مجلات أدبية

الأعداد

المساهمات

المجلس الثقافي البريطاني

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

albawtaka@albawtaka.com      تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

أصوات من إمارة ويلز    Voices from Wales

العدد السابع والثلاثون، يناير 2013        Thirty-seventh issue, January 2013

 

 

تكرمت فْلير داڤيد بالموافقة على نشر قصة "العش في شَعْرك" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Ms. Dafydd was so generous to permit the publication of the Arabic text of "The Nest in Your Hair" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Dafydd a great debt of gratitude for her kind permission.

The Nest in Your Hair” by Fflur Dafydd. Published by kind permission of the author. All rights reserved.

 

 

 

العش في شَعْرك

فْلير داڤيد

ترجمة: هالة صلاح الدين

تاريخ النشر: 1-يناير-2013

 

 

 

علِمتُ لأول مرة أن أبي وأمي يريدان قتل نفسيهما عندما شدَّت نظري امرأة شقراء بنظارة تتشمم الأسرار في حديقتهما. يقْبل الموت في عدة صور، أَعرف، ولكنك لا تتوقع أن يدعى هيلجا أو أن تجدها على يديها وركبتيها تسترق النظر من مدخل القطة.

كانت ترتدي نظارة من نوع تقوس عالياً في دوامة شريرة ليسبغ على عينيها انطباعاً بالوقوع في شرك علامتيّ اقتباس. هكذا سأعتبرها فيما بعد، استشهاداً رهيباً، تحبسه أصابع أمي، شيئاً افتراضياً تعوزه الواقعية لن يقع على الإطلاق. ولكن كل ما نطَقت به هيلجا وقَع، إنها بالضبط من ذلك النوع من النساء. كانت هي نفسها واقعة.

"أنا هيلجا بيزاباتش،" فاهت وكأن من المفترض أن يعني شيئاً. طقطق اسمها وردد أزيزاً في أذنيّ مثله مثل شبكة أسلاك تشوبها العيوب. "أليس أبواك في البيت؟ أعني، المفروض أنهما في انتظاري. توخيتُ كل الوضوح حين أبلغتُهما بميعاد وصولي. ما كانا لـ... يعني، يفعلا شيئاً أحمق، أليس كذلك؟"

اتسم وجهها بصفاء ورقة فارغة؛ ولكنك اكتشفتَ بين النعومة علامة مختلَسة على جرح طفيف. لا شك في أنها قصدت شيئاً جاداً حين أشارت إلى "الشيء الأحمق". علِمتُ أنا وهي قصدها, ولكن أسلوبها – بالتماعة في عينيها تكاد تشي بالعجز – استدعى في ذهني صورة لأبويّ في سن الكهولة، يطارد أحدهما الآخر على السلالم، عاريين إلا من شال طويل من الريش الزغِب الملوَّن، يُلوحان في الهواء بدجاج من البلاستيك.

"إن لم تتلقي إجابة، فهما ببساطة ليسا في الداخل. ليس من عادتهما تجاهل الناس أو فعل أي شيء أحمق. ثقي بي، إنهما يفتحان دوماً الباب." جال ببالي كيف كانت أمي تعانق الباعة الجائلين، وكيف اعتاد أبي مجادلة قساوسة العنصرة. خالجني إحساس بأنهما أقلعا عن تلك العادات. ألمحتْ أمي في خطابها الأخير إلى أن تشوشاً طفيفاً طال عقل أبي. توارت "العنصرة" مع كلمات أخرى عديدة فقَدها بمرور الوقت – البادي أنه اختلس إليهم النظر مؤخراً عبر ستائر من الدانتيل قبل أن يقول لأمي إن "أولئك الشيوعيين" ينبغي أن يذهبوا إلى حال سبيلهم.

لا ريب أن هيلجا لم تكن بائعة متجولة أو شيوعية أو أحد قساوسة العنصرة. أدركتُ هويتها تمام الإدراك. أدركتُها حالما علِق بها طرفاي. وأدركتُ أن إحساساً رهيباً متعذراً على الوصف انطوى عليه صدري طيلة الطريق إلى البيت – اضطراباً داخِل أنفاق نفْسي، غيظاً هادئاً فوق أمواج هائجة – لن يلبث أن يتخذ اسماً. ولكن الاسم في الوقت الحالي هو هيلجا بيزاباتش، الواقفة على العتبة الأمامية لبيتي في الطفولة، صغيرة البنية غريبة المظهر مثلها مثل تمثال لقزم خرافي يزين الحديقة.

اندفعتُ بحذائها لأُدخل مفتاحي في القفل. وبيد مرتبكة حاولتُ فتحه تحت عين هيلجا المراقِبة متمنية طيلة الوقت ألا يكون والداي غيَّرا الأقفال، متمنية ألا تدري هيلجا قط كم يوماً غبت عنهما. خضَع أخيراً. ولدهشتي تراءى كل شيء مثلما كان. امتدت قبالتي أرضية من الماهوجني امتداد نهر داكن، وتطايرتْ رائحة شمع عسل خفيفة لتحييني وتنظفني قبل الدخول. هتفتُ في المنزل الشاغر منادية على والديّ وصوتي يحاول الهيمنة على الصمت. لا شيء بدا في تلك اللحظة أهم من عبور تلك العتبة قبل هيلجا وبعثرة متعلقاتي في الرواق قبل أن تفسح لمتعلقاتها مكاناً. ما كان يجب أن يتولاني القلق. ما انتوت التخلي عن تلك الحقيبة، حقيبة لا تبشر بالخير تشبثتْ بها لِصْق صدرها كمن تتشبث بدرع غامق. لحِقتْ بي إلى الداخل، من غير دعوة. شعرتُ وإحساس بالراحة يرين عليّ بسكون المكان. لا سكون دال على موت، وإنما صمت مفعم بالحيوية لا يخلو من تقلب؛ ساعات تتكتك، ثلاجة تطن، أنابيب تبعث أنغاماً إيقاعية. كل شيء كما يجب أن يكون.

"ليسا هنا،" قلت بلهجة توحي بالانتصار. تمنى جزء مني أن تنتهي الزيارة مع هذه الحقيقة البسيطة.

"سوف أنتظرهما إذن،" أنبأتني هيلجا وهي تثني أصابعها الصغيرة البيضاء على مائدة مطبخ أمي. "سوف أنتظر."

 

لم يكن من قبيل المصادفة وصول كلتينا هناك في تلك الظهيرة. وقَفت كلتانا على هذه المعلومة، بالطبع، وإن حاولنا التظاهر بجهلها. جلَستْ كل واحدة منا حيال الأخرى إلى مائدة المطبخ، نربت فنجانينا الفاترين دون أن نوجه ابتساماتنا الشاحبة الواهنة إلى اتجاه مُعيَّن. أرهفتْ كلتانا البصر والسمع تحسباً لصوت سحق على الحصى يفشي مجيء أحدهم أو يد ضعيفة على مقبض الباب، متظاهرتين طيلة الوقت بالاستمتاع بطعم الشاي الأخضر. فطنتْ كلتانا أن الأمر يتوقف على مَن منا ستصل أولاً إلى والديّ.

ورَدتْ عندئذ على ذهني فكرة: أحدد منطقتي، ألْفِتُ نظرها إلى كل آثار طفولتي، آثار لم تزل ظاهرة للعيان في أرجاء المنزل – علامات أسناني وأنا أحبو على طاولة من الفورمايكا؛ انبعاج في حائط المطبخ أحدثتْه قدمي المراهِقة الغاضبة؛ رقعة زيتية على السقف حيث رششتُ يوماً – على سبيل اللهو فقط – بعضاً من رغوة الدش، عالية علواً حال دون أن تُمحى. قبَعتْ تحت فنجان هيلجا بقعة من طلاء أظافر أوقعتُه على المائدة، امتداد صغير في غير اتساق من خشب أفتح كاد يبدو جميلاً وإن لم يزل يُنزل بي رعدة.

لاحت غير مبهورة بكل هذه الأشياء. عاينتْ كل شيء بطرف مغرق في الكآبة لا يَعدم الفضول، جرَّدتْ عيناها طبقات العاطفة لتعيدا الأثاث إلى ما كان عليه: مجرد أثاث لا غير. كل ما قامت به أمي من تنظيف وحك خلال السنوات لم يؤثر على تحديق هيلجا العقيم. ومن فرط اليأس، أخرجتُ من خزانة أمي الزجاجية تمثالاً كاريكاتورياً مشوَّه الخلقة، صورة طبق الأصل من رأس إحدى المدرسات. وضعتُه بيننا على المائدة. رمقت عيناه المنتفختان البيضاوان كما الطباشير كلتينا.

"جميل جداً،" نبستْ وهي تَفرغ من شايها.

"ليس الجمال هو الغرض منه. لقد كرِهتُ تلك المُدرسة. كانت تتنمر عليّ. كنتُ أنفِّس عن غضبي. لم تَعلم عنه البتة غير أني شعرت بالراحة. غريبٌ احتفاظ أمي به خلال كل هذه السنوات، أليس كذلك؟"

"ليس تماماً. بعض الناس يراكمون الأشياء. حتى لو لم تعن أي شيء. بعض الناس يخشون التخلي عن الأشياء،" قالت وعيناها الباردتان برود القطب الشمالي تقابلان عينيّ.

بسهولة قد تَكُون هي نفسها تمثالاً.

"انظري إلى هذا إذن،" قلت وأنا أومئ إلى هيلجا كي تستدير لتواجه الحائط القائم خلفها.

أسفل طبقة رقيقة من الدهان ظهَرتْ بالكاد رسالة هاتفية كتبتْها أختي بقلم أسود سميك في عامها الرابع عشر. أعلنتْ الرسالة، جيرترود سامسِن اتصلتْ، ممكن أن تتصلي بها فوراً؟ لم تجد أختي ورقة في متناول يدها، فأسرعتْ بكتابتها على الحائط. كانت تتصرف دائماً مثل تلك التصرفات، أختي. عادت بقعي وانبعاجاتي إلى إهمال محض، ولكن قصداً ساور ما بدر من أختي من تخريب؛ داخلتْه صفاقة. وبإيماءة واحدة خاطفة حولتْ الرسائل إلى صورة فنية، فعَلتْها دون اعتذار، وما كان منها إلا أن هزت كتفيها قائلة، الكتابة على الحائط يا ماما.

ولكن الرسالة لم تعد تبدو غاية في الإضحاك، للعديد والعديد من الأسباب. وحين كنت أقص الحكاية على هيلجا، انتابني شعور بالخشية والقلق من أن أحداً لم يتصل قط بجيرترود سامسِن. أياً كان ما أرادت جيرترود قوله لأمي، أياً كان المُلح الماس المستحوذ عليها، فقد أزيح جانباً ليتفوق عليه كل التفوق أداء أختي، مثله مثل دهان لامع استخدمناه لترقيعها، دهان جعل طلاء أمي الباهت يتراءى مضحكاً.

"ليس بمقدوري في الحقيقة أن أراها،" قالت هيلجا وهي تلتفت لمواجهتي. "أتصور أنها شيء لن تستطيعي رؤيته إلا لو علِمتِ بالفعل بوجوده."

"إنها موجودة," قلت بلسان المرارة. "ولن تختفي قط."

 

حينما أتأمل ما جرى، لا بد أني عرَفت أن والديّ يدبران شيئاً منذ لحظة استلامي لبريد أمي الإلكتروني. اصطبغ بصبغة متناهية. بل وعندما تحدثتْ بنبرة حماسية عن قدومها لزيارتي على السفينة قائلة إنها ستجيء حقاً هذه المرة، ربما تَقُوم بواحدة من تلك الرحلات الممتعة في بحر البلطيق – لا إحدى الرحلات الحارة، فقد أكدتْ أنها ستقضي عليها – شعرتُ بها تطفو لسبب ما بعيداً, بعيداً عني، مركب لن يرسو حقاً عند أي ميناء قط. لم تكف عن التعبير عن مدى سعادتها لعثوري أخيراً على مهنة، شيء أحببته. كانت قد كتبت، يا لها من مهنة تليق بك يا حبيبتي، الطفو هنا وهناك، دون أن تمكثي طويلاً في مكان واحد. شَفَّ الخطاب الودود عن تعالٍ، وإقناع لا إبهام فيه، كمن تبرئ نفسها، تنفُض عن روحها الغبار قائلة، عملي هنا انتهى، سوف تكونين بخير الآن. وكما هي عادتها قصت حكايات عما يحل بأبي من نسيان، تراجيدية مرة وكوميدية مرة. كاشفتني أمي بأن حالته تتفاقم. بل إنه ألفى الآن الأشياء المعتادة جديدة جدة مرعبة. رمى البائعين بكلمات التقريع الغاضب بسبب ثمن التفاح، ثمن بدا له جديداً باهظاً، وانهار باكياً حين رأى أنهم – لسبب ما – هدَموا المَدرسة الإعدادية القديمة عند المنعطف وبنوا موقف سيارات جديداً بين يوم وليلة.

ولكن ما فضح المسألة حقاً هو ذكر أمي لأختي في نهاية خطابها. ما أشار أحد مطلقاً إلى أختي، وأمي آخر مَن قد يشير إليها. ومع ذلك ها هي على الورقة، يستحضرها إلى الوجود خط أمي المتقَن الحافل بالزوايا وكأن كل شيء على ما يرام. ولكن لا شيء على ما يرام. لم يختلف اسمها على الورقة أبداً عن تلك الرقعة الصغيرة من الدهان اللامع على الحائط – بَهَر الأبصار إبهاراً حاجباً كل شيء آخر حوله.

كتبتْ أمي، ما حدَث لأختك جاءنا جميعاً على حين غفلة. أنا وأبوك عجوزان الآن أكثر مما ينبغي ولا نحتمل المفاجآت؛ إننا في حاجة إلى التحكم في حياتنا، القليل الباقي منها. لا مزيد من المفاجآت.

مفاجآت. حفلة عيد ميلاد، أناس يقفزون من الدواليب، شخص يزور المنزل على غير توقع – والآن، تلك هي المفاجآت. كنت متأكدة تمام التأكد أن أحداً لم يشر من قبل إلى ما وقَع لأختي بتلك الكلمات. لا ريب أني لم أتذكر أن القس برأسه المطأطئ ويده الممسكة بذراع أمي أخبرها أنه يشعر بالأسف الشديد لِما دهاها من مفاجأة.

لم يكن مجرد خطاب. كان تذكَرة إلى البيت؛ سواء قصدتْ أمي أم لم تقصد. أعلمتُ رئيسي أني سأترجل حين يرسو المركب عند أول رصيف.

 

"لقد تأخرا بحق للغاية الآن،" قالت هيلجا وتنهيدة تفر منها رافضة عرضي بفنجان شاي ثان. "وصلتْ طائرتي مبكراً قليلاً، ربما، ولكني ظننت أنهما سيكونان في هذه الظروف على أهبة الاستعداد. أعني، ينبغي إتمام أشياء كثيرة قبل أن... مم، فلنتمن فقط أن يَحضرا سريعاً، حسناً؟" كانت حقيبتها مفتوحة الآن على المائدة. طار تيار من الأوراق على حافة لوح الكتابة الخاص بها. "هناك استشارة مهمة لإنجازها اليوم."

   "استشارة،" أعدْتُ الكلمة لأجدها تبث فيّ شيئاً من الهدوء. "لَم يتقرر شيء إذن؟"

وبدون أن تعلو عيناها أسرعتْ بكتابة شيء في مفكرتها.

ردت، "لا يسعني مناقشة ذلك الموضوع إلا مع العملاء. أنت إذن الابنة الثانية." حولتني نبرة صوتها إلى ما لا يزيد على حقيقة بيولوجية. "وأنت... مم، أنت بخير؟" سألتْ مصوبة إليّ نظرة تنبئ عن تمعن. "أعني، لا بد أنك تخطيت الآن الأربعين بسنوات؟ أفترض أن ذلك يعني أنك... نجوتِ، سلِمتِ من الموت."

تصورتُ أن تاريخنا الطبي ينبسط بأكمله هناك، أمام عينيها بالضبط، خريطة تصف ضعفنا وأصِمة قلوبنا المختلطة. ولكنها لن تنال الصورة الكاملة. لن تتمكن من رؤيتي، في الثالثة عشرة داخل مكتب مدير المَدرسة، وأنا أحاول أن أشرح له ولمُدرسة الفصل ما ينبغي فعله لو انهرت فجأة وامتنعتُ عن التنفس. لن تتمكن من رؤيتي متمددة على السجادة، أجذب نحوي يد مُدرستي المذهولة قائلة، يجب أن تفكي ياقتي وتفحصي هنا ثم هنا، قبل أن أنهض مرة أخرى لأخبر المدير بابتسامة، "الأرجح أنها لن تُحْدث فرقاً وسأموت في كل الأحوال." لا زلت أتذكر ما استولى على عيونهما من رعب، عله لا يَرجع إلى ما قلته بقدر ما يَرجع إلى ثقة مباغتة اكتسبتُها عند قوله. التحول في الشخصية، الألفة والثقة الزائفتان. كان ولا مراء إجلالاً لها. فلو درَت أختي بما سيَجري، لقامت بذلك الأداء دون زيادة أو نقصان. ومع إضمار هذه الفكرة في عقلي حاولتُ تخمين أية لعبة ستلعبها مع هيلجا بيزاباتش لو كانت هنا الآن. ما كانت لتَعرض عليها بالقطع فنجان شاي. كانت لتلفها حول إصبعها في حلقات هائلة كبيرة ترسل أزيزاً مثلها مثل عَجَل الألعاب النارية.

"حسناً يا هيلجا،" نهَضتُ متصنعة أشد وقفات أختي دفاعاً عن النفس، ذراع تنزلق حول ظهري كالمتأهبة لسحب سلاح وهمي – قلم في العين ربما. "هل لك رغبة في إخباري بما تنوين فعله بالضبط مع والديّ؟"

ظل طرف هيلجا مطرقاً.

"يقيني أننا سنتمكن جميعاً بمجرد عودتهما من مناقشة المسألة معاً،" أنهت إليّ وعيناها تدققان في صفحة أخرى فوق حرف نظارتها. "أجل، أرى هنا أنهما يعتزمان ضمك في هذا الموضوع."

"ياه، حقاً، يا لطفهما،" قلت متخيلة أمي تتفوه, عند عودتها, بالجملة نفسها دون تغيير، اعتزمنا بالطبع ضمك يا حبيبتي في هذا الموضوع، وهي تُدلي ذراعها حولي شالاً طويلاً من الريش جاذبة إياي إلى نعومتها.

أشرفتُ من النافذة على الحديقة الأمامية. لم أتوقع أن يعترض مدى بصري عمود فقري مقوَّس من الأشواك يرتفع لتحيتي عند النافذة أو أصابع سرخس طويلة نحيلة تَسخر مني في الأفق. خامرني شيء من الراحة لأنهما تركاها تنمو جامحة. كان أبي هو مَن يصر دائماً على ضرورة الحفاظ عليها أنيقة مهذبة، شدد على أهمية أن نواصل توقير تلك البقعة بعينها – نحافظ عليها مكشوفة مرئية للأنظار، تذكِرة دائمة: زراعة أشجار البتولا وما شابهها؛ نقْل تماثيل الأقزام من هنا إلى هناك بلا انقطاع شأنها شأن فريق تمثيل مصغَّر؛ غرس دائرة بنفسجية من الزهور حول البحيرة؛ إقامة منزل للطيور؛ محاولة إبقائها حية؛ محاولة العثور على السعادة حيث تنعدم. "لا يسعك منع طيور الحزن من المرور فوق رأسك، ولكن يسعك منعها من التعشيش في شعرك،" هكذا كانت أمي تكرر دوماً، مَثَلٌ تلوى يوماً تلوي الحية من إحدى كعكات الحظ. أتذكر ذلك المساء، غضَّنته في يدها بالمطعم ثم قبَضتْ عليه طيلة الطريق إلى البيت وكأنه طوْف يَحمل حياتها الشخصية. كثيراً ما ترددتْ طيور الحزن هذه في ذهني. وطوال سنوات مراهقتي سلَّطتُ ناظريّ على شعرها الكستنائي القصير، شعر تَثبَّت مثالياً بمثبِّت الشعر، أنتظر أن تبزغ أطراف المناقير الصفراء، أنتظر أن تَشرع المخالب الصغيرة في حفر جُحر صوب أعمق جذورها. ولكنها لم تأت قط. لن تعشش هنا، في أمي.

ومع ذلك أقبلتْ الطيور. أقلبتْ لتأكل بذور أبي، تحدجنا بأبصارها وتجول حول هذه الحديقة، حديقة فسيحة جميلة لم يمسسها تغيير ولم يبدُ مطلقاً أن أحداً يَشغلها. أقبلتْ، أكلتْ، طارت داخلة، طارت من جديد خارجة؛ استأنفتْ حياتها. وقد وجد أبي فيما أظن بعض العزاء لأن شيئاً واحداً على الأقل سيبقى في تلك الحديقة دون انتهاك.

تركتُ هيلجا مع أوراقها. وجدتُ عصا المشي الخاصة بأبي بجوار الباب الأمامي وشققت طريقي ضاربة نباتات السرخس بها. لم تزل الحديقة تحت قدميّ خضراء سعيدة مثلما كانت يوماً، ولكن, بعد تضاؤل العشب إلى نصف حجمه, استحال تحديد مكان الواقعة بدقة - بقعة سقَطتْ فيها أختي ميتةً. عنَّت بخاطري مرات عديدة حين أعدتُ تمثيل الحادثة، ترَكتُ ساقيّ تلتويان مثلما التوت ساقاها، تركتُ شعري يهِف وينزلق ساتراً وجهي. ولكني لم أَقدر البتة أن أجيد الحركة. تراءت سقطتي خرقاء، مفتقرة للياقة. اندس شعري في ثغري؛ خنَقني. بل إنني الحية عجَزت تماماً عن إجادة مهمة قامت – هي الميتة – بها.

وفي تلك اللحظة التقى بهما بصري – أمي وهيلجا تقفان بالقرب من النافذة، تحملقان إليّ. لاحت أمي أكبر سناً مما تذكرتُ، ولا سيما مقارنة بهيلجا مستقيمة الظهر دائمة الشباب على ما يَظهر، هيلجا المنحنية الآن إلى مستوى أمي لتهمس في أذنها بشيء.

وصَلتْ هيلجا إليها أولاً.

 

"لاندي، يا لها من..." أمسكتْ أمي عن الكلام مترددةً وذراعاها تتقاطعان على صدرها في المدخل. علِمتْ كلتانا أنها لا تستطيع استخدام كلمة 'مفاجأة'. لا بعْد الخطاب. "يا لها من... عودة عزيزة غريبة إلى البيت. كان من الواجب أن تبلغيني بمجيئك. كنتُ لأقابلك في الميناء. ألم تنته الرحلة مبكراً قليلاً؟"

رددت باقتضاب، "نزَلتُ منها. داهمني دوار البحر." من بين كل الكلمات التي تدبرتُها أثناء الرحلة، كانت هذه أولى كلماتي. لقد برَزتْ نفْسي الماضية، نفْس مراهِقة ضيقة الخُلُق، تدفقتْ في حلْقي تدفق الصَّفراء - سائل الكبد. ما أحاق بي دوار البحر أبداً في حياتي. دوار الأرض، أجل؛ دوار الرقع الخضراء وأخطارها المخفية، دوار المنازل والجيران والطرق المؤدية إلى المقابر والمستشفيات. ولكني لم أصب البتة بدوار من تلك الكتلة الساحقة المُزْبِدة اللانهائية، ألا وهي البحر، حيث لا شيء يلبث طويلاً، بل إن طيور البحر ليس بمقدورها قط بناء أعشاشها، حيث كل شيء عابر ليس إلا. كلما رفَعتْ أمي صوتها بالشكوى من أي شيء, اعتاد أبي أن يقول إن أسوأ الأشياء تَحْدث في البحر. ولكنه أحجم بعد موت أختي عن ذلك القول. فالأشياء لم تكن أسوأ في البحر؛ وهو ما تأكدتُ منه.

قالت أمي، "حسِبتُ أنك تغلبتِ عليه الآن. يَعلم الله أنك أبحرتِ طويلاً بما يكفي."

أحسست بالاشتياق إلى قمرتي الضيقة بعينها الوحيدة؛ منها مددتَ بصرك إلى رقعة ليس إلا من العالَم، وهو ما فيه الكفاية.

"وكيف لك أن تَعرفي؟ لم تستقلي سفينة قط. لم تأت لزيارتي قط، ولا حتى مرة واحدة،" قلت لها بصوت هادئ. وبينما كانت أمي تسير متمهلة في الرواق، سارت هيلجا جوارها بخطوات خرقاء ووثبتْ حولها وفوقها مثل هالة صغيرة تلاحقها هنا وهناك. أردفتُ، "كنتُ أنا وهيلجا نتعرف على فكرة. خالة هيلجا العزيزة."

كانت أمي تصر على أن ندعو كل صديقاتها 'بخالة'. فطنتْ أختي على الفور إلى زيف الإصرار، فكانت تطيل تلك الأصوات اللينة في أركان فمها، محطِمة الكلمة لتنقلب بين أسنانها فتاتاً: خااالااا. جالت في خاطري صديقة أمي المقرَّبة، الخالة سيسيليا، دعتها أمي 'سيسي' عن محبة. ومن ثغر أختي كانت دوماً, 'الخالة سيس', كمن تقول 'عيِّلة سيس'.

"ياه يا لاندي، كفاك من تلك التصرفات. قد تجدين هيلجا غريبة غير أننا نَعرفها خير معرفة. إنها سوف، ممم، سوف تساعدنا."

"كيف يا أمي؟ كيف ستساعدنا؟"

علِمتُ كيف. فقد لمَحتُ الحروف المطبوعة في أعلى أوراق هيلجا.

"الأمر وما فيه يا لاندي أني عشت الآن أمداً طويلاً. وكذلك أبوك. سبعون الآن. نحن الاثنان! سبعون. كانت جيرترود سامسِن لتتم السبعين هذا العام. كانت لتَسعد ببلوغ السبعين، أليس كذلك؟"

راحت جيرترود سامسِن أسفل عجلات حافلة بعد سنوات قليلة من المكالمة الهاتفية التي ذكَرتُها من قبل، راحت في محاولة مأساوية مشئومة للهروب من عنبر الأورام حيث تلقت العلاج من سرطان عنق الرحم. لم تبك أمي حينذاك. نقَلتْ إلينا – أنا وأختي – الخبر مثلما تنقل حقيقة واقعية وهي تُقطع شطائرنا بعناية إلى مثلثات. لا زلت أتذكر قلبة الغطاء البلاستيكي التي بدت وكأنما تحبس السيرة البغيضة برمتها. أمرتنا بأن نتحلى بالود مع ابنها جاريث، لم تضمر أي منا محبة بالغة له. جلسنا إلى جانبيه في حافلة المَدرسة والكلمات تائهة منا، وبعد صمت مكبوح شعَّثتْ أختي شعره وقدَّمتْ له حلوى بطعم الكرز. وبعدها نسيناه، انتهت المسألة. لم نجلس بجواره أبداً مرة ثانية، وفي خلال بضع سنوات رحل هو الآخر. انتقل إلى مَدرسة أخرى، فقد ظن أبوه أنه سيجد الوضع أسهل هناك. لم يسعني أن أستحضر أمراً واحداً عن جيرترود سامسِن عدا المكالمة وطريقة موتها، ومع ذلك ها هي الآن من جديد، تستخدمها أمي لتبرير تصرفاتها. كان ثمناً دفَعتْه، لا لموتها، وإنما لكتابة اسمها على حائطنا طيلة كل تلك السنوات.

قلت، "جيرترود سامسِن كانت مريضة بالسرطان."

"بالضبط،" ردت أمي فخِلْتُ أني أسمع مجدداً صدى ذلك الغطاء البلاستيكي يحبس كل شيء في تلك المساحة محكمة الغلق. "بالضبط."

 

كانت مِيتة أختي سمتها الأناقة والنظافة. لا دماء. لا عناصر قبيحة على الإطلاق، ولا حتى خدش واحد في الواقع. بل إنها أعفتنا من كل لوم وهي راحلة. ما سألنا أنفسنا إن كنا نقوى على فعل شيء؛ خرَج تصريح الطبيب محدَّداً لا لبس فيه – قصور في القلب. وفاة مفاجئة. انكتبت عليها منذ أخذتْ تلتف داخل رحم أمي، شفرة سرية، تُميزها عن الآخرين.

كانت تتسكع ليس إلا في الحديقة، مثلما يفعل الناس. تجلى اليوم جميلاً. كنت أشاهدها من النافذة. أظن أن أمي ربما وبختْها على فعلة ما، وكانت تتدبر الموقف مفكرة في الخطوة التالية للانتقام. ها هي هناك، فقط تمشي على مهل. لا ريب أني لا أتمالك الآن أن أستشعر حبل البهلوان القابع خفياً أسفلها في تلك اللحظة، في انتظار أن ينقصف. ولكنه حين انقصف، انقصف بهدوء لا حد له. لم أشعر بها لحظةً مرعوبة على إدراكها أن الحياة نفسها على وشك أن تتلاشى منها. ما كان منها إلا أن سقَطتْ من الحياة، على حين غرة. بسَطتْ نفسها على العشب شأنها شأن قنديل البحر.

استغرقتْ هنيهة حتى تَغير لونها، حتى نصدق فعلاً أنها غابت. اعتبرناها من عدة نواح مجرد تمثيلية أخرى من تمثيليات أختي. أبرع تمثيلياتها حتى الآن. وقد كان موتها البداية ليس إلا. أعلنتْ المَدرسة الخبر ووفَّرتْ استشارة نفسية حضَرها الجميع عداي. وبعدها الجنازة. ما أقيمت جنازة لشخص في سنها مطلقاً. كانت حدثاً حافلاً زاخراً بالتفاصيل، مترعاً بموسيقى البوب وأصدقاء ينتحبون حيناً ويقهقهون حيناً، يتشبث بعضهم ببعض؛ آباء مصعوقون يحَدقون إلى أمي مرفوعة الرأس عاقدة العزم ألا تُسيل دمعة واحدة. تقوَّض أبي في بذلته غير قادر على الارتقاء ببصره إلى عالَم نبَذ ابنته.

توقعتُ حقاً أن تفاجئنا بعد الجنازة بالظهور من جديد، كي تخبرها أمي، "حسناً، ها قد انبسطتِ،" مثل مرات لا عد لها تظاهرتْ فيها بالهرب إلا أنها رجَعت مرة ثانية مع الغسق. ولكنها لم تَظهر بالقطع. لم تكن هناك. لم تكن في أي مكان، بعد الآن. وتناهى إليّ صوت الطبيب يصارح والديّ باعتقاده أن ما حدَث قد يَحدث لي أنا الأخرى. طفقتُ عندئذ أحلم بها في يقظتي، بل وأتوق إليها – تلك المِيتة الجميلة المأساوية التي ستلم بي بمجرد إتمام السادسة عشرة. نظَرتُ إليها نظرتي إلى أحد طقوس البلوغ كنزول دورتي الشهرية أو فض بكارتي، شيء سيميزني، يجعلني مختلفة عن بقية الناس. وبينما حانت من الفتيات الأخريات القهقهات وانهمكن في الثرثرة، وقَفتُ صامتة، يسود باطني هدوء أي هدوء، يغمرني شعور بالسمو، مدركة أن شيئاً أكبر ينتظرني. ولكنه لم يقْبل أبداً. هلَّ عيد ميلادي السادس عشر وانقضى، دُون ذرة من موت مفجع. وفي عشية عيد ميلادي السابع عشر وقَفتُ بالحديقة في حال من اليأس، فوق تلك البقعة نفسها، أحاول بقوة الإرادة فرض الحدث، ووالداي يحومان حول النافذة، ولكن لا شيء حدَث. فطنتُ عند ذاك أنها نهاية المطاف. لا بد أن أتقبل عدم اختلافي. ما أرادني الموت. ولِمَ يريدني؟ لقد أخذها.

 

وقَفت الآن أمي وهيلجا بالقرب من بعضهما بعضاً، ترنوان إليّ بعيون حذرة وكأني مخلوق وحشي ببراثن هام من حديقتهما إلى الداخل. بلَغتْ أذنيّ حركة صاخبة في الطابق العلوي، خطوات أبي المألوفة وهو يسير على بسطة السلالم. رغِبتُ في رؤيته.

"لا أظنها فكرة سديدة أن يراك، ليس الآن،" أفضت إليّ أمي وهي تسد المدخل. "إنك غير مدركة. الحالة تدهورتْ الآن، وقد لا... قد لا يَعرفك. لا أريدك أن تضايقي نفسك يا حبيبتي. إنه لا يتذكر أشياء كثيرة جداً... ربما ينبغي أن نترك الوضع على ما هو عليه."

أومأتْ هيلجا برأسها بما ينم عن موافقة.

"أجل، صحيح. لا مقاطعة في هذه المرحلة."

"في هذه المرحلة...؟"

"أجل، المسار المنحني. قبل بدء الطريق الختامي،" أردفتْ هيلجا ومفكرتها تسترد عينيها لتكتب جملة أخرى سريعة وكأنها في تلك اللحظة ذاتها تُضَيق حدوداً تطوق حياة أبي. "أعني، المسألة مسألة دقائق قبل أن يصل الفريق هنا و..."

"الفريق؟ الطريق الختامي؟ حسِبتُها مجرد استشارة؟" ارتفع ناظراي نحو أمي. "أهذه نيتك الآن؟" عرَضتْ أختي في خيالي, مرتمية على ممر الحديقة. طرأ في بالي، ليت أحداً قال لها, ذلك آخر ممر ستخطين عليه في حياتك. كانت لتَموت على الأرجح من الضحك.

كانت هيلجا تتفرس فيّ الآن بعينين تعكسان انزعاجاً. اكتشفتُ أني أنا الزائرة غير المرحَّب بها على عتبة الباب، لا هي. فقد كانت العتبة دوماً مِلْكها.

"أجل، الاستشارة كانت عن... حسناً، كانت عنك يا حبيبتي. ماذا سنفعل بخصوصك. ما إذا... ما إذا كنتِ... سترافقيننا أم لا. لم أقرر. أقصد، لم أقف على مشيئتك... لم أدر أننا سننتهي إلى هذه النهاية الملائمة، كما جرى. أعني، حضورك هنا، يا لها من صدفة. البادي أنك... أنك تستطيعين القدوم معنا الآن لو تريدين، أليس كذلك يا حبيبتي؟"

التمع شعر أمي التماع الذهب المغزول، ذهب يضعونه على الحلوى، ذهب يمْكنك أكله. بل إنها ارتدَت في الأصيل لآلئ لا تشوبها شائبة وحرصتْ على اختيار سترة مطرزة تَجمع بين الأسود والوردي. بدت وكأنما تدعوني إلى مرافقتها إلى المسرح.

"تعتقدين فعلاً أني أريد أن أراك تموتين، هه؟"

ارتسم في مخيلتي والداي الاثنان يقعان على العشب وقعة أختي. يرتطمان بصوت مكتوم خافت ثم يَغيبان، يتْحدان مع التربة. ما تمالكتُ أن فكَّرتُ فيما ستُلحقه تلك الطيور بأمي من بهدلة لو لم تكن موجودة لمنعها. سيكون شعرها أقل همومها.

"ياه يا إلهي، لا يا لاندي، لا! لا ذلك. ما كنتُ لأفعل ذلك بك أبداً. ظننتُ أنك ربما... مم، لَمْ أَعلم إن كنتِ ربما تريدين، يعني، أن تجيئي معنا."

قاطعتْها هيلجا.

"ينبغي أن نؤكد لك أنك لو قررتِ بالفعل أن تختاري هذا الخيار، فهو ليس مستحيلاً إذن في هذه المرحلة، ولكننا يجب أن نحيط به علماً بسرعة حتى نتمم التفاصيل ونرتب وسيلة نقل أخرى بمجرد الانتهاء."

"ما رأيك يا حبيبتي؟" همستْ أمي بصوت دافئ وذراعها يحضن ذراعي.

لم يَحدث أن مضيت مرة إلى المسرح بصحبة أمي. كانت دوماً تدعوني، وكنت دوماً أرفض. كانت تقول بلهجة فاترة، "ولكننا سننبسط جداً بالذهاب معاً." علها كانت تفكر في ابنتها الأخرى الأكثر بوهيمية – الميتة حينذاك على العشب منذ نحو ثلاث سنوات – ابنة لم تكن لتوافق فحسب، وإنما كانت لتَهبط السلالم واثبة في سحابة من العطر والشيلان. العرض الآن على المائدة للمرة الأخيرة. أروع العروض وأبدعها على وشك البدء.

"أعني، هذه الحياة على تلك السفينة، أعني، ما هي حقاً؟ كيف لك أن تسميها حياة، كل ذلك الطفو هنا وهناك، الرسو، البدء من جديد؟ أدرك أنها أنانية يا حبيبتي، ولكن حتى بعد رحيلي... لن أَعلم ما حصَل لك، أليس كذلك؟ لن أدرى قط كيف... ستغادرين الحياة. قصدي، بهذه الطريقة نَعلم جميعاً ما سيقع. وأنت بالكاد في ربيع العمر يا حبيبتي، أليس كذلك؟ يعني، ما عمرك الآن، ثلاثة وأربعون؟ أقصد، لن تنجبي أطفالاً الآن، هه؟ إنهم في الواقع كل ما يعاش من أجله في النهاية، أليس كذلك؟ أعني، كم يعيش المرء حقاً من أجل نفسه؟"

   أتاني نداء أبي من الطابق العلوي. بدا صوته غريباً لأذنيّ، لا كصوته على الإطلاق. لم ينفك يصيح. لاح كمن يقرع باباً. فاتت هنيهة حتى استوعبتُ ما نبس به.

هتف، "چانو! تعالي هنا يا چانو! أخرجيني من هنا! چانو! چانو!"

   ارتد اسم أختي كما القذيفة في كل مكان من المطبخ، وكأن أحد طيور الحزن هذه انبثق فجأة من آلة أمي الحربية ثم انطلق في أرجاء المطبخ يرفرف بجناحيه مهتاجاً طارحاً ريشه فوق رؤوسنا. انقض علينا المرة بعد المرة؛ مخلوق تائه مذعور يأبى الانصراف من الحجرة مع أنه مراد الجميع، بما فيهم هو.

رشقتني أمي بعينيها، تكاد تخترقني.

"تَعرفين يا لاندي؟ لم أكن أماً عصبية. لم ألصق أذنيّ أبداً بالباب حين كنتِ أنت وأختك رضيعتين والفزع يَركبني من أن تتوقفا عن التنفس. لم أزر الطبيب كل خمس دقائق متصورة أن كل طفح أو بقعة صغيرة أصبتِ بها أنت وأختك مرض يهدد حياتكما. لا مثل جيرترود تلك. دفَعتْ نفسها إلى الجنون وهي تفكر في تلك الأشياء. لفَّت ذلك الجاريث في قطن سميك للغاية حتى إنك ميزتِ بصعوبة الشخص القابع تحته. ولكن أتعرفين؟ لم أكن أبداً مثلها. بالفطرة، لم أكن فحسب مثلها. عندما وُلدتِ أنت وچانو، آمنتُ من قلبي بأنكما ستعيشان. چانو ولاندي، قلت لنفسي إن كلتيهما ستقف دوماً بجوار الأخرى، مهما جرى لي. أراهن أن ترْك جاريث، ذلك العزيز المسكين، بمفرده لم يتطرق قط إلى خلد جيرترود؛ ما دار بخاطرها إلا ما ستضطر إلى معاناته لو فقدتْه! غريبٌ ما آل إليه الحال، أليس كذلك؟ ما تبادلتُ أنا وجيرترود مشاعر الود مطلقاً، بالتأكيد، وبخاصة بعد تلك الواقعة المؤسفة مع أبيك، تتذكرين. ولكنه لم يكن على طبيعته، لا أظن، بل ولم يكن على طبيعته وقتها. أعني، قد تستغرق هذه الأشياء سنوات حتى تَظهر، ولكني أعتقد أن مرضه كان ولا بد يواصل دوماً أثره الضاري عليه. قصدي، أعتقد أن جيرترود – رحمة الله عليها – كانت بالطبع عَرَضاً طفيفاً من الأعراض."

"چانو! چانو!" طرَق النداء مسمعيّ مرة أخرى، فذوَت النجمة الصغيرة في الظلال. لم أصدق أني لم أدرك سوى الآن ما أرادت جيرترود قوله لأمي منذ كل تلك السنوات. علِمتْ أختي، طبعاً. علِمتْ أختي كل شيء.

"سوف ننتهي كلنا في التراب، أليس كذلك؟ أو رماداً على يديّ أحدهم؟ كل ما أفعله يا حبيبتي هو توخي الواقعية. إنها عملية نظيفة كل النظافة، كما تَعلمين. لا دماء ولا أحشاء. أعني، في الأسبوع الفائت فحسب اندهستْ امرأة عند منعطف هذا الشارع، عجوز في حال من الضعف والمرض متناه، دهستْها شاحنة. رأيتُ يا حبيبتي آثار الحادث، لا يسعك أن تتخيلي القذارة الرهيبة. أمعاء ودماء في الطريق بأكمله. إنه موجود على الدوام، أليس كذلك؟ في انتظار أن يصرعك، يَفصل رأسك عن جسدك. لن تودين يا حبيبتي أن أنتهي تلك النهاية، أليس كذلك؟ أو أن تنتهيها أنت الأخرى، لا أريدها لك. أرجوك يا لاندي، فقط فَكِّرْي في الموضوع، ممكن؟ آتية معنا؟"

علَت ضجة من الرواق. لم أنتبه لمغادرة هيلجا ولا بد للحجرة منذ فترة إلى أن سمِعتُها. ارتدَّتْ أصوات خفيضة عن أرضية من الماهوجني. ألقيت على الممر لمحة خاطفة كافية لتُبين أنها تُخرج أوركسترا ما؛ أذرع بيضاء تتحرك بلا كابح، تُشرِّح الهواء. اعتدلتْ أمي فجأة مصوبة عينين مراقبتين وكأن العرض بدأ لتوه. وقَف في الرواق رجلان لم تُقَدم إليّ أياً منهما. لاحا تابعين لهيلجا؛ رجلان مهقاوان غريبا الشكل عيونهما طيبة لا يَنقصها الصفاء.

وفي مكان ما فوقي لم تزل أنفاس أبي الساخطة تحاول تملق ذلك الطائر الصغير المدعو بچانو ليحط على راحة يده. "چانو! چانو! تعالي هنا يا چانو، أريد أن أريك شيئاً."

"لا تصعدي،" أمرتني أمي. "لو رآك... سيَفسد كل شيء. ستَفسد... ستَفسد نهايته، دعيها تنتهي نهاية كريمة. إنها كل ما يريده أي شخص من الحياة، أليس كذلك يا حبيبتي؟ النهاية الكريمة."

اندفعتُ بحذاء أمي لأعتلي السلالم. كان باب غرفة أبي مغلقاً من الخارج. تعرَّفتُ المفتاح – مفتاح عمومي كبير أبصرتُ فيه يوماً وجه الطفولة يَلوح ضخماً فضي اللون. استحال الآن أثراً صدئاً مكسوراً، يستقر ميتاً في ثقب الباب. أزالت أطراف أصابعي غباراً بلون الكهرمان. وحين دلفتُ إلى الغرفة، ألفيت أبي، ظهره إليّ، على الفراش، أصغر كثيراً مما تذكرتُه، يرسل ناظرين شاخصين عبر النوافذ الناتئة الكبيرة. ركنتْ الآن في الممر شاحنتان بيضاوان. ماثلتْ الحروف الزرقاء القاتمة على أبوابهما الخلفية حروفاً رأيتها على أوراق هيلجا.

"جرى شيء، أليس كذلك؟" تفوه أبي دون أن يوليني وجهه. "إنها چانو، أليس كذلك؟ جرى شيء لچانو؟"

كان الرجلان الذين رأيتهما من قبل يَرجعان الآن إلى الشاحنة ويناوران بها ليُقرباها من المنزل. استطعت من موقفي أن أميز بالكاد أطراف يديّ أمي ترفرف في المدخل، ترْشدهما إلى طريق العودة، ثم أميز زوجين آخرين أكثر امتقاعاً من أطراف أصابع تيبستْ راحةً قوية كي تأمرهما بالتوقف. ولكني تصورت أن أبي بمقدوره أن يبصر المزيد. بمقدوره أن يبصر ما يخرجانه من هاتين الشاحنتين ويجلبانه إلى المنزل مقعقعاً بأصوات مكتومة في ارتطامه بممرنا الأمامي.

سأل أبي، "هل هذه أنت يا لاندي؟" تبدى صوته شديد الخفوت، نسخة مصغَّرة من نفْسه السابقة. "هل عدتِ من المدرسة بهذه السرعة؟ أليس الوقت مبكراً؟ أخبريني لِمَ عدتِ. هل چانو معك؟"

چان-و. سمِعتُ الاسم مرة أخرى في غرفة النوم، غرفة ضيقة لا يتردد فيها الصدى. ولكن الطائر كان الآن يترنح. أدركتُ أن ما كان على أبي إلا أن يدير رأسه ويرنو إليّ – كل أعوامي الثلاثة والأربعين – ليقف على ما حدَث لچانو. ما حدَث لنفسه. التفاتة بسيطة لا غير من رأسه. ولكن إجفالاً لم يَنزل به. كمن كاد يعي أن هذا الثبات يحفظ تماسكه؛ ثبات رفَض التطلع إلى الوراء، رفَض التذكر. لن يسمح لنفسه أن تشكله ذكرياته وتضع له تعريفاً. لقد ترَك ذلك للآخرين. مِثْل هيلجا وأمي.

أردت أن أقول له شيئاً, ولكني علِمت أنه سيقف على كل شيء في لحظة لو نطَقتُ بحرف. سوف يَسمع أعواماً تخشخش في مريئي. وأي لفظ واهن من ذلك الصوت سوف يغوي ذلك الطائر بالخروج من ركنه المظلم إظلاماً ويَحمله على التحليق، في أعالي السماء هذه المرة؛ فقد اختلف صوتي الآن، بات منهَكاً عجوزاً بفعل ملح البحر، غابت براءته، عمُق عوَزه الصاخب وداخلتْه الجدية من جراء حياة وحيدة بدون أخت.

وهكذا ما كان مني إلا أن جلَستُ خلفه على الفراش، والصمت يلفني، رأسي دافئ على كتفيه النحيلتين، وذراعاي حول خصره. تواصلت الجلبة في المنزل إلا أنها بدت بعيدة عن كلينا وكأن لا وسيلة قط إلى أن تمسنا. بل ولمَّا راحا بعدها يجذبان الباب ويدفعانه ويخدشانه، ما بدر من أبي إلا أن أخذ يدي وكوَّرها بين راحتيه الكبيرتين، أبقاها هناك ثابتة تمام الثبات في عش من أصابعه، محاولاً جهده ألا يلمسها أو يفزعها أو يشوهها، وإنما أن يتركها فقط لترتاح هناك هنيهة.

 

 

 

 

Copyright © 2006-2013 Albawtaka Review. All Rights Reserved.