مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 

         البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

 

 

تكرم بيتر تورتشي بالموافقة على نشر قصة "ليل، شاحنة، مصباحان مضيئان" في مجلة البوتقة.

Mr. Turchi was so generous to permit the publication of the Arabic text of “Night, Truck, Two Lights Burning” in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mr. Turchi a great debt of gratitude for his kind permission.

“Night, Truck, Two Lights Burning” by Peter Turchi. Copyright © 2002 by Peter Turchi. Originally published in Ploughshares, vol. 28/2&3, Fall 2003. Reprinted by kind permission of the author.  All rights reserved.

 

 

 

ليل، شاحنة، مصباحان مضيئان

بيتر تورتشي

تقديم: هالة صلاح الدين

 

 

القصة وراء القصة: 26 قصة بقلم كُتاب معاصرين وكيفية عملهم

 

 

ساعة متأخرة من إحدى الليالي في مستهل الشتاء. الساعة الأخيرة من رحلة طويلة إلى البيت. أنصرف إلى الترموستات كي أبقي السيارة دافئة بما يكفي من أجل أسرتي النائمة لكني لا أدفئها دفئاً يبلد معه تركيزي. وإلى ما بعد الزجاج البارد يساري، تتطلع الأنوار الخضراء في لوحة القيادة إلى النجوم بزاوية مائلة.

 

تُعرف المسافات علاقاتنا. يقيم والدا زوجتي على بعد خمسمائة ميل، ما أصبحنا نعتبره رحلة تستغرق النهار بأكمله.

 

حينما نصل، سوف ترفع ابننا عالياً لصق صدرها ثم تُدخله المنزل وهو يغمغم أحلامه. سوف أَحمل ابنتنا برجليها الطويلتين من سيارتنا إلى غرفتها، وهناك سأضعها برقة على سرير أعددناه من أجلها.

 

 

أستحضر أن فخراً خالجني لأني لم أستسلم للنوم.

 

"هيا استرح،" أنهى أبي إليّ. "سوف أقول لك لمَّا نصل إلى هناك."

 

لكني وعدت أمي بأني سأعاونه على البقاء مستيقظاً، لذا جلستُ مستقيماً وحضنتُ وسادتي لأظل دافئاً. كان سخان الشاحنة معطلاً. خيرٌ حسبما قال أبي؛ ما كان ليتسبب إلا في إنعاسنا. كان هذا شهر نوفمبر، في يوم ما بين عيد ميلادي – الذي احتفلنا به داخل منزل شاغر وسط الصناديق المعبأة – وعيد الشكر. أبصرتُ من جراء تأثير أبي عليّ أنف رنة أحمر من نافذة غرفتي عشية عيد الميلاد السابق؛ وبنفس قوة الإقناع أقنعني، أنا على الأقل، بأن انتقالنا من ميريلاند إلى نورث كارولينا – مكان بعيد كل البعد حتى إنه قد يبدو أيضاً محض خيال – مغامرة عظيمة.

 

عندما بلغنا الطريق السريع في النهاية، قال، "أخيراً في البيت." قامت هناك عند مَخرجنا ثلاثة فنادق كبيرة ومطعم اسمه ذا كاونتري كيتشِن وآخر اسمه مطعم نوا وحلبة لعربات الأطفال. تريث انتباهي عند حلبة العربات التي أغلقتْ أبوابها. تعدت الساعة منتصف الليل، لم أبق في حياتي خارج المنزل حتى تلك الساعة مطلقاً.

 

أوقف أبي الشاحنة المستأجَرة في إحدى إشارات المرور وغض طرفه إلى قطعة ورق سحبها من جيب قميصه. انعطفنا يساراً ثم يميناً وبعدئذ أقفر المكان من الفنادق، أقفر من المطاعم – لا شيء عدا طريق منحن. وكلما أوغلنا في ذلك الطريق، كلما قلقتُ مما ستظنه أمي. فهي لم تكتم معارضتها للنقلة؛ بل إنها عبَّرت عنها بكل قوة حتى إني أضمرت خوفاً صامتاً ألا تلحق بنا. تسلط تفكيري عليها ونحن مارين بمنزل صغير حوله سور من الأسلاك الحديدية تعلقتْ عليه أنوار عيد الميلاد لتبدو على نحو ما وكأن أحداً لم يُنزلها الشتاء الفائت، ومنزل أكبر متهدم ذي شرفات مغطاة على ثلاثة جوانب، بالقرب منه حقل شغلتْه حافلات مدرسية معطلة وهياكل شاحنات مجردة من العيون. (وتوخياً للصراحة: لستُ واثقاً من عدد ما لاحظتُ من أشياء في تلك الليلة الأولى؛ لكنها كانت هناك في الصباح التالي حينما قوَّى الانطباع العام بالإهمال والخراب الخوف الكامن في معدتي.) كنتُ قد شرعت للتو في الاعتقاد بأننا لو ابتعدنا بما يكفي سننأى عن هذا المكان لننتهي إلى طريق آخر بأنوار متألقة وفنادق ومطاعم عندما أبطأ أبي ثم توقف ثم تحرك إلى الخلف.

 

 

"ها نحن هنا،" تفوه. "كاميلوت." كان قد حكى لي نسخته من أسطورة الملك آرثر خلال الرحلة. غنينا أغاني وقلنا ألغازاً ولعبنا ألعاباً مستعينين بالحروف المكتوبة على لوحات الإعلانات. لم يخفق أبي قط في التفكير في عمل شيء مثير. على طرف حقل مواجه لمدخل ’الجسر الطبيعي‘ في فيرجينيا (لم نره، إذ فرضوا رسم دخول)، تناولنا شطائر صرتها أمي ولعبنا لعبة اخترعها مستعملين عصوين وتفاحة برية. وفي وقت لاحق، بينما كنا نقود السيارة، حشر أبي فنجاناً ورقياً بين لوحة القيادة وزجاج السيارة الأمامي وجعلني أسدد إليه علبة سجائر متقبضة معلِقاً كمذيعي التلفزيون. كنا من مشجعي كرة القدم، أبي وأنا، بيد أننا لعبنا أية لعبة متاحة.

 

القاعدة الأولى، راقه أن يقول: كن متفتحاً على جميع الخيارات.

 

 

قدِمتْ أمي بعد مضي يومين في شاحنة أبي الخفيفة. وضعنا لافتة على الباب – أهلاً وسهلاً – لكن البادي أنها لم تنتبه إليها. بل إني فطنت قبل دخولها إلى أن البيتزا التي رأينا صانعها وهو يديرها حتى السقف تقريباً وكعك التحلية وزهور البقال التي هيأها أبي في زجاجة بيرة على الطاولة الصغيرة لن تكفي لبث جو من الاحتفال في نفس أمي.

 

 

لم يكن متنزه المقطورات متنزهاً كما تخيلتُ إنما سلسلة من أسطح مستوية لا إتقان فيها منحوتة في أحد جوانب تل منحدِِر من الطَفل، يقطع منتصفها طريق مغطى بالحصى، ويتعلق نور للحراسة على قمة أحد أعمدة التليفون. نهضتْ اثنتا عشرة مقطورة، ست على كل جانب، وقد أفضت وضعيتها على التل – الواحدة فوق الأخرى – إلى تمكن الكل تقريباً من خفض الطرف إلى مطبخ شخص آخر وغرفة معيشته وغرفة نومه. رام الناس أكثر ما راموا المقطورتين العلويتين اللتين تمتعتا بقدر نسبي من الخصوصية – وإن لم تَبعد أي مقطورة عن جارتها أكثر من عشرين قدماً – وأطلتا أفضل إطلالة على الغابة المقابلة للطريق. قبعتْ مقطورتنا في القاع تماماً مما أدى – على حد قول أمي الواقفة في المدخل دون أن تفك أزرار معطفها – إلى تمكن الجميع من رؤية ما بالداخل. خاطت هي المرأة المحتشمة ستائرنا مغلقة إياها.

 

 

أيقظني صوت غريب. ليس كلباً، ليس قطة... قيل إن هناك دببة، وقد تمنيت أن أرى واحداً في مثل تلك الظروف بالضبط: من تحت الأغطية، وأنا آمن داخل مقطورتنا. حينما ترامى إليّ الصوت ثانية، واستوعبتُ ما سمعتُه، صار جذوة متوهجة، بشيراً دافئاً.

 

أبواي يضحكان. لا أبي وحده كما اعتدت، أو اعتراف أمي المهذب بالنكتة، لكن الاثنين معاً.

 

أعقب الضحك أصوات أخرى وحوار لم يتناه إليّ من خلال الجدار الرفيع ولم أتخيله. أفضى إصرار أبي وعزوف أمي إلى تقلب أبي من الفراش وسيره بخطى متثاقلة إلى حيث شعرتُ أنه يجب عليّ التظاهر بالاستمرار في النوم.

 

هل كانت تعلم نيته؟ أشك. اعتقد أبي في طلب المغفرة، لا الإذن.

 

زلَّق ذراعاً قوية تحت ركبتيّ وأخرى خلف كتفيّ ثم رفع. جاهدتُ لكبح ابتسامة تشي بالترقب متوقعاً أن يحملني إلى الداخل لأشاركهما ما توصلا إليه من اكتشاف رائع، سبب ضحكهما. شعرتُ بمؤخرتي تتدلى وركبة أبي ترتفع لتسندني. ارتطمتْ قدماي ثم رأسي بجدار المقطورة، وبعدها انفتح الباب ليتسلل الهواء البارد تحت بطانيتي. بلَغنا باب شاحنته بعد خطوتين واسعتين، سمعتُ طقطقة المزلاج ثم ألقم الشاحنة جسمي. حين وصلتْ قدماي إلى الباب البعيد، وعيت أنها ليست بداية رحلة في ساعة متأخرة من الليل. ترامت إليّ خطوة أبي الثقيلة وهو يدخل المقطورة، سمعتُه عائداً، وبعدها انفتح باب المقعد الأمامي مرة أخرى. ارتفع رأسي ثم خُفض على وسادتي. مد يده تحت البطانية ليضع في يدي مخلوقاً محشواً كنتُ أنام معه.

 

"أحلاماً سعيدة،" فاه أبي وأغلق الباب.

 

 

أول مرة رويت فيها هذه القصة بدون لحظة ترو كانت بعد مرور عشرة أعوام. كاشفتني بشيء عن والديها، وكنا برغم كل شيء في ظلمة المقعد الخلفي لسيارة أمها. أنزل رد فعلها الاندهاش بنفسي لدرجة أني خزَّنت الذكرى داخل حجرة في نهاية أحد ممرات العقل الطويلة المنعطفة.

 

 

ما إن نحصر الذكريات في الكلمات، تحجب اللغة الصور، تحجب فهمنا الحالي. ولكي أتوخى ما أمكنني من دقة فيما لا زلت أراه، سوف أكتب:

 

هريرة بعين واحدة – بيضاء، محشوة، بغرز حمراء مكان عينها اليمني – على الباب المفتوح لصندوق القفاز. (مسرحي حيث أدت الهريرة عرضها بصحبة مقياس الإطارات وميدالية مغناطيسية للقديس كريستوفر.)

 

طرح نور الحراسة الساطع ظلالاً معتمة.

 

في بعض الليالي أصوات راشدين عالية من مقطورة في أعلى التل. وفي ليال أخرى قعقعة طويلة خفيضة لقطار شحن.

 

 

حاولتُ أن أشرح لتلك الشابة داخل سيارة أمها أني لم أحس بالهجران أو النبذ بل بالابتهاج. خامرت السعادة أبوييّ؛ كنتُ ألعب دوري، لم أفتح عينيّ قط عندما رفعني أبي وهو خارج إلى الشاحنة أو عائد إلى غرفتي. بيد أنني صحوت ذات فجر لألفي النوافذ مكسوة صقيعاً. انزلقتْ البطانية لتُعرض ظهري لإبزيم بارد مثَبت في حزام المقعد.

 

جثمتُ في المقعد المغطى بالفينيل متدثراً بإحكام ما استطعتُ، وانتظرتُ أن يدفع أبي باب المقطورة ليفتحها. أطلق نفَسي السحب ليُذكرني بالخَدر في أذنيّ وأنفي. عجزتُ عن إنكار حاجتي فوضعتُ خطة: أفتح الباب صامتاً وأَعبر الحصى بخطى طويلة حافية ثم أدخل الحمَّام وأرجع. لكن بمجرد أن دلفتُ إلى المقطورة، استيقظتْ أمي وراحت ترمي أبي بالاتهامات الصارخة. حوتني بالقرب من صدرها وحملتني إلى فراشهما الدافئ.

 

قصدتْ عزاء غير أن خيبة أمل ساحقة تولتني. ليتني تسللت راجعاً إلى الداخل. ليتني احتملت قليلاً، لأعفيت أبي من غضب أمي وأعفيت أمي من خجلها.

 

 

لا يسعني سوى تخمين كم مر من وقت. استعاد أبواي علاقتهما المألوفة: أبي مترع بالحيوية عالي الصوت ("هيا نذهب كلنا للرقص،" "هيا نمضي إلى الحقل ونفجر بعض الألعاب النارية")؛ أمي أهدأ وأرزن. أصلحتْ ملابسنا وأطعمتْنا واصطحبتني في مسيرات طويلة بحذاء النهر وصادقتْ فلاحاً في جوارنا حتى أربت الأحصنة وأحدق إلى عجول مولودة حديثاً تحدق إليّ وآخذ بيضاً دافئاً من أسفل دجاجه. علَّمتني أغاني مثل "الأشرعة الحمراء في المغيب،" و"مَلك الطريق." وفي كل مرة نقصد فيها متجر البقال، تعطيني عملة لأستخدمها إمَّا في ركوب واحدة من الألعاب الصاخبة الواقعة أمام البقال وإمَّا في شراء حلى لا قيمة لها تملأ ماكينات مكورة شفافة تستقر بعد الباب مباشرة. رغبتُ في هذه الحلى رغبة ملحة غير معقولة؛ حلَمتُ بالألعاب، الحصان وعربة الإسعاف وسفينة الفضاء الوامضة التي ارتفعتْ والمرء يركبها حتى مالت نحو السماء. ومع ذلك أسقطتُ العملة في جيبي في بعض الأيام متذكراً القاعدة الأولى.

 

ما أقصد قوله هو أن أمي اتصفت بالطيبة والكرم واللطف. غير أن أبي تألق بإشراق الشمس.

 

 

كان يمون آلات البيع بالحلوى والبسكويت. بدت لي أروع وظيفة يمكن أن يتخذها أب. صحبتُه ذات مرة وهو يقود الشاحنة في طريقه المعتاد، أنا على أرضية الشاحنة الصغيرة (الأرضية القذرة على حد قول أمي) بينما يروي لي هو قصصاً عن أشخاص قابلهم. كان أبي يَعرف كل شخص في العالم، وقد قدَّمني إليهم، الواحد تلو الآخر. "معي اليوم مديري،" أخبر زبائنه.

 

كان يخطط لامتلاك قافلة من عربات الشطائر وإدارتها. ربما لا تبدو للسامع مطمحاً ذا بال بيد أن أبي تمتع بسحر ممثل يطغى بريقه على الممثلين من حوله، وقد أقنع الناس بأنه زار العديد من الأماكن. لا بد وأن أمي ظنت نفس الشيء لأنها تزوجته صغيرة معارضة بذلك نصيحة والديها. كانت مستقلة جادة، ولم تعدَم حسبما أتصور خططاً خاصة بها.

***

 

وفي يوم من الأيام وصل ظرف بث في نفسها سعادة أي سعادة حتى إنها أخبرتني أننا يمكننا عمل أي شيء أردته – أردتُ أن نعمل شطائر الجبن ونخرج في نزهة على صخرة مسطحة ضخمة تقع في منتصف النهر الذي كنا نسير إليه أحياناً، وهو ما فعلناه. أسَرَّتْ إليّ بأن الظرف يحوي شيكاً بمبلغ ضخم من المال خصصه مرسِله لأن تستخدمه أمي في شراء سيارة. وجدتُ تلك الهدية لغز الألغاز. وقد أضاف إلى جو الإثارة أن علمتْ هي بمجيء الظرف على حين لم يعلم أبي. تسببتْ أخبار الشيك واستخدامه المعتزَم في جدل مطول ليلتها. لم تذرف أمي الدموع ولم تقذف بالشتائم – ما سَمعتُها تشتم قط. ساورها على العكس تصميم هادئ يغلفه الغموض.

 

استفدتُ من إصرارها. قدنا عربتها الصفراء إلى فرع المكتبة المحلي والمكتبة المركزية الضخمة حيث بحثتْ أمي عن شيء ما بينما جلستُ أنا في أحد الأركان مستغرقاً في سعادة في الكتب المصورة وكتب ’القراء الصغار.‘ لم يخطر لي قط أن أسألها عما تبحث عنه. قدنا أيضاً إلى متجر البقال، وهناك أعطتني النساء بالمخبز كعكة شاي سواء اشترينا أي شيء منهن أم لم نشتر، وقطعنا رحلات طويلة بطريق بلو ريدج المُشْجر حيث فتشنا عن توت العليق والعنبية البرية، وقعدتْ أمي على جلمود لتقرأ فيما اختبرتُ أنا صلاحية الأوراق والعصي للإبحار في أحد الجداول الضيقة.

 

اشترت مغناطيساً عليه اسمي وثبتته في لوحة القيادة أمام المقعد المجاور للسائق بالضبط. كانت الحروف مرتفعة متصلة ببعضها البعض، وبينما كانت تقود، تتبعتْ أصابعي الاسم مراراً وتكراراً.

 

 

حانت ساعة النوم، فقلت إني أريد النوم في الشاحنة.

 

أتذكر أني خططت لإعلاني ظاناً أن الإيماءة بطولية؛ أتذكر ما تبعه من استقبال صامت.

 

سألتني أمي في النهاية عن السبب.

 

لأن النوم في الشاحنة ممتع. (لم تكن تلك كذبة تماماً. فقد صرت أعتبر المقعد الأمامي ذا الفينيل بما يبعثه من رائحة أبي الدافئة ملكي بحق أكثر من أي جزء في المقطورة.)

 

ألمحتْ أمي إلى أن النوم في الشاحنة ليس بالفكرة السديدة.

 

لا بد أني انفعلت. أتذكر أني نلت مرادي وبطانية إضافية لأدرك على نحو ما أن عرْضي لم يأت أثره المطلوب.

 

 

كانت أمي امرأة لا تعرف الإسراف بيد أننا غسلنا سيارتها في الربيع كل أسبوع. كانت تكنس المقطورة بالمكنسة الكهربائية وتنظفها ثم نسحب معاً إلى الخارج المكنسة الكهربائية والإسفنج ودلواً من المياه الساخنة والصابون. لبستُ بنطالاً قصيراً. لم أمتلك قط مايوهاً، فأمي لم توافق على أن يجري الأطفال في أي سن "من غير فتلة." كانت ترتدي في بعض الأيام ملابس التنظيف القديمة لكنها ارتدت في أحيان أخرى مايوهاً من قطعة واحدة، رداء جعلها صيداً سهلاً لنا نحن الاثنين. فقد عنى لي أنها لن تغضب لو أدرت الخرطوم بالصدفة في اتجاهها. ستصرخ وتنتزع الفوهة من يدي ثم تصوبها نحوي ونتبادل الصياح لبرودة المياه ويسدد كل منا الخرطوم صوب الآخر. أما أبي فالظاهر أن المايوه ضمَن له أنه سيرفعها ويدعوها بديزي ماي في نسخة مضحكة مبالغ فيها من لهجة يتحدث بها الجيران. حمَلتْها على الضحك، غير أن قدوم أبي تسبب دائماً تقريباً في توقف لهونا.

 

 

لم أتساءل البتة عما ظنه الجيران عند سماعهم أبي وهو يخرج من شاحنته في منتصف الليل. ولا أعلم إذا ما رآني أبداً أحد منهم في الداخل.

 

 

أتذكر أن الليل ساد طوال الوقت تقريباً خلال أشهر إقامتنا هناك. صحبني في بعض الليالي بين ذراعيه منتظراً على أحر من الجمر أن أتدثر ببطانيتي ووسادتي. وفي ليال أخرى وقف في المسافة ما بين باب الشاحنة المفتوح ومقعد السائق، بل والأجمل حين رفعني عالياً وتكلم مرسلاً سحابة برائحة الجعة. وذات ليلة أولى ظهره نور الحراسة والمقطورات المستأجَرة القائمة على كتل أسمنتية تتكدس فوق الطَفل، وتفرسنا ليلاً في نقطة ضاربة إلى الحمرة. "المريخ،" أطلعني. "قد تعيش هناك في يوم من الأيام." تخيلنا نحن الاثنان مثل ذلك الاحتمال هنيهة. هذا ما فعلتُه أنا على الأقل. وعلى حين تراءت الرحلة عبر الفضاء دوماً حين ركبتُ تلك اللعبة عند البقال مغامرة بطولية مراقَبة – زاخرة بالصواريخ والمحركات الصغيرة الملحقة بسفن الفضاء وأوامر يصيح بها رجال الفضاء بإلحاح – تخيلتُ ليلتئذ أن الحياة على المريخ سوف تكون مغامرة هادئة لا تنقصها العزلة.

 

"بالقرب من القمر،" قلت وأنا أساوي صامتاً أمي بالقمر.

 

"صحيح،" رد.

 

وبعد فترة طويلة من تصحيح فهمي على يد كتاب مدرسي تمهيدي في علم الفلك، كان الإحساس المهيمن على نفسي ليلتها هو ما استجمعتُه بين ذراعيّ أبي.

 

 

ربما تبدى الجدل حول سيارة أمي أسوأ مما كان حين تصورتُ نفسي وسطه. لا أستدعي تعبيرات وجههما مما يوحي بأني كنت أقف منصتاً في الخارج أو أحملق إلى الجدار. أرادت أن تأخذ السيارة إلى ورشة صيانة؛ أراد أبي أن يقوم بالعمل بنفسه. إنه إهدار للمال، قال في إصرار. ادعت أن انتباهه سيتحول عنها أو سيضطر إلى إيجاد قطعة غيار بفناء الخردة لتقبع السيارة مهمَلة أسابيع. لا يمكن إنكار ميل أبي إلى عدم إكمال مشاريعه.

 

ورغم ذلك عارضها قائلاً إنه لن يدفع ولا بعد مليون سنة لفاشل ترك الثانوية العامة ليقوم بعمل ناقص متخلف (تعليق تسبب في جرح عميق، فأمي لم تتخرج من المرحلة الثانوية). قالت إنها سوف تدفع من أموالها الخاصة، وإن لم يرغب في اللحاق بها، سوف تركب السيارات مجاناً حتى البيت، لن يشق عليها قط العثور على رجل يوصلها، لا بد أن ثمة شيئاً في هذه الجملة أقنع أبي أنه لا سبيل إلى منعها لأنه لان.

 

ركبتُ معه منهمكاً في كتاب من المكتبة. فتحتُ الغلاف الهش واسعاً وقرَّبتُ أنفي من الصفحات لأستنشق روائح الحبر والورق وأيادي الصِبية من قبلي. قلبتُ الصفحات بيد حذرة معجباً بحروف العنوان الغليظة. لم أكن تجاوزتُ بأي حال الصفحة الأولى من القصة عندما لعن أبي وحرك سريعاً ناقل الحركة ليقفز من الشاحنة.

 

لا ينفك المنظر أمامي واضحاً جلياً. ثمة شاحنة خفيفة زرقاء متجهة يميناً على الجانب الأيسر من التقاطع. ويميناً يخرج رجل بقبعة من القش من سيارة بيضاء. وفي منتصف التقاطع سيارة أمي بانبعاج رهيب في عرْض مصد الشاحنة يمتد من أمام باب السائق مباشرة حتى خلفه مباشرة. وحتى قبل أن يصرخ أبي بأعلى صوته، ارتطمتْ عيناي بشريط أحمر زاه على الدهان الأصفر في أعلى لوح الباب.

 

 

قال الكل إن ركوبي الشاحنة جاء خيراً. إلا أن الفكرة التي نبضتْ داخلي أياماً وسنيناً هو أنه كان من الواجب أن أرافق أمي. كان ليغدو صنيعاً تافهاً كل التفاهة، ركوبي بجوارها.

 

مدت يدها في أحلامي. قلتُ لها الليلة تلو الليلة، "أنا هنا معك."

 

 

لم نبق أنا وأبي معاً طويلاً. باستطاعتك تخيل الحوارات مع الأقرباء، أسى أبي. أصررنا على الاعتماد على أنفسنا واستمررنا ربما شهراً. كابدنا رحلة موجعة عائدين إلى ميريلاند حيث نبسنا بما زعمنا نحن الاثنان – بل وربما صدقنا – أنه وداع مؤقت. وخلال ما تلا من سنوات قليلة انتظمتْ الزيارات وقمنا برحلة إلى الشاطئ تطلعتُ إليها طويلاً.

 

يجب أن أعترف هنا أن استياء انتابني من بعض قرارات أبي، وقد صارحتُه بهذا الشعور. فمن حين لآخر يَبرز فجأة على الساحة محاولاً التعويض عن أشهر خالية من مكالمة واحدة بعطلة في نهاية الأسبوع. هناك زوجة أخرى وطفل. ثم زوجة ثالثة وطفلان. خلَّفتْ تلك الاختيارات انطباعاً سيئاً عنه لدى بعض الناس.

 

لا أعتقد أن أبي كان رجلاً شريراً أو سطحياً. كان شاباً منكسر الفؤاد وملتزماً بالاعتقاد بضرورة الأخذ بأسباب الحياة وكأن كل يوم مغامرة عظيمة. من الممكن أن يتلون ذلك الموقف بجاذبية فظيعة.

 

اعتقد بعض الناس أن "أسرتي الجديدة" هي الأسرة الأفضل بل إن بعضهم عبَّر عدة مرات عن هذا الاعتقاد: زوجين عطوفين مستقرين لديهما أطفال مفعمون بالحيوية لطاف العشرة. شجَّع أخو أمي — مؤرخ هاو – حب الاستطلاع الفكري بكل أشكاله سواء ارتبط بالكتب أو اتخذ صوراً أقل تقليدية. خالتي امرأة مُجدة اعتقدتْ أن الصِبية ينبغي أن يَقدروا على استبدال الأزرار وطهي وجبة معقولة، وأن البنات يجب أن يكن مستعدات لتغيير عجل السيارة. طالبنا البيت الذي أنشآه بالإنجاز في أفضل معانيه، وساند خطواتنا، ولا أقصد بأي شيء أكتبه هنا الإيحاء بتوجيه كلمة نقد إليهما أو أي شيء عدا بالغ الامتنان لكل ما جاءا به من أجلي.

 

ومع ذلك تساءلتُ كما هو محتوم عما كان ليحل بي لو أن تلك الحياة الأخرى، حياة بدأها ثلاثتنا، سُمح لها بالاستمرار. الأرجح أن انفصالاً مؤلماً مختلفاً سيقع، أن أوقات عصيبة أخرى سنعانيها. علَّني سلكتُ طريقي إلى نفس تلك الأسرة الثانية في ظروف مختلفة. أدرك أني أذعن لمسحة قاتمة من الرومانسية حين أتخيل أن أمي وأبي ربما تمسكا ببعضهما البعض واكتشفا حلولاً لرغباتهما وتضحياتهما المتناقضة تناقضاً واضحاً، وأني ربما أكملت طفولتي وسط الأسرة التي أنجبتني لأواصل حياة تَقدر عليّ الأخذ بأسبابها.

 

اعتقدتُ طويلاً أني سأشعر بالمزيد من الثقة في كل ما هو تال لو تم تفادي حادثة أمي، لو كان أساسي أمتن. غير أن كل أساس في نهاية المطاف متزعزع. راح جداي الآن. وكذلك خالي. أجد لياليّ وأنهري مضاءة أكثر فأكثر بنور النجوم الخابية.

 

سرعان ما ستكبر ابنتنا كبراً لن أقوى معه على حملها.

 

 

يأبى الخيال باشمئزازه من الخواء إلا أن يملأ الفجوات؛ تندس افتراضات افترضناها بعد انقضاء سنوات في الأذهان كحقائق. لو أن هذه الذكريات التي حاولتُ تسجيلها بمنتهى الحرص ليست حقيقية تماماً، فما هذا الذي صنعتُه؟

 

آه يا أمي.

 

آه أبي.

 

نضع أطفالنا في الفراش ثم نسرد لأنفسنا قصصاً سوف تحملنا إلى النوم.

 

 

 

Copyright © 2006-2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.

© جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة البوتقة بموجب اتفاق تم التوصل إليه مع المؤلفين. لا يُسمح بإعادة إصدار أي من القصص سواء ورقياً أو إلكترونياً أو تخزينها في نطاق استعادة المعلومات أو نقلها بأي شكل من الأشكال. يجوز استخدامها لأغراض تعليمية أو لإصدار كتب موجَّهة إلى ضعيفي البصر أو فاقديه شريطة الرجوع إلى المجلة والمؤلف الأصلي.