مجلات أدبية بالإنجليزية

جميع الأعداد

المساهمات

Quotations

دار البوتقة للنشر

Who are we?

البوتقة في الصحافة

حقوق الترجمة والنشر

من نحن؟

كتاب حواس مرهفة

كتاب أشباح بلا خرائط

كتاب وجوه متوارية

بحث

 

       albawtaka@albawtaka.com       تكرم بإضافة بريدك الإلكتروني كي تصلك المجلة!

 

 

 

البوتقة

فصلية إلكترونية مستقلة تعنى بترجمة آداب اللغة الإنجليزية

تصدر من جمهورية مصر العربية

العدد الحادي والعشرون، إبريل 2009

 

 

تكرمت دوريس ليسينج بالموافقة على نشر قصة "هجوم معتدل للجراد" في مجلة البوتقة. ولا يسع المجلة إلا توجيه كل آيات الشكر له.

Ms. Lessing was so generous to permit the publication of the Arabic text of "A Mild Attack of Locusts" in Albawtaka Review. Albawtaka owes Ms. Lessing a great debt of gratitude for her kind permission.

Copyright Doris Lessing 1957. Reprinted by kind permission of Jonathan Clowes Ltd., London, on behalf of Doris Lessing.

Special thanks go to Ms. Nemonie Craven Roderick from Jonathan Clowes Ltd.

 

 

 

هجوم معتدل للجراد

دوريس ليسينج

ترجمة: هالة صلاح الدين

Posted: April-01-2009

© National Portrait Gallery, London. Photo: Ida Kar. vintage bromide print, late 1950s

 

 

Cover: Arthur Getz

مجلة ذا نيو يوركر، 26 فبراير 1955

مجموعة ليسينج القصصية عادة الحب

 

 

كانت الأمطار في تلك السنة جيدة؛ هطلت مضبوطة في توقيت احتياج المحاصيل إليها نفسه – أو هكذا استنتجت مارجريت حين أعلن الرجال أنها لم تكن في منتهى السوء. لم يكن لديها رأي قط في مسائل كالجو لأن حتى الإلمام بشيء بسيط مثل الجو يحتاج إلى خبرة، خبرة لم تمتلكها مارجريت التي وُلدت في جوهانسبرج ونشأت فيها. الرجال هم زوجها ريتشارد وستيفِن العجوز أبو ريتشارد الذي كان يعمل مزارعاً منذ زمن بعيد. قد يتجادل هذان الاثنان لمدة ساعات حول إذا ما ستدمر الأمطار المحاصيل أم ستبث فيهما السخط ليس إلا كما هو معتاد. مكثت مارجريت وقتئذ ثلاثة أعوام في المزرعة. لم تزل غير مستوعبة لِم لَم يفلسوا كلية نظراً لأن الرجلين لم ينبسا بكلمة واحدة طيبة عن الجو أو التربة أو الحكومة. لكنها بدأت تتعلم اللغة. لغة المزارعين. وقد لاحظت أنهم لم يفلسوا رغم شكاوى ريتشارد وستيفِن. كما أنهم لم يغتنوا كل الاغتناء؛ استمروا جرياً على العادة بدون تغيير، يكسبون ما يريحهم.

كانوا يزرعون الذرة. ضمت مزرعتهم ثلاثة آلاف آكر على مرتفعات تعلو صوب جُرف نهر زامبيزي – منطقة مرتفعة جافة تذروها الرياح، باردة ومُغَّبَرة في الشتاء لكنها مشبعة الآن في الشهور المطيرة بالبخار بحرارة تصاعدت في موجات رطبة معتدلة تبعد أميالاً عن الأوراق الخضراء. اتسمت بالجمال، بسماء في الأيام الصافية كممرات زرقاء مشرقة من الهواء، وثنايا وتجاويف خضراء زاهية تُميز الأرض بالأسفل، وجبال ترقد حادة عارية على بعد عشرين ميلاً، إلى ما وراء الأنهار. أوجعت السماء عينيها؛ لم تكن معتادة عليها. لا يتطلع المرء إلى السماء كثيراً في المدينة. وعليه حين قال ريتشارد مساءها، "توزع الحكومة إشعارات تتوقع نزول الجراد من مواضع فقس البيض شمالاً،" أملت عليها غريزتها بأن تجيل بصرها حولها جهة الأشجار. حشرات، أسراب منها – رهيب! بيد أن ريتشارد والعجوز رفعا أعينهما وطفقا يرنوان إلى أقرب قمة جبلية. "لم يصبنا الجراد منذ سبع سنوات،" قال أحدهما، فرد الآخر، "إنه يصيب على فترات، الجراد." ثم: "ها هو محصول هذا الموسم قد ضاع!"

لكنهما تابعا العمل في المزرعة تماماً حسب العادة حتى هلَّ يوم – حين كانا يصعدان الطريق إلى المنزل من أجل استراحة منتصف النهار – توقف فيه ستيفِن العجوز ورفع إصبعه ليشير. "بص، بص!" هتف. "ها هو!"

تناهى صوته إلى مارجريت فجرت إلى الخارج لتنضم إليهما وعيناها مصوبتان إلى التلال. خرج الخدم من المطبخ. وقفوا جميعاً وهم يرسلون عيوناً شاخصة. لاح فوق أسطح الجبل الصخرية شريط من هواء يتلون بلون الصدأ. جراد. ها قد أتى.

زعق ريتشارد على الفور بالصبي الطباخ. وصاح العجوز ستيفِن بالصبي الخادم. جرى الطباخ ليقرع شفرة محراث صدئة متدلية من فرع شجرة كانت تستخدم لاستدعاء العمال وقت الأزمات. عدا الخادم إلى المخزن ليجمع صفائح القصدير – أي أجزاء معدنية قديمة. دوت المزرعة بجلبة جرس التحذير، وتدفق العمال من المُجَمَّع مشيرين إلى التلال وصارخين في اهتياج. سرعان ما صعدوا جميعاً إلى المنزل وأخذ ريتشارد وستيفِن العجوز يعطيانهم الأوامر: أسرعوا، أسرعوا، أسرعوا.

ثم ركضوا ثانية مبتعدين، والرجلان الأبيضان معهم، وخلال عدة دقائق أبصرت مارجريت دخان النيران يتصاعد من كل أرجاء المزارع. حين أتت تحذيرات الحكومة، تجهز ركام من الخشب والعشب في كل حقل محروث. بزغت الذرة للتو في سبع رقع من تربة جرداء محروثة لتتبدى طبقة رقيقة من اللون الأخضر الزاهي فوق الأحمر الغامق الصارخ، وحول كل رقعة علت الآن ببطء سحب سميكة من الدخان. رمى الرجال أوراق شجر مبتلة في النيران ليجعلوا الدخان لاذعاً أسود. كانت مارجريت ترصد التلال. تقدمت هناك الآن سحابة طويلة منخفضة بلون لا يزال بالصدأ أشبه، تتضخم إلى الأمام ومن الجانبين وهي تشاهدها. كان الهاتف يرن – إنهم الجيران يقولون أسرعوا، أسرعوا، ها قد أتى الجراد! لقد التهم بالفعل محصول العجوز سميث عن آخره. أسرعوا، أشعلوا نيرانكم! لا شك في أنه بينما تمنى كل مزارع أن يغفل الجراد عن مزرعته ويتابع مسيرته إلى التالية، كان من الإنصاف مع ذلك أن يُحذر الآخرين؛ لا بد للمرء أن ينافس بنزاهة. تعالى الدخان في كل مكان من عدد لا حصر له من النيران على امتداد خمسين ميلاً فوق الريف. ردت مارجريت على المكالمات، ووقفت بين المكالمة والأخرى لتراقب الجراد. أظلم الهواء – ظلمة غريبة لأن الشمس كانت تتوهج بأشعتها. كانت أشبه بظلمة نيران المروج حين يزخر الهواء بالدخان ويهبط ضوء الشمس مشوَهاً – لون برتقالي قاتم ساخن. كما قبضت على الصدور بثقل العاصفة. أقبل الجراد سريعاً. عتمت الآن نصف السماء. وخلْف الحجب الضاربة إلى الحمرة في المقدمة – طليعة السرب – ظهر السرب الأساسي في سحب ملتزة سوداء تكاد تمتد إلى الشمس نفسها.

تساءلت مارجريت عما يمكنها فعله لتساعدهم. لم يكن لديها علم. ثم أتى ستيفِن العجوز من الأرض. "نحن انتهينا يا مارجريت، انتهينا!" باح. "تستطيع هذه الطفيليات أن تأكل كل ورقة ونصل بالمزرعة في خلال نصف ساعة! إلا أن الظهيرة لا تزال في ساعاتها الأولى. لو تمكنا من إثارة ما يكفي من دخان وما يكفي من ضوضاء حتى غروب الشمس، سيستقر في مكان آخر، ربما." ثم: "ضعي الغلاية. إنه عمل يُعطش، هذا."

وهكذا دلفت مارجريت إلى المطبخ لتذكي النار ثم غلت المياه. والآن، على سطح المطبخ المصنوع من القصدير، صكت أذنيها ضربات مكتومة وأخرى عالية ندت عن الجراد الساقط أو انزلاق يحك وواحدة تتدحرج على منحدر القصدير. ها هو أوله. نمى إليها من مكان قصي من الأرض خبط وقرع ورنين صدر عن مئات من صفائح البنزين والأجزاء المعدنية. انتظر ستيفِن نافد الصبر في حين كانت مارجريت تملأ صفيحة بنزين بالشاي – ساخن حلو برتقالي اللون – وأخرى بالماء. وفي غضون ذلك أخبرها كيف التهمت جيوش الجراد محصوله وأفلسته منذ عشرين سنة خلت. ثم رفع دون أن يحجم عن الكلام صفيحتيّ البنزين الثقيلتين، واحدة بكل يد، ممسكاً إياهما من قطعة خشبية تصل بين الزاويتين عبر السطح ثم هرول إلى الطريق نحو العمال العطشى.

كان الجراد يقع عندئذ كالبَرَد على سطح المطبخ. بدا للآذان وكأن عاصفة هوجاء تهب، أطلت مارجريت خارجاً فأبصرت الهواء مظلماً بشبكة من الحشرات، جزت على أسنانها وجرت خارجة إليها؛ لا يُعجزها أن تفعل ما يفعله الرجال. كثُف الهواء فوق رأسها – الجراد في كل مكان. ارتطم الجراد بها فأزاحته عنها – مخلوقات ثقيلة بنية تشوبها حمرة، ترمقها بعيون كالخرز مثلها مثل عيون الرجال العُجُز فيما تلتصق بها بأرجل مشرشرة صلبة. حبست أنفاسها اشمئزازاً ومرقت من الباب راجعة إلى المنزل. بل إن إحساسها هناك كان أقرب إلى إحساس مَن يتعرض لعاصفة هوجاء, إذ ارتج السقف الحديدي بفعل الصخب، وأتت من الأرض جلبة الحديد المقروع كما الرعد. عندما مدت ناظريها إلى الخارج، ألْفت جميع الأشجار غريبة الشكل ساكنة بلا حراك، تتكتل بالحشرات وقد ثقُلت أغصانها بحِملها حتى الأرض. بدت الكرة الأرضية كالمتحركة مع زحف الجراد في كل بقعة؛ لم يسعها على الإطلاق رؤية الأرض، لا حد لكثافة السرب. وفي اتجاه الجبال، لاح المشهد للناظر شبيه بالأمطار العاتية؛ وعلى حين كانت تراقب، توارت الشمس تماماً وراء هجوم جديد للحشرات. كانت نصف ليلة، ظلام لا يبرأ من التشويه. ثم وردت من الأدغال طقطقة حادة – انقصف غصن. ثم آخر. وفي أسفل المنحدر مالت شجرة بطيئة ثم استقرت ثقيلة على الأرض. أقبل أحد الرجال وهو يجري عبر وابل الحشرات. نحتاج إلى المزيد من الشاي والمزيد من المياه. أمدته مارجريت بهما. أبقت النيران مؤججة وملأت الصفائح بالسوائل، ثم حلت الرابعة بعد الظهر والجراد يتدفق فوق الرؤوس منذ ساعتين.

 

صعَد ستيفِن العجوز من جديد – يسحق الجراد تحت قدميه مع كل خطوة وقد التصق الجراد بكل جزء من جسمه – يلعن ويشتم ضارباً الهواء بقبعته القديمة. توقف في المدخل هنيهة وسارع إلى جذب الحشرات الملتصقة به ورماها بعيداً، ثم انطلق إلى حجرة المعيشة الخالية من الجراد.

أنهى إليها, "انتهت كل المحاصيل. لم يبق شيء."

بيد أن الأجراس لم تمتنع عن الدوي ولم يمسك الرجال عن الصياح، فاستفسرت مارجريت، "لِم تواصلون إذن؟"

"لم يستقر السرب الأساسي. إنه مثقل بالبيض. يفتش عن مكان للاستقرار ووضع بيضه. لو استطعنا منع غالبيته من الاستقرار في مزرعتنا، ذلك هو كل شيء. لو تمكن من وضع بيضه، سوف تسوي النطاطات كل شيء بالأرض فيما بعد." التقط جرادة شاردة من قميصه وشقها بظفر إبهامه؛ تخثر ما داخلها بالبيض. "تخيلي هذا مضروباً في ملايين. أرأيتِ أبداً سرب نطاطات في مسيرته؟ لا؟ طيب، أنتِ محظوظة."

جال بخاطر مارجريت أن السرب البالغ سيء بما فيه الكفاية. وفي الخارج، تلون الضوء الواقع على الكرة الأرضية بلون أصفر باهت واهن أعتمته الظلال المتحركة؛ تعاقبت سحب الحشرات المتحركة الكثيفة منها والخفيفة شأن الأمطار العاتية. علَّق ستيفِن العجوز، "الرياح وراءه. تلك حسنة."

"هل الحال غاية في السوء؟" سألت مارجريت كالخائفة، فأجاب العجوز بنبرة دالة على التوكيد، "لقد انتهينا. قد يتجاوزنا هذا السرب لكن بمجرد أن ينطلق الجراد سيفد من الشمال الواحدة بعد الأخرى. ثم هناك النطاطات. قد يستمر الأمر لمدة ثلاث سنوات أو أربع."

جلست مارجريت وآيات القنوط تحل عليها، ثم دار ببالها، طيب، لو أنها النهاية حقاً، فلا حيلة لنا. ما العمل الآن؟ سوف نُرغم نحن الثلاثة على الرجوع إلى البلدة. لكنها سددت في هذه اللحظة لمحة خاطفة إلى ستيفِن، عجوز فلح الأرض أربعين عاماً في هذا البلد وعرَف الإفلاس مرتين من قبل، ففطنت أن شيئاً لن يَحمله على الذهاب ليشتغل بائعاً في المدينة. توجع قلبها له؛ كلله إنهاك أي إنهاك وبانت تجاعيد القلق عميقة من أنفه حتى فمه. العجوز المسكين. رفع جرادة دخلت بصورة ما في جيبه ليمسكها في الهواء من رِجل واحدة. "لديكِ قوة زنبرك من الصلب في هاتين الرجلين،" خاطب الجرادة بلهجة تنم عن الود. ثم، ورغم أنه ظل خلال ثلاث الساعات الماضية يكافح الجراد ويسحق الجراد ويصرخ في الجراد ويجرفه في أكوام هائلة لتحرقه النيران، صحب مع ذلك هذه الواحدة إلى الباب وقذفها خارجاً بيد حذرة لتنضم إلى رفيقاتها وكأنما يُفضل ألا يمس شعرة من رأسها. بث المنظر قدراً من العزاء في نفس مارجريت؛ وإذا بها يتولاها شعور بابتهاج عار من المنطق. فقد استحضرت أنها ليست أول مرة يعلن فيها الرجلان خلال ثلاث السنوات السابقة أنهما هلكا هلاكاً نهائياً بلا سبيل إلى الإصلاح.

"أحضري لي مشروباً يا فتاة،" طلب ستيفِن عندئذ فوضعت إلى جانبه زجاجة من الويسكي.

تفكرت مارجريت أن زوجها كان في تلك الأثناء في الخارج وسط عاصفة حشرات شعواء، يقرع الجرس ويغذي النيران بأوراق الأشجار بينما تلتصق الحشرات بكل جسمه. استولت عليها رعدة. "كيف تحتمل أن تدعه يلمسك؟" سألت ستيفِن. رشقها بنظرة تشي بالاستنكار. شعرت بضِعة تليق بها، تماماً مثلما شعرت عندما رافقها ريتشارد إلى المزرعة بعد زواجهما وتمعن ستيفِن في هيئتها الخليقة بسكان المدينة – الشعر ذهبي مموج، والأظافر حمراء مدببة. هي الآن زوجة مزارع بكل ما تحمله الكلمتان من معنى، بحذاء عملي وتنورة متينة. بل إنها قد تدع الجراد يستقر عليها، عاجلاً أو آجلاً.

عب ستيفِن العجوز كأسين من الويسكي ثم آب إلى المعركة ليخوض الآن في موجات بنية متلألئة من الجراد.

الساعة الخامسة. سوف تغرب الشمس بعد ساعة. وبعدها سيستقر السرب. بلغت كثافته فوق الرؤوس مبلغاً فاق أي وقت خلا. تكدست فوق الأشجار أكداس مسننة من اللون البني المتلألئ.

جعلت مارجريت تبكي. يئست من الوضع كله كل اليأس. إن لم يكن موسماً سيئاً، كان الجراد؛ إن لم يكن الجراد، كانت ديدان الجيش أو نيران المروج. هناك دوماً شيء. تراءى حفيف جيوش الجراد كغابة كبيرة في خضم عاصفة. غاب سطح الأرض تحت تيار بني صقيل يجيش؛ وكأنه غارق في الجراد، يغمره طوفان بني تعافه النفس. بدا وكأن السقف قد يغور تحت ثقله، وكأن الباب قد يستسلم تحت ضغطه لتعج به هذه الحجرات – وكان الظلام الدامس يرخي سدوله. أطلت من النافذة ليرتقي طرفها إلى السماء. قلت كثافة الهواء؛ ظهرت فجوات زرقاء في السحب الداكنة المتحركة. برُدت المسافات الزرقاء وتضاءلت؛ لا بد وأن الشمس تغرب. تبينت عبر ضباب الحشرات أشكالاً تدنو. أولاً ستيفِن العجوز وهو يسير قدماً بخطى شجاعة ثم زوجها وقد عراه الهزال والإنهاك من فرط التعب، وخلفهما جاء الخدم. اكتسوا جميعاً بالحشرات. كف صوت الأجراس. ما ترام إلى أذنيّ مارجريت إلا الحفيف المتواصل لعدد لا عد له ولا حصر من الأجنحة.

لطم الرجلان الحشرات عنهما ثم دلفا إلى داخل المنزل.

"حسناً،" فاه ريتشارد وهو يُقَبل خدها، "مر السرب الأساسي."

"بحق السماء!" لفظت مارجريت غضباً وهي لا تزال شبه باكية. "ما هنا سيء بما فيه الكفاية، أليس كذلك؟" فعلى الرغم أن هواء المساء لم يعد أسود كثيفاً بل أزرق صحواً يخترقه شكل من الحشرات تئز هنا وهناك، احتجب كل شيء آخر – الأشجار والمباني والشجيرات والتربة – تحت الكتل البنية المتحركة.

"إن لم تمطر الدنيا ليلاً وتبقيه هنا،" قال ستيفِن، "إن لم تمطر وتثقله بالمياه، سوف ينصرف في الصباح مع شروق الشمس."

"من المؤكد أننا سنأوي ببعض النطاطات،" أضاف ريتشارد. "إنما ليس السرب الأساسي. تلك حسنة."

أنهضت مارجريت نفسها وكفكفت دموعها متظاهرة بأنها لم تكن تبكي. جلبت لهما العشاء لأن الإرهاق نال من الخدم كل منال حتى إنهم عجزوا عن الحركة. صرفتهم إلى المُجَمَّع ليستريحوا.

قدَّمت العشاء وجلست منصتة. لم تبق نبتة ذُرة واحدة حسبما سمعت. ولا واحدة. سوف يُخرجون ماكينات الزراعة ما إن يرحل الجراد. يجب أن يبدءوا مجدداً من الصفر.

تساءلت مارجريت في قرارة نفسها، ما جدوى ذلك لو أن المزرعة برمتها ستحفل بالنطاطات؟ لكنها استمعت وهما يناقشان كتيب الحكومة الجديد المرشد إلى كيفية مكافحة النطاطات. يجب أن توزع الرجال في الخارج طوال الوقت ليجوبوا المزرعة ويترقبوا أي حركة في العشب. حين تقع على رقعة نطاطات – أشياء صغيرة سوداء نشطة شأنها شأن الصراصير – احفر خندقاً حول الرقعة أو رُشها بالسم من مضخات تزودها الحكومة. أرادت الحكومة من كل مزارع أن يتعاون في خطة عالمية للقضاء إلى الأبد على هذا الوباء. لا بد أن تهاجم الجراد من المنبع – باختصار، من النطاطات. كان الرجلان يتحدثان بلسان مَن يخطط حرباً بينما استمعت مارجريت والذهول يرين عليها.

عم الهدوء في الليل، دون إشارة إلى جيوش مستقرة في الخارج عدا غضن انقصف من حين لآخر أو شجرة ارتفع صوت انهيارها.

لم تنعم مارجريت بالنوم بجانب ريتشارد النائم نوم الموتى في السرير. استيقظت صباحاً على أشعة صفراء انبعثت من الشمس وتمددت فوق الفراش – أشعة صافية تحركت عليها من حين لآخر بقعة من الظل. قصدت النافذة. سبقها العجوز ستيفِن إلى الصحو. ها قد وقف في الخارج يغض تحديقته إلى الأدغال. حدقت هي الأخرى وقد تملكها ما أذهلها وسلب لبها رغماً عنها. إذ تراءى للعيان وكأن كل شجرة، كل شجيرة، كل الكرة الأرضية مضاءة بألسنة واهنة من اللهب. كان الجراد يرفرف بأجنحته ليحررها من نداوة الليل. سرى في كل مكان وميض من ضياء ذهبي ينزع إلى الحمرة.

خرجت لتنضم إلى الرجل العجوز وهي تدوس بحذر بين الحشرات. وقف الاثنان وتفرجا. علتهما سماء زرقاء – زرقاء رائقة.

"جميل،" تفوه ستيفِن العجوز بصوت ينطق بالرضا.

حسناً – مر بذهن مارجريت – ربما هلكنا، ربما أفلسنا، لكن لا يتسنى للجميع التفرج على جيش من الجراد يرفرف بأجنحته فجراً.

وفي أعلى المنحدرات بالأفق ظهرت لطخة حمراء باهتة في السماء. سمُكت وامتدت. "ها هو يرحل،" قال ستيفِن العجوز. "ها قد ذهب الجيش الأساسي، إلى الجنوب."

والآن، شرع الجراد في الطيران من الأشجار من كل جهات الأرض المحيطة بهما. كان أشبه بطائرات صغيرة تناور من أجل الإقلاع وهو يجرب أجنحته ليتأكد من أنها جافة بما يكفي. ها قد طار بعيداً. صعد بخار بني مشرب بحمرة بعيداً عن أميال من الأدغال، عن المزارع – الأرض. ثم أظلم ضوء الشمس مرة أخرى.

ومع ارتفاع الأغصان المتكتلة بعدما خف ما أثقلها، لم يلبث شيء عدا أعمدة فقرية سوداء من الأغصان وجذوع الأشجار. بدون خضرة – لا شيء منها. تفرجوا طيلة الصباح، ثلاثتهم – بعد أن صحا ريتشارد أخيراً – والقشرة البنية تَنْحُف وتضمحل ثم تتبدد، تطير عالياً لتحتشد مع الجيش الأساسي الذي بات الآن لطخة حمراء مخضبة بلون بني في السماء الجنوبية. والأرض التي كستها طبقة خضراء رقيقة من نباتات الذرة الغضة الطرية صارت الآن مقفرة جرداء. منظر طبيعي نزل به الدمار – بلا خضرة، بلا خضرة في أي موضع.

تلاشت السحابة المُحْمَرة عند انتصاف النهار. ومن حين لآخر سقطت جرادة واحدة ليس إلا. تمددت على الأرض الجثث والجرحى. كان العمال الأفارقة يكسحونها بالأغصان ويجمعونها في صفائح.

"هل أكلتِ قط يا مارجريت جرادة جففتها الشمس؟" سأل ستيفِن العجوز. "لمَّا أفلستُ في تلك المرة منذ عشرين سنة، عشت على وجبات الذرة والجراد المجفف لمدة ثلاثة أشهر. طيب المذاق بحق – لو ركزتِ في طعمه ستجدينه لا يختلف عن السمك المدخن."

غير أن مارجريت فضَّلت ألا تركز على الإطلاق.

مضى الرجلان إلى الأرض بعد وجبة الظهيرة. لا بد من غرس كل شيء من جديد. وبالقليل من الحظ، لن يأتي سرب آخر مرتحلاً من هذا الطريق نفسه. لكنهما أمَلا أن تمطر السماء في القريب العاجل لتنبت بعض الحشائش الجديدة وإلا ستموت الماشية؛ فالمزرعة تجردت من ورقة عشب واحدة. أمَّا مارجريت فقد كانت تحاول التعود على فكرة ثلاثة أعوام أو أربعة من الجراد. من الآن فصاعداً سوف يغدو الجراد كالجو – وشيكاً على الدوام. انتابها إحساس الناجية من حرب؛ لو أن هذا الريف المدمَّر المشوَّه ليس خراباً – فما هو الخراب إذن؟

إلا أن الرجلين تناولا عشاءهما بشهية مفتوحة.

"كان من الممكن أن يكون أسوأ" هي الجملة التي قالاها. "كان من الممكن أن يكون أسوأ بكثير."

 

 

 

Copyright © 2009 Albawtaka Review. All Rights Reserved.