مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الثالث والعشرون، أكتوبر 2009

 

 

 

تكرمت أدا أوديتشوكوو بالموافقة على نشر قصة "الحافلة الليلية" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Udechukwu was so generous to permit the publication of the Arabic text of "Night Bus" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Udechukwu a great debt of gratitude for her kind permission.

Copyright © Ada Udechukwu, first published in The Atlantic Monthlys Summer Fiction Issue, 2006. Published by kind permission of The Zoë Pagnamenta Agency, LLC.

Special thanks go to Ms. Zoë Pagnamenta from The Zoë Pagnamenta Agency, LLC.

 

 

 

 

الحافلة الليلية

أدا أوديتشوكوو

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: 01-Oct-2009

 

 

 

Cover: Isvan Banyai

 

مجلة ذا أتلانتيك مانثلي، صيف 2006

 

 

 

عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، عمَدتْ أدا أوديتشوكوو إلى الالتزام بالإنجليزية الفصحى في السرد واستخدام الرطانة النيجيرية في الحوار. والرطانة النيجيرية هي لغة مبسطة تمزج بين الإنجليزية واللغات النيجيرية المحلية. الحوار بأكمله مترجَم إلى لغة عربية سليمة عدا عدة كلمات -- هي أقل من عدد كلمات الرطانة في النص الأصلي -- احتفظتُ بها كما هي لأحافظ على الإحساس بالرطانة النيجيرية. وقد وافقتْ المؤلفة على توخي هذه الإستراتيجية في التعامل مع نصها المترجم... هالة صلاح الدين

 

 

 

"قِفوا في طابور واحد يا جماعة!" تعالى من ضابط الأمن صوت أسكت المحادثات الدائرة حوله. لوَّح بماسورة سلاحه الآلي في قوس واسع فوق رؤوس الناس المحتشدين حول الحافلة الليلية المتجهة إلى مدينة لاجوس. تدافع الرُكاب ليُكونوا صفاً. تمشى الضابط بحذائهم ليكز الصناديق المصنوعة من الكرتون وحقائب السفر والأكياس المستقرة بجوار مُلاكها. خالجه الرضا عن تفتيشه فرجع إلى مقدمة الطابور دون أن يُحَيِّي أحداً على وجه الخصوص ثم اعتلى سلالم الحافلة. اتكأ على الباب وتنشق بمنخريه قبصة من بودرة التبغ، وبعدها راح يعاين الرُكاب أسفله. ومن حين لآخر كان يستنشق عميقاً ويُطلق عطسة عنيفة ثم يسعل البلغم في سعلات متقطعة ليبصق ويمسح فمه بظهر يده.

شرَع المُحَصِّل في قطع التذاكر للرُكاب. وكلما سمح لراكب بالصعود، ترك الضابط موقعه. تفحص الحقائب اليدوية أولاً. قام بتفتيش أجسام الرُكاب الذكور مُجرياً يديه على ملابسهم ليتحسس الجيوب ويأمرهم أحياناً بإبراز محتوياتها. عرَّض النساء لجهاز للكشف عن المعادن لوَّح به جيئة وذهاباً على ملابسهن.

ناولت أولوما المُحَصِّل تذكرتها. أومأ إلى المقصورات المفتوحة المخصصة للحقائب على أحد جانبيّ الحافلة. هزت رأسها مُحْكمة قبضتها على سير حقيبتها الأسطوانية المصنوعة من القماش.

تجلت علامات الضيق على المُحَصِّل، فأشار إلى الحقيبة قائلاً، "لا يمكنك أخذها إلى الداخل يا سيستا ]أخت[."

ثبتت أولوما ابتسامة على وجهها. "لا تتضايق يا أوجا ]سيدي[، سوف يسع المكان في الداخل. لقد حمَلتُ هذه الحقيبة من قبل."

"الضابط المسؤول هو صاحب القرار." أمال المُحَصِّل رأسه في اتجاه ضابط الأمن الذي كان يقف حينذاك عند قاعدة السلالم، على أتم الاستعداد للتدخل.

شخَص بصر أولوما إلى المُحَصِّل. وبراحتين متشابكتين أمام صدرها، ناشدته، "أوجا بيكو ]أرجوك يا سيدي[، قل له إن هناك شيئاً قابلاً للكسر في الحقيبة."

"أنتن أيتها السيدات. تُسببن لي دوماً وجع الدماغ،" غمغم المُحَصِّل. أشار إلى الضابط بإبهام مهتز وسألها، "تريدينني أن أتكلم معه؟"

أومأت أولوما برأسها.

تركها المُحَصِّل ليشاور الضابط. تجاذبا أطراف الحديث عدة دقائق. أشار الضابط مرتين إلى الحقيبة الأسطوانية التي حمَلتها أولوما وصناديق الأمتعة القابعة في الجزء السفلي من الحافلة والمتخمة بحقائب في مثل ضخامة حقيبة أولوما.

"لقد قلتُ لها،" لفَظ المُحَصِّل عالياً بما يكفي ليسمع الجميع. فاتت لحظات ثم مال على الضابط وهمس في أذنه.

بدَرت همهمات دالة على الضجر من الرُكاب المنتظرين.

حانت من أولوما نظرة خلفها. لم تلتقط أثراً لموناي رغم اتفاقهما على اللقاء في المحطة بحلول الساعة الثالثة. تأرجحت على كعبيها ووضعت ذراعاً كالمهد تحت الحقيبة لتُريح كتفها من الثقل. ورغم أن كل شيء بدا على ما يرام مثلما أخبرها موناي، أفقدها تأخره رباطة جأشها.

مرت الدقائق. جرَح سير الحقيبة كتفها. رفعتها ونقَلتها إلى الجانب الآخر. تحت ملابسها وأشياء شخصية أخرى، كمنت أسفل قاع الحقيبة الزائف عدة آلاف من الدولارات من أجل سيارة مرسيدس مستعملة خطط موناي لشرائها من أحد تجار مدينة كوتونو. كان فرق العملة جيداً ذلك الأسبوع – 140 نايرا للدولار. تحولت النايرا التي حمَلها موناي إلى مكتب الصرافة إلى رزم مضغوطة من الدولارات توارت عندئذ في الحقيبة. شرح لها مسألة الأموال في الليلة الفائتة حين أعد الحقيبة. وفي صباح الغد، بينما تبتاع أولوما بالات الملابس المستعملة لإعادة بيعها في كشكها بسوق مدينة أبا، سوف يتفاوض في شراء السيارة. ومعاً سيَعبران بالسيارة حدود دولة بينين المجاورة ليعودا إلى نيجيريا حيث سيبيع السيارة مقابل ربح وفير.

ضج الضابط والمُحَصِّل بالضحك. رمتهما أولوما بنظرة. غمزها الضابط بعينه ثم أشار إلى صدره ولوَّح بكلتيّ يديه. لوَّحت أولوما ومطَّت شفتيها لتتكلف ابتسامة.

وفي خلال ثوان صرَف الضابط المُحَصِّل وتوجه نحو أولوما بخطوات متمهلة. ومع تهاديه بساقين متقوستين، برَز الأثر المضحك لبنطال ضيق مدسوس في جزمته تقليداً لبزة جنود الكوماندو. وقف حيالها وقد انفتح جزء من سوستة بنطاله كاشفاً عن لباس تحتي أزرق مخضر من النيلون. لعنت موناي لوضعها في موقف اضطرت معه إلى طلب خدمة من هذا المغفل. طلَب موناي منها في اليوم السابق أن تحرص على بقاء الحقيبة في حوزتها، وقد كان طلباً بسيطاً كل البساطة؛ أمَّا الآن، فاحتمالية إذلال نفسها أوقعت فيها شعوراً بالتقزز.

انحسر فم الضابط عن ابتسامة واسعة. أمسك بذراع أولوما وقادها حول الحافلة. كان لا بد أن تشحذ قوة إرادتها كما لم تشحذها من قبل كيلا تأمره برفع يديه عنها.

"حسناً يا ست، لِم ترفضين وضع حقيبتك في الأسفل؟ أظنك تَعلمين أننا نفرض رسماً على الوزن الزائد." ضخَّمت ابتسامة الضابط الخبيثة ما نطق به من كذبة.

غضنت أولوما أنفها للمزيج المختمر من الجعة وجوزة الكولا المنبعثتين من أنفاسه. انفتحت نافذة فوقهما، فرفَعت عينين محملقتين إلى الرُكاب المحَدقين بعيون منخفضة تتوقع تتابع الدراما. قطَرت حبات العرق من أبطيها. ضمت الحقيبة إلى صدرها.

"ماذا يوجد في الحقيبة؟ يبدو وكأنك تريدين إخفاء شيء. أويا ]هيا[، أنزليها، دعيني أرى ماذا تَحملين." أشار الضابط إلى ما بين قدميه.

حطت أولوما الحقيبة الأسطوانية على الأرض. ركَع الضابط وفتش أمتعتها. أزاح طبقات من الملابس المطوية ونقَّب عميقاً في الحقيبة. حين صادف شيئاً أثار انتباهه – حقيبة لأدوات الحمَّام، علبة فوط صحية، حقيبة تجميل – رفَعه واستفهم عنه. تجاهل الروايات والمجلات في قاع الحقيبة وضغط على شيء ليسحبه إلى الخارج.

"ماذا يوجد هنا؟" أمسك الضابط كيساً بلاستيكياً أسود اللون.

" أوجا بيكو ]أرجوك يا سيدي[". مدت أولوما يديها.

أرجح الضابط الكيس ثم ارتفع منه الضحك لمَّا حاولت أولوما الإمساك به. رمى الكيس في الهواء والتقطه ثم فك عقدة ازدوجت حول عنقه ليتفرس داخله. فرت رائحة نفاذة، التوت قسمات الضابط لرؤية اللباس الداخلي الملوث بالدم.

غطت أولوما ثغرها وابتسمت في راحتها سعيدة لانتباهها إلى نصيحة موناي بوضع اللباس الداخلي.

سارع الضابط إلى إقحام الكيس في الحقيبة ونهض قائماً. "يا سيستا ]أخت[، ولأني فقط معجب بك. طيب، إليّ بالكولا، دعيني آكل." قال مشيراً إلى فمه. جرت عيناه على طول جسد أولوما وتوقفتا عند صدريها.

سلَّمته ورقة نقدية مَثْنِية. فحص فئتها ثم دسها خلسة في جيبه. حينما مدت أولوما ذراعها إلى الحقيبة، مست يد الضابط صدرها برفق. كشف فمه عن ابتسامة خاطفة، فملأت حمرة لسانه الباهتة فجوة تتوسط سنتيه الأماميتين ونبضت كحيوان حي. توردت وجنتاها مقاوِمة رغبة ملحة في ضربه.

"فلنرجع،" أمر الضابط واستدار على عقبه.

دار الاثنان حول مقدمة الحافلة. ندت التنهيدات عن الرُكاب المنتظرين. تتابعت موجة تنم عن التذمر من مؤخرة الطابور، وخرَج الناس عن الطابور ليرشقوا أولوما بنظراتهم. أطرقت رأسها.

عاد الضابط إلى عليائه فوق السلالم. وبتلويحة من يده أحال أولوما إلى المُحَصِّل وأشار إلى الرجل كي يستأنف قطع التذاكر. غص الهواء بالعالي من الاحتجاجات. وصاح بضعة أشخاص، "يي-يي وومان ]أيتها الحقيرة،[" "أشاوو ]يا عاهرة،[" "يقال إنك عملتِها معه." احمر وجه أولوما من جراء الإساءة وعمت السخونة وجهها.

أهملها المُحَصِّل حين مدت يدها بالتذكرة. سمَح للرُكاب بالصعود الواحد تلو الآخر. وما لبثت أن تقدمت امرأة ريانة الجسم متوسطة العمر ترتدي تنورة ملفوفة غالية الثمن من قماش سميك مطرز. استقر على رأسها غطاء معقود متيبس الشكل، تثبتت قمته الشاهقة بأنشوطة ضخمة انبسط طرفاها الطليقان خلفها مثل الجناحين. رسَم المُحَصِّل ابتسامة عريضة على وجهه وأغدق على السيدة التحيات. غفَل الاثنان عن الرُكاب المنتظرين وأخذا يستعلمان عن صحة أفراد الأسرة ويتكلمان عن المعارف المشتركين.

سددت أولوما لمحة ورائها. لم يصل موناي بعد. لم تستطع أن تفهم سبب تأخره. كانت تلك الرحلة فكرته. عندما اقترح منذ أسابيع أن ترافقه، اعترضت على القيام برحلة ثانية بعد فترة قصيرة من رحلتها الشهرية المعتادة بغرض شراء مخزون لتجارتها بالملابس المستعملة – لم تكن قد باعت بعد ثلاثة أرباع البضاعة التي اشترتها خلال رحلتها السابقة. بيد أن موناي أقنعها بأنها فرصة سانحة لتجنب زحمة عيد الميلاد المجيد. كما أكد لها أن مراسم الزواج التقليدي التي تاقت إليها سوف تصبح الخطوة التالية في جدول أعماله عقب انتهاء صفقة السيارة.

التفت المُحَصِّل إلى أولوما. "هل روَّقتِه يا سيستا ]أخت[؟" سأل متصنِّعاً ابتسامة على وجهه.

أومأت برأسها.

" أويا ]هيا[، أعطيني حاجتي الآن."

مدت أولوما تذكرتها. علت تنهيدة من المُحَصِّل وهز رأسه. فرك إحدى راحتيه بالأخرى.

وضعت أولوما تحت تذكرتها ورقة قيمتها عشرون نايرا وسلَّمته إياها.

انحشرت وهي تمر بجوار الضابط أثناء دخولها الحافلة. قرص ذراعها. لكن حين تطلعت إلى الخلف، تظاهر بضبط قبعته. توقفت قدماها بجانب مقعد السائق وجالت عيناها في الحافلة. ووراءها بادر الضابط أحد الرُكاب بالحديث.

"إلى أين تذهب يا برودا؟ ]أخي[" سأل الضابط.

"ماذا عن تلك السيدة التي سمحتَ لها بالمرور الآن؟" أسرع الرجل بالرد بلهجة حادة.

نظرت أولوما فوق كتفها.

لمحها الضابط ففرت منه ضحكة نصف مكبوتة. "لقد فحصتُها في الخلف."

ضحك كلا الرجلين.

أعرضت أولوما عنهما. سارت بالممر وتوقفت في المنتصف عند مقعدين شاغرين ثم اتخذت مجلسها على المقعد المجاور للنافذة. تراءت الحقيبة طبيعية فوق المقعد المجاور لها، لا تختلف عن شكلها قبل أن يصنع موناي القاع الزائف. عينت موضع الخياطة وسحبت خيطاً مفكوكاً ثم ضغطته إلى أسفل مجدداً والرعب يَركبها لشكها في موناي. كانت تدرك سبب الحاجة إلى هذا العدد الكبير من الدولارات: فقد أبت وكالات السيارات في دولة بينين إلا أن تقبض الأموال بالعملة الأجنبية. باح موناي إليها بما فعله بالحقيبة وكمية الأموال المخبأة وكيفية وضعها بالضبط. ولمرة واحدة وحيدة ائتمنها على تفاصيل تجارته شارحاً تقنيات تسجيل السيارات وترخيصها، وكذا عملية "ترويق" الناس في مكتب ترخيص المَركبات. ولمَّا سألته عن سبب عزوفه عن حمل النقود معه، مثلما حمَلت هي نقودها، قال إنه سيضطر إلى دفع ضعف ما يتوقع من رُشى لو عرَف أحد أنه يمتلك كل تلك الدولارات.

ومع ذلك ظل شيء ما يضايقها لإصراره على أن تَحْمل الأموال من أجله. شرَدت أفكارها بلا تفسير إلى قيل وقال قديم يَرجع إلى أيام الكلية. برَز موناي بين أقرانه في حرم الجامعة، بمظهره الأنيق وسيارته الرياضية وما أخذ به من أسلوب حياة مُكَلِّف. كثرت شائعات – لا واحدة منها طيبة – حول مصدر ما يمتلك من زاد لا نهائي على ما يبدو من الأموال السائلة. غير أن الشائعات لم تضر بصيته بين النساء. طلب منها ذات مرة الخروج معه فوافقت مندهشة من انتباهه إلى واحدة مثلها.

حفَظت أولوما الحقيبة تحت المقعد الأمامي وألقت نظرة على ساعتها؛ سوف تبرح الحافلة المحطة بعد ساعة. فكرت ملياً في الانتقال إلى المقعد المجاور للممر. أطلت النافذة على منظر لجانب الطريق، لكنها لو قعَدت بجانب الممر، ستتمكن من رؤية أي شيء يتقدم صوب الحافلة. رسَمت إشارة الصليب بيد متعجلة كي تحمي نفسها من أية ورطة. فتحت سوستة الحقيبة واستردت كيساً يشتمل على علبة بسكويت وبرطمان من حب العزيز ثم حطته على المقعد المجاور. أغلقت سوستة الحقيبة وأرجعتها إلى الأرضية بين قدميها.

على الرغم أنها سادس مرة تسافر فيها بالحافلة الليلية إلى لاجوس، لم تزل الرحلة تصيبها بالفزع. فمؤخراً، بعد تفشي حوادث اختطاف المواصلات والسرقة بالإكراه، جعلت كل الناقلات الرئيسية تتحرك في مواكب، بحارس مسلح على متن كل حافلة. كانت تَعلم أنهم عندما يَبلغون مدينة أونيتشا، محطتهم الأخيرة شرقاً، سوف تنضم إليهم خمس حافلات إضافية، ومنذ حينها ووصولاً إلى لاجوس، ستخلفهم الحافلات وتتقدمهم، مما يعني وجود ستة حراس مسلحين على الأقل. غير أن هذا لم يخفف من مخاوفها.

لم تُخفق الرحلة الطويلة – البادئة في ساعة متأخرة من الأصيل والمستمرة حتى الساعات المبكرة من اليوم التالي – في بث القلق في نفسها. إنما لا بديل عنها إن أرادت أن تجلب البضائع وتعود إلى بيتها بدون الاضطرار إلى غلق كشك السوق لأكثر من يوم واحد. فالتصريف السريع للبضاعة أفضى إلى المزيد من الأموال عند نهاية الشهر. وقد عاونها استعداد موناي لإقراض تجارتها رأس مال بدون فوائد، ولكن كان عليها أن ترد بعضاً منه كل شهر. علاوة على ذلك منحت والديها المقيمين في القرية نقوداً – فلا يزال أشقاؤها يَدرسون في المدرسة الثانوية ويحتاجون إلى دفع مصاريف التعليم. ولديها نفقاتها الشخصية.

وفي ساحة الموقف بالخارج قامت ثلاث حافلات أخرى أمام المحطة. سوف تسافر إلى مقاصد شعبية في الشمال: أبوجا وكادونا وكانو. تلونت كل الحافلات، بما فيها الحافلة مجلسها، بالعديد من الألوان. وعلى الجوانب، أمام خطوط مائلة لاصفة تتلون بالأزرق والوردي، لصق أحدهم حروفاً سميكة صفراء اللون تعلن قائلة شركة ناقلات لاندجيت المتحدة. وعلى طول الجزء العلوي من كل حافلة، أعلنت لاندجيت عن مهارتها الفائقة بكلمات كونكورند النيجر. وفي الأسفل، بالقرب من الإطارات، أمَّن مَقطع من الإنجيل حماية الله القادر: الرب قوثي وترسي، مزمور 7:28. ابتسمت أولوما لرؤية تهجي الكلمة الخاطئ متسائلة إن كانوا قد استقوا العبارة حقاً من كتاب المزامير.

وعلى بعد مسافة قصيرة من الحافلات المتوقفة، تحرك الناس تحرُك القطيع حول شرفة ضيقة تصدرت مكاتب اللاندجيت. جاهد المتأخرون للحصول على التذاكر القليلة المتبقية في الشباك، وامتد من الباب طابور لا يعرف النظام.

ربتت أولوما بطنها وتحسستها بحثاً عن مريلة صغيرة أسفل الطبقة الخارجية لتنورتها الملفوفة. ثمة ثلاثمائة آلاف نايرا – نصف تكلفة ثلاث بالات من الملابس المستعملة – مخيطة في جيوبها. وفي وقت سابق من الأصيل، قبل حضورها إلى محطة الحافلة، قسَّمت 290،000 أخرى في ثلاثة ظروف ودارتها في حقيبتها اليدوية. بطَّنت صدريتها بـ 10،000 أخرى.

قلبت ناظريها في أرجاء الحافلة. ما كان بها إلا القليل من الأشخاص. ترك الرُكاب حقائبهم فوق بعض المقاعد المقابلة كي يحتلوا الأماكن لأنفسهم. استقل أغلب الناس الحافلة ووضعوا أياديهم على المقاعد ثم نزلوا للتمشية حول أرض المحطة بحثاً عن وجبات خفيفة ومشروبات، ولم يعودوا إلا عند سماع نداء المغادرة الأخير.

وفي الخارج، على أرض اللاندجيت المُسَيَّجة، ترامى بين الحشد سوق متنقل. اندفع باعة المأكولات في مختلف الاتجاهات على عجلة لتلبية حاجة الزبائن. رفَعت أولوما النافذة المجاورة لها. استوقف بصرها صبي يبيع الخبز ويدفع رغيفاً عالياً في الهواء. "يا عمتي المسيه،" صاح. "مخبوز اليوم، طازج." هزت رأسها. ركض ناحيتها حشد من الباعة الجائلين. طالبوا هاتفين بأن توليهم انتباهها وراحوا يَعرضون عليها سلعهم. مدت امرأة يدها بصينية تحوي بيضاً مسلوقاً وزعقت، "بيض، عشر-عشر نايرات يا عمتي!" أقحمت فتاة صغيرة نفسها أمام المرأة لتُعلي في الهواء كيسين بلاستيكيين من المياه. "مياه نقية، مياه نقية،" غنت بصوت مرتفع لا يخلو من تكلف.

زلقت أولوما سير حقيبتها اليدوية عن كتفها وأخرجت محفظتها. كانت قد تناولت في ساعة متأخرة غداء من البطاطا الحلوة المهروسة وحساء الخضراوات، وقد شعرت به حينئذ كالحَجَر في معدتها. أحضرت معها وجبات خفيفة، قوتاً كافياً حتى تتوقف الحافلة لتناول الإفطار في بلدة أور. ما كانت في حاجة إلا إلى مشروب بارد وبعض المياه المعبأة لتبقيهما معها أثناء الرحلة. لوَّحت لامرأة تَرفع على رأسها دلواً من المشروبات الغازية ومياه الشرب. عندما حطت المرأة حِمْلها، أشارت أولوما إلى زجاجة فانتا وزجاجة مياه ضخمة ماركة إيفا تعومان في الثلج الذائب. دفعت ثمن المشروبين وأمسكت بالزجاجتين ثم هزت رأسها حين عرَضت عليها المرأة تجفيفهما بخرقة قذرة.

تقاطر الرُكاب إلى الحافلة، كل اثنين وثلاثة معاً. ولكي تثني أي شخص عن الاقتراب منها، أبقت أولوما ذراعها متدلية فوق حقيبة الوجبات الخفيفة الراقدة على المقعد المجاور لها. تطلعت خلفها لتعد المقاعد الفاضية في الحافلة. عدا المقعد المجاور، ما تبقى إلا مقعدان خاليان. لكن بمجرد أن ترحل الحافلة عن المحطة، سوف يُخرج المُحَصِّل "المَلاحِق" – كراسي مبطنة بسيطة لا أذرع لها تَسَع الممر – حتى يجني هو والسائق أموالاً إضافية لأنفسهما عن طريق إقلال الرُكاب على طول الطريق.

أمعنت أولوما النظر داخل حقيبتها اليدوية وتفقدت مجدداً الظروف الصفراء الحاوية لنقودها. تدحرجت حبة عرق في التجويف الفاصل بين ثدييها. دعكت صدر بلوزتها فصَدَر حفيف من قماش الدانتيل المتيبس. أحست بحكة في ثدييها بسبب أوراق النايرا الندية داخل صدريتها. فكَّت الطبقة الخارجية من تنورتها الملفوفة وهوَّت بها على نفسها، أدارت الحواشي فعصفت بطوق البلوزة. لا يزال قماش التنورة الواصل إلى كاحلها والمربوط حول خصرها يحبس الحرارة. انزلق فخذاها الرطبان الواحد على الآخر. كانت ترتدي هذه الملابس – بلوزة من الدانتيل وتنورة مزدوجة من قماش الأبادا – فقط كي يتلاءم مظهرها مع السيدات الأخريات راكبات الحافلة. عندما تخرجت من الجامعة بشهادة في اللغة الفرنسية، ما دار بمخيلتها أنها ستأخذ بأسباب مثل هذه الحياة. ومع ذلك استفادت من فرنسيتها لمَّا ساومت تجاراً من دولة بينين بمدينة كوتونو. حسبوها واحدة من بنات البلد.

استردت الساعة عينيّ أولوما: خمس عشرة دقائق قبل الانطلاق. عل الحافلة ستفوت موناي. لو حصل وفاتته، ستترجل منها وتؤوب إلى بيتها. لم تود القيام بالرحلة في الأساس. إذ انتابتها العصبية لحمل كل هذه الأموال. وقد بدت خطة موناي أن يسافرا كغريبين معقدة بلا داع، وإن تفهمت خوفه على النقود. بيد أنه لو أخفاها بخبرة ما بعدها خبرة مثلما أنبأها، لِم انبغى عليهما التظاهر بعدم معرفة أحدهما الآخر؟ حاولت أن تلح عليه ليكاشفها بإجابات إلا أنه تجاهل قلقها. ثم استسلمت – كما كان يَعلم – حين أخبرها بأن صفقة السيارة ستزوده بما يحتاج إليه من أموال ليخطبها ويفاتح والديها في ترتيبات الزفاف.

كان والداها يضايقانها بسبب موناي طيلة الوقت. متى زارتهما، استقبلاها بعبارات الانتقاد: "ضاع كل تعليمك بلا نفع – أنتِ الآن تاجرة مبتذلة يستبقيها رجل تحت تصرفه،" تقول أمها. "متى سيُحضر أهله ليزورونا؟" يسأل أبوها. ومع ذلك قَبَلا كل شهر نقوداً أعطتهما إياها من غير السؤال عن مصدرها.

ساعدها موناي على دفع المعاش الشهري مِنْحَتها إلى والديها. ولولاه، لعمِلت ربما بَغِياً بحلول هذا الوقت. فالعديد من الفتيات اللاتي عرِفتهن تباهين علانية بعشاقهن الأغنياء، رجال متزوجين عُجُز كَسَوهن وآوَوهن لقاء الجنس. موناي على الأقل أكن لها حباً ووفر لها دخلاً مستقلاً.

كانت منذ عام مضى عاطلة تعيش على مدخراتها الضئيلة، تتنقل بين بيوت الأصدقاء ويستولي عليها القلق من كيفية إعالة والديها وخمسة أشقاء صغار. كانت فترة فظيعة. مد موناي إليها يد المساعدة حين خامرها اليأس من كل شيء. تقابلا من جديد في حفلة أقامها صديق مشترك. وطيلة الليل لم يرقص موناي إلا معها؛ وحين ضمها إليه، أفضى جسده إليها برغباته. لم يمر شهر عقب لم شملهما حتى طلب منها أن تنتقل للعيش معه. تعهدها بالحب ووعدها بالزواج عند توافر الأموال الكافية للقيام بأوَد أُسرة.

والآن – وقد تبقت دقائق ليس إلا – استقل موناي الحافلة ورنا إلى الممر. تبين مكان أولوما وتَقَّدم صوبها ليشير إلى المقعد المجاور لها. "بعد إذنك – هل هذا محجوز؟"

لفتت أولوما نظره إلى الحقيبة المستقرة هناك وهزت كتفيها. وجهت انتباهه إلى مقعد شاغر يجاور النافذة بعدها في الممر.

لاحت ابتسامة على وجه موناي. "من فضلك يا مدام، أُفضل الجلوس بجوار الممر."

علت تنهيدة أولوما ونقَلت حقيبة الوجبات الخفيفة. بالغت في إظهار ضيقها آملة ألا يرتاب الرُكاب الآخرون في أنها تعرف موناي.

انقضت عدة دقائق ثم اعتلى السائق مقعده وشغَّل المحرك فتسارع دورانه. اعترض الهواء وابل من طلقات الرصاص. استقل ضابط الأمن الحافلة وذرَع  الممر. تعثر بكيس كان يَجمع بين الأحمر والأزرق وتنطبع عليه كلمات ينبغي لغانا أن تنطلق. لكزه بماسورة مسدسه ثم أمر صاحبته، "حركي هذا الشيء يا مدام." باعدت المرأة بين قدميها وحشرت الكيس بينهما.

شدت أولوما ذراع موناي. انحنى رأسها إلى الأمام ومضت أصابعها تعبث بالحقيبة ثم سألت همساً، "ماذا أخرَّك؟"

تطلع موناي إلى ما فوق المقعد الأمامي وأجاب، "أوكووديلي اتصل."

لم تستطع أولوما أن تتذكر وجه شخص بهذا الاسم. لدي موناي العديد من الأصدقاء لكنهم أقبلوا إلى البيت في ساعة متأخرة من الأمسيات، فلم تقع عيناها عليهم قط. أعدت اللحم المحمر وحساء الفلفل طَلَبه لاستضافتهم بيد أنه تولى تقديم الطعام. أصر على أن تَلزم حجرة النوم متى عاده أصدقاؤه. وبينما كانت تنتظر انصرافهم، تسربت إليها أجزاء من أحاديثهم. غالباً ما نشب الجدال. وأحياناً ما كانت تلتقط كلمة أو اثنتين من صوت مرتفع يسوده الغضب، غير أن النعاس أدركها في أغلب الأحيان بينما هوَّدتها الأصوات المشوِّشة لتنام نوماً لم يبرأ من التقطع ريثما خلد موناي إلى الفراش.

"ماذا أراد؟" استفسرت أولوما.

ضغط موناي على شفتيه بإصبعه وسدد إلى الممر إبهاماً مرتجاً.

كان ضابط الأمن يقف بجوار صفهما. لوت أولوما رأسها واسترقت النظر إليه بركن عينها.

نقَر الضابط كتف موناي. "تَعرف هذه المرأة؟"

هز موناي رأسه.

"الطريقة التي مِلْتَ بها عليها تقول إنك تريد أن تَعرفها."

ثبَّت موناي ابتسامة واسعة. "آه-آه، المسألة ليست هكذا يا حضرة الضابط. أضع حقيبتي في الأسفل، وكنتُ فقط أحركها قليلاً ليتسع المكان لرجلي."

"المهم يا رجل، غير مسموح بلمسها. أنا الذي سأفوز بهذه السيدة." غمز الضابط أولوما بعينه وزم شفتيه ثم تعالى ضحكه. انضم موناي إليه ضاحكاً.

سار الضابط ضاحكاً لا يزال في خفوت واستأنف تفتيش الحافلة. وفي طريق عودته وقف بحذاء أولوما وموناي وعلَّق مسدسه الآلي فوق كتفه ليفرد ذراعيه على وسعهما. هبت نحوهما رائحة جسمه. رمقت أولوما حابسة الأنفاس دوائر داكنة من العرق انتشرت تحت ردنيه.

"يا جماعة، أبا – أونيتشا خط مباشر!" جاهر الضابط.

"ماذا عن لاجوس؟" سأل صوت من مؤخرة الحافلة.

"ماذا يا صاحبي؟ لم أنته من كلامي أبداً." تنحنح الضابط ثم صرح، "أبا – أونيتشا – لاجوس خط مباشر!"

أغرقت الحافلة في الضحك.

أدار السائق المحرك دورات متسارعة وأطلق بوق الحافلة. ارتجت الحافلة وهي تتقدم إلى الأمام، فثبَّت الضابط نفسه لِصْق مقعد موناي. تمكن بطريقة ما من دفع وجهه بالقرب من وجه أولوما فلامست شفتاه جبهتها.

"لا تلمسني!" طوحت أولوما بيدها أمام وجهه.

تقهقر الضابط وحَدَّ طرفه إليها بذعر لا ينقصه الزيف. "يا مدام، يا مدام. لستُ أنا السبب." رفَع كلتا راحتيه عالياً وعدَل نفسه صائحاً، "أيها الدريفا ]السائق،[ بالراحة! هذه الحافلة جعلتني أعمل شوية عواطف." ضحك الضابط ضحكة خفيضة ناظراً حوله.

صفَّق بعض الرُكاب.

ترقرقت الدموع في عينيّ أولوما فربتتهما بمنديل. ما عبَأ هؤلاء الناس إلا بتسليتهم. لم يكترثوا على حساب مَن. وخَز مرفق موناي خصرها وكفكفت يدها الدموع. ما استوعبت سبب سماحه بإهانتها، بل وسبب اشتراكه في السخرية منها.

ارتفع صوت البوق مرة أخرى، وأطلق صرير التروس العَجَل، ثم تحركت اللاندجيت متثاقلة لتَخرج من المحطة. سنَد موناي ظهره إلى مقعده وقلَّب صفحات إحدى المجلات. استشعرت أولوما تمسيداً على فخذها. دارت أصابع موناي ورفعت حاشية تنورتها. ودت أن يواسيها، لا أن يفعل هذا. ضغطت عينيها لتغلقهما عن دموع أحست بعودتها.

"أولو، لا تبكي،" همس موناي ومسَّد فخذها ثانية.

اندفعت الرياح عبر النوافذ على الطريق السريع. همهمت الحافلة بالأحاديث. غلَب النعاس العديد من الرُكاب ولكن لم يَغمُض لأولوما جفن. اتكأت على النافذة وراقبت زرقة السماء وهي تَقْتَم متحولة إلى اللون النيلي.

حينما انتصف الطريق إلى أونيتشا، دوى صوت من مؤخرة الحافلة: "أيها الأخوة والأخوات، فلنُصَلي." نهض بائع متجول في الممر. كان يلبس سترة من أقمشة مختلفة تصل حتى ركبتيه وتتألف من مثلثات سوداء وحمراء وبيضاء فوق بنطال أبيض فضفاض. رفَع إنجيلاً طاله البلى وقام برسم علامة الصليب ثم فاه، "باسم يسوع ويهوه وكل القديسين، اسمي البروفيسور بييد نسوفر." وعندما لم يجد استجابة من أحد، سار البروفيسور بخطى واسعة في الممر ثم استدار عند منتصفه ليحملق غاضباً إلى الجالسين أمامه وينصح، "توبوا أيها الأخوة والأخوات، فالشيطان بيننا الليلة."

أمسك المتحاورون في الحافلة عن الكلام. مَدَّ الرُكاب أعناقهم وتبادلوا النظرات. انقض من وجه إلى وجه توتر مكبوت لم يعترف به أحد في ضوء النهار. بعثت أولوما عينين مضطربتين إلى أفق غلَّفه الظلام. في غضون ساعة، بعد أن يَعبروا مدينة أسابا، سوف يبدأ أسوأ جزء من الرحلة. اندفعت بحذاء نافذتها أشكال مبهمة شأنها شأن الوميض على حين انطلقت الحافلة على الطريق بأقصى سرعة. ما أبطات إلا في المناطق الوعرة حين أُرغمت على اجتياز الأرض المليئة بالحفر بحرص.

وثَب البروفيسور بييد إلى الأمام واستهل متحمساً صلاة مطولة. تصاعدت جوقة من الأصوات المعترضة واستحثته على الإسراع في إتمام مهمته. فما كان منه إلا أن لوَّح في الهواء بأنبوب من معجون الأسنان. رجع إلى الممر هاتفاً، "خصوصي من الهند، بحماية كاملة من علة الأنفاس الكريهة، المعروفة بالبَخَر. مائة نايرا لا غير للواحد." أدى مشهداً مفعماً بالنشاط ثم تراجع إلى مقعده.

"أونيتشا-أونيتشا،" أعلن المُحَصِّل.

توقفت اللاندجيت خلف حافلة أخرى كانت مركونة على جانب الطريق. وصلت حافلتان أخريان في خلال دقائق وتوقفتا في الجهة المقابلة من الطريق. ومن ورائهما عج موقف للسيارات خال من المَركبات بزبائن السوق الليلي. خفقت ألسنة اللهب فوق فتائل مصابيح الزيت وأنارت وجوه الزبائن الذين جلسوا إلى موائد المطاعم المؤقتة. وفي موازاة المحيط الخارجي لحائط منخفض يُحْدق بالموقف، قعَدت النساء خلف مقالٍ ضخمة تتوازن فوق جمرات فحم متوهجة، واعتنين بكرات من كعك اللوبيا تتذبذب في الزيت الساخن. نفَذت رائحة كعك اللوبيا المقلية إلى الحافلة عندما انفتحت النوافذ وصاح الرُكاب للشراء. ظَهَر الأطفال هنا وهناك بين باعة كعك اللوبيا وتعلقت رؤوسهم فوق الشوايات ليعنوا بالذرة المشوية والبطاطا الأرجوانية. تَحَلَّب فم أولوما. كانت البطاطا المشوية بلبها الناعم الطري الشبيه بالزبد واحدة من أكلاتها المفضلة.

انصرمت خمس عشرة دقيقة ثم دارت المحركات سريعة وتحرك الموكب. قطَعت كوبري نهر النيجر في مسيرة بطيئة. وفي أسابا سد الطريق طابور ملتو من مَركبات متوقفة تمام التوقف. اصطدمت مقدمة مَركبة بمقدمة أخرى فاعترضت الاثنتان سبيل إحدى الحارات. رقَدت شاحنة على أحد جانبيها وسلال الطماطم تتبعثر حولها، وجثم الإطار الخشبي لحاملتها متقلقلاً على سيارة صغيرة.

ناور سائق اللاندجيت حول موقع الحادث، نصف عَجَل الحافلة على الطريق والنصف الآخر على حافته. مالت الحافلة فيما طحن العَجَل التربة الرملية. دارت حول الزجاج المكسور على أرض ملطخة بالدماء تمهدت بالحصباء والقطران، فَحَلَّ على الرُكاب الصمت. تمددت على الطريق جثتان تغطيهما قماشتان من أقمشة التنورات. برزت من إحداهما راحة تتجه إلى السماء، ومن الأخرى قدم ملتوية.

ومع ابتعاد السائق عن العوائق، تزايدت سرعته. حدَجت أولوما سماء الليل بناظريها. حملقت إلى صورتها المنعكسة ثم تناولت سبحتها من الحقيبة اليدوية وطفقت تمس الخرز. هدَلت الطبقة الثانية من التنورة حول كتفها وأراحت ظهرها على المقعد.

تراوح شخير الرُكاب النيام وحديث هامس من آن لآخر بين العلو والانخفاض داخل الكبينة المعتمة على حين انطلقت الحافلة عبر مناظر مقفرة في سبيلها إلى مدينة بِنين. خافت أولوما أكثر ما خافت من هذا الجزء من الرحلة. فمن هنا وحتى استراحة بلدة أومونييد، لن يتبدى إلا الأجمة وأشباح المباني الكائنة على جانبيّ الطريق.

انسلت يد موناي تحت الطبقة الداخلية لتنورتها. رفع مسند الذراع الفاصل بينهما ووضع يد أولوما على حِجْره. اعتمد رأسها على كتفه وتحركت أصابعها وفقاً لمطالبه. أثارها تأجج هيجان موناي فشعرت بنفسها تنتفخ. لكنها بعد أن أشبعته، انصرف موناي عنها وغط نائماً.

استيقظت أولوما على صوت طلقات نارية. مدت ذراعها لتتعلق بموناي غير أنه نحاها عنه. شقت التفجيرات الهواء. ضغط السائق على الفرملة لتترنح اللاندجيت من جانب إلى آخر. وحين راغت الحافلة عن الطريق وتوقفت، تعالت من كل ركن صيحات تشي بالرعب، "ماذا جرى؟" و"ياه، أرجوك!"

"فليلزم الكل مقعده،" أمر الضابط. فتح النافذة المجاورة له وأطلق صوب الأجمة عيارات نارية.

دوت في أرجاء الحافلة صلوات ألَّم بها التشوش. أجهشت عدة سيدات بالبكاء: انتحبن وتضرعن إلى الله أن يحميهن. لم يدر أحد يقيناً ماذا حصَل ولكن شكوكاً ساورتهم جميعاً في وجود لصوص مسلحين.

قرَع شخص مقدمة الحافلة قرعاً فانكمش السائق مرتعداً في مقعده.

"توقف وإلا سأضرب النار،" هدد الضابط مصوباً مسدسه إلى الباب.

"لا تطلق النار. أنا الرقيب أوكوي من الحافلة الأولى،" رد صوت.

فتح السائق الباب عند سماع هذه الجملة ودخل فريق الأمن التابع للحافلة المتصدرة للموكب.

أضاءت أنوار الممر.

سلط الرجل عينين مبهوتتين على الوجوه قبالته وقال، "لص مسلح يَقوم بعملية. انفجر إطار الحافلة الأولى. أخبرني السائق أني يجب أن أُحْضر رَجلين قويين وأجعلهما يساعدان على إزالة الحاجز من الطريق." تردد في الحافلة صدى الخفقان المتقطع لصوته.

ران على اللاندجيت صمت تتخلله أنفاس مسموعة. لم يتزحزح واحد من الرُكاب الذكور قيد أنملة من مقاعدهم. تقدم ضابط الأمن إلى الصفوف الأقرب منه ليدفع رجلين بخشونة وينزلهما على السلالم.

رسَمت أولوما علامة الصليب حامدة الله أن الضابط لم يقع اختياره على موناي. تطلعت من النافذة. أطبقت عليهم الأجمة من كل الجهات. تضخمت أصوات الليل ورجَع صداها في غرابة. انكسر غضن؛ فأجابه آخر. أحدثت أوراق الأشجار حفيفاً في مواجهة الرياح وثرثر بعضها مع البعض الآخر.

اقشعر ذراعا أولوما وشملتها رعدة.

عندما مرت عدة دقائق بدون ظهور أي أثر للرجلين الذين غادرا الحافلة، ترجل ضابط الأمن والسائق. تحرك شعاعا مصباحيهما بسرعة وخفة عبر الطريق ثم اختفيا عن الأنظار.

قَبَض موناي على سير الحقيبة الأسطوانية وجذبها من تحت قدميّ أولوما. أزاح متعلقاتها جانباً وخلَع قاع الحقيبة بالقوة. رقَد وسط رزم الأموال مسدس. اتسعت عينا أولوما. وضع موناي إصبعاً على شفتيه ثم دس المسدس في جيبه.

نشبت الطلقات النارية حول الحافلة. وقَف موناي فتشبثت به أولوما. دفعها بيد عنيفة لتعود إلى مقعدها ثم اندفع نحو مقدمة الحافلة. ولمَّا غادرها، صكت الطلقات الآذان.

"موناي، آه،" تفجعت أولوما بهمسة جشاء.

طرقت القبضات الباب الأمامي. دخَل الحافلة رجل مسلح؛ وفي خلال ثوان انضم إليه آخر. ارتدى الاثنان قناعين؛ ما تركا إلا أعينهما وأفواههما ليراها الناظر. لوَّحا بأسلحتهما في الهواء صارخين، "انهضوا كلكم." سارا في الممر بخطى حثيثة وتوقفا عند كل صف ليطالبا بالنقود والمتعلقات الثمينة. شاهدت أولوما رفقاءها الرُكاب وهم يَخلعون صامتين الساعات والحلي.

وقف أحد اللصين أمام أولوما. قطَر البول على رِجلها. مد يده إليها. فكت ساعتها وزلقت الخواتم من أصابعها. سلَّمته حقيبتها اليدوية. أشار اللص إلى الحقيبة الأسطوانية. مدت يدها إليها. استندت فوهة المسدس إلى صدغها ونبضت بجانب وجهها العروق المرتفعة في يده وإصبعه الملامس للزناد. نهضت مذعورة ففقدت اتزانها وسقطت على المقعد.

وفي الصف المقابل لها استدار اللص الآخر. تسلطت عينا أولوما على عينيه. "موناي،" همست غير مصدقة لِما رأت – ندبة على حاجب الرجل الأيسر.

تجاهلها الرجل غير أن رفيقه جذبه إليه.

"أوكورو، تَعرف هذه المرأة؟"

هز اللص أوكورو رأسه.

تحول نظر اللص المجاور لأولوما من أوكورو إليها وقال، "يَظهر أنها تعرفت عليك."

أشاح أوكورو وجهه. "لا، ما نادتني أنا، إنه موناي. ألا تستطيع أن تسمع المرأة؟"

"أستطيع، لكننا لا نستطيع أن نخاطر،" رد اللص الآخر. التفت إلى أولوما. "هيا اخرجي يا امرأة!"

"أرجوك يا سيدي،" تلعثمت أولوما. شخَصت إلى وجه الرجل متسمرة إزاء عينيه الحمراوين. ولمَّا رفضت قدماها أن تَحملها، شدها اللص إلى الممر.

تكلم أوكورو: "يا جاجا، كُف الآن، فلنكمل العملية. لا يزال لدينا وقت للمتعة."

بصق جاجا وقال، "عندك حق." جر أولوما إليه وحك جسده بها معلناً، "سوف ينخسك جاجا الليلة." أطلقها ثم كوَّر راحته على حِجْره رافعاً بنطاله.

اتسعت ابتسامة أوكورو ثم ضرَب جاجا على ظهره ضربة خفيفة وهمس في أذنه بشيء. واصل الاثنان عملهما في الحافلة.

جلست أولوما. غمرتها الريبة. ذلك الرجل – اختلف صوته تماماً عن صوت موناي. استحالة أن يكون موناي. فقد أتاها صوت الطلقات حين قتلوه. ارتفع النشيج في حلقها.

كان اللصان في طريقهما إلى مقدمة الحافلة عندما جذبا أولوما من مقعدها ودفعاها أمامهما. وعلى طول الممر أغضى الرُكاب رفقاؤها الأعين عنهم. هبطت السلالم فتعثرت ووقعت على الأرض بعد أن دفعها اللص جاجا.

ألقى القمر نوره على الطريق. رقدت جثتا السائق وضابط الأمن على جانب. نهضت أولوما على قدميها، وبعدئذ تحركت منجذبة إلى ثالث انغرز وجهه في التراب. غير أن جاجا قبض عليها ودفعها عبر الطريق. لحق بهما أوكورو.

ضخَّم صمت الليل صوت سلسلة طلقات أقبلت من الحملة الدائرة خلفهم. ومع كل طلقة وكل صرخة أوشك صدر أولوما على الانفجار. شقوا الطريق بصعوبة فيما ترامت الأرض الممهدة بالحصباء والقطران بعيدة ورائهم. وعند بقعة منبسطة خلف الحافلة الأخيرة من الموكب، مالت على الطريق صفوف من عشبة الفيل مفرطة النمو. ترقبت أولوما والخوف يلفها أمراً بالتوقف. لكنه لم يأت قط.

انبثق الضحك من رقعة صغيرة خالية من الأشجار. خيم الإجفال على أولوما. بزغ رجل من خلف شجرة وهو يدس قضيبه في بنطاله. تقطعت ضحكات اللص جاجا الحادة وطوق خصر أولوما بذراعه. شدها ناحيته وتحدب مائلاً عليها.

"فيه مكان هناك؟" سأل جاجا.

"آه، لكن موزيِز هناك الآن،" أجاب الرجل الواقف في الرقعة الخالية. لاحظ تحديقة أولوما إلى سوستة بنطاله المفتوحة فدفع وركيه في اتجاهها.

قاومت أولوما بين ذراعيّ جاجا فأضحكت الرجال.

تناهى إليهم أنين مكتوم من الأجمة. أعقبته طلقة رصاص.

"إنه إطار،" فَسَّر الرجل القائم أمامهم.

جاشت أحشاء أولوما. أرجوك يا ربي، صلَّت في قرارة نفسها، دعهم يقتلونني. هزت مرفقيها بعنف لِصْق ضلوع جاجا وتلوت عن قبضته ثم استدارت وجرت. أمسك أوكورو بها.

دنا جاجا من أولوما وصفعها. بصق ومسح فمه ثم أنهى إليها، "سوف أُريك اليوم."

جرها جراً إلى شجرة تَقوم وراء الرقعة الخالية، دفع أولوما أرضاً وعرَّاها. تفرس في الأموال المخبأة في مريلتها وصدريتها. عندما انتزع لباسها الداخلي، حاولت أولوما أن تغطي نفسها، فقهقه جاجا قهقهة لا سبيل إلى كبحها. أقحم نفسه فيها وانهار عليها. ارتفع ثم اقتحمها سريعاً مرة أخرى. وفي النهاية، حين عصَر صدريها وقرص حلمتيها، أرسلت أنيناً.

عندما نهض جاجا، رفسها قائلاً، "خلِّص معها يا أوكورو، سوف أرجع بعد قليل."

مال أوكورو على أولوما ودقق النظر في وجهها هامساً، "أولو."

نزَل الإجفال بأولوما. ما دعاها أحد بهذا الاسم إلا موناي. حدقت إلى عينين قابلتا عينيها وقد استحوذ عليها الاضطراب. "موناي،" غمغمت.

اكتنف التردد الرجل. انقصف غصن. تقاربت الأشكال البشرية. استحثوا أوكورو، أخبروه بأن يُسرع كي يتناوبوا عليها.

 

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.