مجلات أدبية بالإنجليزية

Who are we?

العدد الحالي جميع الأعداد من نحن؟ بحث المساهمات Quotations حقوق الترجمة والنشر

 

منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون          albawtaka@albawtaka.com              تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 
 
 
 
 
 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد السادس عشر، يناير 2008

Sixteenth Issue, January 2008

العدد الخامس والعشرون، إبريل 2010

Twenty-Fifth Issue, April 2010

 

 

 
 

تكرم الصندوق العربي للثقافة والفنون بدعم العدد الخامس والعشرين من مجلة البوتقة

 

 

 

 

 

تكرمت أرملة ليونارد مايكلز, كاثرين أوجدِن مايكلز, بالموافقة على نشر قصة "القتلة" في مجلة البوتقة.

ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر لها.

Mrs. Katharine Ogden Michaels was so kind to permit the publication of the Arabic text of "Murderers" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Mrs. Michaels a great debt of gratitude for her kind permission.

"Murderers" by Leonard Michaels. Copyright © by Leonard Michaels. Originally published in Quarry. From his story collection, I Would Have Saved Them If I Could. Copyright 1975 by Leonard Michaels. Reprinted by kind permission of Katharine Ogden Michaels. All rights reserved.

Special thanks go to Mr. Paul Lucas from Janklow & Nesbit Ltd.

 

 

 

 

 

 

القتلة

ليونارد مايكلز

ترجمة: هالة صلاح الدين حسين

Posted: Apr.-01-2010

 

 

 

 

المجموعة القصصية كنتُ لأنقذهم لو باستطاعتي, 1975

 

 

 

حينما سقَط عمي مو ميتاً من جراء أزمة قلبية, أصبحتُ خبيراً بشبكة المترو. بنكلة كنتُ أذهب إلى منطقة 'كوينز' ثم أنعطف لأدنو بسرعة البرق من حي 'كوني آيلند' وأزيز العَجل يتصاعد ثم أنعطف ثانية نحو جسر 'جورج واشنطون', جسر نزَلت الظلمة بما يقع وراءه. شئتُ الاقتراب من الظلمة, الغرابة. ومَن لا يرغب في هذا الاقتراب؟ فقراء الروح والجهلاء والمذعورون. قدِم أفراد أسرتي من بولندا, وبعدها لم يقصدوا أي مكان إلى أن أصيبوا بأزمات قلبية. اكتمال السنوات في حي واحد: سيارة كاديلاك سوداء, والجثة في الداخل. كان ينبغي أن ندفن عمي مو حيث أهدر حياته وهو يجر قدميه, في المطبخ أو الحمَّام, تحت مشمع الأرضية, بالقرب من قِدر القهوة. كانوا على كل حال يتساقطون في شارع 'هنري' وشارع 'تشيري.' بشفاه زرقاء. راح ابن عمي تشارلي الشتاء الفائت, خمسة وأربعون عاماً. مو, تشارلي, سام, أديل – عائلة تعني لكمة في الصدر, ناراً في الذراع. ما أردتُ أن أنتظر هذا المصير. توجهتُ إلى 'هارلم', ملاعب 'بولو جراوندز', حي 'فار روكاواي', آلاف الأميال من النِكَل, تحت الأرض في أغلب الأوقات. رصدتني مساكن الإيواء وأنا أمضي في سبيلي, اليوم بعد الآخر, وأنا أمس النِكَل بأطراف أصابعي. توقفتُ ذات ظهيرة لأحك كعبي بالطوار. ظهَر ميلڤِن بلوم وآرنولد بلوم ثم هارولد كووين. سأل ميلڤِن, "دستَ على خراء كلب؟" كان جوابي المزيد من الحك. أفضى هارولد كووين إليّ, "الحاخام في بيته. رأيته في شارع 'ماركت'. كان يُسْرع الخطى." طفق آرنولد المُزَيَّت ذو الحادية عشرة يلح: "فلنصعد على سطحنا." انتظرني القرار. أمعنتُ التفكير في السطح, منظر بروكلين الصناعية, منطقة المدفعية, السفن في النهر, الجسور, الأبراج, شقة الحاخام. "حسناً," وافقتُ. لم تَصدر منا القهقهات أو نترامى بالنظرات التماساً لأية إشارات أخلاقية. كنا نجري.

ارتفعتْ الستائر البلاستيكية فيما انزاحت الستائر المحاكة من القماش كي تتسلل أشعة الشمس والرياح والطيور إلى شقة الحاخام – مشهد مهيب الوقع خليق بالحاضرة. ما تأمله الحاخام وزوجته قط, ولكن في ضوء آصال الصيف وهوائه, أمام أعين النورس والحمَام, تولتهما البهجة. شاب ذو لحية وزوجته الشابة الوردية, صلعاء صلعاً سرياً لا يَعدم التقديس. تبادل ذو اللحية وأم صلعة النظرات, وكل شيء مكشوف للعيان. ومن فوق خزان للمياه أعلى من نافذتهما يستقر على السطح المقابل مددنا إليهما البصر. يطلق عليه التحليل النفسي "المشهد البدائي*." ولكي نَبلغ المشهد البدائي عبَرنا إفريزاً عرْضه ست بوصات. أتاحت ثُلْمة في القرميد طولها نصف بوصة مكاناً لتتشبث أصابعنا. جررنا البطون والأرابي لِصْق سطح القرميد في اتجاه سلم من الصُلب. تثبت السلم في القرميد وتسلق جانب المبنى ليتعالى بحذاء أحد جوانب خزان المياه وصولاً إلى سطح منحدِر من القصدير التقط شمس الظهيرة. اتخذنا مجلسنا على ذلك السطح شأننا شأن الملائكة, يخترقنا الضوء ليتوه منا الواقع والإشراق يغلفنا. امتصت أخذيتنا المطاطية معدناً مائلاً لا تعوزه السخونة. انضغطتْ الراحات والأصابع فالتصقت العظام برؤوس المسامير.

ترسانة بروكلين البحرية بمدمراتها وحاملات الطائرات, تمثال الحرية وهو يصل المشعل بالسماء, ناطحات سحاب نائية باهتة تُميز منطقة 'وول ستريت,' مبنى 'إمباير ستيت,' لقد أشرفنا على العجائب. لم يكن بالإمكان تحسين رؤيتنا للرجل التقي وزوجته وهما على أريكة حجرة المعيشة وأرضيتها أو على الفراش في حجرة نومهما. إلا إذا اقتربنا. بيد أن خمسين قدماً عبر الهواء كانت هي المسافة المضبوطة. تناهى إلينا صوت الفونوغراف والتقت أبصارنا برقصهما. عجزنا عن سماع أصوات المتعة أو تبين البثور. ما شممنا شيئاً. ما رغبنا في أن نلمس شيئاً.

تفرجتُ عليهما هنيهة. وبعدئذ حملقتُ إلى الأفق, إلى عدم وامض, ألوان رمادية وزرقاء وخضراء تغمغم فوق أسقف المباني والأبراج. سبَق لي أن تفرجتُ عليهما. بمقدوري أن أعذب نفسي بانحراف جنسي مقتضب تدركه العين, تطهر كلي في إطلالة لا تبرأ من العدمية. كانت تلك بداية الفلسفة. انغمستُ في الجو المحيط, في مدى مثله مثل الدهر. ماذا عليّ إذن إن كان عمي مو في عداد الأموات؟ لقد تحليتُ بخصال الفيلسوف ونعِمتُ بالترف. بل إنني لم أضطر إلى التطلع إلى الحاخام وزوجته. فعلى الرغم من هذا الموقف كم من المرات ألغينا مباراة كرة العصا حين أَقبل الحاخام إلى بيته؟ كم من المرات عرَّضنا أنفسنا لخطر اكتشاف شائن ونحن نتسلق السلم على عجلة لننكشف أمام نافذتهم – إن حصَل وأطلوا منها. لقد خاطرنا بالحياة نفسها كي ننتهي إلى هذا العلو. استرد الحاخام وزوجته ناظري.

كانت اليوم شقراء. فالصلع لا يعني غياب الباروكة. امتلكتْ عشر باروكات, عشرة ألوان, خمسين تسريحة. بدت مختلفة, كما هي العادة, جذابة كل الجاذبية. موضوع بشري لا شيء فيه يلد أي شيء, موضوع فائق الجمال. كانت لعينيّ أمثولة العالَم. انسدل شعرها الأصفر الزاهي من دبابيس الشعر ليطوق أذنيها. بشرة ضاربة إلى اللون الزيتوني تتوسط شعراً أصفر وعينين سوداوين تشبهان عيون بنات العرب. هل من الممكن أن يعبأ المرء بشكلها الحقيقي؟ ما هو الحقيقي؟ وبمجرد أن تتساءل, تتبدى في صورة مختلفة, في باروكة مختلفة, في تسريحة مختلفة. تراءت بدون الباروكات سيدة صلعاء صلع الفولة. كانت اليوم شقراء. لا بشعر أشقر, شقراء. دوى الفونوغراف فتدفقت من أنشوطتها الواسعة ألحان تومي دورسي وبيني جودمان ثم الأغنية نفسها, تشو-تشو لوبيز. رومبا! واحد, اثنان, ثلاثة. واحد, اثنان, ثلاثة. خطا الحاخام إلى الوراء ليمتع عينيه بالخيال الأشقر. دار بمفرده ثم تراجع ليطقطق أصابعه ويعلو رشيقاً على أطراف أصابعه. رجل ملتح قصير القامة, خصيتاه تقفزان, قضيبه يرتعد ارتعاد منصة الوثب. رومبا! واحد, اثنان, ثلاثة. مرحى! هيا, تشو-تشو!

كنتُ في سبيلي لقضاء بعض الوقت في كوبا.

زرتُ شاطئ ميامي زيارة قصيرة, لاا-لاا.

ياه, يُعلمون رومبا أي رومبا, لاا-لاا.

أقصى جنوب شاطئ ميامي.

ياه, يُعلمون شرومبا أي شرومبا, لاا-لاا.

أقصى-جنوب-شاطئ-ميامي.

اتسمت هي من جانبها بقدر من التحفظ. حركة من ورك ريان كانت كل رومبتها. كان هو السيد 'حياة.' كانت هي ترقص. كان هو رجلاً عارياً. كانت هي ذاتها في رداء نفْسها الناعمة الحيوية. كان يطقطق, يصفق, ينط مع الدقة. عاشت الدقة في موسيقاها المرئية, ذاتها الفاتنة. عدا الباروكة, وكذا جلدة ساعة انتهكت قدسية معصمها. بيد أنها أضفت عليها شيئاً من العِهْر. لم تخلعها قط.

راح هارولد كووين يَقوم بحركة مزج الكوكتيل, يستمني بقبضتين اثنتين. لحق بي الذعر عندما رأيته منهمكاً في مثل هذا العمل الشاق العبثي, لا يسنده شيء سوى حذائه. إلا أن ابتسامة عريضة فرت من شفتيّ. ومن رعبي التوى وجهي بما يوحي بالتشجيع. أبقى ميلڤِن بلوم يداً على القصدير. عزفتْ مفاصل الثانية نغمات الرومبا في مؤخرة رأسي. كان آرنولد بلوم الصغير يومئ برأسه مثل المتخلف عقلياً ويمضغ شفته حين بدرت منه صيحة طويلة حادة والحاخام يَطبع قبلة قوية على شفتيّ زوجته. ضرَب الحاخام أليتها بغتة دافناً أصابعه في الشَّق. ما وقفا إلا على رجليه الاثنتين. تقوَّس ظهره, انحنت ركبتاه, غلُظ فخذاه بفعل الدفع العنيف, عالياً, عالياً, عالياً. التفَّت رجلاها حول وركيه, كاحلان متقاطعان, ينعقفان من فرط التقلص. "آه, آه, آه," صرختْ والباروكة تلتمع يساراً ويميناً لتقذف ترسانة بروكلين البحرية وتمثال الحرية ومبنى إمباير ستيت إلى الجحيم. صاح آرنولد, آه, صاح نعله المطاطي. طعن كعبا حذائه القصدير ليحولا دون أن ينزلق. شتمه ميلڤِن, "أيها الأبله." تعلَّق خاتم آرنولد برأس مسمار, فلبث الخاتم وإصبع الخاتم. وراحت اليد والذراع وبقيته.

تعالت قعقعة السلم ونحن ننزل. "آه, آه, آه," صرختْ. وفي فلتة من فلتات النشوة تحولتْ عيناها لتقعا علينا. كان الحاخام يثقبها سريعاً لمَّا ضبطتنا. "آه, آه," صرختْ صرخة علت على موسيقى رقصة الكونغا الكوبية, تك, دوم-دوم, تك, دوم-دوم, في الطريق إلى كوبا. طار الحاخام إلى النافذة, فم أحمر ينفتح داخل لحيته: "قتلة." لا سبيل إلى أن يعي ما نطق به. كان ميلڤِن بلوم يبكي. تمزقتْ أصابعي ونزفتْ منها الدماء على القرميد. هذَر هارولد كووين باسم الرب بإيقاع أشبه بإيقاع ماكينة الجمع. تحركنا على الإفريز بما جرؤنا عليه من سرعة. أرسلتْ طبلتا البونجو ألحانهما, توكا-تي-توكا, توكا-تي-توكا. زعق الحاخام بأعلى صوت, "ميلڤِن بلوم, فيليب لايبويتس, هارولد كووين, ميلڤِن بلوم," وكأن أسماءنا, وهو يهتف بها هكذا, تتهمنا بالجرم حيث نتدلى, تسحقنا في مواجهة القرميد.

لَم تجر أية مناقشات.

استغل الحاخام صِلاته, وتم اتخاذ الترتيبات. بعثونا إلى معسكر في ولاية نيو جيرزي. تمشينا طويلاً في العراء ولعبنا الكرة الطائرة. وذات يوم أقبل ميلڤِن إليّ بدون مناسبة قائلاً إن آرنولد الصغير كان من ذهب بينما هو – ميلڤِن – من خراء. قدَّرتُ عواطفه الجياشة غير أنني اعتقدت أنهما الاثنين من خراء. ما عاد هارولد كووين قط إلى مخاطبة أي واحد منا. كان مرشدو المعسكر من محاربي الحرب العالمية الثانية القدامى, رجال يستبطنون البواطن والخفايا. حمَل بعضهم شظايا القنابل داخل أجسامهم. حوى رأس أحدهم رقيقة معدنية. ومهما قلتَ لهم, لاحوا وكأنهم يتفكرون في شيء آخر, حتى وإن أجابوك. إنما اُخْطُ خارج الصف وسيرتفع على مؤخرتك صفير الإنذار المُلهِب من الحبل البلاستيكي.

أنصتُ في الليل إلى صوت البوم وأنا راقد في مبنى المعسكِرين. ما ترامى إليّ ذلك الصوت من قبل, صوت الظلام وهو يُزْهر, يتفتح داخلك تفتح الثغر.

 

 

 


* المشهد البدائي: في التحليل النفسي هو أول مشهد جنسي – حقيقي أو متخيل – يشهده الطفل, ولا سيما بين أبيه وأمه.

 

 

 

 

 

Copyright © 2010 Albawtaka Review. All Rights Reserved.