة.

"آه، أراهن يا صاحبي أنك عائز جزءاً من الإثارة،" أقول فيرجع على عجل إلى سلطة الهندباء. ينصت جْرام وأنا أتوسع في شرح خطة العمل: هناك التمويل المبدئي الذي سنجذب به رؤوس الأموال المغامرة بسهولة، اختيار موقع مصنع التصنيع – لا بد أن تتوخى الحذر فيما يتعلق بقوانين الولاية – تعيين المديرين، مصمِمون للعمل تحت إشرافي، فريق مبيعات، محاسبون، علاوات، مكاتب، هواتف، ورش عمل، شيكات المرتبات، ضرائب، أجهزة كمبيوتر، آلات ناسخة، التصميمات الداخلية، مبردات المياه، ممسحات الأرجل، مواقف السيارات، فواتير الكهرباء. ربما مرطب للجو. علينا التفكير في الكثير. وبينما أتكلم، ألاحظ أن آخرين في المطعم يلتفتون لينصتوا هم أيضاً. أراهم في العادة بركن عيني، يخفي الناس نظراتهم بكفاءة عائدين إلى حواراتهم بما يحسبونه تمثيلاً صامتاً مقنعاً. تطرأ رنة ويستينجهاوس على عقلي. يا لبراعتهم، زرعوه هناك في مطعم آكل فيه صباح كل جمعة بعد أن عرفوا تعلقي بأسطورة عيد الميلاد وعقدوا العزم على سرقة ملكيتي الفكرية.

 

.       فيما يتعلق بحادثة تشيفي تشاِس، استقص أيضاً إذا كنتُ ربما اخترعت آلات التسجيل ذاتية الإعادة وعليه اخترعتُ أيضاً ملكيتيّ سوني أو جي إي بالقرب من مسكني في بالتيمور – ضوضاء، تكتيكات الإلهاء، إنشاءات طرق زائفة، إلى آخره – وكذلك شوين ورولي، إلى آخره، خلال زيارة لوس أنجلوس.

 

 

"ممكن نتكلم في حاجة ثانية؟" يطلب جْرام.

"ما تشاء،" أقول ثم أُبلغ النادل بأن نقل وجبتنا استغرق ست وعشرين دقيقة. يتضح أن سمكتي أجمد من الجِلد، كان النادل قد انصرف للتو حين أضطر إلى البدء بفرقعة إصبعيّ ليعود.

"بطِّل!" يأمر جْرام. نفد صبري من هذه السلبية فأتجاهله بلا تحفظ. يميل على المائدة موشكاً على ضرب ذراعي ليخفضها حين يرجع الشخص.

"هل هناك مشكلة؟"

"سمكة الهلبوت ناشفة كالرمال."

يرمق الشاب ذو اللحية الصغيرة طبقي بعينين تنطقان بالريبة وكأني ربما أبدلت الطبق الأصلي بوجبة ما مطابقة لها سحبتُها من حقيبة تحت المائدة.

"أريد واحدة ثانية."

"لا، هو لا يريد واحدة ثانية،" ينطق جْرام في نفس الوقت.

يتردد النادل متدبراً أي السلطتين يعتمد عليها في المواصلة.

"هل لكَ أي صلة بالدراجات؟" أسأله.

"ماذا تعني؟" يستفهم.

"مهنياً."

يمد الشاب بصره عبر الحجرة نحو رئيس النُدل الذي يسدد إيماءة مشفرة.

"انتهى. سنمشي من هنا،" أقول وأنا أنتزع بعض الخبز المستدير.

"اجلس،" يصر جْرام.

لكن يفوت الأوان؛ فأنا عارف أن المطعم يغص بمديري شركات العَجَل الجبلي. "هل تظن أنني سأدع زمرة من نصابي الصناعة يسرقون فكرة ستُغير نظرة كل أمريكي، وذات يوم نظرة كل شخص فوق الكرة الأرضية، إلى الدراجة؟ هل تدرك ماذا تعني الدراجات للناس؟ إنها كالآيس كريم أو كتب الأطفال، إنها أشياء أولية محاكة في نسيج ذكرياتنا المبكرة، هذا فضلاً عن ارتباطنا الوثيق للغاية بالعجلة نفسها، اختراع يعَّين بداية التقدم العظيم للمعرفة البشرية الذي أفضى بنا إلى آلات الطباعة، التحولات الدينية، سرعة لم نكن لنحلم بها، القمر. فأنتَ حين تركب دراجة، تشارك في سلسلة متصلة من مسعى إنساني يرجع إلى الفلاحين المصريين الذين كانوا ينقلون الحجارة في العربات، وأنا على وشك إحداث ثورة في ذلك الاختراع جاعلاً طاقته شبه الأسطورية كماً تخزينياً. لديك الفرصة لتكون هناك معي، ’مثل كورتِز الباسل حين حدق إلى المحيط الهادئ بعينين كعينيّ النسر – وتبادل كل رجاله النظرات بعيون مشحونة بحدس جامح – صامت على إحدى قمم دِريان.‘ الأشياء التي سنراها!"

 

ولأني أتحدث واقفاً، يبدو أن نخبة من رواد المطعم تحسبني أخاطبها هي الأخرى، ورغم أن لساني زل ليُقَّدم إليهم مفتاحاً لإجراء الأبحاث، يسعني أن أتبين في تعابيرهم الدالة على الخشية أنهم يَعلمون – كما أعلم أنا – أنه ليس بمقدور كل شخص تسلق القمم البيضاء العالية للاختراع الحق. إذ ينبغي للبعض – مثل هؤلاء – أن يُقِيموا مؤقتاً في الأراضي المنخفضة حيث يعج الهواء بتدابير جزئية وتموت الأحلام من القصور الذاتي. أجل! صحيح.

"لن تلحقوني البتة،" أُخبر الجواسيس الصناعيين الشاخصين إليّ بعيون بلهاء.

الظاهر أن هذه الجملة تقنع جْرام بأننا يجب بحق أن نغادر. يرمي بعض النقود على المائدة ليقودني من ذراعي إلى خارج المطعم. نسير في الجادة بخطى بطيئة. ثمة شيء بليد يداخل جْرام، كتفاه المستديران ورأسه المنحني.

"اسمع، هناك مطعم ياباني في الجانب المقابل، يمكننا شراء لفائف الماكي وتِرياكي وربما بعض السمك المنتفخ، سوف يتسنى لي أن أسمع منك كل شيء عن شركة السمسرة بل إننا قد نَدرس إذا ما كانت شركتك تريد طرح أسعار البيع المبدئية لمشروع العجلة على العامة، ممكن أن تكون هناك ميزة – "

يهز رأسه ويتابع السير في شارع أحد معالمه وفرة لافتة بحق للنظر من النسوة الجميلات، فأستدعي متع العزوبية، الاستمتاع باللمحات والابتسامات بدون الشعور بالذنب وعليه لِم لا أجامع؟ عله لا يليق برجل في الثالثة والسبعين أن يتحدث عن الانتصاب، لكن آه، أنا أنتصب وأنتصب! تدور هذه الأفكار بعقلي ونحن نَعبر ما تبدى كبهو فندق فخم أشبه بمركز للمؤتمرات، وبالطبع أفكر أيضاً في المعارض التجارية وكيف يجب أن تُبكر بحجز هذه الأشياء، لذا أستدير ليتبعني جْرام بعد اعتراض طفيف منه (أقول له إني في حاجة إلى دخول الحمام).

"أرغب في التحدث مع مدير المناسبات الخاصة،" أنقل إلى الفتاة القائمة خلف المكتب.

"للأسف هو ليس موجوداً هنا إلا خلال النهار يا سيدي،" تجيب بابتسامة خاطفة خليقة بخدمة العملاء وكأنها تُسر إليّ بما أريد سماعه بالضبط.

"حسناً، أليس هذا رائعاً،" أقول فتبدو موافِقة على أنه نعم رائع، رائع أن مدير المناسبات الخاصة برويال سونستا يحافظ على مثل تلك المواعيد المنتظمة وكأنه تأكيد لنظام طبيعي ما لا يعوزه الإحسان.

"أظن أني سأضطر على أي حال إلى أن آخذ جناحاً وأقابله في الصباح. أرغب أنا وابني في عشاء بسيط على انفراد بالغرفة حيث لا تدور الأقراش!"

يغشى الاهتمام وجه الفتاة وهي تنقر لوحة المفاتيح.

"جناح هوفِر متاح في التاسع عشر. 680$ في الليلة. هل ذلك مناسب؟"

"تماماً."

عندما أحصل على المفاتيح، أنتقل إلى مجلس جْرام على الأريكة. "العشاء جاهز،" أقول بانحناءة.

"عَم تتحدث؟"

"حجزتُ لنا جناحاً،" أُخبره وأنا أجلجل المفاتيح.

يلف جْرام حدقتيّ عينيه استهجاناً ويطبق قبضتيه.

"بابا!"

ثمة شيء يائس يخامر نبرة صوته.

"ماذا!"

"كُف! كُف! أنتَ فاقد السيطرة،" ينطق. يتبدى في حال من الاهتياج الحقيقي. "لِم في ظنك لا تريد ليندا وإيرني رؤيتك يا بابا، لِم في ظنك؟ هل يدهشك موقفهما؟ إنهما عاجزان عن التعامل مع هذا. لم تقو ماما على التعامل مع هذا! ألا تستطيع استيعاب ذلك؟ إنها أنانية منك ألا تذهب إلى طبيب!" يصيح وهو يقرع فخذيه بقبضتيه. "أنانية منك ألا تتناول الأدوية! أنانية!"

استنزف وهج البهو التورد من وجهه، وحول عينين لا تطرفان يسعني أن أبصر خطوطاً سوف تصبح ذات يوم علامات شيخوخته، ثم لا أدرى إلا وجثة ابني ترقد منبطحة قبالتي لتخرج أمامي أعوام انقضت منذ رأى أحدنا الآخر آخر مرة كالخارجة من نفق إلى مسافة لانهائية، ثم يترامى إليّ همس وحدة قاتلة مسافراً في طريقه، وكأنه أستنشق مجموع كل دقيقة من ألمه في كل ساعة فائضة من كل سنة في نفَس واحد دون أن يُخرجه في هذه اللحظة اللافظة أنفاسها الأخيرة. تتدفق الدموع في عينيّ. أنا مهزوم.

ينهض جْرام من الأريكة منتفضاً بفعل قوة كلماته.

أجلجل المفاتيح. "سوف نمتع أنفسنا."

"لا بد أن تُعيدها إلى المكتب."

أقبض عليه من كتفه، أعظم اختراعاتي. "نحن نقدر أن نعمل ما هو أحسن بكثير، أقول. أشده من معصمه وأقوده إلى المصعد لينمي إليّ صوت أمه خلفنا وهي تُذكرني بأن أبقيه بعيداً عن المطر. "حاضر،" أغمغم. "حاضر."

يقف روبرت واجنر في المصعد بصحبة ناتالي وود إلا أنهما شاخا شيخوخة عاطلة من الجمال ولم يعد المرء معجباً بهما. تمضغ علكة وتتراءى غير مستريحة في ملابسها الضيقة. طال البلى بلوفره ذا الرقبة. لكني تصورتهما على علم بالكثير من الأشياء، فهما هنا منذ فترة طويلة. لذا أخاطبه، "بعد إذنكَ، ألا تعرف بمَن أتصل لإحضار فتاة أو اثنتين؟ نحن في الحقيقة في حاجة إلى فتاة وشاب، فابني شاذ."

"بابا!" يهتف جْرام. "أنا آسف،" يعتذر إلى الزوجين المتراجعين الآن لصق الحائط وكأني فرد في عصابة بأحد أفلامهما الحقيرة متواضعة الميزانية. "لقد شرب فقط الكثير من الخمر."

"طبعاً شربتُ. عندكما اعتراض على شذوذ ابني؟" ينفتح باب المصعد فيعدوان على السجادة كحشرتين.

بالنسبة لرجل تفرج على الآلاف وهم يموتون من الجوع دون أن يفعل أي خراء من أجلهم، جناح هوفِر جدير باسمه. هناك سلال فاكهة وثلاجة مموَّنة وبار ممتلئ ولوحتان من طراز فو روكوكو فوق السريرين ومقاعد منجدة بالكامل وسجاجيد تطالب بالأقدام حافية لمجرد متعة اللمس.

"لا يجب أن نمكث هنا،" ينبس جْرام وأنا أنتر حذائيّ عبر الغرفة.

لا يَسلم صوته من الغم؛ يبدو وكأنه فقد حيويته منذ لحظة خلت، شيء لا أعتقد أني بقادر على فعله في الوقت الحالي: إنذارات الطرد في بالتيمور، شركات التحصيل، رائحة الشقة... "نحن في البداية ليس إلا،" أقول مسرعاً.

يجلس جْرام على مقعد بذراعين في الجانب المقابل من الحجرة، وعندما يحني رأسه، أتصور أنه يدعو بتغير الحال بعد أن يرفع رأسه ثانية. اعتاد وهو طفل أن يجلب لي الهدايا بمكتبي خلال أيام سفري ليطلب مني ألا أرحل؛ كانت كتباً وجدها على الرف وغلفها بورق الكريسماس.

أرفع سماعة الهاتف المستقر على مائدة بجانب السرير لأتصل بمكتب الاستقبال. "هذا جناح هوفِر. أريد نمرة وكالة يمكنها أن توفر لنا شاباً، شخصاً ذكياً وجذاباً – "

ينتزع جْرام الهاتف من يدي.

"ما هو؟" أسأله. كانت أمه تشجعني دوماً على توجيه الأسئلة إليه. "ما هو شعورك وأنت شاذ يا جْرام؟ لِم لم تخبرني قط؟"

يحدجني ببصر يرين عليه الانشداه.

"ماذا؟" "ماذا؟" أسأل.

"كيف بقدورك أن تسألني هذا السؤال بعد كل هذا الوقت؟"

"أريد أن أفهم. هل تحب هذا الشخص بِن؟"

"لقد ظننتُك ميتاً! هل أنتَ حتى مدرك لِما أقوله؟ لقد ظننتُ أبي ميتاً. لم تتصل منذ أربع سنوات. لكني لم أحتمل أن أكتشف الحقيقة، لم أحتمل أن أذهب لأجدك ميتاً. شعرتُ وكأني طفل من جديد. ما تمنيتُ إلا أن يكون لديك عذر ما. أربع سنوات يا بابا. والآن تظهر بكل بساطة وتريد أن تعرف شعوري وأنا شاذ؟"

أَجري نحو الثلاجة حيث ألفي فيما ألفي شاردوناي مقبولاً، وبمعاونة فتاحة أجدها بالقرب من الحوض أصب لنا كأسين. يظهر أن جْرام لا يريد كأسه لكني أضعها بجواره على أي حال.

"ياه يا جْرام. شركة الهاتف في بالتيمور بشعة."

يشرع في البكاء. يبدو صغيراً للغاية وهو ينتحب، مثلما بدا في ممر السيارة بالمنزل القديم ذات أصيل حين علمتُه ركوب الدراجة، استقر غبار الممر على خده المبتل ورموشه الرطبة لتشطفها بعد ذاك مياه حوض الاستحمام الدافئة فيما يهبط الغسق على الحقل ونستمع معاً إلى صوت أمه بالمطبخ وهي تُجري مياه الحنفية وهمهمة المذياع وهدوء المساء في الريف، كيف تبدى فاهماً إياه مثلي.

"تعرف يا جْرام؟ إنهم يغالون باستمرار بفواتيري، وما إن يقطعوا الخط، لا تختلف إعادة تركيبه عن شق البحر الأحمر، لكن في خلال أسبوعين لمَّا أسجل براءة اختراع الدراجة سوف ننسى كل ذلك، أنت وليندا وإيرني وأنا، سنمضي كلنا إلى لندن لنقِيم في فندق كونوت وسأريك متنزه ريجينت حيث جذَّفتُ أنا وأمك قارباً أثناء شهر العسل. درنا بالقارب حول الجزيرة الصغيرة هناك حيث يحتشد كل البط الذي لمَّا أتذكره الآن أتذكره في الواقع قذراً قليلاً، وإن كنتَ لا تتخيل حقاً أن يكون البط قذراً، فهو يبدو بالمياه في منتهى الرشاقة لكن الحقيقة هي—" وفجأة لا أصدق أنا نفسي الأمر، أسمع صوتي في الحجرة، أسمع نبرته الجافة، ويضيع مني تسلسل الأفكار ولا أقوى على الكف عن تخيل فناء اعتاد جْرام اللعب فيه مع أصدقائه بجوار شجرة ليلج أرجوانية وشجرة تفاح حمَلت أغصانها المتشابكة ألواح حصن سعدتُ كل السعادة باستمتاعه به، فأنا عن نفسي لم أمتلك حصناً قط. عهِدني وقتذاك حتى في أشجع لحظاتي حين خافت أمه وإخوته مما استعصى عليهم فهمه، كان يجلس على المقعد داخل مرأب تقوضت بعض أركانه، يراقبني وأنا أغطي سبورة تستند إلى رفرف سيارة ستودِبيكِر معطلة، أضع رسماً تخطيطياً لعالَم من الأشياء المحتمَلة – عربات الطاقة الشمسية والبيوت القابلة للطي – ليتركز عصرنا في أدواته الضرورية، وفي الأمسيات تمدد على أرضية غرفته ليرسم بيدين رقيقتين ما استحضره من تصميمي.

تلتقي عيناي الآن بنفس هاتين اليدين وهما منبسطتان فوق فخذيه، الأظافر مقضومة والعِراق مجروح.

لا أدري كيف أنطق بكلمات الوداع.

في قرية سانت سِفِر مرَّضتْ عجوز صديقي المحتضر طيلة الليل. وفي الفجر قبَّلتُ جبهته الباردة وواليت السير.

لا تفتأ شجرة التفاح تصدر حفيفها بفعل نسيم المساء في فناء المنزل القديم.

"جْرام."

"تريد أن تعرف شعوري؟" يلفظ. "سوف أقول لك. يعتريني القلق طيلة الوقت من أن يهجرني في يوم من الأيام. وتريد أن تعرف السبب في ذلك؟ لا صلة له بالشذوذ. إنما لأني عارف أن ماما تركتكَ. أقول لكَ إنها أنانية ألا تأخذ الحبوب لأني عارف. لأني آخذها. أنتَ فاهم يا بابا؟ إنه فيّ أنا الآخر. لا أريد أن يجدني بِن بالبيجاما عند موقف السيارات في منتصف الليل وأنا أتحدث إلى أحد الغرباء كما وجدتْكَ أمي. لا أريده أن يجدني مشنوقاً. كنتُ في بعض الأسابيع أطلق النيران من أطراف أصابعي لأحرق كل ما في طريقي، وقد كان كله تقدماً وقد كان كله جميلاً جمالاً لا سبيل إلى تصديقه. وفي بعض الأسابيع لم أقو على تسريح شعري. لكني آخذ الحبوب الآن، ولم أتسبب في إفلاسنا بعد، ولا رغبة لي في قتل نفسي بعد. أنا آخذها وأفكر في بِن. هذا هو شعوري."

"لكن النار يا جْرام؟ ماذا عن النار؟"

يسود عينيه حزن يكفي لقتلنا نحن الاثنين.

"هل تتذكر كيف اعتدتَ التفرج عليّ وأنا أضع الرسوم التخطيطية في المرأب؟"

تسيل الدموع على خديه ويومئ برأسه.

"خلني أريك شيئاً،" أنبس. أعثر على قلم سميك بدرج المكتب القائم في الجانب المقابل من الحجرة. أفطن الآن إلى ما يجري، بمقدوره أن يبصر ما أبصره، دائماً ما واتته تلك القدرة. علها لا يجب أن تزول. أفك إحدى لوحات الحائط وأحطها على الأرضية. وعلى ورق الحائط الأصفر أرسم محيط باب كامل الحجم، سبع بوصات في ثلاث ونصف.

"كما ترى يا جْرام، سوف يكون هناك أربعة مقابض. ستؤلف الخطوط بينها صليباً. وسيتصل كل مقبض بمجموعة من العَجَل داخل الباب نفسه، وسيكون هناك أربع مجموعات من المفصلات، مجموعة في كل جانب لكنها مثبتة في الباب فقط وليس في الإطار." أظللها. يعلو بكاء جْرام. "سوف يستخدم الشخص المقبض الذي سيسمح له بفتح الباب في الاتجاه الذي يريده – يمينه أو يساره، عند قدمه أو فوق رأسه. عندما يدار مقبض من المقابض، سوف يدفع البراغي من الباب إلى الإطار. يستطيع الناس فتح الأبواب بجانب النوافذ بدون حجب ضوء الصباح أو نور المساء، سوف يَحملون الأثاث إلى الداخل وإلى الخارج فيما يعلو الباب رؤوسهم بدون خدش الدهان مطلقاً، وحين يرومون التطلع إلى السماء، يمكنهم فتح شق صغير في القمة." أرسم على الحائط مخططات أصغر لمواضع الباب المختلفة حتى يبلى سن القلم المصنوع من اللباد. "إنه هدية لكَ، هذا الباب. آسف أنه ليس حقيقياً. يمكنك مع ذلك تخيله، كيف قد يستمتع الناس بتقرير كيفية عبوره. سوف تتشكل الأنماط وتتبلور العادات داخل الأُسر."

"لقد أردتُ أباً."

"لا تقل ذلك يا جْرام." لا ينفك يبكي، ولا أطق الاحتمال.

"إنها الحقيقة."

أتحول إلى المكتب وأجثو هناك لأكتب ملحوظة على عجل. يوشك القلم على التلف ويصْعب عليه تكوين الحروف. تستلزم الكتابة وقتاً.

 

.       رغم اتهام البعض إليّ بالإهمال، التزمتُ بنصيحة كنتُ أسديها دوماً إلى أطفالي: لا تتموا أبداً أي شيء يُنزل بكم الملل. وللأسف أنزل بعض أطفالي بي مللاَ. لم يفعلها جْرام قط. الرجاء التحقق من ذلك معه. لم أضمر لغيره أية أهمية.

 

"جْرام،" أتفوه مجتازاً الحجرة لأريه قطعة الورق، لأريه الحقيقة.

يضطجع على السرير. وعندما أطل عليه، أراه نائماً. لقد أنهكتْه دموعه. يحف بعينيه المغلقتين جلد منتفخ أحمر، ويسيل من جانب فمه نهير من اللعاب. أمسحه بإبهامي. تلتف يداي لتمسكا بوجهه الرقيق وأطبع قبلة على جبهته.

أتناول بطانية من السرير الآخر لأغطيه، أسحبها فوق كتفيه وأدسها تحت ذقنه. يخالج الآن نفَسه الهدوء والانتظام. أترك الملحوظة مطوية بالقرب من يديه. أمِس شعره برقة وأطفئ المصباح. آن أوان رحيلي.

آخذ كأسي والنبيذ خارجاً إلى الصالة. أستشعر ثقل كل خطوة، وجسدي البادئ بالكلل. أتكئ على الجدار في انتظار أن ينزلني المصعد. ينزلق الباب وينفتح لأدلف منه.

ومن هنا داخل القفص الزجاجي الهابط أستطيع أن أرسل الطرف إلى كرات من الضوء البرتقالي تمتد بطول جواد سانت مونيكا في اتجاه الشاطئ حيث يتمايل سعف النخل الظليل. دائماً ما وجدتُ غزارة الضوء في المدن الأمريكية داعياً للتفاؤل، علامة على سذاجة لا يلحق بها النقصان، شيئاً ينطلق بنا إلى الأمام. ينتأ الرصيف المتلألئ في الأفق ليتوغل في الظلمة الفسيحة للمحيط مثله مثل سفينة مشتعلة تُعوم في الليل.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.